المحتوى عن 'مبادئ الإدارة'.



مزيد من الخيارات

  • ابحث بالكلمات المفتاحية

    أضف وسومًا وافصل بينها بفواصل ","
  • ابحث باسم الكاتب

نوع المُحتوى


التصنيفات

  • التخطيط وسير العمل
  • التمويل
  • فريق العمل
  • دراسة حالات
  • نصائح وإرشادات
  • التعامل مع العملاء
  • التعهيد الخارجي
  • التجارة الإلكترونية
  • الإدارة والقيادة
  • السلوك التنظيمي
  • مقالات ريادة أعمال عامة

التصنيفات

  • PHP
    • Laravel
    • ووردبريس
  • جافاسكريبت
    • Node.js
    • jQuery
    • AngularJS
    • Cordova
    • React
  • HTML
    • HTML5
  • CSS
  • SQL
  • لغة C#‎
  • لغة C++‎
  • بايثون
    • Flask
    • Django
  • لغة روبي
    • Sass
    • إطار عمل Bootstrap
    • إطار العمل Ruby on Rails
  • لغة Go
  • لغة جافا
  • لغة Kotlin
  • برمجة أندرويد
  • لغة Swift
  • لغة R
  • لغة TypeScript
  • ASP.NET
    • ASP.NET Core
  • سير العمل
    • Git
  • صناعة الألعاب
    • Unity3D
    • منصة Xamarin
  • سهولة الوصول
  • مقالات برمجة عامة

التصنيفات

  • تجربة المستخدم
  • الرسوميات
    • إنكسكيب
    • أدوبي إليستريتور
    • كوريل درو
  • التصميم الجرافيكي
    • أدوبي فوتوشوب
    • أدوبي إن ديزاين
    • جيمب
  • التصميم ثلاثي الأبعاد
    • 3Ds Max
    • Blender
  • نصائح وإرشادات
  • مقالات تصميم عامة

التصنيفات

  • خواديم
    • الويب HTTP
    • قواعد البيانات
    • البريد الإلكتروني
    • DNS
    • Samba
  • الحوسبة السّحابية
    • Docker
  • إدارة الإعدادات والنّشر
    • Chef
    • Puppet
    • Ansible
  • لينكس
  • FreeBSD
  • حماية
    • الجدران النارية
    • VPN
    • SSH
  • مقالات DevOps عامة

التصنيفات

  • التسويق بالأداء
    • أدوات تحليل الزوار
  • تهيئة محركات البحث SEO
  • الشبكات الاجتماعية
  • التسويق بالبريد الالكتروني
  • التسويق الضمني
  • التسويق بالرسائل النصية القصيرة
  • استسراع النمو
  • المبيعات
  • تجارب ونصائح

التصنيفات

  • إدارة مالية
  • الإنتاجية
  • تجارب
  • مشاريع جانبية
  • التعامل مع العملاء
  • الحفاظ على الصحة
  • التسويق الذاتي
  • مقالات عمل حر عامة

التصنيفات

  • الإنتاجية وسير العمل
    • مايكروسوفت أوفيس
    • ليبر أوفيس
    • جوجل درايف
    • شيربوينت
    • Evernote
    • Trello
  • تطبيقات الويب
    • ووردبريس
    • ماجنتو
  • أندرويد
  • iOS
  • macOS
  • ويندوز

التصنيفات

  • شهادات سيسكو
    • CCNA
  • شهادات مايكروسوفت
  • شهادات Amazon Web Services
  • شهادات ريدهات
    • RHCSA
  • شهادات CompTIA
  • مقالات عامة

أسئلة وأجوبة

  • الأقسام
    • أسئلة ريادة الأعمال
    • أسئلة العمل الحر
    • أسئلة التسويق والمبيعات
    • أسئلة البرمجة
    • أسئلة التصميم
    • أسئلة DevOps
    • أسئلة البرامج والتطبيقات
    • أسئلة الشهادات المتخصصة

التصنيفات

  • ريادة الأعمال
  • العمل الحر
  • التسويق والمبيعات
  • البرمجة
  • التصميم
  • DevOps

تمّ العثور على 15 نتائج

  1. تعدُّ الثقافة التنظيمية أحد أهم الأبعاد الداخلية التي تحدِّد مدى فعالية المؤسسة، وقد قال المستشار الإداري بيتر دراكر ذات مرة: «الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار»، وما كان يعنيه هو أنَّ ثقافة المؤسسة أكثر تأثيرًا من الاستراتيجية من ناحية تحفيز معتقدات الموظفين وسلوكياتهم وعلاقاتهم وطريقة عملهم، وذلك لأنَّ الثقافة تستند إلى القيم. على الرغم من أن الاستراتيجية والأبعاد الداخلية الأخرى للمؤسسة مهمة للغاية، إلَّا أنَّ ثقافة المؤسسة تخدم غرضين جوهريين هما: تساعد الثقافة المؤسسة على التكيُّف مع بيئة العمل الخارجية المحيطة بها عن طريق تبنِّي القيم الصحيحة للاستجابة للفرص والتهديدات الخارجية. تخلق الثقافة وحدة داخلية في المؤسسة عن طريق جمع الأعضاء معًا لكي يعملوا بتعاون أكبر لتحقيق الأهداف المشتركة. تمثِّل الثقافة هوية المؤسسة وهي بمثابة الغراء الذي يربط المؤسسة ببعضها. تجدر الإشارة إلى أنَّ ثقافة المؤسسة عادة ما تتشكَّل وتتأثَّر بشكل كبير بالمؤسس أو الإدارة العليا، إذ أنَّ الرؤية والقيم والرسالة الخاصة بهؤلاء الأفراد تحدِّد المنهج في أعلى الهرم الإداري، وذلك ينعكس على الأخلاق والأسس القانونية ويشكِّل نموذجًا لطريقة عمل المسؤولين والموظفين الآخرين وكيفيّة تصرُّفهم. يُعدُّ نموذج القيم المتنافسة (Competing Values Framework) من النماذج المستخدمة لدراسة مدى ملائمة المؤسسة وثقافتها لبيئات وظروف العمل المحيطة بها. يعدُّ نموذج القيم المتنافسة أحد أشهر النماذج المجرَّبة في تحديد مدى فعالية ثقافة المؤسسة والتأكد ما إذا كانت ملائمة لبيئة العمل الخارجية. لقد خضع نموذج القيم المتنافسة (الموضَّح في الشكل التالي) للتجربة على مدى 30 عامًا، وقد وُجد أنَّ معايير الفعالية التي يقترحها هذا النموذج أثَّرت بشكل إيجابي على مدى ملائمة ثقافة المؤسسة مع عناصر وخصائص بيئة العمل الخارجية المحيطة بها. نموذج القيم المتنافسة (مقتبس من كتاب «Diagnosing and Changing Organizational Culture». تأليف: كيم كاميرون وروبرت كوين، 1999. الناشر: أديسون-ويسلي) يحدِّد المحوران العموديان المتقابلان –محور التركيز الخارجي ومحور التركيز الداخلي- ما إذا كانت ثقافة الشركة يجب أن تميل إلى التوجُّه الخارجي أم الداخلي، في حين يحدّد المحوران الأفقيان الآخران -محور المرونة ومحور الثبات والسيطرة- ما إذا كانت ثقافة المؤسسة مناسبة أكثر لبيئة العمل الثابتة الواقعة ضمن نطاق السيطرة أم أنّها ستكون أكثر فاعليّة في بيئة العمل المرنة ذات الوتيرة السريعة. ينتج عن تقاطع هذه المحاور أربعة أنواع من الثقافات –كما هو موضَّح في الشكل السابق- وهي: ثقافة الأدهقراطية (Adhocracy Culture): هي ثقافة ديناميكية إبداعية تصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الخارجية والمرونة في التكيُّف مع المتغيِّرات. ثقافة العشيرة (Clan Culture): هي ثقافة تركِّز على الأشخاص والعلاقات الودية بينهم، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الداخلية والمرونة في التكيُّف مع المتغيّرات. الثقافة الهرمية (Hierarchy Culture): هي ثقافة تركِّز على العمليات والتنظيمات، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الداخلية والحفاظ على استقرار المؤسسة وثباتها. ثقافة السوق (Market Culture): هي ثقافة تنافسية تركِّز على النتائج، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الخارجية والحفاظ على استقرار المؤسسة وثباتها. سوف نبيِّن فيما يلي خصائص كل ثقافة من هذه الثقافات. تركِّز ثقافة الأدهقراطية على الإبداع والابتكار وتصوُّر المستقبل وإلتكيُّف مع التغيير وخوض المجازفات والخروج عن المألوف والتجريب وريادة الأعمال. غالبًا ما نجد هذه الثقافة لدى قطاعات الأعمال ذات وتيرة المتغيّرات السريعة مثل التصوير السينمائي والاستشارات ورحلات الفضاء وتطوير البرمجيات. تنطبق على ثقافات شركات فيسبوك وجوجل خصائص هذه الثقافة، لكن تجدر الإشارة إلى أنَّ المؤسسات الكبيرة قد تمتلك ثقافات مختلفة للمجموعات المهنية المختلفة على الرغم من أنَّ الثقافة الأساسية للمؤسسة ستكون هي السائدة دومًا. على سبيل المثال، قد تُوضع ثقافة فرعية مختلفة للعاملين بنظام الساعة وأخرى للعلماء الباحثين في المؤسسة. تركِّز ثقافة العشيرة على العلاقات وتكوين فِرق العمل، والالتزام، وتعزيز التنمية البشرية، والمشاركة والتوجيه والتدريب. إنَّ المؤسسات التي تركِّز على تلك الأمور تلائمها هذه الثقافة. على سبيل المثال، يلائم هذا النوع من الثقاقة شركة Tom's of Maine التي سعت جاهدة إلى تكوين علاقات قويّة قائمة على الاحترام مع الموظفين والزبائن والمورِّدين والبيئة المحيطة. تركِّز الثقافة الهرمية على الكفاءة، ومراقبة التكاليف والعمليات، والتحسين التنظيمي، والخبرة التقنية، والإتقان، وحل المشكلات، والتخلُّص من الأخطاء، والتحليل الإداري، والتأني في اتخاذ القرارات. تناسب هذه الثقافة الشركات ذات النظام البيروقراطي مثل الجيش والمؤسسات الحكومية. تركِّز ثقافة السوق على تقديم القيمة، والمنافسة، وتحقيق الأهداف والنتائج، والسرعة في اتخاذ القرارات، ومواجهة العوائق، والتوجيهات، والسيطرة، وإنجاز الأشياء بسرعة. تناسب هذه الثقافة شركات التسويق والبيع التي تعمل على التخطيط والتنبؤ إلى جانب عرض المنتجات والخدمات في السوق وبيعها. من الأمثلة على الشركات التي تلائمها هذه الثقافة: شركة أوراكل التي يرأسها الرئيس التنفيذي لاري إليسون ذو الشخصية الحازمة المسيطرة. تشكِّل شركة أمازون مثالًا نموذجيًّا للشركات التي يمكنها أن تكون فعَّالة على الرغم من مزيج الثقافات التنظيمية الذي تعتمده في إدارتها. على سبيل المثال، تستخدم الشركة ثقافة الأدهقراطية عالية الأداء في الأمور المتعلِّقة بالتوسُّع الخارجي وأسلوب القيادة البارز لرئيسها التنفيذي جيف بيزوس، وتعتمد في الوقت نفسه على الثقافة الهرمية في بنتيها وتنظيمها الداخلي على صعيد الأمور المتعلِّقة بالرقابة المشدَّدة على الموظفين في المستويات الإدارية الدنيا. لقد حوَّلت شركة أمازون مجالها من «متجر إلكتروني لبيع الكتب» إلى أن أصبحت «مركزًا لبيع أي شيء عبر الإنترنت والشركة الرائدة في استخدام الحوسبة السحابية وخدمات الويب… كما وغدت أولى الشركات التي تستخدم أحدث الروبوتات في مخازنها لزيادة الإنتاجية… وأمست السبّاقة أيضًا في استخدام تقنيات حديثة مثل الطائرات بدون طيَّار وما شابه ذلك.» في المقابل، من الأمور السلبية التي تُؤخذ على شركة أمازون أنَّ بيئة عملها تسودها المنافسة الشرسة بين أفرادها وأنَّ بيزوس كثير المطالب ويضع معايير عالية جدًا للموظفين ولنفسه أيضًا، كما ويمتد هذا النوع من الثقافة ليشمل الموظفين الذين يعملون في المخازن. يشتكي الموظفون في شركة أمازون من أنَّ العمل هو الأولوية الأولى بالنسبة لهم، في حين أنَّ الحياة في المرتبة الثانية، ومحاولة إيجاد التوازن بين هذين العنصرين في المرتبة الأخيرة. بلغ هذا الانتقاد ذروته عند حدوث محاولة انتحار المزعومة في عام 2017 من قِبل موظف مستاء لأنَّه طلب الانتقال إلى قسم آخر داخل الشركة ولكنَّه قوبل بوضعه ضمن برنامج تحسين الأداء الخاص بالموظفين–هذا يعني أنَّه قد يُفصل من العمل في شركة أمازون إذا لم يتحسَّن أداؤه. لقد غيِّرت شركة أمازون منذ ذلك الحين العديد من قواعد وتنظيمات العمل المتعلِّقة بالموظفين الذين يعملون في المخازن. تهيئة المؤسسات للتغيير في القرن الحادي والعشرين لقد تنبَّأت الدراسة المسحية السنوية للمخاطر العالمية (GRPS) التي أُجريت عام 2018 بالتوجّهات المستقبلية التي سوف تصبغ بيئة العمل الخارجية وهي كالآتي: استمرار عدم المساواة والظلم التوتُّرات السياسية المحلية والعالمية المخاطر البيئية مواطن الضعف الإلكترونية يقترح كاتبو تقرير المخاطر العالمية أنَّ على المؤسسات ذات الطبيعة المعقَّدة التعامل مع مستقبلها المؤسساتي بواسطة ما أطلقوا عليه اسم «عدسات المرونة التسعة»، ويُقصد بالمرونة قدرة المؤسسات على التكيُّف والازدهار على الرغم من المخاطر ذات الآثار الكبيرة واحتمالية الحدوث الضئيلة. تُصنَّف عدسات المرونة التسعة في ثلاث فئات هي: أولًا: المرونة الهيكلية (structural resilience) التي تدرس ديناميكيات النظام داخل المؤسسة نفسها. يدعو المؤلّف إلى أن يكون "النظام نمطيًّا" أي قابلًا للتركيب والتجزئة؛ ويقصد بذلك ألَّا تكون الهياكل والتصميمات شديدة الترابط مع بعضها، وهذا يعني أنَّ الهياكل التنظيمية الميكانيكية والمتسلسلة الجامدة للمؤسسات لن تكون مناسبة في بيئات العمل شديدة التقلّب والتأثّر. ثانيًا: المرونة التكاملية (integrative resilience) التي تركِّز على الارتباطات المعقَّدة مع بيئة العمل الخارجية. يشير الكاتب إلى أنَّه يجب على المؤسسات أن تكون مدركة لظروفها «من الناحية الجغرافية ومن ناحية سلامة العلاقات بين الأفراد والعائلات والأحياء والمدن والأقاليم والدول» التي تتأثَّر بها. وفيما يتصل بذلك، يشير المؤلف أيضًا إلى أنَّه يجب على المؤسسات الاعتماد على تماسكها الاجتماعي الذي يعدُّ مصدرًا مهمًا للمرونة. ثالثًا: المرونة التغييرية (transformative resilience) التي تشير إلى أنَّ تخفيف بعض المخاطر يتطلَّب إحداث تغيير. من الضروري للمؤسسات في هذه الحالة أن تبادر إلى التغيير وإلَّا سينتهي بها المطاف إلى أن تضطر للتغيُّر نتيجة الظروف الخارجية. تتطلَّب هذه العملية بصيرةً حادة عند اتخاذ القرارات وليس تنبّؤًا عشوائيًّا، وينبغي على المؤسسات أيضًا أن تطبِّق أساليب مختلفة في البحث وتقييم بيئات العمل واكتشاف كل ما هو جديد لكي تتمكَّن من التعامل مع تقلّبات المستقبل المجهولة، ويمكنها القيام بذلك عن طريق الابتكار والتجريب. بمعنى آخر، يجب على المؤسسات أن تستفيد وتتعلّم من المرونة والمطاوعة الكبيرة للمتغيّرات في بيئة العمل والتي أظهرتها كلٌّ من جوجل وأمازون وفيسبوك وسبيس إكس وتسلا وAirbnb وأوبر وغيرها من الشركات العالمية الرائدة. من التوجُّهات التي تلوح في الأفق أيضًا أنَّه لن يصبح التقييم الأساسي لسمعة وشهرة المؤسسات مستندًا إلى أدائها المالي أو جودة منتجاتها وخدماتها فحسب؛ بل سوف يجري تقييمها بناءً على تأثيرها على المجتمع ككل، وهذا في الواقع سيحوِّلها من مؤسسات تجارية إلى مؤسسات اجتماعية. لقد بيَّنت دراسة استقصائية حديثة أنَّ 65% من الرؤساء التنفيذيين عدُّوا «النمو الاحتوائي» من ضمن الاهتمامات الاستراتيجية الثلاثة الأولى، وهذه النسبة أكبر بما يزيد عن ثلاثة أضعاف من نسبة الذين أشاروا إلى القيمة السهمية. لقد أشار الباحثون في شركة ديلويت إلى أنَّ المؤسسة الاجتماعية هي «مؤسسة تسعى إلى زيادة الإيرادات وتحقيق الأرباح إلى جانب احترام ودعم بيئتها المحيطة بها وشبكة الأطراف المعنية، ويشمل ذلك الانتباه إلى التوجُّهات التي توجّه معالم عالمنا المعاصر والاستثمار فيها وإدارتها بفاعلية. تحمل هذه المؤسسة على عاتقها مسؤولية الظهور كأحد الرموز الاجتماعيّة الجيّدة (على المستوى الداخلي التنظيمي للمؤسسة وعلى المستوى الخارجي في تعاملاتها)، وهي بذلك تشكِّل قدوة للمؤسسات الأخرى وتعزِّز التعاون بدرجة كبيرة في جميع المستويات التنظيمية.» ترجمة -وبتصرف- للفصلين Corporate Cultures و Organizing for Change in the 21st Century من كتاب Principles of Management
  2. كيف تنظِّم المؤسسة بيئتها الداخلية لكي تستطيع مواجهة تهديدات السوق الخارجية واقتناص الفرص؟ سنتعرَّف إلى نظرية الأنظمة المفتوحة التي وضعها دانيال كاتز وروبرت خان ولودفيج فون بيرتالانفي كمرحلة أولية لفهم كيف تتفاعل التنظيمات الداخلية للمؤسسات مع بيئات العمل الخارجية. يوضِّح الشكل التالي كيف أنَّ هذه النظرية تنظر إلى المؤسسات باعتبارها أنظمة مفتوحة تستقبل خلال «مرحلة المدخلات» الموارد من البيئة بعدة أشكال بناءً على طبيعة المؤسسة ومجال عملها. من الأمثلة على هذه الموارد والمدخلات: المعلومات والمواد الخام وحتى الطلاب الملتحقين بالجامعة. تعالج الأنظمة الداخلية للمؤسسة المدخلات وتحوّلها إلى صورة أخرى خلال «مرحلة العمليات» ثمَّ تنقلها إلى البيئة الخارجية خلال «مرحلة المخرجات» على هيئة منتجات أو خدمات أو خريجِّين أو غيرها. نموذج الأنظمة المفتوحة في المؤسسات (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) إنَّ نموذج الأنظمة المفتوحة بمثابة حلقة مفرغة، تستقبل الموارد من البيئة وتعالجها وتحوّلها إلى مخرجات تعود إلى البيئة، ويفسِّر هذا النموذج بقاء وازدهار المؤسسات التي تركِّز على الأهداف بعيدة المدى. تصنِّف هذه النظرية المؤسسات إلى أنظمة مفتوحة وأنظمة مغلقة تبعًا إلى طبيعة استجابة المؤسسة للبيئة المحيطة بها. الأنظمة المغلقة أقل استجابة لإمكانيات وموارد البيئة، في حين أنَّ الأنظمة المفتوحة أكثر استجابةً وتكيُّفًا مع التغيُّرات البيئية. على سبيل المثال، كانت كبرى الشركات الأمريكية لتصنيع السيارات (فورد، وجنرال موتورز، وكرايسلر) أثناء الثمانينيات من القرن العشرين واقعة تحت ضغوط بسبب المبيعات التي حقَّقتها شركات تصنيع السيارات اليابانية الناجحة، إذ شهدت الشركات الأمريكية تراجعًا في المبيعات وإغلاقًا للمصانع وتسريحًا للموظفين نتيجة المنافسة اليابانية الشرسة. يبدو أنَّ شركات تصنيع السيارات الأمريكية في وقتها قد غدت مغلقة أو أقل استجابةً للتغيُّرات الرائجة في مجال صناعة السيارات أثناء تلك الفترة وغير مستعدة لتغيير عمليات التصنيع الخاصة بها. على نحو مماثل، كان نموذج عمل شركة أمازون وما زال يدفع تجَّار التجزئة إلى الابتكار وتغيير عملياتهم وممارساتهم لكي يتمكَّنوا من المنافسة في هذا العصر الرقمي. لا تستجيب المؤسسات للبيئات الخارجية من خلال هياكلها التنظيمية فحسب، ولكن تستجيب أيضًا من خلال المجالات والأبعاد والإمكانات الداخلية التي تختارها. إنَّ المؤسسات تُعرِّف نفسها وتخصُّصها عن طريق تحديد مجالها في البيئة (أي تحديد القطاع أو الميدان الذي سوف تستخدم فيه التقنيات والمنتجات والخدمات لكي تنافس). من أهم هذه المجالات: التسويق والتكنولوجيا والإدارة الحكومية والموارد المالية والموارد البشرية. أصبحت العديد من المجالات التي كانت تُعدُّ ثابتة فيما مضى أكثر تعقيدًا وتغيُّرًا مثل: مجالات الألعاب والمرافق العامة والتعليم العالي. على سبيل المثال، أصبح مجال التعليم العالي الذي كان ثابتًا إلى حدٍ ما في الماضي أكثر تعقيدًا نتيجة ظهور المؤسسات التعليمية الربحية والدورات والكورسات الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت (MOOCs) وغيرها من برامج الحصول على شهادات أو درجات علمية خارج نطاق المؤسسات التقليدية الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، أحدثت الشركات التي تتبنَّى النظام الاقتصاد التشاركي مثل شركة أوبر وشركة Airbnb تغييرات في مجالات المواصلات والفندقة. كما أدى ظهور نماذج العمل التي تستخدم الهواتف المحمولة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطبيقاتها إلى إزالة طبقة الإدارة الوسطى من الهياكل التنظيمية التقليدية. يجب على أصحاب العمل والقادة تنظيم الأبعاد الداخلية للمجال الذي يعملون فيه لكي يستطيعوا المنافسة في الأسواق التي يستهدفونها. على سبيل المثال، يستخدم أصحاب العمل والقيادة العليا التسلسل الهرمي للسلطة لوضع قرارات استراتيجية ومؤسسية، كما يتوجَّب على المديرين توفير ما يلزم من تقنيات وتدريب ومحاسبة وقانون ومصادر البنية التحتية الأخرى. بالإضافة إلى أنَّ ثقافات المؤسسات هي التي تحدِّد المبادئ والعلاقات والممارسات القانونية والأخلاقية وسمعتها. الأبعاد الداخلية للمؤسسة (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) يبيِّن الشكل السابق الأبعاد الداخلية للمؤسسة، وتتضمن هذه الأبعاد والأنظمة كلًّا من القيادة والاستراتيجية والثقافة والإدارة والأهداف والتسويق والعمليات والهيكل، كما أنَّ التنظيمات غير الرسمية تتضمن العلاقات والمبادئ والسياسات. هناك أبعاد داخلية أخرى غير مذكورة في الشكل مثل البحث والتطوير، والمحاسبة والتمويل، والإنتاج، والموارد البشرية. من التصوُّرات الشائعة أيضًا للأبعاد الداخلية للمؤسسة نموذج ماكينزي (McKinsey 7-S model) الموضَّح في الشكل التالي. ويمكننا أن نرى من الشكل أنَّ الاستراتيجية والهيكل والأنظمة والمهارات وفريق العمل ونمط الإدارة تدور حول القيم المشتركة (أو الثقافة) في المؤسسة وترتبط بها ارتباطًا وثيقًا. نموذج ماكينزي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) هناك نموذج موحَّد وضعه آري لوين وكارول ستيفنز يبيِّن تكامل الأبعاد الداخلية للمؤسسة وكيف تعمل هذه الأبعاد لكي تتلاءم مع بيئة العمل الخارجية، وهذا النموذج موضَّح في الشكل التالي. تجدر الإشارة إلى أنَّ الرؤساء التنفيذيين وذوي المناصب العليا في المؤسسة هم الذين يقيّمون ويدرسون بيئة العمل الخارجية لتحديد الموارد والمُتغيّرات الحسّاسة قبل استخدام تحليل SWOT (تحديد نقاط القوة ونقاط الضعف والفرص والتهديدات) ليتحقَّقوا من مجال وتوجّه المؤسسة أو يعدِّلوا عليه ثمَّ يحدِّدوا الرؤية والرسالة والأهداف والاستراتيجيات لها. بعد وضع أهداف المؤسسة واستراتيجياتها يمكن تحديد ثقافتها وهيكلها وأنظمتها وسياساتها (الموارد البشرية، والتقنيات، والمحاسبة والتمويل، وغيرها). العلاقة بين الأبعاد الداخلية للمؤسسة وبيئة العمل الخارجية (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) بعد أن يحدِّد الرؤساء التنفيذيون وقادة المستوى الأعلى الفرص والتهديدات الموجودة في بيئة العمل الخارجية، فإنَّهم يحدِّدون مجال المؤسسة وغايتها، إلى جانب الاستراتيجيات والإمكانيات التنظيمية والموارد وأنظمة الإدارة التي ستدعم وتُهيّئ وصول المؤسسة إلى تلك الغاية. على سبيل المثال، نجحت شركة ماكدونالدز في تكييف ومطاوعة الشركة وأهدافها مع بيئات لعمل العالمية التي تقدم الشركة خدماتها فيها، ويبلغ حجم زبائنها 1% من تعداد سكان العالم –أكثر من 70 مليون زبون- وتقدِّم خدماتها لهم يوميًا في جميع بلدان العالم تقريبًا. إنَّ الهدف الجوهري والرئيسي الذي ساهم في هذا الاتساق والتوازن الداخلي المميّز في بنية وهيلكية شركة ماكدونالدز هو «الاهتمام الشديد بتصميم وإدارة العمليات القابلة للتطوير والإجراءات وثقافة العمل التي تؤدِّي إلى بيع منتجات بسيطة ومتميِّزة وقياسية على مستوى العالم بأحجام وكميات وأسعار معقولة ومدروسة ومُتوقّعة.» سوف نتحدث عن المزيد من التفاصيل المتعلِّقة بتحليل SWOT في مقالات لاحقة في سلسلتنا. عمليات شركة ماكدونالدز: إنَّ الهدف التشغيلي الرئيسي لشركة ماكدونالدز الداعم لاتساقها الداخلي هو «الاهتمام الشديد بتصميم وإدارة العمليات القابلة للتطوير والإجراءات وثقافة العمل التي تؤدِّي إلى بيع منتجات بسيطة ومتميِّزة وقياسية على مستوى العالم بأحجام وكميات وأسعار معقولة.» توضِّح الصورة وسيلة يستطيع الموظفون بواسطتها تذكُّر مقدار الوقت الذي يمكن خلاله الاحتفاظ بمكوِّنات معينة قبل أن تنتهي فترة صلاحيتها. (مصدر الصورة: والتر ليم/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)) في الواقع، لا يكون الحفاظ على الانسجام الكامل بين التنظيم الداخلي للمؤسسة وبيئة العمل الخارجية بصورةٍ دائمة؛ بل إنَّ الشركات والمؤسسات تغيِّر قيادتها واستراتيجياتها وهيكليتها وأنظمتها باستمرار لكي تستطيع مواكبة المنافسة وتقلّبات السوق وتلبية احتياجات ومتطلَّبات الزبائن والمستهلكين. شركة أمازون خير مثال على ذلك فهي أيضًا تستمر في التغيُّر والتطوُّر والتوسُّع، إذ تدلُّ رسالتها الواضحة المنشورة على موقعها الإلكتروني على أنَّ التغيير مطلبٌ مستمر: «رؤيتنا هي أن نكون أكثر شركة على سطح الأرض تهتم بالزبائن وأن نبني مكانًا يستطيع الناس المجيء إليه ليروا ويكتشفوا أي شيء قد يرغبون في شرائه عبر الإنترنت.» لشركة أمازون هيكل تنظيمي وظيفي يركِّز على الوظائف والمهام في العمل لكي يحدِّد التفاعلات بين أجزاء الشركة المختلفة. إنَّ أفضل وصف لهيكل شركة أمازون هو أنَّه عبارة عن مجموعات عالميّة وظيفية (وهي الصفة الأبرز في الشركة)، ذو تسلسل هرمي عالمي وقطاعات جغرافية، كما هو موضَّح في الشكل التالي. يبدو أنَّ هذا الهيكل يلائم حجم شركة أمازون، ويتكوَّن من سبع أقسام من ضمنها تكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية والعمليات القانونية، بالإضافة إلى رؤساء الأقسام، جميعها تحت إدارة الرئيس التنفيذي لشركة أمازون مباشرة. يتكوَّن فريق الإدارة العليا من رئيسين تنفيذيين وثلاث نواب للرئيس ومراقب عالمي مسؤول عن العديد من الجوانب الحسّاسة والتقارير العالمية التي تصل إلى المدير التنفيذي لأمازون، جيف بيزوس. الهدف الاستراتيجي الكامن وراء هذا الهيكل التنظيمي هو تسهيل عمل الموقع الإلكتروني لشركة أمازون وتسهيل إدارة عمليات التجارة الإلكترونية في الشركة بأكملها> الهيكل التنظيمي لشركة أمازون (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) هناك جانب سلبي لمثل هذا النوع من الهياكل التنظيمية التي تستخدمها شركة أمازون وغيرها من الشركات وهي أنَّ مرونتها واستجابتها محدودة على الرغم من النمو المطَّرد لها، إذ أنَّ سيادة التنظيم المتمثّل بالمجموعات العالميّة الوظيفية وبالتسلسل الإداري الهرمي العالمي يقلِّل من قدرة شركة أمازون على الاستجابة السريعة للقضايا والمشكلات الجديدة التي تواجهها التجارة الإلكترونية. لكن يبقى عامل النجاح الأبرز لشركة أمازون هو رئيسها التنفيذي جيف بيزوس، ببراعته ورؤيته وبصيرته وقدرته على الحفاظ على المزايا التنافسية للشركة وتوسيع نطاقها. يثمِّن زبائن شركة أمازون العوامل والمعايير التي تدفعهم إلى الشراء، والتي تتضمن السعر المناسب والتوصيل السريع والخدمة الموثوقة. يختار المستهلكون شركة أمازون لأنَّها أفضل من منافسيها في تحقيقها لتلك المعايير. ترجمة -وبتصرف- للفصل The Internal Organization and External Environments من كتاب Principles of Management
  3. طُرح السؤال التالي في تقرير نشرته شركة ديلويت عام 2017: «لماذا كانت التصميمات التنظيمية على رأس القائمة باعتبارها التوجُّه الأكثر أهمية في استطلاع Global Human Capital Trends خلال عامين متواليين؟»، وأشار التقرير إلى أنَّ الهياكل التنظيمية الميكانيكية والعضوية (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) صنَّف واضعو النظريات التنظيمية الأوائل الهياكل التنظيمية إلى ميكانيكية أو عضوية، ولا يزال هذا التصنيف العام والواسع للمؤسسات ملائمًا. تناسب الهياكل التنظيمية الميكانيكية (Mechanistic organizational structures) البيئات الثابتة والبسيطة والتي تتراوح درجة عدم التأكُّد فيها بين الانخفاض والتوسُّط ومن خصائصها أنَّها ذات تسلسل هرمي من أعلى إلى أسفل، وتعتمد على قواعد محدَّدة، كما أنَّ السلطة فيها مركزية ورسمية، والمهام محدَّدة بوضوح لكي ينفِّذها المتخصِّصون بها، وعدد الأشخاص الذين يعملون تحت إمرة الرؤساء والمشرفين مباشرة قليل (أي أنَّ نطاق السيطرة ضيِّق)، وويسود في المؤسسة طابع التقسيمات التخصّصية (أي أن المؤسسة تكون مقسَّمة إلى أقسام مختلفة ولكل قسم مهام مخصَّصة وفقًا لمجال الخبرة). يمثِّل هذا النوع من المؤسسات نموذجًا عن الهياكل التنظيمية التقليدية التي تنشأ في البيئات الثابتة قليلة التعقيد. الهياكل التنظيمية العضوية (Organic organizational structures) لها خصائص معاكسة لخصائص الهياكل التنظيمية الميكانيكية. إنَّ الهياكل التنظيمية العضوية أفقية (بمعنى أنّ القرار فيها لا يُبنى من ذروة الشركة -المدير- كما في النموذج العمودي بل يكون تشاركيًا إلى حدّ ما) وتعمل على نحو أفضل في البيئات المعقَّدة المتغيِّرة، وتكون عمليتا التواصل واتخاذ القرارات فيها تشاركية، كما أنَّها تتيح إنجاز المهام بطرق أكثر انسيابية ومرونة، وعادة ما تكون القواعد فيها أقل. من خصائص هذه الهياكل أيضًا أنَّ المهام فيها تكون ذات طبيعة عامة وموزعة، وأنَّ نطاق السيطرة يكون أوسع (أي أنَّ هناك عدد أكبر من الأشخاص الذين يعملون تحت إمرة المديرين مباشرة). من الأمثلة على المجالات ذات الهياكل التنظيمية العضوية: التكنولوجيا المتقدمة والحواسيب والفضاء والاتصالات، والتي يجب أن تتعامل مع المتغيّرات السريعة بمرونة ومطاوعة. أصبحت المؤسسات والشركات المعاصرة التي تعمل في بيئات مضطربة سريعة التغيُّر ذات المنافسة العالية تميل إلى تبنِّي الهياكل التنظيمية العضوية كأساس تنظيمي لها. هذا لا يعني أن كل مؤسسة معاصرة بحاجة إلى أن تكون ذات هيكل عضوي، ومن المهم فهم طبيعة التصميمات والهياكل التنظيمية المختلفة لتحديد متى وأين وفي أي الظروف ستكون هناك حاجة إلى تبنّي نوع محدّد من هذا التنظيمات في إدارة الشركة أو على الأقل إدارة جُزءٍ منها. سنناقش في القسم التالي خمسة أنواع مختلفة من الهياكل التنظيمية. أنواع الهياكل التنظيمية في سياق المقارنة بين الهياكل التنظيمية الميكانيكية والعضوية، سوف نستعرض كيف نشأت وتطوّرت بعض الشركات ذات أنواع معينة من الهياكل التنظيمية على مدار الحقب التاريخية الثلاث الماضية. كانت المؤسسات خلال الحقبة الأولى (من منتصف القرن التاسع عشر حتى أواخر السبعينيات من القرن العشرين) ذات طبيعة ميكانيكية وتسلسل هرمي من أعلى إلى أسفل وقائمة بذاتها. كان التركيز منصبًّا على العمليات التنظيمية الداخلية المتعلِّقة باستقبال المواد الخام وتحويلها إلى منتجات ومن ثمّ عرضها للزبائن .كانت الهياكل التنظيمية الأولى تركِّز على التحكم الهرمي الداخلي والتخصُّصات الوظيفية المنفصلة لكي تتكيَّف مع بيئات العمل الخارجية، كما وزَّعت الهياكل التنظيمية خلال هذه الحقبة الأشخاص إلى أقسام، وحدَّدت طبيعة العلاقات بين الأشخاص والأقسام، ووضعت كذلك أنظمة لتنسيق العمل أفقيًا وعموديًا. كان أول الهياكل التنظيمية التي نشأت هو الهيكل الوظيفي ثمَّ تلاه الهيكل القطاعي ثمَّ الهيكل المصفوفي، وسوف نسوق تفصيل كلٍّ منها فيما بعد. بدأت الحقبة الزمنية الثانية في الثمانينيات من القرن العشرين وامتدت حتى منتصف التسعينيات. لقد ساهم التغيّر الكبير في طبيعة البيئات والأسواق والتقنيات وتعقّدها في إنهاك الهياكل التنظيمية الميكانيكية، وقد ازدادت الحاجة إلى وجود تصميمات وهياكل تنظيمية عضوية نتيجة دخول اليابان ميدان المنافسة في مجال صناعة السيارات، والمعاملات المصرفية المعقدة وقطاع التأمين والقطاعات الأخرى التي ثمّنت وأكّدت على إرضاء الزبون وتأمين مصلحته وسرعة التعاملات وجودة النتائج. لقد تطلَّبت عمليات الاتصال والتنسيق بين الوحدات التنظيمية الداخلية والزبائن والمورِّدين وغيرهم من أصحاب المصلحة الخارجيين مستويات أعلى من التنظيم والسرعة في معالجة المعلومات، كما أن هذه الفترة تميّزت بظهور الحواسيب الشخصية والشبكات. في الواقع، هذه التطوّرات أفضت إلى ظهور التنظيمات الأفقية التي أكَّدت على إعادة هيكلة عمليات سير العمل التي تربط القدرات التنظيمية بالزبائن والمورِّدين. تعدُّ شركة فورد وشركة زيروكس وشركة لكسمارك وشركة إيستمان كوداك من الأمثلة على أولى الشركات التي تبنَّت التصميم التنظيمي الأفقي الذي اختلف اختلافًا جوهريًّا عن مبدأ التنظيم العمودي القديم وأدَّى إلى ظهور الهياكل المسطحة والهجينة وفِرق العمل متعدِّدة الوظائف. بدأت الحقبة الزمنية الثالثة من منتصف التسعينيات وما زالت ممتدة إلى عصرنا الحالي. لقد ساهمت العديد من العوامل في نشوء هذه الحقبة وتشمل: ظهور الإنترنت، والمنافسة العالمية خاصة من الصين والهند التي تنخفض فيها تكلفة العمالة، وأتمتة العمليات المرتبطة بسلاسل الإمداد، وإسناد جزء من الأعمال إلى جهات خارجية ذات خبرة لتسريع عمليات الإنتاج وتوصيل المنتجات والخدمات. انتهى زمن انغلاق الشركات على نفسها، إذ لم يعد من الضروري إنتاج كل شيء داخل حدود المؤسسة، خاصةً إذا كانت المؤسسة تخفِّض التكاليف وتُسند جزءًا من الأعمال إلى جهات خارجية من أجل التوفير في التكاليف. نشأت خلال هذه الحقبة فروع وأنواع أخرى من الهياكل الأفقية والعضوية وتشمل: الهيكل القطاعي والهيكل المصفوفي والهيكل الجغرافي والهيكل القائم على فرق العمل والهيكل الافتراضي. سنشرح فيما يلي أنواع الهياكل الرئيسية ونبيِّن مزاياها وعيوبها. تجدر الإشارة إلى أنَّه في العديد من الشركات المحليّة والعالمية الكبيرة يُستخدم مزيج من الهياكل التنظيمية المختلفة في الوقت نفسه. لقد صُمِّمت الهياكل التنظيمية لتتلاءم مع بيئات العمل الخارجية، إذ أنَّ الهيكل التنظيمي الملائم سوف يزيد من قدرة المؤسسة على تحقيق رؤيتها ورسالتها وأهدافها بناء على نوع البيئة التي تعمل فيها هذه المؤسسات. يبيِّن الشكل التالي ظهور وتطوُّر الهياكل التنظيمية المختلفة عبر الزمن. تطوُّر الهياكل التنظيمية، مقتبس من كتاب «Organizational Theory and Design» ومن الدراسة «Hitting the Sweet Spot Between Specialization and Integration in Organizational Design». لاحظ التدرُّج في الشكل السابق، إذ يظهر في البداية النوع الأول من الهياكل التنظيمية وهو الهيكل الوظيفي، ومع زيادة تعقيد بيئات العمل نشأ الهيكل القطاعي والهيكل الجغرافي والهيكل المصفوفي والهيكل القائم على فرق العمل وأخيرًا الهيكل الافتراضي. يظهر هذا التطوُّر في الهياكل التنظيمية على شكل تدرُّج من الهياكل الميكانيكية إلى الهياكل العضوية نظرًا للانتقال من بيئات بسيطة ثابتة إلى بيئات معقَّدة متغيِّرة. تتضمن الهياكل التي نحن بصدد مناقشتها فيما يلي كلًّا من: الهيكل الوظيفي والهيكل القطاعي والهيكل الجغرافي والهيكل المصفوفي وأخيرًا الهيكل فرق العمل التشاركية والهيكل الافتراضي. إنَّ الهيكل الوظيفي (functional structure) الموضَّح في الشكل التالي من بين أقدم الهياكل التنظيمية وأكثرها استخدامًا. يُقسِّم هذا الهيكل المؤسسة إلى أقسام متعدّدة وفقًا لمجالات الاختصاص مثل قسم البحث والتطوير وقسم الإنتاج وقسم المحاسبة وقسم الموارد البشرية. يُشار إلى التنظيمات الوظيفية بأنَّها هياكل هرمية لأنَّها خاضعة لنظام تحكُّم ذو تسلسل هرمي من أعلى إلى أسفل. تستخدم الشركات الصغيرة والناشئة والمؤسسات التي تعمل في بيئات بسيطة ثابتة هذا الهيكل، كما تستخدمه العديد من المؤسسات الحكومية الكبيرة والعديد من القطاعات في الشركات الكبيرة لمهام معيِّنة. الهيكل الوظيقي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) يمتاز الهيكل الوظيفي بتوفير درجة كبيرة من التخصُّص، كما أنَّ عملية تقديم التقارير من خلاله بسيطة ومباشرة بين الأقسام، ويسمح هذا الهيكل بوفورات الحجم (انخفاض تكلفة الوحدة المنتجة خلال زيادة كمية الإنتاج)، وليس من الصعب توسيع نطاق العمل مع توسّع أعمال المؤسسة وازدياد حجمها. في المقابل، تتضمن سلبيات الهيكل الوظيفي انعزال الأقسام عن بعضها بعضًا لأنَّها تميل إلى الانغلاق وعدم التواصل مع الأقسام الأخرى. من السلبيات أيضًا بطء عملية اتخاذ القرارات وضعف التنسيق بين الأقسام المختلفة، والتنافس على السلطة والموارد. يوضِّح الشكل التالي الهيكل القطاعي (divisional structure). تتجمَّع في هذا الهيكل العديد من الأقسام الوظيفية تحت قطاع معيَّن ويرأسها شخص محدَّد، ويحتوي كل قطاع على فرق عمل خاصة بالتسويق والمبيعات والمحاسبة والتصنيع والإنتاج. يمكن تقسيم قطاعات هذا الهيكل بناءً على المنتجات أو الخدمات المقدَّمة أو الأسواق المستهدفة أو المناطق الجغرافية أو أي عامل آخر مرتبط بعمل الشركة. يُعدُّ التقسيم بناءً على الأسواق المستهدفة مثاليًا للمؤسسات التي لديها منتجات أو خدمات خاصة بقطاعات سوق معيَّنة ويكون فعَّالًا بوجه خاص إذا كان لدى المؤسسة معرفة متقدِّمة وخبرات متراكمة في هذه القطاعات. الهيكل القطاعي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) تتضمن مزايا الهيكل القطاعي ما يلي: كل قطاع يمكنه التركيز على الأعمال والميزانية التي يديرها. الجميع يمكنهم معرفة مسؤولياتهم والمهام المتوقَّع منهم القيام بها بسهولة. التواصل مع الزبائن وتقديم الخدمات لهم يمكن أن يكون أسرع. التنسيق بين المجموعات داخل القطاعات أسهل. هذا الهيكل مفيد للشركات الكبيرة لأنَّ عملية اتخاذ القرارات اللامركزية تعني أنَّ الإدارة العامة لا يتوجَّب عليها إدارة كل كبيرة وصغيرة في جميع القطاعات. أمَّا السلبيات المرتبطة بالهيكل القطاعي فهي أنَّ القطاعات يمكن أن تكون معزولة عن بعضها ، وأنَّ الأنظمة المختلفة مثل المحاسبة والتمويل والمبيعات والتسوبق والتقنيات وغيرها قد تعاني من ضعف التواصل والتنسيق فيما يتعلَّق برسالة المؤسسة وتوجُّهاتها وقيمها، كما أنَّ هناك احتمالية لحدوث عدم توافق بين الأنظمة (مثل اختلاف أسلوب المحاسبة في القطاعات المختلفة مثل قطّاع المحاسبة وقطاع التسويق وقطاع التكنلوجيا…الخ) ممَّا يضع ضغوطًا وعوائق أمام الأهداف والغايات الاستراتيجية للشركة. يعدُّ الهيكل الجغرافي (geographic structure) من الهياكل التنظيمية الأخرى التي تهدف إلى الانتقال من آليّة التنظيم الميكانيكي إلى التنظيم العضوي من أجل تقديم المنتجات والخدمات الملائمة وتلبية حاجات الزبائن بسرعة أكبر. تُحدَّدُ التقسيمات في هذا الهيكل بناءً على أماكن تواجد الزبائن الذين تقدِّم الشركة خدماتها لهم. لقد نشأ الهيكل الجغرافي نظرًا لاتّساع رقعة الشركات محليًّا وإقليميًّا وحتى عالميًّا، ويعدُّ امتدادًا وتطوّرًا للهيكل القطاعي. الهيكل الجغرافي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) يمنح التنظيم على أساس جغرافي كل وحدة جغرافية القدرة على فهم المنتجات والخدمات ودراستها وتصميمها بالاستعانة بالمعرفة المتعلِّقة باحتياجات الزبائن وأذواقهم واختلافاتهم الثقافية في كل منطقة جغرافية. تشبه مزايا وعيوب الهيكل الجغرافي تلك الخاصة بالهيكل القطاعي. إنَّ الجانب السلبي الرئيسي في الهيكل التنظيمي الجغرافي هو أنَّه من السهل أن تُصبح عملية اتخاذ القرارات لا مركزية نظرًا لأنِّ البعد الكبير للقطاعات الجغرافية (التي قد تبعد مئات أو آلاف الأميال عن مقر الشركة) قد يمنحها قدرًا كبيرًا من الاستقلالية، لذلك ينبغي على الإدارة العامة أن تحرص على التحكّم والتنسيق الفعَّال بين قطّاعاتها أو وحداتها الجغرافيّة المستقلّة. مبنى شركة IBM في الصين. اختارت شركة IBM الهيكل الجغرافي الذي كان الهدف منه أن يبتعد التصميم التنظيمي عن الميكانيكية وأن يصبح أكثر عضوية من أجل تقديم المنتجات والخدمات الملائمة للزبائن بسرعة أكبر. تُحدَّد التقسيمات في هذا الهيكل بناءً على أماكن تواجد الزبائن الذين تقدِّم الشركة خدماتها لهم. لقد نشأ الهيكل الجغرافي نظرًا لأنَّ الشركات أصبحت أكثر عالمية، ويعدُّ امتدادًا للهيكل القطاعي. (مصدر الصورة: حساب Cory Denton/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)) يقترب الهيكل المصفوفي (matrix structure) الموضَّح في الشكل التالي أكثر من التنظيمات العضوية استجابةً لحالة عدم التأكُّد والتعقيد والمُتغيُّرات المتسارعة في بيئات العمل الخارجية. لقد نشأ الهيكل المصفوفي في الواقع في ستينيات القرن العشرين عندما تعاقدت شركات الطيران الأمريكية مع الحكومة، إذ كان على هذه الشركات وضع رسوم بيانية تبيِّن هيكلية فريق إدارة المشروع الذي سيُنفِّذ العقد ويبيِّن كيفية ارتباط هذا الفريق بالهيكل الإداري العام للمؤسسة. بناءً على ذلك، كان يتوجَّب على الموظفين تقديم التقارير إلى جهتين في الوقت نفسه: الحكومة وشركة الطيران. أصبحت الشركات وقطاعات الأعمال الأخرى منذ ذلك الحين تتبنَّى هذا الهيكل المصفوفي وتستخدمه لأنَّه يوفِّر المرونة ويساعد على تكامل عملية اتخاذ القرارات، سيّما في الشركات ذات التنظيمات الوظيفية. الهيكل المصفوفي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) يدمج التنظيم المصفوفي بين الهياكل التنظيمية العمودية والأفقية بواسطة فِرق العمل. تقوم الإدارة العمودية المتخصّصة بوظيفة معيّنة بإدارة كافّة الموظّفين - الذين يعملون في مجموعات منفصلة (لإنجاز مشاريع مختلفة) - في هذا التخصّص (مثل تخصص التسويق) بحيث تشكّل هذه الإداراة العمودية الوظيفية بمجموعها تنظيمات أفقيّة محدّدة تهدف إلى إنجاز مشاريع أو أهداف معيّنة. بمعنى آخر، إن الهيكل التنظيمي يعتمد على تشكيل بُنى أفقيّة تشكّل فِرقًا مستقلّة، وهذا ساهم في تسريع عمليّة نقل وتنسيق المعلومات بين التنظيم الإداري (الإدارة العمودية مثل مدير التسويق) وبين المجموعات التي تعمل على مشاريع مختلفة.. هناك بُعدان للسلطة في هذا الهيكل كما هو موضَّح في الشكل السابق، إذ يخضع الموظفون لرئاسة مدير القسم الوظيفي ورئاسة مدير الفريق الذي يعمل على المشروع أو المنتج في الوقت نفسه. أحد عيوب الهيكل المصفوفي هو حالة الحيرة والصراع التي يعاني منها الموظفون نظرًا لوقوعهم تحت رئاسة مديرين، إذ يحتاج الموظفون (بالإضافة إلى المديرين وقادة المشاريع) إلى امتلاك مهارات التواصل الجيِّد ومهارات إدارة النزاعات والمهارات السياسية حتى يتمكَّنوا من العمل بفعالية في المؤسسة. هناك أنواع مختلفة من هياكل المصفوفة، والتي تُستخدم في بيئات العمل الأكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، هناك الفرق المصفوفية تبادليّة الوظائف والتي يرسل فيها الموظفون الذين يعملون في بنية تنظيمية معينة (التسويق مثلًا) تقريرًا عن سير العمل إلى رئيس بُنية أخرى (الإنتاج مثلًا) على الرغم من أنه ليس مشرفهم أو رئيسهم الرسمي. هناك أيضًا الفرق المصفوفية الوظيفية والتي ينسِّق فيها الموظفون الذين يعملون في فريق واحد (فريق المشروع رقم 1 مثلًا) مع فريق داخلي آخر (فريق المشروع رقم 2 مثلًا) بنفس مجال التخصص (التسويق على سبيل المثال) وقد يعملون أيضًا مع فِرق أخرى بمجال آخر (مثل فِرق الانتاج) من أجل وضع وتحقيق هدف مشترك قصير المدى. هناك أيضًا الفرق المصفوفية العالمية التي تتكوَّن من موظفين من مناطق وبلدان وثقافات مختلفة يجتمعون لتحقيق هدف قصير المدى مرتبط بمشروع أو زبون معيَّن. تُعدُّ أنواع الفِرق المصفوفية التي ذكرناها من البنُى الأساسية والتي تتطور وتنمو باستمرار في المؤسّسات ذات التنظيمات الأفقية التي تتجاوز المناطق الجغرافية والزمنية والمهارات وهياكل السلطة التقليدية لتلبية احتياجات ومتطلبات الزبائن والشركات. كُجزء من البنية التنظيمية التي سنتطرّق إليها في الفقرة التالية، فرق العمل المتشابكة، يجب على أعضاء المؤسسة في الهيكل المصفوفي أن يتعلَّموا كيف يتعاونون مع زملائهم عبر المسافات والثقافات والحواجز الأخرى. غالبًا ما يعاني أعضاء الفريق في الهيكل المصفوفي من مشكلة انقسام الولاء بين قائد الفريق الذي يعملون فيه والرئيس الوظيفي لهم، وفي هذه الحالة يكون لديهم أهداف خاصة بالفريق وأهداف وظيفية تتنافس من أجل الحصول على وقتهم واهتمامهم، كما أنَّ لديهم عدة رؤساء وغالبًا ما يعملون في أكثر من فريق في الوقت نفسه. بالنسبة لبعض أعضاء الفريق، قد تكون تلك المرة الأولى التي يكونون فيها مسؤولين عن نتائج تتعدَّى تحقيق أهدافهم الوظيفية التي وُظّفوا لأجلها فقط. يستمتع بعض الأفراد بهذه المساحة والمسؤولية الزائدة اللتين يوفِّرهما الهيكل المصفوفي، في حين يشعر آخرون بثقل المسؤولية وأنَّ الأمور خارج نطاق سيطرتهم وقدرتهم. ينبغي على الأفراد أن يقلِّلوا من تركيزهم على الهيكلية ويزيدوا من تركيزهم على السلوكيات لكي يتمكَّنوا من النجاح في هذه الأنواع من الهياكل التنظيمية الأفقية. هيكل فِرق العمل المتشابكة (Networked team structures) هو نوع آخر من أنواع التنظيمات الأفقية، وهذه الفِرق أقل رسمية وأكثر مرونة من فرق العمل في الهيكل المصفوفي. للشبكات خاصيِّتان بارزتان هما: التجمُّع وطول المسار. يشير التجمُّع (clustering) إلى درجة احتواء الشبكة على مجموعات متماسكة من النقاط داخل الشبكة نفسها، في حين أنَّ طول المسار هو مقدار المسافة التي تُقاس بمتوسط عدد الروابط التي تربط أي نقطتين داخل الشبكة. بإمكانك الاطّلاع على المزيد من المعلومات و التفاصيل الفنيّة من المصدر المذكور في الحاشية. يتشكّل هيكل فِرق العمل المتشابكة تلقائيًا بعد تعيين الفِرق لإنجاز مهمّة معيّنة، فمثلًا قد يحتاج أعضاء الفريق مساعدة أفرادٍ من مجموعات أخرى يتعاونون معهم لتحقيق الرؤية أو الرسالة أو لحل المشكلات أو استغلال الفرص التي تصادفهم، فهذا التعاون الذي ينشأ بين هذه الفِرق ذات الأصول التنظيمية المختلفة تشكّل بمجملها تنظيمًا متشابكًا، وذلك طبعًا في حال لم تمانع أو تعيق المؤسسات أو القادة هذا التعاون. ليس هناك تصوُّر نموذجي لهيكل فِرق العمل المتشابكة، إذ تحدِّد الشركات المختلفة شكل فِرق العمل بصورة مبدئية من أجل حل المشكلات والعثور على الفرص واكتشاف الموارد اللازمة. بمعنى آخر، إنَّ التنظيم المتشابك (أو التشابكي) هو جُزء من المؤسسة ولكنَّه يقوم على ظهور ارتباطات (تشابكات) غير رسمية بين فِرق المؤسسة نفسها لإنجاز هدف معين قد يكون من الصعب تحقيقه في حالة التنظيم الرسمي للمؤسسة (مثلًا قد يحتاج فريق التسويق مساعدة فريق الانتاج في مهمّة تسويقية معيّنة خاصّة به، فنشوء هذا التشابك المؤقت بين هذين الفريقين يُدعى تنظيمًا تشابكيًّا غير وظيفي أو غير رسمي)، ويدلُّ ذلك على أنَّ الهيكل التنظيمي التشابكي يركِّز على العلاقات والشبكات وفِرق العمل والمجموعات والمجتمعات بدلًا من التركيز على التسلسل الإداري. يمثِّل الشكل التالي رسمًا توضيحيًا مقترحًا لهذا الهيكل. هيكل فِرق العمل المتشابكة (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) أشار استطلاع Global Human Capital Trends لعام 2017 إلى أنَّ المؤسسات تتحوَّل من الهياكل الرأسية إلى الهياكل العضوية باستمرار، وأنَّه يجري تطويع التنظيمات القائمة على الشبكات لتلائم الشركات الكبيرة التي تتطلَّب نطاق وصول أكبر وردودًا أسرع على الزبائن. تبيِّن الدراسات أنَّ الوقت الذي نمضيه مع أشخاص قريبين من مكاتبنا أكبر بعشرة أضعاف من الوقت الذي نمضيه مع الأشخاص الذين يبعدون عنا أكثر من 50 مترًا. لذلك بغض النظر عمّا تشير إليه استطلاعات المؤسّسات حول آليّة تنظيمها الثابتة، فإن الأعمال اليوميّة التي تجري فيها تتضمّن حتمًا شكلًا من أشكال التنظيم التشابكي. لذلك فإنَّ مستقبل المؤسسات سيكون ضمن إطار شبكات مترابطة من فِرق العمل. إنَّ مزايا هيكل فِرق العمل المتشابكة مشابهة لمزايا التنظيمات العضوية الأفقية والمصفوفية التي ذكرناها سابقًا، في حين أنَّ نقاط ضعف هذا الهيكل تتضمن ما يلي: الحاجة إلى إنشاء خطوط اتصال واضحة لإسناد مهام المشروع للموظفين المتشابكين وإعلامهم بالمواعيد النهائية. ضرورة الاعتماد على التكنولوجيا خاصةً اتصالات الإنترنت وخطوط الهاتف، إذ قد تحدث تأخيرات في عملية الاتصال نتيجة تعطُّل الحواسيب وأخطاء الشبكة ومشكلاتها، بالإضافة إلى أنَّه قد يكون من الصعب مشاركة المعلومات الإلكترونية خارج حدود الدولة. قد يؤدِّي عدم وجود مكان مركزي على أرض الواقع يعمل فيه جميع الموظفين أو يلتقون فيه من حين لآخر لإجراء الاجتماعات ومراجعة النتائج إلى حدوث الأخطاء واضطراب العلاقات وتناقص الإنجازات التي يتم تسليمها في الموعد المحدَّد. لقد نشأ الهيكل الافتراضي (virtual structure) في التسعينيات من القرن العشرين استجابةً للحاجة إلى المزيد من المرونة، والمهام التي تتطلَّب حلولًا مباشرة، وتقليل القيود الجغرافية، وسهولة الوصول إلى الخبرات المنتشرة حول العالم. يعتمد الهيكل الافتراضي على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو موضَّح في الشكل التالي. الهيكل الافتراضي (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) يختلف هذا الهيكل التنظيمي عن هيكل فِرق العمل المتشابكة في أنَّ المقر الرئيسي قد يكون المقر الثابت الوحيد للمؤسسة. عدا ذلك؛ فإنَّ المؤسسات التي تتبنى هيكل التنظيم الافتراضي ليس لها حدود. من الأمثلة على الشركات التي تستخدم هذا الهيكل: شركة أوبر، وشركة Airbnb، وشركة ريبوك، وشركة نايك، وشركة بوما، وشركة ديل. تستخدم المؤسسات أشكال مختلفة من الهياكل الافتراضية لمراكز الاتصال وغيرها من المهام والمناصب والمشاريع التي تُنفَّذ بالاستعانة بمصادر خارجية. إنَّ تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل بواسطة الإنترنت والتي تستخدمها الشركات التي تتبنَّى نظام الاقتصاد التشاركي مثل شركة Airbnb وشركة أوبر قد زادت المنافسة وجعلتها ذات طابع ديمقراطي في العديد من المجالات مثل سيارات الأجرة و تأجير الأملاك العقارية والخدمات الفندقية. (مصدر الصورة: Grid Engine/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic ‏(CC BY 2.0)) تتضمن مزايا الهياكل التنظيمية الافتراضية: التوفير في التكاليف، وسرعة الرد على العملاء، والوصول لقوى عاملة متنوعة لا تتقيَّد بنظام العمل لثمان ساعات، وتقليل التأثيرات الضارَّة بالبيئة. على سبيل المثال، منعت سياسات العمل عن بعد الخاصة بشركة ديل وشركة أتنا للرعاية الصحية وشركة زيروكس انبعاث 95294 طن متري من الغازات الدفيئة في العام الماضي وهو يعادل إيقاف 20000 مركبة ركَّاب عن العمل. في المقابل، تتضمن سلبيات هذا الهيكل: العزلة الاجتماعية للموظفين الذين يعملون عبر الإنترنت، واحتمالية ضعف الثقة بين الموظفين والشركة وبين الموظفين أنفسهم عندما تكون عمليات التواصل محدودة، وقلة التعاون بين الموظفين ومسؤولي المؤسسة نظرًا لقلة التفاعل الاجتماعي فيما بينهم. سنتحدث في المقال التالي من هذه السلسلة عن الأبعاد الداخلية المكِّملة لهيكل المؤسسة والتي تتأثَّر ببيئة العمل الخارجية وتؤثِّر عليها. ترجمة -وبتصرف- للفصل Organizational Designs and Structures من كتاب Principles of Management
  4. إن نظام الإدارة في المؤسسات ليس نظامًا مُغلقًا فهناك الكثير من العوامل والعديد من الظروف والتَبِعات التي تؤثّر وتتأثر بنظام كل مؤسسة، وفي مقالنا هذا سنستعرض كلًا من العوامل والضغوطات الخارجية التي تعاني منها المؤسسات في وقتنا الحاضر وأنواع الهياكل التنظيمية ومواطن الضعف في كل منها. كما سنتطرّق إلى آلية تنظيم المؤسسات لبيئتها الداخلية وكيفية تحديد مدى التلاؤم بين ثقافة المؤسسة وبيئة العمل الخارجية. استكشاف المهن الإدارية جيف بيزوس مؤسس ومدير شركة أمازون بلغت القيمة السوقية لشركة أمازون في عام 2018 حوالي تريليون دولار أمريكي، ونجحت الشركة في الوصول إلى ذروة قائمة مجلة Fast Company لأكثر الشركات ابداعًا وتميّزًا لعام 2017، وقد ساهمت بأكثر من 44% من إجمالي التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة في العام نفسه، أي ما يعادل 4% من إجمالي مبيعات التجزئة فيها. تفوق القيمة السوقية لشركة أمازون مجموع القيم السوقية لشركة وول مارت وشركة تارجت وشركة بست باي وشركة نوردستروم وشركة Kohl’s وشركة جي سي بيني وشركة سيرز وشركة مايسيز مُجتمعةً. نجح جيف بيزوس مؤسِّس شركة أمازون في تحقيق ما فشلت معظم الشركات الكبرى في إنجازه وهو: الربط بين حجم الشركة والفرص الخارجية بشكل مرن. بلغت قيمة المبيعات في أمازون 100 مليار دولار عام 2015 وارتفعت قيمة أسهمها 300% خلال الثلاث سنوات الماضية. تخطِّط الشركة لتوفير أكثر من 50000 وظيفة جديدة بدءًا من العام 2018. تهدف استراتيجية بيزوس إلى الوصول إلى عدد غير محدود من الزبائن عبر الإنترنت مع الحفاظ على مراكز توزيع ثابتة في مُختلف المناطق بواسطة توفير اشتراك عضوية Prime مقابل 99$ سنويًا -أصبحت 119$ في عام 2018- ، وقد صرَّحت ستيفني لاندري نائبة رئيس شركة أمازون، أنَّ عضوية Prime أضحت متاحة في 49 مدينة في سبع دول، وأنَّ هناك أكثر من 100 مليون شخص أصبح مشتركًا في خدمة Prime في العام 2018، كما أشارت أنَّه يتوجَّب على العمل التجاري أن يجيب عن سؤالين من أسئلة الزبائن وهما: «هل يوجد لديك ما أريده؟ وهل تستطيع توصيله لي عندما أحتاجه؟» يبدو أنَّ إجابة شركة أمازون هي «نعم»، بفضل استراتيجية بيزوس التي أتاحت وجود روبوتات متطوِّرة تعمل جنبًا إلى جنب مع الموظفين البشر –وهذا يحاكي "مصنع المستقبل". لقد قادت استراتيجية التجارة الرقمية التي تبنَّاها بيزوس الشركة إلى أن تصبح شركة رائدة في تجارة التجزئة، إذ أنَّها تستغل عضوية Prime المدعومة بواسطة مراكز التوزيع المنتشرة. تصل الإيرادات الناتجة من عضوية Prime حوالي 60% من القيمة الكلية من جميع البضائع المُباعة عبر الموقع، ويصل عدد الزبائن الذين يستخدمون عضوية Prime في الولايات المتحدة والذين يُنفقون 2500 دولار سنويًا على موقع أمازون 60 مليون زبون. أشارت إحدى الدراسات التي شملت 3000 عملًا تجاريًا مستقلًا -كان نصفهم يبيع بالتجزئة- إلى أنَّ منافسة شركة أمازون لهم هي همُّهم الأساسي. لقد أدَّت استراتيجية بيزوس إلى تراجع عمل العديد من القطاعات الصناعية بل واستبدال الكثير منها بهذه الاستراتيجيّة، وقد قال بيزوس: تواجه شركة أمازون تحديات مثل ارتفاع تكلفة الشحن (أكثر من 11 مليار دولار سنويًا)، والضغوطات المفروضة على الموظفين (خاصة الموظفين الذين يعملون في المخازن ذات ظروف العمل السيئة)، وإضراب مقاولي الشحن عن العمل للمطالبة برفع الأجور وخفض أعباء العمل، واحتمالية فرض المزيد من التشديدات الحكومية (خاصة فيما يتعلَّق بتوصيل البضائع باستخدام الطائرات بدون طيَّار)، والضغوطات لدفع المزيد من الضرائب. تصدَّى بيزوس لهذه التحديات عن طريق توفير المزيد من الوظائف بدوام كامل في مدن مختلفة والتعهُّد بتحسين ظروف العمل وتقديم الدعم للأماكن العامة المخصصة لعامة الناس والمساهمة في اقتصاد الولايات المتحدة. .colored_border { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } تقف المؤسسات والقطاعات الصناعية عند مفترق طرق عندما تواجه المتطلبات الخارجية الجديدة والصعبة. تعدُّ الشركات الاستثنائية مثل أمازون وأبل ونتفليكس وألفابت أمثلة على نماذج العمل المتطورة التي تدمج بين الابتكار الاستراتيجي والبراعة التكنولوجية ومرونة الثقافة التنظيمية والتي لا تلبِّي متطلبات بيئة العمل الخارجية فحسب، ولكن تحدِّد طبيعتها أيضًا. في المقابل، لم تنجح العديد من الأعمال التجارية ذات نماذج العمل التقليدية من الناحية الاستراتجية والتشغيلية والتنظيمية بسبب عدم مراعاتها للمتطلّبات الخارجية المتغيرة و عدم تكيفها معها، ومن الشركات التي كانت ناجحة في يومٍ من الأيام ولكنَّها لم تتنبَّأ بالتغييرات ولم تتكيَّف معها: بلوك باستر، وتويز آر أص، وبوردرز، وصن ميكروسيستمز، وموتورولا، وديجيتال إكويبمنت كوؤربوريشون، وبولارويد، وكوداك، وغيرها. تتضمن بعض تحديات والضغوطات الخارجية التي تؤثِّر على بقاء المؤسسات وفاعليتها في وقتنا الحالي ما يلي: التقنيات الرقمية والذكاء الصناعي: يساعد الذكاء الصناعي على أتمتة سلسلة القيمة الخاصة بالشركة ممَّا يؤدِّي إلى تسريع وزيادة كفاءة العمليات وتقديم الخدمات للزبائن كما حدث مع شركة أمازون. بيَّنت دراسة استقصائية حديثة أنَّ 59% من المؤسسات تجمع معلومات لتطوير استراتيجيات ذكاء صناعي، في حين أنَّ هناك مؤسسات أخرى تمضي قدمًا في تجربة حلول الذكاء الاصطناعى أو اعتمادها لكي تنافس بسرعة وبتكلفة أقل. لكن هناك أيضًا مجازفات تصاحب الشركات التي تستخدم تقنيات رقمية حديثة عبر الإنترنت دون اتخاذ التدابير الأمنية الكافية. على سبيل المثال، يمكن لبعض التقنيات الحديثة المتوفرة على الإنترنت أن تعرِّض أنظمة التشغيل للهجمات الإلكترونية على نطاق واسع. أصبح الاختراق "مهنة" غير قانونية منتشرة في أوساط الأشخاص الذين بإمكانهم إعاقة المؤسسات عن الوصول إلى بياناتها إلا إذا دفعت فدية. على الرغم من أنَّ الاختراق ليس حديثًا، إلا أنَّه أصبح أكثر انتشارًا وخطورة إلى درجة أنَّه يهدِّد الأمن القومي. على سبيل المثال، تشير الأدلة إلى أنَّ مخترقين عالميين أثَّروا على عمليات الانتخاب الأمريكية السابقة عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإنَّ مستقبل معظم الأعمال التجارية يتطلَّب استخدام بعض التقنيات الرقمية والذكاء الصناعي. ظهور تقنيات البلوك تشين (blockchain): إنَّ البلوك تشين ليست تقنية واحدة؛ إنما هي سجل حسابات إلكتروني عام -يشبه قاعدة البيانات العلائقية- يتيح لمستخدمين مختلفين إجراء المعاملات ومن ثمَّ ينشئ سجلًا غير قابل للتغيير لتلك المعاملات، وكل معاملة يُخزَّن معها الوقت الذي أُجريت فيه وترتبط بالمعاملة التي سبقتها. ستواصل هذه الاختراعات التكنولوجية تأثيرها على كل عملية تجارية تقريبًا بما فيها عملية التوريد والشراء وحتى عمليات الإدارة القانونية. يستخدم القطاع المصرفي البلوك تشين، إذ أنَّها تزيد من سرعة وأمن ودقة المعاملات. نموذج الاقتصاد التشاركي و نموذج القيمة الاقتصادية المضافة اللذان يستخدمان تكنولوجيا المعلومات لاكتساب ميزة تنافسية. لقد بدأت شركات مثل شركة Airbnb وشركة أوبر في استخدام نماذج عمل جديدة أدَّت إلى حدوث اضطرابات في مجالات العقارات والفنادق وسيارات الأجرة وغيرها، إذ أزالت مستوى الإدارة الوسطى لزيادة الكفاءة ورضا المستخدمين وتقليل التكاليف عن طريق استخدام تقنيات المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا التوجه له آثار إيجابية وسلبية على الشركات، ومن المرجَّح أنَّ العديد من الزبائن يستفيدون من ذلك، ومن جهة أخرى فإن الأعمال التجارية ذات نماذج العمل القديمة أو غير الفعَّالة قد فشلت فعلًا أو تواجه أوقاتًا عصيبة في التكيُّف مع المُتطلبات العصرية. التغيُّرات التي طرأت على عملية التعلُّم: إنَّ اختيار أصحاب المواهب وتوظيفهم أمر مهم للمؤسسات، ولكن هناك أزمة متصاعدة تواجه الجيل الحالي -أصحاب المواهب المستقبلية- وهي التزايد المستمر في رسوم الدراسة في مؤسسات التعليم العالي وفي ديون الطلاب إلى جانب تغيُّر طبيعة الوظائف. مع ظهور مصادر التعليم الإلكترونية، فإنَّ عجز الطلاب عن تسديد الرسوم يخلق أزمةً وفرصةً يف الوقت نفسه لمؤسسات التعليم العالي التقليدية. في الوقت الذي لا تزال فيه درجة البكالوريس من المتطلَّبات الأساسيّة للعديد من الشركات التي تريد توظيف أصحاب المواهب الممتازة، فإنَّ المصادر التعليمية الإلكترونية مثل Khan Academy وUdacity وCoursera تكتسب شهرة وشرعية ممَّا مكَّنها من منح الطلاب الذين يواجهون تحديات مالية فرصًا للحصول على وظائف مخصَّصة للمبتدئين. ومن جهة أخرى فإنَّ الشركات التي تسعى إلى دفع أجور قليلة وتقديم ظروف عمل مرنة تجذب الطلاب، ولكنَّ الطلاب ذوي المهارات العالية والمحترفين قد لا يندرجون تحت هذه الفئة في الوقت الحالي. لا يزال مُبهمًا كيف ستتكيف مؤسسات التعليم العالي الخاصة وغير الربحية وحتى الربحية مع المتغيّرات بيئة العمل الخارجية. قضايا الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية للشركات والاستدامة: كانت وما تزال قضايا الفساد والكذب والاحتيال جُزءًا ظاهرًا وموجودًا في معظم المؤسسات والقطّاعات الحكومية والخاصة، إلّا أن الوعي العام الذي نشأ عن وسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي قد نبَّه المستهلكين والشركات إلى مخاطر ومساوئ الأنشطة غير القانونية وغير الأخلاقية التي تقوم بها بعض الشركات الكبيرة، كما أنَّ المشكلات البيئية الخارجية -التي كان الإنسان أحد أسباب حدوثها- مثل التلوث والتغيُّر المناخي أجبر الشركات على أن تتحمّل مسؤولية مشاركتها في هذه المشكلات من خلال صناعاتها المختلفة. توضِّح هذه الأمثلة القليلة التحديات الخارجية الضغوطات المستمرة التي تواجهها الشركات لكي تحافظ على تفوّقها وإبداعها في المجال الذي تعمل فيه، ستساعد النظريات والمفاهيم والمبادئ المبيَّنة في هذا المقال على فهم عناصر بيئة العمل الخارجية للمؤسسة وعلى معرفة كيفية تنظيم المؤسسات لكي تتمكَّن من البقاء والصمود والتقدّم في القرن الحادي والعشرين. بيئة العمل الخارجية للمؤسسة يجب على المؤسسات أن تتكيَّف مع ظروف بيئة العمل الخارجية وتستغلها وتتأقلم معها لكي تنجح وتزدهر. المؤسسات عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين يهدفون لخدمة غرض معين من خلال وضع أهداف وخطط وتطبيقها. تعمل المؤسسات ضمن بيئات عمل خارجية مختلفة وتُنظِّم بيئتها الداخلية لاستغلال الفرص ومواكبة المتطلبات الداخلية والخارجية. هناك أنواع مختلفة من المؤسسات وتشمل: المؤسسات غير الربحية، والمؤسسات الربحية، والمؤسسات العامة، والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الحكومية، والمؤسسات التطوعية، والمؤسسات العائلية، والمؤسسات التي تُطرح أسهمها للتداول العام. من الشائع أن يُشار إلى المؤسسات بالأسماء التالية: الشركات أو المنشآت أو الوكالات أو الجمعيات أو الاتحادات. على الرغم من أنَّ بيئة العمل الخارجية للمؤسسة تتحدَّد بناءً على نوع المؤسسة وحجمها ومجالها وموقعها وغايتها ومهمتها، إلا أن على المؤسسة أن تلبي متطلَّبات تلك البيئة ومواجهة حوادثها غير المتوقعة لكي تستمر وتزدهر. يُسلِّط هذا المقال الضوء على كيفية تلاؤم المؤسسات مع بيئتها الخارجية وآلية التنظيم الصحيحة في هذه المؤسسات لاستغلال الفرص والتعامل مع تحديات هذه البيئة، وتتضمن النتائج التي ستحصل عليها من خلال قراءتك لهذا المقال ما يلي: أن تكون قادرًا على تحديد عناصر بيئة العمل الخارجية والداخلية للمؤسسة التي قد تهمك أو تؤثر عليك بصفتك موظفًا أو مساهمًا أو فردًا من العائلة أو مراقبًا. أن تكتسب فهمًا أعمق بخصوص كيفية وضع الاستراتيجيات والأساليب التي ستساعدك (وستساعد مؤسستك) على التكيف مع العناصر والمتطلبات المحيطة (مثل شرائح السوق، والأطراف المعنية، والقضايا السياسية/ الاجتماعية/ الاقتصادية/ التكنولوجية) و التحكم بها. إنَّ بيئة العمل الخارجية للمؤسسة (أو البيئة العامة) مفهوم شامل ينطوي على جميع العوامل الخارجية التي تؤثِّر على عمل المؤسسة والتي يتوجَّب التعامل معها من أجل الحفاظ على سير عملها. يوضِّح الشكل التالي العوامل الخارجية الأساسية العامة المؤثِّرة على المؤسسات وتشمل: العوامل الاجتماعية الثقافية، والعوامل التكنولوجية، والعوامل الاقتصادية، والعوامل السياسية والحكومية، والكوارث الطبيعية، والمشكلات الناجمة عن فعل الإنسان التي تؤثِّر على الصناعات والمؤسسات. على سبيل المثال، تتضمن العوامل الاقتصادية أسعار الصرف والأجور وإحصاءات عن التوظيف والتضخم والركود، كما يتأثَّر كلٌّ من التوظيف والبطالة واستحقاقات الموظفين والعوامل المؤثِّرة على التكاليف التشغيلية والإيرادات والأرباح بالاقتصاد العالمي والقومي والإقليمي والمحلي. ومن العوامل الأخرى التي سنناقشها في مقالنا هذا العوامل الاقتصادية والسياسات الحكومية والحروب الدولية والكوارث الطبيعية والاختراعات التكنولوجية والعوامل الاجتماعية الثقافية. من المهم وضع هذه العوامل في الحسبان عند دراسة المؤسسات لأنَّ معظم التغييرات التي تؤثِّر على المؤسسات تصدر عن واحد أو أكثر من هذه العوامل. عوامل بيئة العمل الخارجية (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) إنَّ العولمة عبارة عن مزيج من العوامل الخارجية التي تسهم في تحديد شكل بيئات العمل الخاصة باالمؤسسات، ويشير مصطلح العولمة إلى وجود اقتصاد عالمي موَّحد، ومن خصائصها التجارة الحرة وتدفق رأس المال وعمليات التواصل وتبادل المعلومات وأسواق العمالة الأجنبية الرخيصة. إنَّ العولمة تُحدّد أسس ومظاهر المُتغيّرات والعوامل الاقتصادية العالمية، وهذه العوامل لا تزال تقدِّم فرصًا وتفرض ضغوطًا على الشركات المحلية والعالمية. كما أن للعولمة تأثيرات إيجابية على بعض الصناعات والشركات وتأثيرات سلبية على صناعات وشركات أخرى. على سبيل المثال، شركة أمازون مزدهرة نتيجة العولمة، إذ تبيع الشركة منتجات ذات أسعار منخفضة بواسطة علامتها التجارية AmazonBasics، كما أنَّ للشركة مواقع إلكترونية للبيع بالتجزئة مخصَّصة لعدة دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكندا وألمانيا وغيرها. أمَّا شركتا أوبر و Airbnb، فهما تستخدمان نظام الاقتصاد التشاركي وتعملان على مستوى العالم ولا تزالان مزدهرتان إلى يومنا هذا وتلعبان دورًا مهمًّا في الاقتصاد العالمي الجديد. جيف بيزوس: لقد دفعت استراتيجية التجارة الإلكترونية التي تبنَّاها بيزوس شركة أمازون إلى أن تصبح أقوى الشركات الرائدة في مجال تجارة التجزئة، واضطرّت الكثير من شركات تجارة التجزئة التقليدية مثل شركة تويز آر أص إلى الإغلاق، ودفعت آخرين مثل شركة وول مارت وتارجت وسيرز إلى إعادة تقييم بيئة أعمالهم. تستغل شركة أمازون عضوية Prime المدعومة بواسطة مراكز توزيع أرضية، وتصل الإيرادات الناتجة من عضوية Prime إلى حوالي 60% من القيمة الكلية للبضائع المُباعة عبر الموقع. (مصدر الصورة: سام تشرشل/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic ‏(CC BY 2.0)) تتضمن الدول التي استفادت من العولمة عمومًا: اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وماليزيا، وسنغافورة، وهونغ كونغ وتايلاند، والصين. إنَّ أسواق الصين الضخمة وبراعتها الاقتصادية المتنامية كانت ملحوظة على وجه الخصوص، إذ كان إجمالي الناتج المحلي للصين بحوالي 13.2 تريليون دولار في عام 2018، وقد تجاوز مجموع إجمالي الناتج القومي للدول التسعة عشر التي تستخدم اليورو. تسعى الشركات في جميع أنحاء العالم -سواء كانت كبيرة أم صغيرة، وسواء كانت موجودة على الإنترنت أو على أرض الواقع- إلى أن تتمكَّن من البيع في أسواق الصين الواسعة. بالإضافة إلى ذلك، بلغت ديون الولايات المتحدة للصين 1.168 تريليون دولار في مطلع عام 2018. يليها بعدها اليابان في المرتبة الثانية بديونٍ قدرها 1.07 تريليون دولار للصين. قد يؤدِّي أي اضطراب سياسي أو اقتصادي مع الصين إلى زيادة التضخم وأسعار الفائدة في اقتصاد الولايات المتحدة، وهذا يمكن أن يؤثِّر سلبًا على الأعمال التجارية في الولايات المتحدة. العوامل الاقتصادية "إنَّ التحدي الاستراتيجي في العقد القادم هو أن تشق طريقك في عالم يتحد ويتجزَّأ في الوقت نفسه. لقد سجلت أسواق الأسهم أرقامًا قياسية جديدة ووصلت التقلُّبات الاقتصادية إلى أدنى مستوى، كما حدثت صدمات سياسية غير مسبوقة، ويبدو أنَّ هناك أوضاعًا متناقضة على أرض الواقع." على الرغم من أنَّ البيانات الاقتصادية تشير إلى أنَّ العولمة كان لها تأثير إيجابي على الاقتصاد العالمي، إلَّا أنَّ هناك دراسات أخرى تُظهر جانبًا مظلمًا يبيِّن أنَّ ثلثي مجموع الأسر في 25 دولة من الدول المتقدمة اقتصاديًا كانوا يعانون من ركود أو انخفاض في مستويات الدخل بين عامي 2005 و2014. بالإضافة إلى ذلك، شهدت المملكة المتحدة والولايات المتحدة انخفاضًا في الأجور، ولا يزال توزّع الثروة في هذه البلدان في اضمحلال، كما أنَّ ظاهرة عدم المساواة في الدخل آخذة في الازدياد على نطاق عالمي. سوف نتحدَّث في هذا المقال أيضًا عن عوامل أخرى تؤثِّر على الاقتصاد العالمي والإقليمي والمحلي. العوامل التكنولوجية هي من المؤثِّرات الأخرى واسعة الانتشار التي تؤثِّر على المؤسسات، وتعدُّ جودة المنتجات والخدمات وأسعارها وسرعتها من محدِّدات الميزة التنافسية للمؤسسات في هذا العصر. إنَّ تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل بواسطة الإنترنت والتي تستخدمها الشركات التي تتبنَّى نظام الاقتصاد التشاركي مثل شركة Airbnb وشركة أوبر قد أضفت طابعًا ديمقراطيًّا وزادت من حدّة المنافسة مع العديد من المجالات مثل سيارات الأجرة و تأجير الأملاك العقارية والخدمات الفندقية. وأضحت الشركات من مختلف قطاعات الأعمال عاجزةً عن الاستمرار والتطوّر دون استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والبرامج المتطورة في مجالات البحث والتطوير والعمليات التشغيلية والتسويق والتمويل والمبيعات، لذلك تعتمد الشركات على التكنولوجيا لكي تتمكَّن من إدارة البيانات الضخمة واستخدامها في كل تلك المجالات. العوامل السياسية والحكومية، والتي تؤثِّر أيضًا على المؤسسات والقطاعات الصناعية. على سبيل المثال، من الأحداث الأخيرة التي أربكت الاقتصاد العالمي والتي سيكون من المبكِّر جدًّا التنبؤ بنتائجها على المدى البعيد: خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القومية التي ندَّد بها رئيسا تشيلي والأرجنتين، والحروب في الشرق الأوسط، والسياسات المناهضة للتجارة الحرة، ومشاريع إصلاح أنظمة الرعاية الصحية، والهجرة. تزيد كل تلك الأحداث من توتر الشركات وتقلّب ظروف العمل المحيطة باستمرار، وهذا في الواقع يخلق فرصًا لبعض القطاعات، في حين قد يولّد حالةً من عدم الاستقرار في قطاعات أخرى. العوامل الاجتماعية الثقافية تتضمن العوامل الاجتماعية الثقافية قيم الأجيال المختلفة ومعتقداتهم وتوجّهاتهم وأعرافهم وتقاليدهم وعاداتهم وأنماط حياتهم، ومن الجوانب الاجتماعية الثقافية الأخرى على وجه التحديد: التعليم واللغة والدين والقانون والسياسة والتنظيمات الاجتماعية. على سبيل المثال، عادةً ما يبحث الجيل المسمَّى بجيل الألفية (20-35 عامًا) عن العمل الذي يثير اهتمامهم، كما أنَّ هذا الجيل لديه وعي صحي وحماس للتعلُّم. نظرًا لأنَّ جيل الألفية (millennial) والجيل الذي يليه (Generation Z) بارع في التكنولوجيا ومعتاد على استخدامها -خاصةً وسائل التواصل الاجتماعي- يتوجَّب على المؤسسات أن تكون جاهزة لتوفير بيئة عمل صحية وممتعة إلى جانب العديد من تجارب العمل والتعلُّم لكي تجذب أصحاب المواهب الجديدة وتحتفظ بهم. تتضمن الظواهر الاجتماعية الثقافية العامة التي تحدث على مستوى العالم والتي تؤثِّر على المؤسسات أيضًا ما يلي: التحرش في مكان العمل ممَّا دفع المؤسسات إلى أن تكون أكثر صراحة بشأن العلاقات بين أصحاب العمل والرؤساء والموظفين. القضايا المتعلِّقة بالتنوع في مكان العمل نتيجة الهجرة من العديد من البلدان، إذ يحمل المهاجرون معهم تاريخهم الخاص وثقافاتهم ولغاتهم وغيرها من الخصائص الأخرى. ارتفاع معدل فئة الشباب العاطلين عن العمل، ممَّا يجعلهم معتمدين على دخل آبائهم أو من ينوب عنهم. على الرغم من أنَّ النساء قد أحرزن تقدمًا في أماكن العمل، إلا أنَّهنَّ ما زلن يمثلن نسبة قليلة ممن يحتلُّون المناصب القيادية العليا في المجالات السياسية والحكومية والأكاديمية وفي القطاع غير الربحي وقطاع الأعمال التجارية. تؤكِّد دراسة أجرتها شركة ماكنزي على أهميّة وضرورة وجود التنوُّع –الذي يشير إلى زيادة نسبة النساء والاختلافات العرقية والثقافية في قيادة الشركات الكبيرة- وتأثيرها الكبير في ارتفاع الأداء المالي للشركات.(14) تؤثِّر مثل هذه الظواهر والتوجّهات الاجتماعية الثقافية على ثقافة المؤسسات، ولها كذلك أبعاد أخرى مرتبطة بالمواهب البشرية وبتنوُّع القوى العاملة. الكوارث الطبيعية والمشكلات الناجمة عن فعل الإنسان تتضمّن الكوارث الطبيعية كلًّا من الأعاصير الشديدة ودرجات الحرارة العالية وزيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى الكوارث البيئية الناجمة عن فعل الإنسان مثل أزمات المياه والغذاء وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظام البيئي والهجرة القسرية واسعة النطاق. كل هذه الكوارث والمشكلات تؤثِّر على المؤسسات، وقد تطرّق تقرير المخاطر العالمية (Global Risks Report) لعام 2018 إلى العديد من المخاطر البيئية التي سيكون لها وقع كبير على مستوى الصناعات والشركات -بل على مستوى القارات والبلدان. وقد صُنفت تلك المخاطر بأنَّها أعلى من المعدل الطبيعي من حيث احتمالية الحدوث والأثر على مدى 10 سنوات، وقد بيَّن التقرير أنَّ عام 2017 تميّز بحدوث العديد من الأعاصير الشديدة وبدرجات الحرارة العالية وبحدوث أول ارتفاع لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال أربع سنوات، بالإضافة إلى أزمات المياه والغذاء وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظام البيئي والهجرة القسرية واسعة النطاق على سبيل المثال لا الحصر. أشار القائمون على هذه الدراسة أيضًا إلى أنَّ «نحن نفقد التنوّع الطبيعي بشكل متزايد ونواجه معدّلات انقراض كبيرة، والأنظمة الزراعية تعاني من المشكلات، وتلوُّث الهواء والبحار قد أصبح أكثر تهديدًا لصحة الإنسان.» من القضايا البيئية المعاصرة أيضًا ارتفاع منسوب مياه البحار، وتعدُّ الجزر المنخفضة في المحيط الهندي والمحيط الهادئ المناطق الأكثر عرضة للتداعيات السلبية لهذه الظاهرة. على سبيل المثال، تحتوي جمهورية جزر مارشال على أكثر من 1100 جزيرة منخفضة على 29 جزيرة مرجانية تتضمن مئات الآلاف من الأشخاص. تشير التوقعات إلى أنَّ ارتفاع مستويات سطح البحر قد يصل إلى 3 أقدام في جميع أنحاء العالم بحلول عام 2300 أو في وقت أقرب، وقد ذكر أحد التقارير أنَّ مدينة ميامي التي تقع في ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة قد تصبح تحت الماء خلال السنوات القادمة.(16) أجزاء كبيرة من المستنقعات في ولاية لويزيانا قد غُمرت بالمياه، وقد عمدت الولايات المتحدة إلى مقاضاة منتجي النفط والشركات المشابهة بدعوى أنَّ الانبعاثات الناجمة عن الوقود الأحفوري ساهمت في حدوث كوارث طبيعية مثل التغيُّرات المناخي (الاحتباس الحراري). ولقد بدأت فعلًا العديد من الشركات في الولايات المتحدة بتشييد مباني تصمد أمام الفيضانات وارتفاع منسوب المياه المتوقع في المستقبل. بيئات العمل الخارجية وقطاعات الأعمال يراقب قادة المؤسسات وقطاعات الأعمال البيئات المحيطة لتحديد التوجُّهات والمشكلات والفرص والتنبؤ بها وإدارتها. هناك بعض الشركات -مثل شركة أمازون- بإمكانها استشراف التوجُّهات في البيئات المحيطة بها أو حتى فرضها، على خلاف معظم الشركات التي يجب عليها أن تتأقلم مع هذه المُتغيّرات. يمكن أن نحدِّد نوع بيئة العمل الخارجية المحيطة بالمؤسسة عن طريق تحديد مقدار الارتياب والتغيّرات التي من الممكن أن تطرأ والتي ترتبط بعناصرها. يبيِّن الشكل التالي تصوُّر العلماء لمدى ملائمة المؤسسات وقطاعات الأعمال لبيئات العمل المختلفة. مقتبس من الدراسة «Characteristics of organizational environments of uncertainty» المنشورة في مجلة «American Science Quarterly»، 1972، مجلد 17 (سبتمبر)، ص 313-327؛ ومقتبس من كتاب «Organizational Theory and Design». تأليف: ريتشارد دافت، النسخة 12، ص 151. الناشر: سينجاج ليرنينج، مايسن، أوهايو. يمثِّل البعد الأول في الشكل «درجة تعقُّد البيئة» والمقصود بها عدد عناصر البيئة مثل المنافسين والمورِّدين والزبائن وتُصنَّف إما بسيطة أو معقَّدة. ويمثِّل البعد الثاني «درجة تغيُّر البيئة» التي تُصنَّف إما ثابتة أو متغيِّرة. من العناصر المهمَّة أيضًا في هذا النموذج مدى توفُّر الموراد المالية التي تدعم نمو المؤسسة. من المؤكَّد أنَّ الظروف غير المتوقَّعة مثل الاضطرابات العالمية والدولية وفترات الركود الاقتصادي وغيرها قد تؤثِّر على قطاعات الأعمال والمؤسسات، ولكن هذا النموذج يعدُّ بمثابة نقطة بداية لفهم مدى التلاؤم بين البيئات وقطاعات الأعمال. تتكيَّف بعض المؤسسات وقطاعات الأعمال مثل شركات تعبئة المشروبات الغازية وشركات تصنيع حاويات الشحن وتتلاءم مع بيئة العمل الخارجية الثابتة (التي لا تتغيَّر نسبيًا) والبسيطة وذات درجة عدم التأكُّد المنخفضة (معظم عناصر البيئة متشابهة)، وتُسمَّى هذه البيئة بالبيئة البسيطة الثابتة (المربع رقم 1 في الشكل). عادةً ما تزدهر الجامعات وشركات تصنيع الأجهزة المنزلية وشركات الكيماويات وشركات التأمين في البيئة التي تتسِّم بالثبات والتعقيد والتي تتراوح درجة عدم التأكُّد فيها بين الانخفاض والتوسُّط، وتُسمَّى هذه البيئة بالبيئة المعقدَّة الثابتة (المربع رقم 2 في الشكل). في حين تكون مجالات التجارة الإلكترونية والموسيقى وصناعة الأزياء أكثر فاعلية في البيئة البسيطة التي تتراوح درجة عدم التأكُّد فيها بين التوسُّط والارتفاع، وتُسمَّى هذه البيئة بالبيئة البسيطة غير الثابتة (المربع رقم 3 في الشكل). بينما تكون مجالات الحاسوب والفضاء والطيران والاتصالات أكثر فاعلية في البيئة التي تتسِّم بدرجة عالية من عدم التأكُّد والتي تكون عناصرها معقَّدة وغير ثابتة، وتُسمَّى هذه البيئة بالبيئة المعقدَّة غير الثابتة (المربع رقم 4 في الشكل). إنَّ الشكل السابق هو نقطة انطلاق لتحليل مدى التلاؤم بين أنواع بيئات العمل الخارجية وقطاعات الأعمال المختلفة، ويجب على المؤسسات أن تتكيَّف مع المتغيّرات أو أن تواجه عواقب وتداعيات عدم التأقلم معها. على سبيل المثال، عانت الكثير من المؤسّسات التعليمية خلال العقد الماضي- والتي كانت تعمل بشكل جيّد وبوتيرة ارتياب وعدم تأكدٍ منخفضة إلى متوسطة (المربع رقم 4 في الشكل)- من متغيّرات كثيرة أضحى معها الارتياب وعدم التأكد متوسّطًا إلى مرتفع، وقد كانت المؤسسات التعليمية الربحية (مثل جامعة فينيكس الأمريكية) من أكثر المتأثِّرين بالمتغيِّرات والتعقيدات التي طرأت على بيئة العمل الخارجية مقارنةً بالمؤسسات التعليمية غير الربحية مثل الجامعات الحكومية وكليات المجتمع والجاامعات والكليات غير الربحية الخاصة. لقد واجهت الجامعات الربحية الأمريكية في فترة رئاسة أوباما مزيدًا من التدقيق والرقابة على الإعلانات المريبة ومعدلات التخرج والقضايا المتعلَّقة بالاعتماد الأكاديمي، وقد أُصدرت دعاوى قضائية في حق العديد من هذه المؤسسات، واضطرت بعض هذه الكليات أن تغلق أبوابها. لكن شهدت فترة رئاسة ترامب تخفيفًا للسيطرة والرقابة الحكومية الشديدة على هذا القطاع. عمومًا تواجه مؤسسات التعليم العالي في وقتنا الحالي تزايدًا في تعقيد البيئات وتغيُّرها نظرًا لارتفاع معدلات الرسوم الدراسية وزيادة المنافسة من البرامج التعليمية الأقل تكلفة والمتوفرة عبر الإنترنت، وانخفاض معدل التحاق الطلاب بهذه المؤسسات، بالإضافة إلى وجود عدد كبير جدًا من هذه المؤسسات والمنافسة الشديدة فيما بينها. فقد اندمجت العديد من مؤسسات التعليم العالي الخاصة وغير الربحية مع بعضها، وأغلق الكثير منها أبوابها. لقد أصبح التكيُّف مع التغيُّرات الخارجية السريعة والمتزايدة ضرورة ملحَّة لمعظم المؤسسات وقطاعات الأعمال مع اندفاع عجلة الزمن في القرن الحادي والعشرين. التعقيد التنظيمي تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ التعقيد التنظيمي الخارجي (والداخلي) لا يكون بهذه السهولة في معظم الأحيان. يُعرَّف التعقيد التنظيمي الخارجي بأنَّه: «مقدار التعقيد المستمد من عناصر البيئة التي تعمل فيها المؤسسة مثل الدولة والأسواق والمورِّدين والزبائن والأطراف المعنية، في حين أنَّ التعقيد الداخلي هو مقدار التعقيد في عناصر المؤسسة نفسها مثل المنتجات والتقنيات والموارد البشرية والعمليات والهيكل التنظيمي بشكلٍ عام. بناءً على ذلك، تُشكِّل الجوانب المختلفة تعقيدات داخلية وخارجية.» المعضلة التي يواجهها قادة ومديري المؤسسات في بعض الأحيان هي كيفية التعامل مع التعقيد الخارجي والداخلي. هل ينبغي عليهم تنميته هذه التعقيدات أم عليهم الحد منها؟ تحثُّ بعض الاستراتيجيات على الحد منها على المستوى المحلي وتنميتها على المستوى العالمي -استنادًا إلى حجم المؤسسة ونموذج العمل وطبيعة البيئات المحيطة. نذكر فيما يلي بعض الأفكار البسيطة التي حددَّها دي توني ودي زان العاملين في المجال التنظيمي لكي تأخذها بعين الاعتبار عندما تتعامل مع بيئات العمل الخارجية ذات مستويات التعقيد المرتفعة بعد أن تكون قد حلَّلت طبيعة التعقيد الخارجي: جمع مجموعة من فرق العمل ذاتية الإدارة أو وحدات العمل المستقلة التي لديها مسؤولية ريادية تجاه المؤسسة. تستخدِم هذه الفرق ذاتية التنظيم طرقًا مبتكَرة للتعامل مع التعقيدات والمُتغيّرات المفاجئة وتحويلها لصالح المؤسسة. وضع قواعد بسيطة لاستخراج القدرات والأفكار الإبداعية والمبتكرة وللحفاظ على بساطة البنية التحتية والعمليات مع ضمان مواكبة ومسايرة النتائج والمخرجات مع التعقيدات الخارجيّة المفاجئة. يمكننا أن نرى مثالًا على ذلك في قواعد شركة ليغو: «(1) هل يحمل المنتج الجديد مظهر الليغو؟ (2) هل الأطفال يحصلون على تجربة تعليمية وترفيهية في آنٍ معًا؟ (3) هل سيوافق الآباء؟ (4) هل المنتج يتمتَّع بمعايير جودة عالية؟ (5) هل يشجِّع على الإبداع؟»(19) إنشاء شبكات مفتوحة داخل المؤسسة وخارجها لتعزيز التعاون والتكامل وتطوير العلامة التجارية وسمعتها. مشاركة القيم والرؤى والاستراتيجيات والعمليات التنظيمية والمعرفة من خلال بناء الثقة ودمج وتعزيز القادة في جميع المستويات. أبقِ هذه الأفكار في ذهنك أثناء قراءتك لهذا المقال وفكِّر كيف يمكن أن يُسخّر القادة والمديرون والموظفون عوامل بيئة العمل الخارجية في مساعدة مؤسّساتهم على استغلال الموارد بطريقة إبداعية وفعَّالة وزيادة قدرتها على المنافسة لكي تصبح أكثر تأثيرًا ونجاحًا. ترجمة -وبتصرف- للفصلين The Organization's External Environment وExternal Environments and Industries من كتاب Principles of Management
  5. ما التأثيرات التي أحدثها إلتون مايو على نظرية الإدارة؟ وكيف أثَّرت حركة العلاقات الإنسانية على نظرية الإدارة الحالية؟ في الواقع كان ظهور حركة العلاقات الإنسانية استجابة طبيعية لبعض القضايا المرتبطة بالإدارة العلمية والنظرة الاجتماعية الدونية التي كان يُنظر بها إلى العاملين والتي تجاهلت الجوانب الاجتماعية للعمل. إنَّ الخصائص الأساسية المشتركة بين تايلور وفيبر وفايول هي الأفكار المتعلِّقة بزيادة الكفاءة الناتجة عن التحسينات الإداريّة أو القانونية، وكان التفكير العقلاني أحد أهم الركائز التي اعتمدت عليها توجّهاتهم؛ فوفقًا للإدارة العلمية، هناك منطق وراء إنجاز أي عمل، والسلطة الرسمية والمعرفة هما المحفِّزات كانت الحكم الفيصل والرئيسي في أماكن العمل. تميل الإدارة العلمية إلى التقليل من شأن تأثير الضغوطات الاجتماعية على التفاعلات الإنسانية. لقد حسَّنت حركة العلاقات الإنسانية من الإدارة العلمية لأنَّها أقرَّت بأنَّ اتجاهات الناس وتصوُّراتهم ورغباتهم تؤثِّر على أدائهم في العمل، وقد بدأ المديرون بعد ذلك يدركون بأنَّ تسوية النزاعات بين الموظّفين أصعب ممَّا كان يصوِّره أسلوب الإدارة العلمية. إنَّ الاختلاف الأساسي بين الإدارة العلمية ونظرية العلاقات الإنسانية هو أنَّ نظرية العلاقات الإنسانية أدركت أنَّ العوامل الاجتماعية مصدر قوة وتأثير في أماكن العمل، في حين أنَّ تايلور حاول تقليل الضغوطات الاجتماعية عندما أدرك وجودها في المؤسسات من خلال تقديم تعويضات ومكافآت مالية للعاملين لكي ينتجوا على الرغم من أنَّ الضغوطات الاجتماعية كانت تجبرهم على تقليل الإنتاج. أدرك فايول وجود مشكلات اجتماعية أيضًا ولكنَّه ركَّز على ارتباط العاملين بالمؤسسة بدلًا من ارتباطهم ببعضهم البعض أو بمشرفهم، في حين ركَّز فيبر على سيادة القانون واعتقد أنَّ القوانين واللوائح التنظيمية سوف توَّجه المجتمع والشركات، ولكنَّه لم يبذل جهدًا كافيًا لدراسة التداعيات الناتجة عن كسر القوانين أو فشلها في التكيّف مع ظرف عملٍ معيّن. لم يدرك فايول وفيبر دور ثقافة الشركة ولم يدرسوا عن كثب الأسباب التي تجعل العاملين لا يطيعون الأوامر. لقد أضافت حركة العلاقات الإنسانية جانبًا اجتماعيًا أكبر للدراسات والنظريات المتعلِّقة بالعمل. ربما لم يُسَأ فهم أي دراسات بحثية بقدر ما حدث مع تجارب هوثورن، إذ أنَّ تجارب هوثورن هي التجارب البحثية الأكثر تأثيرًا والتي تعرَّضت لأكبر قدر من سوء الفهم والانتقاد من بين جميع تجارب العلوم الاجتماعية. تشير القصة إلى أنَّ إلتون مايو (1880-1949) قام بدراسة ووضع وتطوير نظرية العلاقات الإنسانية بناءً على تجربة أجراها ما بين عامي 1924 و 1932 في مصنع هوثورن الخاص بشركة وسترن إلكتريك، والقصّة المُتداولة بين الناس تلتمس شيئًا ضئيلًا مما حدث حقًّا، إذ أنَّ الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا وصعبة الفهم. تدَّعي معظم الكتب الدراسية بأنَّ إلتون مايو هو الذي أجرى الأبحاث والدراسات، ولكن هذا ليس صحيحًا، إذ أنَّ مجموعة من الباحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا باشروا هذه الدراسات، ولم يُقحم إلتون نفسه فيها حتى عام 1927، ولكنَّ رؤية مايو بشأن تجارب هوثورن هي التي سادت المؤلَّفات. هدفت المرحلة الأولى من تجارب هوثورن إلى قياس أثر الضوء على الإنتاج، ولم تؤدِّ هذه التجارب إلى نتائج حاسمة بسبب وجود العديد من المتغيِّرات التي من الممكن أن تؤثِّر على إنتاجية العاملين إلى جانب عامل الضوء، وقد واجه الباحثون صعوبة في فهم سبب زيادة الإنتاجية في تِلك التجربة. أجرى الباحثون تجارب المرحلة الثانية من تجارب هوثورن في غرفة اختبروا فيها أثر ظروف العمل مثل الاستراحات وطول أيام العمل ووجبات الغداء التي تقدِّمها الشركة وطريقة الدفع على الإنتاجية. لقد اختار الباحثون ست عاملات شابَّات وأسندوا لكل واحدة منهنَّ مهمة لكي تقوم بها، ووجد الباحثون أنَّ الإنتاجية تزداد بغض النظر عن المتغيِّر الذي يُدخلون عليه تعديلات، كما ازدادت الإنتاجية أكثر حتى بعد فصل عاملتين بسبب مشكلة صحية وبسبب الزواج. لقد تفاجأ الباحثون بالنتائج، إذ توَّقعوا حدوث إنخفاض في الإنتاجية ولكن ما لاحظوه هو زيادة مطَّردة. توجَّه المسؤولون التنفيذيون إلى إلتون مايو -وقد كان عالم نفس أسترالي من جامعة هارفارد- لكي يشرح لهم تلك النتائج المحيِّرة. وقد بدأت الانتقادات تنهال على تجربة هوثورن مُذ انخرط فيها مايو. لاحظ مايو أنَّ الإنتاجية يمكن أن تزيد إذا أدركت الإدارة أهميّة نظر الأفراد العاملين تجاه العمل الذي يُنجزونه وإذا أخذت بعين الاعتبار تأثير المواقف الجماعية على السلوك. كان تفسير مايو هو أنَّ القضايا الاجتماعية والاهتمام الذي يوليه المشرفون لهذه القضايا لها دور في زيادة الإنتاجية. لقد مُنحت النساء في مصنع هوثورن حريّة العمل وتقديم اقتراحات بخصوص ظروف عملهنَّ، وشعرت العديد من النساء في مصنع هوثورن بأنَّهنَّ مميزات وأنَّهنَّ سيحصلن على معاملة أفضل من إدارة الشركة إذا كان أداؤهنَّ جيِّدًا، كما أنَّهنَّ أصبحن ودودات جدًّا تجاه بعضهنّ البعض. يبدو أنَّ علاقة النساء ببعضهنَّ كفريق واحد وارتفاع مستوى رضاهنَّ في العمل دفعهنَّ إلى تحسين أدائهنَّ، وقد بيَّنت التجارب بأنَّ الحوافز المالية أيضًا كانت محرّكًا رئيسيًّا لتحسين الأداء. أُجريت تجارب المرحلة الثالثة من تجارب هوثورن بين عامي 1931 و1932. ولم يكن طاقم الموظّفين المشاركين في هذه التجربة جُددًا؛ بل كانوا مجموعة موجودة سابقًا وكان تاريخ عملهم مكتظًّا بالسلوكيات السيِّئة. لقد قرَّر أفراد المجموعة أن تكون كمية إنتاجهم ما بين 6000 إلى 6600 قطعة فقط في اليوم الواحد على سبيل الإضراب الجماعي. كان العاملون ينتجون كميات أكثر يُنبَذون أو يُضربون على أذرعهم لكي يقلِّلوا من إنتاجيتهم. لخَّص جورج هومانز الاختلاف بين نتائج تجارب المرحلة الثانية وتجارب المرحلة الثالثة كما يلي: وجد الباحثون أنَّ المجموعات التي تشكَّلت فرضت قواعدًا غير رسمية على العاملين داخلها، وقد ذكر هومانز بأنَّ العاملين أنشؤوا علاقة مع أحد المديرين حتى يستطيعوا التحكم في كمية الإنتاج. إنَّ هذا الاكتشاف الذي أظهر بأنَّ الإدارة يمكن أن تتحالف مع القوى العاملة من أجل الحد من الإنتاج كان إسهامًا بارزًا في الفكر الإداري في ذلك الوقت، وهذا يشير إلى أنَّ السلطة الإدارية يمكن أن تنهار إذا عارض المدير سياسة الإدارة تجاه العاملين. مصنع هوثورن. درست تجارب هوثورن أثر ظروف العمل المختلفة (مثل التغيُّر في أوقات العمل وعدد الاستراحات) على الإنتاجية. أُجريت التجارب في مصنع هوثورن الموضَّح في الصورة، وقد أدَّت هذه الدراسات إلى انتشار الفكرة القائلة بأنَّ توجّهات وسلوكيّات العاملين الاجتماعيّة تؤثِّر على أدائهم. (مصدر الصورة: فليكر، هذا العمل يندرج تحت الملك العام الخاص بالولايات المتحدة لأنَّه نُشر في الولايات المتحدة بين عامي 1923 و1977 دون إشعار بحقوق النشر.) ما المستفاد من تجارب هوثورن؟ لم يكن لها معنى إلى حد ما لأنَّها لم تبيِّن إلّا القليل، وقد وُصفت في الواقع بأنَّها عديمة الجدوى من الناحية العلمية. كان هناك الكثير من العوامل المؤثّرة التي تلاعب الباحثون بها، كما أن حجم العيِّنة كان صغيرًا جدًّا، وقد جُمعت الملاحظات بطريقة عشوائية، وقد درس الباحثون في مصنع هوثورن التجارب من خلال منظورهم الفكري الخاص. لقد ارتكب الباحثون خطأًعندما افترضوا أنَّ الأجور لم تشكّل عُنصرًا جوهريًّا بالنسبة للعاملين، في حين أنَّها كانت دافعًا مهمًا لهم للعمل. ومع ذلك فقد تجاهلت هذه الانتقادات حقيقتين رئيسيتين في تجارب هوثورن. الحقيقة الأولى هي أنَّ هذه هي التجارب الأولى من نوعها والتي ركّزت على حياة العمل الفعلية للعاملين، وكانت الحقيقة بحدِّ ذاتها نقلةً نوعيّةً في الدراسات الاجتماعية. الحقيقة الثانية هي أنَّ هذه الدراسات كانت تهدف إلى إجراء أبحاث مستقبلية، وهذه الأبحاث المستقبلية أظهرت أنَّ للسلوكيّات والتوجّهات الاجتماعيّة دورًا رئيسيًا في تحديد نتائج العمل، ومن النتائج المهمّة التي خرجت بها هذه الدراسة هي دور المُشرف الإداري الحسّاس في العمل، فقد وجد الباحثون أن تصرّفات وسلوكيّات وحتى مشاعر العاملين تعلّقت بشكل رئيسي بتصرّفات المشرفين عليهم وطريقة معاملتهم لهم. فقد وجدوا أن التوتُّر والإجهاد هما نتاج العلاقة وطبيعة التعامل بين المُشرفين والعاملين، ولا ينتجان فقط بسبب التعب الجسدي أو الظروف غير الملائمة. أخيرًا، بيَّنت تجارب هوثورن أنَّ الدافع للعمل يتأثَّر بعدد كبير من العوامل منها: الأجور، والعلاقات الاجتماعية ، والأهداف، والاهتمامات، وحتى التوجّهات. برنارد و "نطاق تقبُّل السُلطة" شيستر برنارد (1886-1961) كان رئيس شركة نيو جيرسي بيل للهواتف ، وقد أُعطي قدرًا استثنائيًا من الوقت لإجراء البحوث نظرًا لكونه رئيسًا. كان برنارد طالبًا في جامعة هارفارد، وقد تعرَّف على بعض البحوث الصناعية الجارية عبر علاقاته في الجامعة، وكان إسهامه البارز عبارة عن كتاب يُسمَّى وظائف الرئيس التنفيذي (The Functions of the Executive). يرى برنارد بأنَّ مهمّة المسؤول التنفيذي هي الحصول على النتائج المطلوبة من أعضاء المؤسسة عن طريق التأكُّد من أنَّهم يؤدُّون أعمالهم وأنَّ هناك تعاونًا بين المجموعات المختلفة داخل المؤسسة. الوظيفة البارزة الأخرى للمسؤول التنفيذي هي تعيين الموظفين الموهوبين والتمسّك بهم.عرَّف برنارد التنظيم الرسمي بأنَّه أنشطة منسَّقة بطريقة مدروسة بين شخصين أو أكثر، ولكنَّه لاحظ أنَّه من المستبعد أن يدوم هذا التنسيق طويلًا، وهذا قد يفسِّر سبب عدم استمرار العديد من الشركات لفترات طويلة من الزمن. اعتقد برنارد أنَّ المسؤولين التنفيذيين يمارسون السلطة بطريقة أفضل من خلال التواصل واستخدام الحوافز، إذ ينبغي أن يتضمن التواصل داخل المؤسسة طُرقًا وأساليب اتصال محدَّدة، كما ينبغي أن ينبغي أن تُتاح الفُرصة للعاملين للوصول إلى مصادر البيانات والمعلومات بحيث يوظّفونها في عملهم. ينبغي أيضًا أن يكون التواصل واضحًا ومباشرًا وصادقًا لكي يدرك أعضاء المؤسسة الأمور التي يُتوقع منهم القيام بها. لقد كانت بعض النتائج التي توصَّل إليها برنارد بخصوص الحوافز انعكاسًا لتركيز حركة العلاقات الإنسانية على النتائج الاجتماعية، ولكنَّه خفَّف من حدة هذا التركيز من خلال الإدراك بأنَّ العاملين يعملون مقابل الحصول على أجر. تتضمن الحوافز التي أكَّد برنارد على أهميتها والتي كان يرى أنَّ الجمع بينها سيكفل تعاون أعضاء المؤسسة ومساهمتهم، تضمّنت أربع محفّزات، الحافز الأول هو وجود محفِّزات مالية ومادية لتشجيع العاملين على تحسين الأداء والإنتاج، والحافز الثاني هو وجود محفِّزات غير مادية مثل التقدير.أما الحافز الثالث فيتمثّل بأن تكون ظروف العمل ملائمة وُمريحة للعامل. وأخيرًا الحافز الرابع ويتضمّن شعور العاملين بالاعتزاز والقيمة نتيجة العمل الذي يقومون به. على الرغم من أهمية ما توصَّل إليه برنارد بشأن وظائف المسؤولين التنفيذيين وتأثير التواصل والحوافز، إلَّا أنَّ إسهامه الأكبر في مجال الإدارة كان فكرة «نطاق تقبُّل السلطة» التي تشير إلى أنَّ العاملين سوف يطيعون الأوامر إذا كانوا لا ينزعجون منها وأنَّ كون الأوامر أو التعليمات غير مُزعجة بالنسبة لهم كافٍ لإطاعتهم لها فطريًّا نتيجة ميل الأفراد الطبيعي إلى طاعة السلطة، وليس بالضرورة أن يؤيِّدونها أو يدعمونها ويكفي أن تكون غير سلبيّةٍ تجاههم. لقد شرح برنارد أسباب عدم إطاعة العاملين للأوامر في جميع الأحيان، وبيَّن أنَّه يجب الوصول إلى «نطاق تقبُّل السلطة» من خلال أربعة عوامل، أوّلها هي وجوب أن يكون العاملون قادرين على إطاعة الأوامر. ثانيها أن يفهم العاملون الأوامر بشكلٍ واضحٍ وكافٍ لاتّباعها. ثالثها أن تنسجم الأوامر مع أهداف المؤسسة، بمعنى أن تتماشى مصالح الإدارة مع مصالح العاملين لكي يتعاونوا معًا. رابعها ألَّا تتعدَّى الأوامر على معتقدات الأفراد الشخصية. ماري فوليت وحل النزاعات وجدت ماري باركر فوليت (1868-1933) طريقة لاستغلال مبادئ حركة العلاقات الإنسانية لحل بعض المشكلات المتعلِّقة بنموذج الإدارة العلمية. كانت فوليت باحثة في مجال العلوم السياسيّة من جامعة هارفارد، وقد انتهى بها الحال إلى العمل في مجال الخدمات الاجتماعية بعد تخرجها من الجامعة نتيجة محدودية فُرص العمل المتاحة للنساء آنذاك. استمرت فوليت في نشر أعمالها في مجال الفلسفة والعلوم السياسية، ولكنَّها سرعان ما وجدت نفسها تميل إلى رابطة تايلور وهي مجموعة مهتمَّة بمبادئ الإدارة العلمية. ثمَّ اتجهت ماري إلى مجال الأعمال التجارية لاحقًا خلال مسيرتها المهنية. أشار الباحثان رين وبيديان إلى أنَّ فوليت كانت تنتمي زمنيًا إلى عصر الإدارة العلمية، ولكنَّها كانت تنتمي فكريًا إلى عصر حركة العلاقات الإنسانية. تمَّ تجاهل العمل الذي قدَّمته فوليت بدرجة كبيرة لعدة سنوات لأنَّه كان مبتكَرًا جدًّا ومختلفًا أو ربّما السبب يعود إلى كونها امرأة، وعلى الأغلب أنَّ كلا الأمرين كان لهما دور في ذلك، ولم تلقَ أفكارها رواجًا واهتمامًا كبيرًا في الفترة التي عاشتها لأنَّ الإدارة في تلك الفترة كانت تنظر إلى العاملين على أنَّهم مجرد أدوات. كان تركيز فوليت منصبًّا على تقليل النزاعات، وقد أشارت إلى أنَّ الإدارة ينبغي عليها أن تضع العوامل الاجتماعية في الحسبان عند تعاملها مع العاملين. لقد طرحت فوليت أسئلة إدارية عديدة مثل: كيف نصل إلى وحدة العمل؟ كيف نساعد العاملين على أن يعيشوا حياةً أفضل؟ كيف نساهم في نجاح المجموعة؟ كانت ترى أنَّ سلوك الفرد يتأثَّر ويؤثِّر على الآخرين في المجموعة، وبناءً على ذلك؛ بيَّنت ضرورة امتلاك قانون التنسيق الإداري لضوابط تجمع التفاعلات المُختلفة للعامل مع من حوله. وما كانت تقصده هو أنَّه ينبغي على كل من الإدارة والعاملين أن يكونوا قادرين على فهم وجهة نظر الطرف الآخر. لقد سعت فوليت إلى أن تجعل الإدارة والعاملين يتقاسمون السلطة فيما بينهم بدلًا من أن يمارس طرف سلطته على الطرف الآخر. لقد كانت ترى أيضًا بأنَّ امتلاك السلطة ينبغي أن يكون مبنيًا على المعرفة والخبرة، وهي بذلك خالفت ما يراه فيبر وكانت رؤيتها أكثر انسجامًا مع رؤية تايلور. أشارت فوليت إلى أنَّ هناك عدة طرق لحل النزاعات. الطريقة الأولى هي السيطرة؛ أي أن يسيطر أحد الأطراف المتنازعة على الآخر ويملي عليه شروط الاتفاق، وقد لاحظت فوليت أنَّ ذلك لا يحدث إلَّا في حالات قليلة جدًّا في الحياة وأنَّ هذه الطريقة ستكبَّد الشركات تكاليفًا باهظة من الناحيّة الاجتماعيّة تتمثَّل في سخط القوى العاملة. الطريقة الثانية هي التسوية، لا يحصل أي من الطرفين على ما يريده بالضبط في هذه الطريقة، وأفضل ما يمكن الحصول عليه هو نتيجة يوافق عليها الطرفان. إنَّ مشكلة طريقة التسوية هي أنَّ كلا الطرفين يتنازلان عمَّا يريدانه حقًا ويختاران ما يمكنهما الاتفاق عليه، ولا يكون أي من الطرفين مسرورًا بالنتيجة في نهاية المطاف. الطريقة الثالثة لحل النزاعات هي الدمج أو التكامل وهي تحدث عندما يوضِّح كل طرف تفضيلاته وآرائه ويحاولون التوصُّل إلى اتفاق يُرض جميع الأطراف، وقد ذكرت فوليت مثالًا بسيطًا على هذه الطريقة: في يومٍ من الأيام في إحدى الغرف الصغيرة في مكتبة جامعة هارفارد، أراد شخص ما أن تكون النافذة مفتوحة، ولكننَّي أردتها أن تكون مغلقة. وتوصّلنا إلى فتح نافذة الغرفة المجاورة التي لم يكن جالسًا فيها أحد. قد يبدو أنَّ الحل في الموقف السابق كان يمثِّل تسوية، ولكن لننظر نظرة أعمق: كانت فوليت تريد أن تكون النافذة مغلقة، وكانت زميلتها في الدراسة تريد أن يكون هناك نافذة مفتوحة، ولم يكن بالضرورة أن تكون في نفس الغرفة. لقد استطاعتا أن تتوصَّلا إلى حل مرضٍ للطرفين لأنَّهما أعادتا صياغة المشكلة بطريقة ذكيّة. الإدارة الموقفية وإدارة النُظم كيف أدَّى ظهور المدرسة الموقفية ومدرسة النُظم إلى تغيير الفكر الإداري؟ لقد شهدت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين نشوء مدرستين منافستين ومكمِّلتين لأساليب الإدارة العلمية وحركة العلاقات الإنسانية. المدرسة الفكرية الأولى هي مدرسة النُظم، ومن روَّادها كينيث بولدينج ودانيال كاتز وروبرت خان ولودفيج فون بيرتالانفي. كان هؤلاء الرجال ينتمون إلى تخصُّصات مختلفة (علم النفس، وعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وحتى علم الأحياء) وقد حاولوا تفسير كيف أنَّ العوامل الخارجية تحدِّد النتائج الإدارية. الغاية الرئيسية من أبحاث مدرسة النُظم هي إدراك الظروف الخارجية التي تواجه المؤسسات ومعرفة كيفية التعامل مع هذه الظروف. يرى الباحثون النظرييون في مدرسة النُظم أنَّ الشركة عبارة عن نظام مفتوح، والنظام المفتوح هو نظام يتفاعل مع بيئته. تتفاعل البيئة مع الشركة عن طريق استقبال وتقديم الموارد والمُنتجات من وإلى الشركة. على سبيل المثال، تجمع شركة أبل المواد الخام اللازمة لتصنيع جهاز الآيفون، وتستخدم هذه المواد لإنشاء شيء ذي قيمة للزبائن بالاستعانة بالمعرفة والإجراءات والأدوات والمصادر، ويقوم المستهلكون بعد ذلك بشراء المنتج النهائي. يزوِّد الزبائن الشركة بمعلومات -تحديدًا فيما يتعلَّق بما إذا كان المنتج قد أعجبهم لدرجة تدفعهم إلى شرائه- إلى جانب استفادة الشركة من العائدات المالية. القضية التي تثيرها مدرسة إدارة النُظم هي أنَّ أفعال المديرين تعكس عوامل ومؤثرات خارجية. على سبيل المثال، إذا كنت مديرًا للموارد البشرية، فإنَّ الأفعال والقرارات التي تتخذها يحدَّدها قانون التوظيف، إذ يفرض القانون على المؤسسات أن يكون لديها اختبارات معياريّة وموثوقة. عندما ينتهك أحد المديرين هذا القانون، فقد تتعرّض الشركة للملاحقة القانونيّة والدعوات القضائية ضدها. على نحوٍ مماثل، تُحدِّد قوانين العرض والطلب مجال الرواتب الذي ستقدِّمها الشركة للمتقدِّمين للوظيفة لديها. إذا كانت الشركة تدفع أجرًا أكثر مما هو في السوق، فمن المتوقع أن تحصل على موظّفين ذوي كفاءات عالية. لكن إذا كانت تدفع أجرًا أقل مما هو في السوق، فقد تجد صعوبة في العثور على موظفين كُفُؤ. من الناحية الاستراتيجية، فإنَّ البيئة الخارجيّة والعوامل المُحيطة تلعب دورًا بارزًا في الطريقة التي تتنافس بها الشركات مع بعضها. على سبيل المثال، قدرة شركة أبل على بيع أجهزة الآيفون مقيَّدة بعوامل خارجية تتضمَّن: التكنولوجيا، والمورِّدين، والزبائن، والمنافسين. إنَّ كل عملية بيع لهاتف أندرويد تقلِّل عدد هواتف الآيفون التي يمكن لشركة أبل بيعها. المدرسة الثانية التي قدَّمت إسهامات إلى الفكر الإداري في منتصف القرن العشرين هي المدرسة الموقفية. كان علماء الإدارة قبل ظهور هذه المدرسة يبحثون عن الطريقة الأفضل للإدارة، ولكنَّ المدرسة الموقفية غيَّرت هذا المفهوم من خلال اقتراحها القائل بأنَّه لا توجد قواعد معمَّمة في الإدارة، فقد تطرأ ظروف ومواقف، خارجيّة أو داخليّة، لم تكن بالحسبان، وكلُّ موقفٍ منها قد يتطلّب استجابةً مُختلفة للتعامل معه. الاستجابة الأفضل لموقفٍ ما قد لا تكون مناسبةً لموقفٍ آخر. العبارة الأساسية الخاصة بالمدرسة الموقفية هي «it depends»، وهذا يعني أنَّ الطريقة المناسبة للعمل أو الإدارة تعتمد على الموقف ولا تكون معيارًا واحدًا لكل الحالات. تعدُّ جوان وودوارد من الباحثين النظريين الرائدين للمدرسة الموقفية، وهي باحثة بريطانية أجرت أبحاثها خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. لقد رأت أنَّ الأحداث غير المتوقعة -مثل التطوّر التكنولوجي المُتسارع- لها دور في تحديد مقدار التدريب الذي ينبغي أن يتلقَّاه العاملون. على سبيل المثال، يُعدُّ التدريب الجيّد للموظف لمعالجة المشاكل المُنتوّعة في الظروف المُختلفة أمرًا حسّاسًا وجوهريًّا في وقتنا الحالي، ومع لك فإن وودوارد ترى أنَّ ذلك النَّهج ليس ضروريًّا في الأعمال التي لا تخوض في التكنلوجيا والمُتغيّرات العصريّة المُعقّدة، أمَّا في حالة الوظائف التي تتطلَّب تعمّقًا كبيرًا في التكنلوجيا والعناصر الأخرى الأكثر تعقيدًا في التعامل، فإنَّ التدريب سيكون ضروريًا. الإدارة الحديثة منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، شهدنا نشوء واندثار العديد من مدارس الفكر الإداري المختلفة. إنَّ أحد أبرز أساليب الإدارة الحديثة هو تطوير النظريات الإدارية. عندما يسمع الناس كلمة «نظرية»، فإنَّهم عادةً ما يفترضون أنَّها تشير إلى شيء غير قابل للتطبيق ومنفصل عن الحياة الواقعية، ولكنَّ الحقيقة هي أنَّ النظرية عبارة عن تنبُّؤ وتفسير. لقد دخل مفهوم النظرية في الأدب الإداري منذ سبعينيات القرن العشرين وأدَّى إلى سلسلةٍ من الأبحاث المُتعاقبة. المعارف الموضَّحة في هذا الكتاب بخصوص بعض المفاهيم مثل الاستراتيجية والسلوك التنظيمي وإدارة الموارد البشرية والنظرية التنظيمية لها أصول علميّة تعود إلى السبعينيات من القرن العشرين . أثرت الإسهامات الكبيرة للمجالات العلميّة المرتبطة بالإدارة مثل علوم الاقتصاد و النفس وعلم الاجتماع، في الارتقاء بمفاهيم الإدارة وعلومها خلال الأربعين سنة الماضية. اقترح الأستاذ في جامعة هارفارد جيفري فيفر، بناءً على الأبحاث النظريّة خلال الأربعين سنة الفائتة، فكرة الإدارة المستندة إلى دلائل. تشير هذه الفكرة إلى اتباع الممارسات الإدارية التي جرى اختبارها. هذه الفكرة تعيدنا إلى ما نادى به تايلور وهو الحاجة إلى وجود إدارة مستندة إلى العلم. مجددًا؛ يحاول الباحثون في مجال الإدارة استخدام الأبحاث الرسمية لاستبعاد الأساليب الإدارية السيئة التي كان يُوصى بها على مدى السنوات القليلة الماضية. يبيِّن الشكل التالي كيفية ارتباط المفكِّرين الإداريين الذين تحدَّثنا عنهم في هذا المقال ببعضهم. وفيما يلي الأمور المستفادة من كل مفكِّر من هؤلاء المفكِّرين: تايلور ومساعدوه: تحدَّثوا عن المخرجات الأساسية المتعلِّقة بإدارة الموارد البشرية والإشراف والرقابة وبعض الجوانب المتصلة بتحفيز العاملين. فايول وبرنارد: وضعوا مفاهيمًا مرتبطة بالإدارة الاستراتيجية والسلطة. ماري باركر فوليت: قدَّمت فكرة عن القيادة. إلتون مايو وزملاؤه: بدؤوا في دراسة السلوك التنظيمي، ولا تزال أعمالهم تؤثِّر على الدراسات المرتبطة بالتحفيز والتوتر والإجهاد والتصميم الوظيفي. فيبر: فتح المجال لدراسة التصميم التنظيمي، وركَّز على أهمية السلطة. (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) ترجمة -وبتصرف- للفصلين Human Relations Movement و Contingency and System Management من كتاب Principles of Management
  6. كيف أثَّرت الثورة الصناعية على تطور نظرية الإدارة؟ في الواقع لقد انتقلت أفكار عصر النهضة إلى إنجلترا أثناء فترة حكم أسرة تيودور (1485-1603)، وهي الفترة التي أُضيفت فيها كلمة management إلى اللغة الإنجليزية عن طريق ترجمات جون فلوريو الذي كان عضوًا يحمل الجِنسيّتين الإيطاليّة والإنكليزية في محكمة الملكة إليزابيث. تاريخ الثورة الصناعية لقد نتج عن نشأة النفوذ البريطاني الثورة الصناعية التي أدَّت إلى ظهور ثالث تطوُّر رئيسي في الإدارة، حيث ازدادت الفُرص التجارية مع زيادة نفوذ الإمبراطورية البريطانية، وقد شهد القرن الثامن عشر نشوء العديد من الشركات العالمية مثل شركة خليج هدسون وشركة الهند الشرقية. كانت شركة خليج هدسون تدير تجارة الفراء في كندا حيث يتم إنتاجها ثمَّ نقلها إلى إنجلترا لكي يُتاجر بها في أي جزء من العالم. أدَّى هذا التطوُّر الجديد الذي طرأ على التجارة إلى أن تصبح الأسواق وسيلة سائدة لتنظيم عملية تبادل البضائع، وأضحت الأسواق تُنسّقُ أعمال وأنشطة مختلف المشاركين ممَّا أتاح انتقال الموارد إلى الجهات التي يمكن أن تستغلها أفضل استغلال. ويُعدُّ العالم الاقتصادي والفيلسوف الأدبي آدم سميث من أبرز المفكِّرين الذين عاصروا هذه الفترة من الزمن. اقترح سميث في كتابه الرائع «ثروة الأمم» فكرة التخصُّص والتنسيق بين الشركات باعتبارها سببًا في النمو الاقتصادي. لذلك فإنَّ أبرز الإسهامات التي أضافها سميث للفكر الإداري هي التخصُّص وتقسيم العمل. يُقصد بتقسيم العمل (division of labor) أنَّ العامل يتخصَّص في تنفيذ مهمة واحدة تقع ضمن سلسلة أكبر من المهام التي تؤدِّي في النهاية إلى الخروج بمنتجٍ معيّن. لقد كان لفكرة التخصُّص العديد من النتائج المهمة والتي تتمثّل أولًا في تقليل تكلفة البضائع بدرجة كبيرة. وثانيًا في تقليل الحاجة إلى التدريب المُكثّف، فبدلًا من تعليم العاملين إنجاز العديد من المهام في مجالات مختلفة أصبح العاملون يختصّون في تعلُّم جانب واحد فقط. ثالثًا وأخيرًا، زاد الاهتمام بالإدارة بسبب الحاجة إلى تنسيق جميع المهام المختلفة. لقد كان لاختراع الآلة البخارية دورًا كبيرًا في تحسين نقل البضائع والمواد الخام، وقد قلَّل تكاليف الإنتاج والنقل ممَّا أدَّى إلى تقليل الأسعار ووصول البضائع إلى أسواق أبعد، ويعدُّ اختراع الآلة البخارية من العوامل المهمة الأخرى التي أسهمت في نشوء الثورة الصناعية التي حدثت بين عام 1790 وعام 1900. لقد شهدت الثورة الصناعية نشوء الشركات الحديثة التي يتخصَّص فيها العاملون بالعمل في مجال معيَّن والتي تُنظَّم من قِبل المديرين. لم يكن هناك توحيد لمقاييس المنتجات والخدمات قبل الثورة الصناعية وكانت تُنتج في البيوت بكميات قليلة، ولكنَّ الثورة الصناعية أدّت إلى تحوّل الإنتاج من الإنتاج المنزلي المُتواضع الذي تديره الأسرة إلى الإنتاج الهائل في المصانع والمعامل. يمكن لهذه المصانع أن توظِّف مئات وحتى الآلاف من العمَّال الذين ينتجون كميات كبيرة من البضائع ذات المواصفات الموَّحدة بسعر أرخص من سعر تلك المنتجة في البيوت. تتراوح أحجام المصانع من مساحاتٍ صغيرة تمثّل جُزءًا من مدينة إلى مصانع هائلة بمساحات مدنٍ بأكملها مثل مدينة لوويل الصناعية التي تقع في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية وتتكوَّن بشكل أساسي من مصانع النسيج، وتحوَّلت المصانع الصغيرة إلى مصانع كبيرة مع تقدُّم الثورة الصناعية. في عام 1849 وظفَّت شركة هارفستر العالمية الموجودة في شيكاغو 123 عاملًا وكانت تُعدُّ أكبر مصنع في الولايات المتحدَّة آنذاك، وكان لدى مصنع شركة ماكورميك (وهي شركة أمريكية مُتخصّصة ببيع التوابل والمنكّهات) في منتصف القرن التاسع عشر 250 عاملًا كانوا يحصدون التوابل 2500 مرة في السنة الواحدة وبنت شركة ماكروميك بعد حريق شيكاغو العظيم مصنعًا جديدًا شغَّل 800 عاملًا ووصلت مبيعاته إلى أكثر من مليون دولار. أمَّا مصنع هنري فورد، فقد بلغ عدد موظّفيه عام 1913 حوالي 12000 عاملًا. وفَّرت المصانع فرصًا لتحقيق رضا العاملين عندما زاد حجمها. على سبيل المثال، لم يكن مصنع هوثورن الموجود في ولاية إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية مكانًا للعمل فحسب؛ بل كان يتميَّز أيضًا بوجود فرق رياضية وغيرها من المظاهر والنشاطات الاجتماعية. انتقلت الثورة الصناعية من أوروبا إلى مختلف أنحاء العالم ووصلت أخيرًا إلى الولايات المتحدة التي بدأت تشهد العديد من الثورات الصناعيّة البارزة سيّما في مجال النقل والاتصالات والأسواق من عشرينيات القرن التاسع عشر حتى ستينيات القرن نفسه. تضمّنت ثورة النقل بناء القنوات والسكك الحديدية التي جمعت شتات القارّة وربطت بين أجزائها المُختلفة. أمَّا اختراع التلغراف، فقد أدَّى إلى زيادة سرعة الاتصالات بين الأنحاء المختلفة في الولايات المتحدة، إذ أصبح من الممكن انتقال المعلومات بين مدينتي نيويورك وبوسطن في غضون دقائق، بينما كان يستغرق الأمر عدة أسابيع سابقًا. شهدت الولايات المتحدة أيضًا ظهور ثورة كبيرة في عالم الإنتاج والتسويق، فقد كان اقتصاد الولايات المتحدة يعتمد قبل ظهورها على المزارعين الذين ينتجون البضائع محليًا وبكميّات قليلة. ولكن في عام 1830 وبعد ظهور القروض المُيسّرة وتحسّن وسائل النقل انطلقت ثورة واسعة في مجال التسويق والتجارة، وقد أدَّى هذا إلى وجود مجموعة كبيرة من الشركات التي تحتاج إلى مديرين يتوَّلون تنسيق شؤونها. شهد المجتمع الأمريكي بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865 ظهور شركات ضخمة عابرة للقارات ونشوء مصانع كبيرة بلغت بمساحاتها مساحات مُدنٍ صغيرة كاملة. ظهرت العديد من المشكلات نتيجة التغيُّر في مفهوم الإنتاج (تشبه بعض المشكلات التي نواجهها في وقتنا الحالي مع تغير الاقتصاد من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد المعلوماتي). كيف يمكن تحفيز العاملين على سبيل المثال؟ عندما كانت الأُسر تدير العمل، كان من السهل جدًّا تحفيز العاملين بسبب حقيقة أنَّ الأسرة قد لا تبقى على قيد الحياة إذا لم ينتج أفرادها شيئًا. لكنَّ الأمر كان مختلف في المصانع، إذ يمكن للعاملين تجنُّب العمل أو حتى تحطيم الآلات إذا لم تعجبهم أفكار الإدارة لديهم وقد كان كل عامل يعمل العمل بطريقة مختلفة عن غيره، ويبدو أنَّ إنتقاء العاملين وتوظيفهم كان يحدث بصرف النظر عمَّا إذا كانوا مناسبين للعمل أم لا، كما كانت الإدارة تبدو متقلِّبة الآراء، ولم تكن معدَّات وأدوات وأساليب الإنتاج موَّحدةً بشكلٍ كامل. لم تضع الإدارات بشكلٍ عام سقفًا معيّنًا لكميّة الإنتاج المطلوبة وهذا بدوره جعل كيفيّة وآليّة الإنتاج ذاتها مُبهمة لكلٍّ من المديرين والموظّفين. فقد كان العاملون يعتقدون بأنَّ الإدارة تحدِّد ما ينبغي إنتاجه عشوائيًا، كما كانوا يعتقدون بأنَّهم لو أنتجوا كميات كبيرة فإنَّ الإدارة سوف تستغني عن العاملين لأنَّهم كانوا يعتقدون بأنَّ هناك مقدار محدود من العمل في العالم. كان العاملون المسؤولون يتحكمون بكمية الإنتاج عن طريق معاقبة أولئك الذين ينتجون كميات كبيرة. على سبيل المثال، إذا أنتج أحد العاملين كمية كبيرة، فإنَّ أدواته سوف تتعرّض للتلف والاهتراء بسرعة أو أن زملاءه قد يُعاملونه بطريق سلبيّة. كانت طرق الإنتاج عشوائية أيضًا. على سبيل المثال، إذا أردت تعلُّم كيفية جرف الفحم أو قطع الحديد، فإنَّك ستتعلَّم عدة طرق للقيام بذلك وهذا لا يزيد من الكفاءة (لأن طريقة معياريّة موحّدة لإنجاز العمل ستكون أكثر فعالية من الطرق المتنوّعة). نظرًا لعدم الكفاءة الإدارية، حثَّ العديد من المجدِّدين في مجال الهندسة على أن تصبح الإدارة علمًا قائمًا بذاته حتى يكون هناك منهج يتحدَّث عن كيفية أداء العمل بشكل واضح. على الرغم من أنَّ هذه الفترة شهدت تطوّرات هائلة في مجال التكنولوجيا، إلّا أنَّ مجال الإدارة كان مُتخلّفًا عن نُظرائه من العلوم الأخرى. منهج تايلور في الإدارة ما التأثيرات التي أحدثها فريدريك وينسلو تايلور على نظرية الإدارة؟ وكيف أثَّرت الكفاءة في الإدارة على نظرية الإدارة الحالية؟ صاحبت الاضطرابات الاقتصادية التي نتجت عن الثورة الصناعية اضطرابات اجتماعية هائلة، وكان لدى الطبقات المهنية (المحامين، الإداريين، الأطباء) في الولايات المتحدة العديد من الهواجس، إذ كان من المحتمل إنشاء طبقة دنيا من العاملين الذين لم يحصلوا على تعليم جيِّد والذين يكافحون من أجل كسب لقمة العيش. شعر العديد من المُصلحين أنَّ العمَّال قد يتطرَّفوا ويحاولوا بقوة تحسين ظروف عملهم وأجورهم وغيرها، ومن ثمَّ تتزعزع الحالة الراهنة لأسواق القوى العاملة ممَّا يؤدي إلى الإضرابات وأعمال الشغب والعنف. كان هناك أيضًا تخوُّف من أنَّ المال والنفوذ وضغط الشركات الكبيرة قد تؤثّر في المجرى السياسي وتسيطر على إرادة الشعب. كان لدى الطبقات العاملة العديد من الهواجس بشأن عملهم، و-كما ذكرنا سابقًا- كان هناك خوف كبير من أنَّ العمل سيختفي بسبب الزيادة في الإنتاج. كان هناك أيضًا هواجس متعلِّقة بالأجور ومدة البقاء في الوظيفة والعدالة في أماكن العمل. كما أن التخصّص في العمل لم يكن واضحًا للعمال (أي أن العامل لا يعلم حق العلم ماهيّة وظيفته بالضبط، فهو يعمل على عدّة أصعدة وبطُرقٍ مُختلفة). عندما كان فرانك جيلبريث يتدرَّب لكي يصبح بنَّاءً عام 1885، لاحظ أنَّه تعلَّم ثلاث طرق لوضع الطوب على الرغم من أنَّه لم تكن هناك حاجة لأكثر من طريقة واحدة. كان الاهتمام قليلًا في الصحة الجسدية والنفسية للعاملين في المصانع، ولم تكن هناك استراحات. كان هناك أيضًا خلاف شديد بين الإدارة والقوى العاملة، إذ كانت الإدارة تحدِّد معدل العمل المتوقع في اليوم ولكن كان رد فعل العاملين هو الاتحاد معًا من أجل الحد من الإنتاج، ولذلك كان من المتوقَّع أن يتعرَّض العاملون الذين ينتجون كميات أكثر أو أقل لإتلاف أدواتهم أو للإيذاء البدني. كانت الحوافز التي تقدِّمها الإدارة قليلة جدًّا، وكان المديرون يستخدمون العقاب البدني وغيره من العقوبات عندما كانوا يريدون دفع العاملين إلى العمل، ولم تكن هناك أسباب تدفع أي من الجهتين إلى الثقة بالجهة الأخرى أو التعاون معها. ما لبثت أن تضاعفت المشاكل الإداريّة مع تزايد الطلب على المديرين وقلّة عدد المُختصّين المؤهّلين منهم بسبب ضعف التدريب والتأهيل الإداري عمومًا. كانت معظم الشركات قبل الثورة الصناعية في يد أسرة أو صاحب\مدير واحد. نظرًا لتزايد حجم الشركات وتعقُّدها ونظرًا لاتساع دائرة تبادل البضائع، لم يستطع رجال الأعمال المهيمنون السيطرة على اتّساع مؤسّساتهم لأنهم افتقروا إلى الخبرة التي تمكِّنهم من إدارة شركات ضخمة جغرافيًا وماليًا. لقد كان التدريب والتعليم الإداري قليلًا، ولم يكن هناك مجلات علمية -مثل مجلة أكاديمية الإدارة- أو مجلات متخصصة مثل مجلة هارفارد بزنس ريفيو. لم يكن هناك كُليات للإدارة حتى عام 1881، حيث تأسَّست في ذلك العام كلية وارتون لإدارة الأعمال في جامعة بنسلفانيا. كان تعليم إدارة الأعمال في ذلك الوقت يقتصر على حصص دراسية تُدرَّس فيها أعمال السكرتارية. كانت المجالات ذات الصلة مثل علم النفس وعلم الاجتماع في بداية طريقها ولم تكن واضحة المعالم كما هي في وقتنا الحاضر، وكان أي تعليم إداري يُدرَّس غالبًا من دروس التاريخ والأدب، وقد كان هذا التعليم سرديًا وغير منهجيًا على الرغم من أنَّه كان هناك العديد من الأمثلة على الإدارة الجيِّدة والإدارة السيئة. بدأت المرحلة الثانية من الثورة الصناعية عندما أصبحت الإدارة علمًا قائمًا بذاته، ولم يكن ميلاد الإدارة في بريطانيا العظمى؛ بل كان في الولايات المتحِّدة. ووفقًا للمعلِّم والمستشار الإداري بيتر دراكر، فإنَّ تطوُّر الإدارة من إسهامات الولايات المتحدة الأساسية للعالم إلى جانب إعلان الاستقلال. تزامن تأسيس علم الإدارة المُستقل مع تطوّر كلِّ من علم الاجتماع وعلم النفس وازدياد الطابع العلمي والرسمي للدراسات التاريخية والاقتصادية. أصبحت الإدارة أيضًا ذات طابع رسمي باعتبارها مجالًا دراسيًا قائمًا على الأسس والطُرق العلميّة، وقد ذكر دراكر أنَّ تطوُّر الإدارة كان من العوامل التي أوقفت تطوُّر الراديكالية (مذهب الأحرار المُتطرّفين) في الولايات المتحدة لأنَّ ذلك أدَّى إلى زيادة الإنتاج وتقليل الأسعار وزيادة أجور العاملين. لقد رفع النجاح الذي حقَّقته الإدارة العلمية العاملين إلى الطبقة الوسطى، وقد نُسِب هذا التطوُّر المهم إلى شخص واحد على وجه الخصوص وهو: فريدريك وينسلو تايلور. يُطلق على فريدريك وينسلو تايلور (1856-1915) لقب أبو الإدارة العلمية، وقد وُلد في ولاية بنسلفانيا وكان يخطِّط في البداية أن يدرس في جامعة هارفارد ويصبح محاميًا أو مسؤولًا تنفيذيًا، ولكنَّه عانى من إصابة في العين منعته من القراءة، ومن ثمَّ لم يعد الذهاب إلى جامعة هارفارد خيارًا متاحًا، لذلك ذهب إلى العمل في مصنع أحد أصدقاء عائلته، وهو مصنع ميدفيل ستيل. اعتاد تايلور على العمل وترَّقى بسرعة من عامل بسيط إلى رئيس عمال ثمَّ إلى كبير المهندسين، وقد شهد خلال هذه الفترة العديد من الأعمال التي هدفت إلى الحد من الإنتاج أو تقليله -من ضمنها إتلاف أدواته-، وهو الذي وضع مصطلح التهرُّب من العمل لوصف هذه الأعمال المتعمَّدة. قرَّر تايلور اتخاذ إجراءات بدلًا من الوقوف مكتوف الأيدي ورؤية هذه الأفعال الطائشة تؤثِّر على عمله، إذ ذهب أولًا إلى معهد ستيفنز للتقنية لكي يحصل على فكرة عامة عن الهندسة ثمَّ استغلَّ هذه المعرفة وطبَّقها على عمله. تجدر الإشارة إلى أنَّ تايلور لم يكن مفكِّرًا مبتكرًا، إذ أنَّ معظم أفكاره كانت نابعة من مفكِّرين آخرين وخصوصًا الإنكليزي تشارلز بابيج (1791-1871). كان الإسهام الذي قدَّمه تايلور هو تطوير نظام إدارة كامل عن طريق دمج أفكار وفلسفات الآخرين، وعلى الرغم من أنَّه قد لا يكون مبتكر الدراسة العلمية للإدارة، إلّا أنَّه ساهم في استخدام الإدارة وتكوينها من خلال الارتقاء بعدّة نقاط إداريّة مهمّة مثل تقسيم وقت العمل ودراسته وتقسيم العمل بناء على المهام وأنظمة مراقبة التكاليف والتعليمات المكتوبة للعاملين والتخطيط والمعدَّات الموَّحدة. لا يزال منهج تايلور يُعدُّ أساس الإدارة الحديثة وقد تطرّق في أعماله أيضًا، بالإضافة لما سبق، إلى مفهوم الحوافز. فقد ذكر تايلور على سبيل المثال ما يُعرف بالإنتاج بالقطعة لتوضيح فكرة الحوافز، والتوضيح بالقطعة يعني أنَّ العاملين يتقاضون أجورهم مقابل كمية إنتاجهم. كما وعرّج تايلور أيضًا على فكرة نظام الأجر المُتفاوت، والذي يُشير إلى أنَّ العاملين سيحصلون على أجر أكبر إذا زادت كمية إنتاجيتهم عن كمية معينة. بالإضافة إلى ذلك، فقد ذُكرت بعض أنظمة التعويضات مثل عَمولة المبيعات (أي أن يبنى الأجر المدفوع إلى العامل على مقدار ما يبيعه) في منهج تايلور ومؤلّفاته أيضًا. إنَّ الإسهام الرئيسي الذي قدَّمه تايلور هو تقديره للمعرفة والعلم أكثر من التقاليد والأمور المجرَّبة أو المتعارف عليها، وقد قسَّم كل عمل من أعمال الإنتاج إلى أجزاء وخطوات صغيرة وراقب أفضل العاملين وهم يؤدُّون أعمالهم. حدَّد تايلور أكثر الطرق فاعلية وكفاءة لإنجاز المهام باستخدام ساعة توقيتية لقياس الزمن الذي يستغرقه العاملون في القيام بالأعمال، ثمَّ أعاد ترتيب الأعمال بالطريقة التي ينبغي القيام بها بعد تجزئة كل عمل إلى المراحل الأساسيّة له. طوَّر تايلور أيضًا دراسات إدارة الوقت لتقسيم ساعات العمل الخاصة بالفرد إلى سلسلة من الأنشطة، وقد قاس الوقت المُستغرَق في تنفيذ كل عمل ليعرف الطريقة الأسرع. كان يعدِّل طبيعة إنجاز العمل باستخدام الطرق الأكثر كفاءة ثمَّ يدرِّب العاملين على تنفيذ أعمالهم وفق هذه الطُرق الفعّالة. أتاح تايلور للعاملين الحصول على فترات استراحة خلال اليوم، وبذلك استطاع أن يجعل العاملين يُنجزون أعمالهم بطريقة أسرع وأفضل دون أن يشعروا بالتعب. يعدُّ «مفهوم العمل من الدرجة الأولى» من الإسهامات المهمة الأخرى التي أضافها تايلور إلى مهنة الإدارة. عندما وضع تايلور هذا المفهوم، كان يفكِّر في أنَّ على العاملين القيام بأكبر قدر ممكن من العمل الذي يستطيعون القيام به بدنيًا وعقليًا. كان الأشخاص غير القادرين بدنيًا أو عقليًا على مجاراة متطلَّبات الإنتاج والعمل يرسَلون إلى أماكن أخرى في المصنع حيث يستطيعون فيها العمل بأقصى درجة من الفعالية. لم يكن العمل من الدرجة الأولى معتمدًا على الجهد البدني أو نشاط واندفاع العامل؛ بل على ما هو من المتوقع أن يكون العامل قادرًا على القيام به في مكانه ذاك. طوَّر تايلور أيضًا نظامًا لإدارة المهام ممَّا جعل العمل أكثر كفاءة وأتاح للمشرف تجزئة أعماله لكي يستطيع العمل على أنشطة منفصلة، كما أنَّ هذا قد أتاح للمشرف تخطيط وضبط الأنشطة الموكلة إلى العاملين بطريقة أفضل. كان تايلور يرى أنَّ المديرين سيصبحون أفضل وأكثر ملاءمة لما يرتبط بمجال خبرتهم عندما يتقلّدون مناصبهم وِفقًا لخِبرتهم ومهارتهم في إنجاز ذلك العمل وليس تِبعًا للنفوذ أو السُلطة لديهم. لقد طوَّر أيضًا طريقة محاسبة التكاليف التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التخطيط والضبط اليومي، وليس شيئًا يُطبَّق فقط في حالة التحليل طويل المدى. استند منهج تايلور إلى أربعة مبادئ إدارية موَّضحة فيما يلي: المبدأ الأول: ينبغي على المدير أن يضع قاعدة علمية لكل جانب من جوانب العمل. يضمن اتباع هذا المبدأ أن يُبني العمل على بيانات موضوعية جُمعت عن طريق البحث وليس على المعلومات المتعارف عليها. على سبيل المثال، كان يعتقد العديد من الناس أنَّ السماح للعمَّال بأخذ استراحات سوف يقلل من إنتاجيّتهم، إذ كيف سينتج العامل إذا لم يكن يعمل؟! غيَّر تايلور هذه الفكرة عبر الأبحاث التي أجرها والتي أظهرت التأثير الإيجابي لأخذ استراحات خلال ساعات العمل على مقدار إنتاج العمّال. يمكننا في أيامنا هذه الاستمتاع بفترات الاستراحة بفضل الأبحاث التي أجراها تايلور. المبدأ الثاني: اختيار العمَّال وتدريبهم بطريقة علمية. (ستكتشف أنَّ أفكار تايلور ما زالت إلى يومنا هذا عندما تقرأ المقال الذي يتحدَّث عن إدارة الموارد البشرية.) كان يُبنى اختيار العمَّال قبل ظهور المنهج الذي وضعه تايلور على المحاباة والمحسوبية والعشوائية. على سبيل المثال، حصل تايلور على عمله في مصنع ميدفيل ستيل لأنَّ مالك المصنع كان صديقًا لوالده. بطريقة مماثلة، كانت المؤسّسات تُوظّف العمَّال الذين سيقومون بعمل معيَّن دون الاهتمام كثيرًا فيما إذا كانوا مناسبين من الناحية البدنية أو العقلية لإنجاز العمل. غيَّر تايلور وجهة النظر هذه بواسطة خُطوات ونظام توظيف مُمنهج لإيجاد أفضل عامل للقيام بالعمل. المبدأ الثالث: ينبغي على الإدارة والقوى العاملة أن يعملوا معًا لضمان إنجاز العمل وفقًا لمبادئ الإدارة. تعارضت ملاحظات تايلور مع المبادئ الإداريّة القديمة والتي كانت قائمة على العدواة بين الإدارة والعمَّال. ركَّز تايلور على التعاون والحاجة إلى أن تكون علاقة العمل قائمة على منفعة متبادلة بدلًا من العداوة. المبدأ الرابع: ينبغي أن يُقسَّم العمل والمسؤولية بالتساوي بين الإدارة والعاملين. فيما مضى كانت الإدارة تحدِّد التوجيهات، وكان العاملون يطيعونها أو يعارضونها. كان تايلور يرى أنَّ للإدارة والعاملين مسؤوليات مشتركة تجاه بعضهم البعض، إذ كانت مسؤولية الإدارة تحديد كمية الإنتاج المطلوبة خلال اليوم ومن ثمّ تقديم أجور عادلة للعاملين بعد دراسة وتحليل الجدوى الماليّة لعمليّة الإنتاج، وكان على العاملين تقديم عمل جيِّد في المقابل. مبادئ الإدارة العلمية أولًا: تضع الإدارة قواعدًا علمية لكل مرحلة من مراحل العمل تحلُّ محل تلك القديمة المجرَّبة والمتعارف عليها. ثانيًا: تختار الإدارة العاملين ثمَّ تدرِّبهم وتعلِّمهم وتطوِّرهم بطريقة علمية، في حين كان العامل في الماضي يختار العمل الذي يريد العمل فيه ويدرِّب نفسه بقدر استطاعته. ثالثًا: تتعاون الإدارة مع العاملين إلى أبعد حدّ من أجل أن تضمن إنجاز جميع الأعمال وفقًا لمبادئ الإدارة العلمية. رابعًا: تقسيم متساوٍ للعمل والمسؤولية بين الإدارة والعاملين، إذ تتولَّى الإدارة الأعمال الملائمة لها أكثر من العاملين، في حين كانت جميع الأعمال تقريبًا والجزء الأكبر من المسؤولية تُلقى على كاهل العاملين في الماضي. table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } مساعدو تايلور بالإضافة إلى العمل الرائد الذي قدَّمه تايلور في مجال الإدارة العلمية، فقد جذب مجموعة واسعة من الأفراد الموهوبين الذين ساعدوه في أبحاثه. أبرز هؤلاء الأفراد المهمِّين هو كارل جورج بارث (1860-1939) المتخصِّص في الرياضيات الذي كان له إسهامان بارزان. أول هذين الإسهامين هو عمله على دراسة الإرهاق الذي يصيب الموظفين، إذ حاول معرفة العوامل التي تؤدِّي إلى إرهاق الموظفين، أما الإسهام الثاني فهو استخدامه للمسطرة المنزلقة في حساب مقدار الحديد المُراد قطعه. المسطرة المنزلقة هي مسطرة تحتوي على قطعة منزلقة في وسطها، وتتيح إجراء العمليات الحسابية بسرعة ودقة. كان العاملون مضطرين قبل أن يطوِّر بارث هذه المسطرة إلى إجراء عمليات حسابية معقَّدة لتحديد مقدار الحديد المُراد قطعه، وغالبًا ما كانوا يخمِّنون هذا، ممَّا أدَّى إلى حدوث العديد من الأخطاء والهدر. لكن عند استخدام المسطرة قلَّ عدد الأخطاء، كما قلَّت التكاليف المصاحبة لها. من المساهمين البارزين في أساليب تايلور أيضًا هنري جانت (1861-1919) واضع مخطَّط جانت الذي أتاح ضبطًا أكبر وأكثر دقة لعمليات الإنتاج. يبيِّن مخطَّط جانت (الموضَّح في الشكل التالي) الأنشطة التي من المفترض القيام بها والأنشطة التي تمَّ إنجازها بالفعل. حدّدَ جانت مبدأين لهذه المخطَّطات،الأوّل هو حساب مقدار الوقت اللازم لإتمام النشاط، والثاني هو استخدام الفراغ الموجود في المخطَّط لتمثيل مقدار العمل الذي ينبغي إنهائه في ذلك الوقت المحدَّد. أقرب شبيه لمخطَّط جانت في وقتنا الحالي هو نظام الجدولة أو التخطيط الزمني. أتاحت هذه المخطَّطات للإدارة الاطِّلاع على سير المشاريع وتقدُّمها ومعرفة ما إذا كانوا يسيرون وفق جدولهم الزمني ومتابعة الأمور المتعلِّقة بالميزانية. كان جانت أيضًا أول من طوَّر نظام مكافأة الموظفين الذي يمنح مكافأة للموظف إذا أنجز المهمة الموكلة إليه. يعدُّ فرانك جيلبريث (1868-1924) وزوجته ليليان (1878-1972) أيضًا من المساهمين البارزين في نظام الإدارة العلمية الذي وضعه تايلور، وقد كانوا في بعض الأحيان ينافسون تايلور وفي أحيان أخرى يعملون معه. كان فرانك جيلبريث بنَّاءً وقد بدأ -قبل أن يسمع عن تايلور- في إيجاد طرق للحد من تعبه وإرهاقه ولوضع المزيد من قطع الطوب بكفاءة أكثر. بخلاف تايلور؛ كان جيلبريث مهتمًا بدراسة الحركة عن طريق تصوير حركات مختلفة عندما يكون الشخص يقوم بعمله. على سبيل المثال، حصر جيلبريث جميع حركات اليد المطلوب لإنجاز عمل في سلسلة مؤلّفة من 17 حركة أساسية لكي يُحدِّد الطريقة الأكثر كفاءة في تنفيذ مهمة ما. صوَّر جيلبريث العمَّال وهم يؤدُّون مجموعة كبيرة من الأعمال من ضمنها البناء بالطوب، ومهام السكرتارية، وحتى مباراة كرة القاعدة. طوَّر جيلبريث، عندما كان يعمل في البناء، نظام إدارة يتضمَّن قواعدًا متعلِّقة بعدم التدخين أثناء العمل، وإعطاء جائزة بقيمة 10 دولارات لأفضل اقتراح لكيفية تحسين العمل، ونظامًا جديدًا للتدريب يتعلَّم من خلاله العاملون الطريقة الأفضل لتنفيذ المهام. وضع جيلبريث أيضًا قاعدة تنصُّ على تصوير جميع مواقع الحوادث لكي تُستخدم في الدعاوى القضائية في المستقبل، كما هيَّأ جيلبريث الموظفين لمناصبهم الحالية والمستقبلية من خلال وضع خُطط للترقية والتدريب والتطوير، وقد تطلَّب هذا النظام رسم مسارات الترقية والاحتفاظ بالسجلات لتقييم الأداء. لقد أراد أن يُرسِّخ لدى كلًا من العمَّال والمديرين فهمًا عن الإرهاق وكيفية تحسين الأجور. أدرك جيلبريث من خلال دراساته أنَّ مصدر الرتابة ليس العمل نفسه، ولكن مصدرها قلة اهتمام وحماس العامل للعمل نفسه. قد لا تكون ليليان جيلبريث مؤسِّسة علم النفس الصناعي، ولكنَّها أدخلت العنصر الإنساني إلى الإدارة عن طريق تدريبها وفطنتها، وأشارت إلى أنَّه يجب علينا أن نفهم نفسيّة العامل لكي نستطيع فهم كيفية العمل بطريقة أفضل. لقد أصبح فهم العامل في ظل الإدارة العلمية مبدأً أساسيًا لاختيار العمَّال للقيام بمهام معينة ولتقديم الحوافز لهم، وكان الهدف هو تطوير كل شخص للوصول إلى أقصى إمكاناته عن طريق تعزيز سماته الشخصية وقدراته الخاصة ومهاراته. بعد وفاة فرانك جيلبريث، نقلت ليليان جيلبريث مجال اهتمامها إلى التركيز على زيادة كفاءة القيام بالأعمال المنزلية وصممت -أثناء ذلك- المطبخ العصري. أوجه القصور لدى تايلور كان لدى تايلور ميل مفرط إلى أن يجعل أكبر قدر من الناس من أنصار الإدارة العلمية، ولكنَّ أفكاره لم تكن مفهومة جيِّدًا على الرغم من اقتناعه بها وتعصبه لها، وقد كان عدد الأعداء الذين اجتذبهم أكثر من التابعين. فقد استقطب تايلور عدواة النقابات بسبب مجابهته لها انطلاقًا من اعتقاده بأنها حجبت الإدارة عن العاملين ومنعتهم من الوصول إلى مناصب إداريّة رغم كفائتهم. واجتذب تايلور أيضًا عداوة العمَّال لأنَّه قارنهم بالقرود والبهائم التي تحمل الأثقال، كما اجتذب تايلور عداوة الإدارة ولم يحصل على ثقتها لأنَّه وجَّه لها النقد فيما يتعلَّق بإخفاقاتها السابقة. كان تايلور صعب المِراس وقدّ مسّت انتقاداته الجميع تقريبًا. بالإضافة إلى ما سبق، ارتكب تايلور العديد من الأخطاء، ولم يكن منهجه -على الرغم من ادعاءاته- نظرية شاملة للإدارة؛ بل كان بمثابة نظام إدارة مصمَّم للمديرين في مستوى الإدارة المباشرة الذين يشرفون مباشرة على العاملين. تجاهل تايلور الاستراتيجيات والتطبيقات عمومًا وكان ينظر إلى العمَّال على أنَّهم آلات وليسوا بشرًا، وكان يعتقد بأنَّ الحوافز المالية يمكنها التغلُّب على الضغوطات التي تمارسها المجموعات على الرغم من إدراكه لقوة هذه الضغوطات. وقد جعله هذا يتجاهل الجوانب الإنسانية -التي تنطوي على العواطف والصفات الشخصية والاتجاهات- في التعامل مع العمَّال. على الرغم من العيوب الكثيرة التي صبغت مسيرة تايلور، فإنَّ الانتقادات السابقة لا تقلِّل من إسهاماته العظيمة، إذ غيَّر تايلور الممارسات الإدارية بشكلٍ جذريّ وكان رائد الإدارة الحديثة. لم يَحلّ الباحثون اللاحقون محل تايلور؛ بل كانوا مكمِّلين له. لم يكن ما يميِّز نهج تايلور الإداري بأنّه جاء في الوقت والمكان المُناسبين فقط (عصرٍ كان بأمس الحاجة إلى إدارة صحيحة مُمنهجة)؛ بل أنَّ رؤيته لا تزال لها أهمية وتأثيرات وتداعيات حتى وقتنا الحالي. ويمكننا القول حرفيًّا بأن الإدراة الحديثة هي من صنع تايلور. ترجمة -وبتصرف- للفصلين The Industrial Revolution وTaylor-Made Management من كتاب Principles of Management
  7. إن الوصول إلى إلى جوهر إدارة الأعمال ومرور عبر مراحلها وخصائصها المختلفة لا بد أن يمر أولًا عبر خندق تاريخ إدارة الأعمال ومعرفة ماهيّة وكيفية نشأتها وتطوّرها عبر التاريخ ومراحل النضوج التي مرّت بها والعقبات التي تجاوزتها لتصل إلى ما هي عليها اليوم. في مقالنا هذا سنبيّن كيف كانت الإدارة قديمًا ونستعرض أثر عصر النهضة الإيطالية على تطور نظرية الإدارة، كما وسنتطرّق إلى كلٍّ من تأثير وتداعيات الثورة الصناعية على تطور نظرية الإدارة وكيف كانت الإدارة البيروقراطية والتنظيمية مكمّلة للإدارة العلمية، وأخيرًا سنذكر مُقتطفاتٍ عن كيفية ظهور المدرسة الموقفية ومدرسة النظم في الإدارة. استكشاف المهن الإدارية مايكل بورتر مايكل بورتر هو بروفيسور في كلية هارفارد للأعمال ومن أوائل الباحثين والاستشاريين في مجال استراتيجيات الأعمال وأحد مؤسسي شركة The Monitor Group، وهو أول من أُطلق عليه «أبو الاستراتيجية» وأحد المفكِّرين الإداريين الأكثر تأثيرًا على مر العصور. إنَّ الإسهام الأساسي لبورتر هو في مجال المنافسة، وخصوصًا فيما يتعلَّق بالأسباب التي تؤدَّي إلى ربح بعض الشركات وعدم ربح شركات أخرى. كان اهتمام بورتر بالمنافسة نابعًا عن حماسه الكبير للمنافسة في الرياضة أيّام طفولته (كرة القاعدة، وكرة القدم، وكرة السلة). وُلد بورتر في عام 1947 وتخرَّج من جامعة برنستون في عام 1969 بتخصص هندسة الفضاء والميكانيك، وقد أكمل دراسته ليحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية هارفارد للأعمال في عام 1971 ودرجة الدكتوراه في اقتصاديات الأعمال من جامعة هارفارد في عام 1973، وقد كان أعضاء أكاديمية الإدارة (AOM Fellows) يعدُّون كتابه الاستراتيجية التنافسية: أساليب تحليل الصناعات والمنافسين الذي نُشر في عام 1980 تاسع الأعمال الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين. استطاع بورتر –الذي ألّف كتابه خلال فترة كانت تسودها منافسة اقتصادية شديدة بين الولايات المتحدة واليابان- أن يكسب قاعدةً كبيرةً من المعجبين والمهتمّين لمؤلّفاته. مايكل بورتر وهو يجري محادثة مع ثلاثة مستثمرين بارزين من القطاعين العام والخاص وهم: جين-يونغ كاي، وتونى ايلوميلو، وعارف نقفي في حلقة النقاش "الاستثمار في الرخاء: محادثة مع قادة عالميين" في قمة القيادة والقيمة المشتركة. (مصدر الصورة: حساب Shared Value Initiative/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic ‏(CC BY 2.0)) عرض بورتر في مقالته كيف تشكِّل القوى التنافسية الاستراتيجيات التي نُشرت في مجلة هارفارد بزنس ريفيو عام 1979، عرض فكرته الإدارية التي تقول بأنَّ هناك خمس قوى تنافسية تساهم في تحديد مستوى الربح وهي: حدة المنافسة في السوق، وتهديد دخول منافسين جدد، وقوة المورِّدين، وقوة العملاء، وتهديد المنتجات البديلة. الإنتاج التنافسي غير الجاذب هو ذلك الانتاج الذي تجتمع فيه القوى الخمسة السابقة لتشكِّل إنتاجًا تنافسيًا بحتًا، وتكون مستويات الربح العادية في هذا السوق هي أعلى ما يمكن أن تتوقع الشركة الحصول عليه، وهذا يعني أنَّ الشركة تستطيع تغطية نفقاتها وتحقيق مقدار مُرضٍ من الربح لمالكيها ولكن لا يمكنها تحقيق أرباح طائلة إضافيّة لتطوير الإنتاج. تستطيع الشركة بعد أن تحدِّد القوى التنافسية المرتبطة بإنتاجها أن تُركّز على أحد الاستراتيجيات الثلاثة العامة وهي إمّا التركيز على النجاح والارتقاء بالمُنتج، أو التميّز والاختلاف، أو ريادة التكاليف (أي طرح المُنتج بأسعار مُنافسة). ستتحدَّد الاستراتيجية التي ستتبعها الشركة بناءً على موقعها في السوق. تبيِّن القوى التنافسية الخمسة والاستراتيجيات الثلاثة كيف يمكن لشركات مثل ماكدونالدز ومورتون ستيك هاوس وصب واي وغيرها أن تستهدف السوق نفسه ومع ذلك تحقِّق جميعها أرباحًا. تقدِّم هذه الشركات أنواعًا مختلفة من المنتجات لأصناف مختلفة من العملاء، وتتنافس هذه المنتجات إمّا على التكلفة أو التنوّع أو الجودة أو مزيجٍ منها. إضافةً إلى نموذج القوى التنافسية الخمسة، قام بورتر بتطوير نموذج السلسلة القِيَميّة الذي يصف الأنشطة الفريدة التي تؤدِّيها الشركة لكي تجعل منتجاتها ذات قيمة لعملائها، كما كان لبورتر أيضًا إسهامات في إدارة الرعاية الصحية والقواعد التنظيمية البيئية والمنافسة الدولية والأرباح على مستوى الإنتاج. إنَّ نموذج القوى التنافسية الخمسة الذي وضعه بورتر بديهي وقد زوَّد المديرين بطريقة لتطوير استراتيجيات فعلية. لقد انتشرت أفكار بورتر لأنَّ روّاد الأعمال التجارية أرادوا أن يعلموا كيف يمكن لشركاتهم دخول حيّز المُنافسة. وقد نوّه الباحثون الإدارييون، قبل ظهور أفكار بورتر، إلى الطبيعة الخاصَّة والمُميّزة لمجال الأعمال وإلى اختلاف طبيعة المواقف التي تعترض مجالات الأعمال المُختلفة. اقترح باحثون آخرون نماذج أخرى لاستراتيجيات الأعمال، ولكنَّها لم تكن على القدر ذاته من الفائدة والمرونة في التطبيق التي قدّمها نموذج بورتر. قام بورتر بسد الفجوة التي كانت بين الأُطر النظرية والواقع التنافسي لعالم الأعمال من خلال استغلاله للاقتصاد الصناعي وتدريبه المتعلِّق بدراسة الحالة، وهذا ما جعله أحد أهم المفكِّرين في مجال الأعمال في العالم. قد تظنُّ أنَّ مجال إدارة الأعمال مجالٌ جديد نوعًا ما، إلّا أن جذور هذا المجال تمتد إلى عصور قديمةٍ مضت، فحيثما وأينما وُجدت التجارة، كانت هناك إدارة وكان هناك أفراد يفكِّرون بشأن كيفية القيام بها بطريقة أفضل. على سبيل المثال، لا يمكن أن تكون عجائب الدنيا السبع -ومن ضمنها تمثال رودس وحدائق بابل المعلَّقة والهرم الأكبر- قد شُيِّدت إلا من خلال عمل عدد كبير من الناس. يدلُّ حجم هذه الأبنية وتعقيدها على حتميّة وجود أشخاص (مديرون) نسَّقوا العمل والموارد اللازمة لتنفيذ خطط البناء لتِلك المعالم. على نحو مماثل، لا يمكن أن يكون الرومان والصينيون القدماء قد تمكَّنوا من إدارة إمبراطورياتهم الكبيرة دون إدارة، كما لا يمكن أن يكون الفينيقيون والإغريق قد هيمنوا على التجارة البحرية دون إدارة. من المنطقي أن تكون دراسة الإدارة قديمة لأنَّها كانت موجودة منذ فترة طويلة من الزمن، ويدعم هذه الفكرة العديد من الرؤى الإدارية التي يمكن أن نجدها في التاريخ السياسي والدبلوماسي والعسكري وفي الفلسفة والشعر والعلوم الاقتصادية والأدب. يمكن لأي شخص يعرف مسرحية الملك لير التي كتبها شكسبير إدراك أن المشكلة الإدارية الشائعة في وقتنا الحاضر والتي تتعلّق بتأمين البديل الكفؤ لأي منصب إداري، أنّها مُشكلة إداريّة واجهتها البشريّة منذ القدم! لقد تأثَّر المديرون المعاصرون بأعمال الفيلسوف والاستراتيجي العسكري الصيني سون تزو، والجنرال والسياسي الروماني يوليوس قيصر، وحتى الحاكم المنغولي جنكيز خان. إنَّ مارك زوكربيرج مؤسِّس فيسبوك هو أحد المعجبين المعاصرين بالقياصرة وقد قال أنَّ جزءًا من أسلوبه في الإدارة يستند إلى تعليمه الكلاسيكي. على الرغم من الجذور القديمة للإدارة، إلا أنَّ عمر الإدارة المعاصرة أقل من 150 عامًا، وتشير مقارنة بين مفاهيم الإدارة قبل الثورة الصناعية وبعدها إلى أنَّ أساسيّات الإدارة القديمة كانت ضحلةً وضبابيّة إذا ما قورنت بالمفاهيم الحديثة للإدارة اليوم، إذ كان معظم العمل في الفترة السابقة للثورة الصناعية يؤدَّى في البيوت أو المزارع من قِبل العاملين بالسُّخرَة (العبيد أو الخدم) أو أفراد الأسرة، وكان ما ينتجونه غالبًا لصالح استهلاك صاحب العمل أو الأسرة ذاتها أو للاستهلاك المحلي. تغيَّر الاقتصاد والمبادئ الأخلاقية على مر القرون، وأصبح العمَّال قادرين على اختيار أماكن عملهم والأشخاص الذين سيعملون لصالحهم، وقد نتج عن هذه التغييرات العديد من التَّبِعات التي بدّلت من طُرق توظيف القوى العاملة والموارد الأخرى وكيفيّة توظيفها في عملية الإنتاج. كان الحدثان اللذان غيَّرا وجه الإدارة هما التغيُّرات في طريقة بيع البضائع وأماكن بيعها، والثورة الصناعية. هذان الحدثان أدَّيا إلى بيع تشكيلة أوسع من البضائع لأصنافٍ مُختلفة من الزبائن وفي مناطق أبعد، كما أدَّيا إلى ظهور الشركات الكُبرى، إذ تطلَّبت المنافسة زيادة حجم الإنتاج وتقليل التكلفة، كما تطلَّبت تنسيق استخدام الموارد والتخصُّص في مجالات معينة، وقد أدَّت المشكلات المرتبطة بالتنسيق والتخصُّص إلى تطوُّر علم الإدارة كمجال قائم بذاته. سنتتبَّع في هذا المقال مراحل تطوُّر الإدارة من الأصول الأولى لنشأتها في العالم القديم إلى أن صارت مهنة حديثة ومجالًا مُستقلًّا بذاته. سيساعد فهم كيف أصبحت الإدارة على ما هي عليه في وقتنا الحالي على فهم مبادئها بطريقة أعمق وأشمل وعلى فهم كيف أنَّ كل مفهوم نناقشه في هذا السلسلة الفريد قد بُنيَ على دلائل أوجدتها مجموعة واسعة من العلماء والباحثين على مدى سنوات عديدة في مجالات الهندسة وعلوم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإنسان. الأصول الأولى للإدارة إن وصف كيف كانت الإدارة في العصور القديمة أمرٌ غايةٌ في الاهمية. يوضِّح الجدول التالي مراحل تطوُّر الفكر الإداري منذ العصور القديمة وحتى الثورة الصناعية التي حدثت في القرن التاسع عشر. المُسهم الإسهامات السومريون الكتابة والتجارة حمورابي الأوامر والقوانين المكتوبة نبوخذ نصر نظام الحوافز المصريون القدماء تقسيم العمل، التنسيق، والإشراف سون تزو تقسيم العمل، التواصل، والتنسيق سلالة هان الحاكمة (205 ق.م – 220م) تطوُّر البيروقراطية اليونانيون القدماء تقسيم العمل الرومان التوحيد القياسي الإيطاليون المحاسبة، الشركات، الشركات المتعددة الجنسيات جون فلوريو نقل الإدارة إلى اللغة الإنجليزية .colored_border { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) تعود جذور الإدارة الأولى إلى حضارة سومر –أقدم الحضارات في العالم وكانت تقع في ما يُعرف اليوم بجنوب العراق- إذ ازدهرت فيها ثقافة التجارة المرتبطة ببيع البضائع مثل الحبوب والمواشي والعطور والأواني الفخارية. استخدم السومريون نقودًا قديمة مصنوعة من الطين للدفع مقابل البضائع أو الخدمات بدلًا من المقايضة (مقايضة الخدمات أو المواد بخدمات أو مواد أخرى مُكافئة لها بالقيمة)، وكانت أحجام النقود وأشكالها تدلُّ على قيمتها الماديّة وتشير إلى أنواع البضائع التي يمكن استبدالها بها. ما الذي جعل هذا المستوى من التجارة والاقتصاد ممكنًا؟ ظهور الكتابة مكَّن التجار من تتبُّع سير معاملاتهم التجاريّة، كما أنَّ ظهور النقود الطينيّة البدائيّة ساهم في زيادة المعاملات التجارية لأنَّ الشخص الذي يرغب في الحصول على بضاعة أو خدمة معينة لم يعد مضطرًا إلى العثور على شخص آخر يرغب في أن يحصل منه على البضاعة أو الخدمة التي ينتجها. غالبًا ما كان هناك حاجة إلى التنسيق بين الأشخاص الذين يوفِّرون البضائع والأشخاص الذين يرغبون في شرائها، ويعدُّ التنسيق من المهام الرئيسية للمدير. يعود منشأ إسهامين مهمَّين آخرَين لبدايات تطوُّر الإدارة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ أنَّ فكرة القوانين والأوامر المكتوبة جاء بها الملك البابلي حمورابي (1810 ق.م- 1750 ق.م). كانت شريعة حمورابي عبارة عن قائمة مكوَّنة من 282 قانونًا نظَّمت مجموعة كبيرة من السلوكيات ومن ضمنها التعاملات التجارية والتصرُّفات الشخصية والعلاقات بين الأشخاص وحتى العقوبات. كان القانون رقم 104 من أوائل القوانين المتعلِّقة بالمحاسبة ونابع من الحاجة إلى وجود قواعد رسمية للمديرين والمالكين. حدَّدت شريعة حمورابي أيضًا أجور الأطباء والبنَّائين والحجَّارين والبحَّارين ورعاة الماشية وغيرهم من العمَّال، ولكنَّها لم تتضمن مفهوم الحوافز لأنَّ الأجور كانت ثابتة. جاء بفكرة الحوافز ملك بابلي لاحق يُدعى نبوخذ نصر (605 ق.م- 562 ق.م) الذي منح حوافز للذين ينسجون القماش مقابل إنتاجهم. كان النسَّاجون يتلقون أجرهم على هيئة طعام، وكلَّما زاد إنتاجهم للقماش، حصلوا على طعام أكثر. شريعة حمورابي هي شريعة قديمة محفوظة جيِّدًا، وقد وُضعت بين 1810 ق.م و1750 ق.م في بابل القديمة، وهي عبارة عن قائمة مكوَّنة من 282 قانونًا نظَّمت مجموعة كبيرة من السلوكيات ومن ضمنها التعاملات التجارية والتصرُّفات الشخصية والعلاقات بين الأشخاص والعقوبات، وقد كان القانون رقم 104 من أوائل القوانين المتعلِّقة بالمحاسبة وهو دليل على الحاجة إلى وجود قواعد رسمية للمالكين والمديرين. (مصدر الصورة: غابرييل بارني/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic ‏(CC BY 2.0)) لقد خطا المصريون القدماء خطوات واسعة في بناء الأهرامات الكبيرة، كان المصريين القدماء بنَّاؤون استثنائيون أنشؤوا القنوات ومشاريع الري والأهرامات والأضرحة الملكية التي فاقت تلك التي بناها اليونانيون والرومان خلال قرونٍ لاحقة في حجمها وتعقيدها. على الرغم من أنَّنا ما زلنا غير متأكدِّين تمامًا من الطريقة التي بُنيت بها الأهرامات، إلا أنّنا نعلم بأنَّ عملية بنائها تطلَّبت عددًا كبيرًا من العمَّال العبيد. كان لكل عامل مهمة مختلفة، إذ كان بعض العمَّال يقطعون الحجارة، يف حين كانت مهمّة آخرين دفع كتل ضخمة من الحجارة وجرِّها بينما كان المطلوب من غيرهم دهن الحجارة بالزيت أو الشحم لتزليقها على بعضها وتقليل الاحتكاك. يمكننا أن نرى في هذه العملية مبادئ الإدارة المتعلِّقة بتقسيم العمل والتنسيق والتخصُّص. كان يُشرف على مجموعات العمَّال فرد واحد، وكان المصريون القدماء أول من وضع مفهوم نطاق الإشراف (يُقصد به عدد العاملين الذين يشرف عليهم المدير مباشرة) عندما حاولوا اكتشاف الطريقة الأفضل للتعامل مع العدد الكبير من العاملين المشاركين في بناء الأهرامات، وقد وجد المصريون أنَّ العدد المثالي هو عشرة عاملين لكل مشرف. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك مراقبين مهمّتهم إجبار العاملين على العمل والإنتاج. أمَّا في قارة آسيا، فقد بدأ الصينيون بتطوير فكرة البيروقراطية. على الرغم من أن جذور البيروقراطية تمتدُّ إلى السلالات الحاكمة الأولى، إلّا أنّه لم تظهر بشكل كامل إلَّا أثناء فترة حكم سلالة هان (206 ق.م- 220م)، إذ كان صُلب مفهوم البيروقراطيّة آنذاك هي تدريب العلماء على التعاليم الكونفوشيوسية واستخدام هذه التعاليم في اتخاذ القرارات، ولم يكن هذا النظام رسميًا –بخلاف الأنظمة البيروقراطية الحديثة- ولكنَّه اعتمد على اجتهادات العلماء أنفسهم. تعدُّ فكرة الحكم بالجدارة (أو الميريتوقراطية) من التطوُّرات المهمة الأخرى لأنَّ الاختيار والترقية في البيروقراطية كانا قائمين على اختبار في التعاليم الكونفوشيوسية. كان لليونانيين (800 ق.م- 400 ق.م) والرومان (500 ق.م- 476م) إسهامات مهمة في تطوُّر الإدارة، وعلى الرغم من أنَّ توجُّهاتهم لم تكن تجارية، فقد أنجز اليونانيون والرومان مجموعة كبيرة من المشاريع الصناعية مثل إنشاء الطرق والقنوات بالإضافة إلى العديد من الروابط العمالية والمجتمعات التي شجَّعت التجارة. استمرَّ اليونانيون في تطوير فكرة تقسيم العمل بناءً على تصور أفلاطون عن التنوع الإنساني، وقد أكَّد الفيلسوف سقراط على أهمية تطوير المهارات الإدارية مثل خلق جو يسوده تبادل المعلومات وتحليلها. كان إسهام الرومان الأساسي في الإدارة هو التوحيد القياسي (standardization)، إذ احتاج الرومان إلى توحيد القياسات والأوزان والعملات لأنَّهم كانوا بحاجة إلى إدارة إمبراطوريّتهم الواسعة، وقد شهد الرومان بداية ظهور الشركات المُساهمة، إذ قامت العديد من الشركات الرومانية ببيع الأسهم لعامة الناس. لقد شهد اليونانيون والرومان استمرار آفة العبودية، ولكنَّ العاملين حصلوا على درجة من الحرية نتيجة التغيُّرات الاقتصادية التي جعلت العبودية غير مجدية من الناحية المالية، مع ذلك استمرّ وجود أرباب العمل الذين كانوا يحددون الأعمال التي سيقوم العاملون بها وطريقة القيام بتلك الأعمال. تراجعت التجارة الأوروبية بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، وقد أُطلق على هذه الفترة اسم العصور المظلمة أو العصور الوسطى (500م- 1000م) بسبب تواجدها بين الحقبة القديمة لليونانيين والرومان وحقبة عصر النهضة. على الرغم من أنَّ التطوُّرات التجارية و الاقتصادية كانت قليلة في أوروبا خلال هذه الفترة، إلَّا أنَّ التجارة كانت مزدهرة في العالم الإسلامي وفي الصين، وقد زوَّد العديد من الرحَّالة مثل ماركو بولو- المكتشف والتاجر الإيطالي الذي عاش في القرن الثالث عشر- القرَّاء بحكايات وبضائع من هذه المجتمعات المزدهرة. عصر النهضة الإيطالية قد تتساءل كيف أثَّر عصر النهضة الإيطالية على تطور نظرية الإدارة؟ في الواقع شنَّت أوروبا خلال القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر حملات عسكرية على الدولة الإسلامية دُعيت بالغزوالصليبي، وقد نقلت الثروة والتقدم التكنولوجي من العالم الإسلامي إلى أوروبا. ظهرت في القرن الرابع عشر حركة تغيير ثقافي وإنجازات مدهشة في جميع مجالات الحياة في شمال إيطاليا، وقد شهد عصر النهضة الإيطالية عودة المعرفة القديمة ونشوء معرفة جديدة ترتَّب على معظمها آثار اقتصادية وتجارية، كما أتاح ظهور آلة الطباعة الأولية للعلوم والمعارف بالانتشار في جميع أنحاء أوروبا، وقد أدَّى اجتماع هذين العاملين معًا إلى بناء ثروة جديدة نتيجة ظهور وتطوّر الأعمال التجارية. ظهرت في إيطاليا شركات حديثة الأمر الذي فرض الحاجة إلى وجود أشخاص لإدارة هذه الشركات، وقد كتب مولدون ومارين: استُحدِثت مؤسسات تُسمَّى الشركات المساهمة لتنفيذ هذه الأنشطة التجارية ليس على نطاق دولة واحدة فقط بل عبر العديد من الدول والبلدان الأخرى، وكان مقر أُولى الشركات المساهمة المتعددة الجنسيات في إيطاليا، و كانت فروعها تمتدُّ إلى العديد من البلدان في أوروبا، ومن الأمثلة على هذه الشركات الشركة التي كانت تمتلكها عائلة برادي وهي عبارة عن بنك متعدد الجنسيات قدَّم القروض لعدة ملوك، من ضمنهم إدوارد الثالث ملك إنجلترا. نظرًا لازدهار الشركات التجارية في إيطاليا، قدَّم الإيطاليون كتيبات إرشادية للتجار الذين نقلوا عبرها الأفكار التجارية إلى جميع أنحاء أوروبا. ترجمة -وبتصرف- للفصلين The Early Origins of Management وThe Italian Renaissance من كتاب Principles of Management
  8. كيف كانت الإدارة البيروقراطية والتنظيمية مكمِّلة للإدارة العلمية، قد تتساءل. في الواقع كتبَ هنري فايول (1841-1925) وماكس فيبر (1864-1920) إسهامات مكمِّلة للمبادئ الأربعة لنموذج الإدارة العلمية التي وضعها تايلور. في حين كان تايلور يركِّز على المديرين الذين يتعاملون مع العاملين مباشرة، ركَّز فايول على المديرين في مستوى الإدارة العليا الذين يضعون الاستراتيجيات، وركَّز فيبر على المديرين في مستوى الإدارة الوسطى الذين ينفِّذون الاستراتيجيات. على الرغم من تباين وُجهات النظر تجاه الإدارة بين كلٍّ من تايلور وفايول وفيبر، إلا أنّ جميعهم أكّدوا ونوّهوا على ضرورة وجود نظامٍ معياري مُمنهج يتّصف بتسلسلٍ منطقي وعقلاني لتنظيم أنواع مختلفة من الشركات والرقابة عليها. كان هنري فايول مهندس تعدين تنفيذي من أصل فرنسي، وقد كان مُعظم تحصيله العلمي بعد الحرب الفرنسية البروسية التي حدثت ما بين عامي 1870 و1871. كان فايول يسعى إلى تطوير نظرية إدارية من أجل زيادة الكفاءة ومن ثمَّ تعزيز الاقتصاد الفرنسي. حذا فايول حَذو تايلور في تقدير المعرفة والخبرة أكثر من التقاليد، ولكنَّه -بخلاف تايلور- كان يركِّز على الإدارة العامة للشركة بدلًا من التركيز على المهام الفردية اللازمة لتنفيذ العمل. ركَّز فايول أيضًا على التفاعلات الاجتماعية إجمالًا [تحدُث بين من؟ الشركة مع شركات أخرى؟ داخل الشركة فقط؟]. يفسَّر هذا الاختلاف بأنَّ تايلور كان مهتمًا بتوجيه سلوك العاملين وأدائهم وهو مجال اختصاص المديرين في مستوى الإدارة المباشرة، بينما صبّ فايول اهتمامه على توجيه وتنسيق المؤسسة بأكملها وهو مجال اختصاص المديرين في مستوى الإدارة العليا. أحد الاختلافات البارزة الأخرى بين تايلور وفايول هو أنَّ تايلور أعطى أهمية كبيرة لنظام المكافآت المالية، في حين كان توجّه فايول بأنَّ الناس لا يعملون فقط من أجل المال. أعظم إسهام لفايول هو سعيه إلى وضع منهج يساعد المديرين في مستوى الإدارة العليا على تحديد مسار شركاتهم. قدَّم فايول ثلاث مبادئ رئيسية تتعلَّق بالإدارة. أولى هذه المبادئ هو تأكيده على ضرورة وحدة إصدار الأوامر (unity of command) ويُقصد بذلك أنَّه ينبغي على إدارة الشركة أن تتحدَّث بصوت واحد. في نظام تايلور كان العامل تحت إمرة العديد من أرباب العمل، قد يصل عددهم إلى ثمانية مديرين، كلُّ واحدٍ منهم يأمره بتنفيذ العمل ذاته بطريقة مُختلفة، وهذا ما قد يجعل العامل في حيرةً من أمره. في حين أكَّد فايول على أهمية المرونة وأقرَّ بأنَّ الإدارة والنفوذ يجب أن يُصاحبهما مسؤوليّات ووواجبات، كما أكَّد على أنَّه ينبغي على الإدارة الحفاظ على وحدة إصدار القرار والتي تضمن أنَّ كل مشرف سيشرح لكل موظف في مجموعته أو قسمه جوانب العمل التي يتوجَّب عليه التركيز عليها. كل مشرف يتلقَّى التوجيهات والمعلومات من المديرين الأعلى منه وينقل تلك المعلومات إلى المستويات الإداريّة التي تليه وهكذا حتى تصل إلى العامل. الإسهام البارز الثاني الذي قدَّمه فايول هو إقراره بأنَّ العاملين كانوا أكثر ما يهتمون بالجوانب الاجتماعية المرتبطة بعملهم إلى جانب اهتمامهم بالمكافآت المالية التي يتلقونها مقابل إنجاز العمل المطلوب. أدرك تايلور جيِّدًا الجوانب والضغوطات الاجتماعية المرتبطة بالعمل وحاول الحدّ منها، فقد سعى فايول إلى استغلال هذه النواحي فيما يعود بالنفع على العمل عن طريق الاهتمام بتنمية روح العمل الجماعي بين العاملين. يُشير مصطلح روح العمل الجماعي (esprit de corps) إلى تماسك العاملين في مجموعة أو قسم معين وارتباطهم بأهدافهم وأهداف زملائهم حتى في ظل الشدائد واعتزازهم لكونهم أعضاء وزملاء في المؤسسة ذاتها. أكَّد فايول على أنَّ التواصل المستمر مع العاملين هو الوسيلة الأنجع لخلق روح العمل الجماعي وتعزيز التزامهم بأهدافهم الشخصية وأهداف المؤسسة التي يعملون فيها. من إسهامات فايول المهمة أيضًا تأكيده على مفهوم العدالة داخل المؤسسة وعلى أنَّ المؤسسة يتوجَّب عليها البتُّ في القضايا بعدلٍ وإنصاف. يمكن للمديرين بهذه الطريقة الحد من تحيُّزاتهم ومشاعرهم الشخصية التي قد تؤثِّر على قراراتهم. أصبحت أفكار فايول تُعرف بنظرية التقسيم الإداري في وقتنا الحالي، وتتكوَّن هذه النظرية من 14 مبدأ إداري. تبيِّن هذه المبادئ أنواع المهام التي من المفترض أن يؤدِّيها المديرون، ولا تزال تُطبَّق حتى يومنا هذا، ولكن تختلف طريقة تطبيقها باختلاف ثقافة الشركة ومدى استخدامها للتكنولوجيا. على سبيل المثال، سيكون لدى المجتمعات التي تهتم بالمنجزات الفردية أنظمة تعويضات ومُكافآة مختلفة عن تلك التي تهتم بالإنجازات والعمل الجماعي. مبادئ الإدارة الأربعة عشر التي وضعها هنري فايول هي: تقسيم العمل السلطة الانضباط وحدة إصدار الأوامر (وحدة القرار) وحدة التوجّه خضوع المصلحة الفردية للمصلحة العامة المكافأة والتعويض المركزية تدرج السلطة النظام العدالة والمساواة الحدّ من تأثير التوجّهات الشخصيّة روح المبادرة -يجب أن تُتاح الفرصة أمام العمّال والموظّفين لإبداء آرائهم وطرح أفكارهم وخططهم. روح العمل الجماعي بالإضافة إلى المبادئ الأربعة عشر، حدَّد فايول خمس وظائف للإدارة وهي: التخطيط التنظيم التوظيف الرقابة التوجيه تصف كل وظيفة من هذه الوظائف ما ينبغي على المديرين القيام به بصفة يومية. على الرغم من تغيَّرت وظائف الإدارة على مرّ السنين إلّا أنّها اعتمدت على ما وضعه فايول. وضَّح فايول ما يقوم به المدير وكيف أنَّ كل عملٍ في الهرم الإداري مُرتبط ومُتعلّق بغيره. ماكس فيبر عالم اجتماع ألماني قدَّم إسهامات بارزة مكمِّلة لنظام الإدارة الذي طوَّره تايلور، كما أسهم في علوم الاقتصاد والاجتماع. ألّف فيبر معظم أعماله في بداية التسعينيات من القرن التاسع عشر ثمَّ تابع تأليفه بعد عام 1904 عندما عاد للكتابة مجدَّدًا. يُكنُّ علماء الاجتماع تقديرًا كبيرًا لفيبر ويعتبرونه أبًا لهذا المجال. أكَّد فيبر على أنَّ علماء الاجتماع لا يمكنهم فهم الجماعات إلَّا من خلال فهم الأفعال التي يقوم بها الأفراد. من السلوكيات الفردية التي قام فيبر بدراستها هي أنواع القيادة، وقد حدَّد ثلاثة أنواع من القيادة وهي: السلطة الكاريزمية (العائلية والدينية) والسلطة التقليدية (البطاركة والزعامة الأبوية والإقطاعية) والسلطة القانونية (القانون المعاصر والدولة والبيروقراطية). تمثّل إسهام فيبر في الإدارة في تطوير وفهم نموذج القيادة العقلانية القانونية الذي أكَّد فكرة أنَّ القادة ينبغي عليهم اتخاذ القرارات استنادًا إلى الأنظمة والسوابق القانونية والأحكام وليس بناءً على الأهواء. قطع فيبر أشواطًا أكثر من الباحثين السابقين ووضَّح سبب نشوء الأنظمة البيروقراطية وغيرها من النتائج إِثر التحوُّل الصناعي الكبير. يذكر فيبر بأنَّ كلًّا من الثورة الصناعية وثورة المواصلات أدَّت إلى اتساع المناطق التي بحاجة إلى إدارة. ساعدت الحاجة إلى إدارة مناطق أكبر وأشخاص أكثر على ظهور البيروقراطية وهي نظام مكوَّن من قواعد ثابتة تُدار بحيادية. لقد تطلَّب اقتصاد السوق المتوسِّع إدارة كُفؤ لتنظيمه، كما أن التطوّر الهائل الذي شهده مجال الإتصالات والمواصلات ساهم في تحسين أساليب الإدارة وكفائتها. أبرز إسهام قدَّمه فيبر للإدارة الحديثة هو ابتداع البيروقراطية الحديثة، على الرغم من أنَّ البيروقراطية بدأت عند الصينيين القدماء، إلّا أن النموذج الذي قدّمه فيبر كان مُختلفًا إلى حدٍّ كبير حيث تُتخَذ القرارات في البيروقراطية بطريقة منهجية وليس وفق ما يشعر المدير بأنَّه صواب. أكَّد فيبر على أنَّ المعرفة والأسس العلميّة يجب أن تكون الأساس الذي تقوم عليه عمليتا التوظيف والترقية في البيروقراطية وليس الظروف العِرقيّة المُحيطة بالعامل، وقد تصادم هذا التوجّه مع السياسات والتوجّهات العُنصريّة التي سادت كلًّا من أوروبا والولايات والولايات المتحدة في ذالك الوقت. كما أكَّد على أنَّه يتوجَّب على الإداريين البيروقراطيين أن يتخذوا القرارات بناءً على مجموعة من القواعد وليس بناءً على الأهواء. تحمل كلمة «بيروقراطية» دلالات سلبية في عقل القارئ المعاصر، ولكنَّها شكّلت تحسُّنًا كبيرًا لما كان يحدث سابقًا، إذ لم يكن الإدارييون قبل ظهور فيبر ملزمين بتبرير أسباب اتخاذهم لقرارات معيَّنة، كما لم يكونوا ملزمين باتخاذ القرارات بالاستناد إلى قواعد محدَّدة. كانت كلٌّ من عملية التوظيف والترقية تقومان على المحاباة والمحسوبية، وهذا يختلف كثيرًا عن ما يُعرف بالحكم بالجدارة (أو الميريتوقراطية) في وقتنا الحالي. فيما يلي قواعد البيروقراطية المثالية: الأدوار المخصَّصة التوظيف استنادًا إلى الجدارة مبادئ موَّحدة للتوظيف والترقية والنقل الترَّقي في الوظيفة في ظل وجود هيكل رواتب محدَّد التدرج الوظيفي، والمسؤولية، والمساءلة إخضاع السلوك الرسمي لقواعد صارمة من الانضباط والرقابة سيادة القواعد المجرَّدة السلطة الموضوعية على الرغم مما سبق فقد كان هناك جانب سلبي لهذا المنهج الإداراي الجديد، إذ أنَّ البيروقراطية كانت تحمي الإداريين البيروقراطيين من مسؤوليّاتهم ومبادراتهم الشخصيّة، والأسوأ من ذلك؛ أنّها قد تقودهم إلى الانخراط في أنشطة إجرامية. لاحظ عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون أنَّ القوانين في النظام البيروقراطي يمكن أن تصبح أكثر أهمية من الأهداف الفعلية، ويقول ميرتون في كتاباته: من القضايا الأخرى المتعلِّقة بالبيروقراطية هي اهتمامها الكبير بالسلطة القانونية لدرجة جعلتها تتجاهل عوامل مهمة أخرى. أول عامل من هذه العوامل هو أنَّ قوانين البيروقراطية غالبًا ما تكون قاصرة وغير مكتملة نتيجة وجود مشكلات في التواصل والإلمام الكاملين لجميع الظروف الممكنة، وغالبًا ما يتم التخلي عن هذه القوانين بدلًا من إكمالها، كما لا يُمكن أن يتطرَّق أي قانون إلى جميع النتائج أو الأحداث الممكنة. الأمر الآخر هو أنَّ المؤسسات ذات النظام البيروقراطي تجاهلت تأثير العلاقات الشخصية واعتمدت غالبًا على العقل والمنطق عند اتخاذ القرارات. غالباً ما يكون سبب التزام الأشخاص بالقوانين واتّباع أرباب عملهم ناتجًا عن إعجابهم بشخصيّة رب العمل ذاته وليس بسبب سلطته القانونية. إنَّ المديرين الذين لا يستخدمون إلا السلطة القانونية من أجل رفع أداء الموظفين سيحصلون على نتائج محدودة. (قم بالاطلاع على المقالة التي تتحدَّث عن القيادة) قدَّم كل من فايول وفيبر إسهامات مهمة للإدارة. إنَّ أفكار فايول تعدُّ أساس الاستراتيجيات الحديثة لأنَّه حاول استنتاج الأنشطة التي ينبغي على المديرين القيام بها، وقد أغنت أفكاره الفكر الإداري فيما يتعلَّق بالقواعد التي يجب على المديرين اتّباعها لكي يضمنوا تعاون العاملين والتزامهم معهم. على نحوٍ مماثل، نجد أنَّ أفكار فيبر واضحة جدًا في مجال إدارة الموارد البشرية، حيث أشارت إلى أنَّ على المديرين اتخاذ القرارت اعتمادًا على قواعد ونُظم مُحدّدة وليس وِفقًا لأهوائهم. يمكننا أن نرى بأنَّ أفكار هذين الرجلين المتعلِّقة بالهيكلية الإدارية والتسلسل الإداري لا تزال لها تأثيرات ووقعها الكبير على الإدارة في وقتنا الراهن. ترجمة -وبتصرف- للفصل Administrative and Bureaucratic Management من كتاب Principles of Management
  9. ما هي مميزات وعيوب عملية اتخاذ القرارات الجماعية؟ وكيف بإمكان المدير أن يرتقي بعمليّة اتخاذ القرارات الجماعيّة؟ هذا سيكون محور مناقشتنا في هذا المقال. من الممكن أن تؤدِّي مشاركة عدد أكبر من الأشخاص في عملية اتخاذ القرارات إلى تحسين جودة القرارات التي يتخذها المدير وتداعيات ذلك القرار بدرجة كبيرة، ولكن ذلك قد يزيد أيضًا من فرصة حدوث نزاع وينشأ عنه تحديات أخرى. سنتحدَّث فيما يلي عن مميزات وعيوب عملية اتخاذ القرارات الجماعية. مميزات عملية اتخاذ القرارات الجماعية من مميزات عملية اتخاذ القرارات الجماعية إمكانية دمج وجهات نظر وأفكار مختلفة، ولكن يجب أن تكون المجموعة متنوعة حتى تتحقَّق هذه الميزة، إذ ستختلف التفضيلات والآراء والتحيُّزات والتوجُّهات من فرد لآخر داخل المجموعة نفسها. تضيف عملية اتخاذ القرارات الجماعية أعباءً إضافية على كاهل المدير بسبب الحاجة إلى التشاور بشأن وجهات النظر المُختلفة ودراستها، ولكن غالبًا ما يؤدِّي هذا إلى تقليل آثار التحيُّزات. على سبيل المثال، قد تقوم لجنة التوظيف التي تتكوَّن من الرجال فقط بتوظيف نسبة أكبر من الذكور، ويرجع سبب ذلك ببساطة إلى أنَّهم يميلون إلى تفضيل الأشخاص المشابهين لهم بدرجة أكبر. لكن إذا كانت لجنة التوظيف تتكوَّن من عدد متساوٍ من الرجال والنساء، سيزول ذلك التحيُّز ممَّا يؤدِّي إلى توظيف المتقدِّمين بناءً على مؤهِّلاتهم وليس بناءً على خصائصهم الجسمية. من الفوائد الأخرى لمشاركة عدد أكبر من الأشخاص في عملية اتخاذ القرارات هي أنَّ كل شخص يقدِّم معلومات أو معرفة فريدة للمجموعة، كما يمكن أن يكون لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن المشكلة. علاوةً على ذلك، غالبًا ما تؤدِّي مشاركة العديد من الأشخاص إلى وضع المزيد من الخيارات وتوليد المزيد من الأفكار عندما يتناقش أعضاء المجموعة بشأن الخيارات المتوفِّرة. إنَّ العصف الذهني هو عملية توليد أكبر قدر ممكن من الحلول أو الخيارات وهو أسلوب شائع مرتبط بعملية اتخاذ القرارات الجماعية. من الممكن أن تؤدِّي كل العوامل السابقة إلى نتائج ممتازة عندما تشارك المجموعات في عملية اتخاذ القرارات، كما أنَّ مشاركة الأشخاص الذين سيؤثِّر عليهم القرار في عملية اتخاذ القرارت سيزيد من تفهُّم هؤلاء الأشخاص للصعوبات أو المشكلات المُصاحبة لهذه القرار وسيصبح لديهم التزام وقناعة أكبر تجاه الحلول. عيوب عملية اتخاذ القرارات الجماعية لا تخلو عملية اتخاذ القرارات الجماعية من وجود تحديات، إذ تعجز بعض المجموعات عن التقدُّم بسبب النزاع بين الأعضاء. في المقابل، قد تلجأ بعض المجموعات إلى إقناع الأطراف المُعارضة لتوجّههم بالموافقة على حساب إجراء المناقشات الجيِّدة. يحدث التفكير الجمعي عندما يختار أعضاء المجموعة ألَّا يعبِّروا عن أفكارهم أو اعتراضاتهم بصورة علنيّة صريحة لأنَّهم يفضِّلون المحافظة على حالة السِلم وعدم إزعاج الآخرين أو معارضتهم. يحدث التفكير الجمعي في بعض الأحيان لأنَّ المجموعة تتمتع بروح الفريق والصداقة المتينة، بالإضافة إلى أنَّ أعضاء المجموعة لا يريدون أن تشويه بيئة الانسجام تِلك بسبب النزاع. يمكن أن يحدث التفكير الجمعي أيضًا بسبب رضا المجموعة عن ذاتها نتيجة نجاحاتها السابقة. غالبًا ما يتمتع أحد الأفراد في المجموعة بسلطة أكبر أو يمارس نفوذًا أكثر ويحاول منع الأشخاص الذين لديهم آراء مخالفة من التحدُّث (قَمع المعارضة) ليضمن تنفيذ أفكاره الخاصة فقط. لكن -في الواقع- إذا لم يشارك أعضاء المجموعة أفكارهم ووجهات نظرهم بالفعل، فلن تحصل المجموعة على فوائد عملية اتخاذ القرارات الجماعية. كيفية تشكيل مجموعة جيِّدة يحرص المديرون الفعَّالون على جودة عملية اتخاذ القرارات الجماعية عن طريق تشكيل مجموعات تحتوي على أعضاء متنوعين لكي يكون هناك وجهات نظر مختلفة، كما يشجِّعون الجميع على التحدُّث والتعبير عن آرائهم وأفكارهم قبل أن تتوصَّل المجموعة إلى قرار. تُسند المجموعات في بعض الأحيان دور المعترض لأحد أعضائها من أجل الحد من التأثير السلبي للتفكير الجمعي. يتعمَّد المعترض إثارة الانتقادات، إذ تتمثَّل وظيفته في الإشارة إلى العيوب المنطقية والتشكيك في تقييمات المجموعة للخيارات المختلفة وتحديد مواطن الضعف الموجودة في الحلول المقترحة، وهذا سيدفع أعضاء المجموعة الآخرين إلى التفكير مليًّا بشأن إيجابيات وسلبيات الحلول المقترحة قبل التوصُّل إلى قرار وتنفيذه. المحامي براين شنيل وهو يمارس دور المعترض في أحد اجتماعات الحاصلين على حق امتياز من شركة ماكدونالدز، وغالبًا ما كان يعارض بشدِّة رأي بوب زاركو محامي أصحاب الامتياز، وقد كان يرفع يده معترضًا -تنفيذًا لما طلبه منه زاركو قبل بدء الاجتماع. من خلال تلك الطريقة يستطيع جميع أصحاب الامتياز الحاضرين سماع حجج مانحي الامتياز وتفنيدها. (مصدر الصورة: حساب Mr. Blue MauMau/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)) يمكن أن تساعد جميع الأساليب التي وضَّحناها في أن تتوصَّل المجموعات إلى قرارات جيِّدة، ولكن ما الذي يمكن أن يفعله المدير عندما يكون هناك نزاع كبير داخل إحدى المجموعات؟ ينبغي على المدير في هذه الحالة مساعدة أعضاء المجموعة على الحد من النزاع عن طريق إيجاد الأمور المشتركة (الاهتمامات، أو القيم، أو المعتقدات، أو التجارب، أو الأهداف) التي يمكن أن يتَّفقوا عليها. إبقاء تركيز المجموعة على هدف مشترك يمثّل أسلوبًا مُجديًا لكي يعمل أعضاء المجموعة مع بعضهم بعضًا بدلًا من مخالفة بعضهم، يلخِّص الجدول التالي أساليب تحسين عملية اتخاذ القرارات الجماعية. table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } ملخَّص الأساليب التي قد تساهم في تحسين عملية اتخاذ القرارات الجماعية نوع القرار الأسلوب الفائدة القرارات الجماعية وجود أعضاء متنوعين في المجموعة تحسين الجودة؛ توليد المزيد من الخيارات؛ تقليل التحيُّز إسناد دور المعترض لأحد الأعضاء تحسين الجودة؛ الحد من التفكير الجمعي تشجيع الجميع على التحدُّث والمشاركة تحسين الجودة؛ توليد المزيد من الخيارات؛ منع قمع المعارضين مساعدة أعضاء المجموعة على إيجاد قواسم مشتركة تحسين الجودة؛ الحد من النزاعات الشخصيّة (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) الخلاصة إنَّ عملية اتخاذ القرارات من الأنشطة اليومية المهمة التي يقوم بها المديرون، وتتراوح القرارات ما بين قرارات صغيرة وبسيطة لها إجابات مباشرة إلى قرارات كبيرة ومعقَّدة لا يكون الخيار الأفضل لها واضحًا دائمًا. ينبغي عليك لكي تكون مديرًا فعَّالًا أن تدرك كيفية التعامل مع مختلف أنواع القرارات وأن تدرس جميع الخيارات المتاحة بدقّة وتنتقي أفضلها. عادةً ما تحسِّن الخبرة -التي تزداد تدريجيًا من خلال التعلُّم والتجربة- من اتخاذ القرارات الإدارية، ولكن نادرًا ما يعوِّل المديرون على خبرتهم الخاصة فقط؛ بل يُجرون أيضًا الدراسات والأبحاث ويجمعون المعلومات من الآخرين، كما ينتبهون إلى تحيُّزاتهم الخاصة وإلى الجوانب الأخلاقية ويفكِّرون بطريقة نقدية في المعلومات التي لديهم لكي يتمكَّنوا من اتخاذ قرارات تصبُّ في مصلحة المؤسسة والأطراف المعنية. ترجمة -وبتصرف- للفصل Group Decision-Making من كتاب Principles of Management
  10. كيف يمكن للمدير أن يحسِّن من جودة اتخاذه للقرارات ؟ في الواقع يمكن للمديرين استخدام أساليب متنوعة لتحسين عملية اتخاذهم للقرارات من خلال اتخاذ قرارات ذات جودة أفضل أو زيادة سرعة عملية اتخاذ القرارات. يلخِّص الجدول التالي بعض هذه الأساليب. ملخَّص الأساليب التي قد تساهم في تحسين عملية اتخاذ القرارات الفردية نوع القرار الأسلوب الفائدة قرارات مبرمجة الاستدلالات (طرق التفكير المختصرة) توفير الوقت استراتيجية الحل المُرضي (اختيار أول حل مقبول) توفير الوقت قرارات غير مبرمجة تنفيذ الخطوات الست لعملية اتخاذ القرارات بطريقة منهجية تحسين الجودة التناقش مع الآخرين تحسين الجودة؛ توليد المزيد من الخيارات؛ تقليل التحيُّز التفكير الإبداعي تحسين الجودة؛ توليد المزيد من الخيارات إجراء البحوث؛ المشاركة في عملية اتخاذ قرارات مستندة إلى الدلائل تحسين الجودة الانخراط في التفكير النقدي تحسين الجودة مراعاة الآثار بعيدة المدى تحسين الجودة مراعاة الجوانب الأخلاقية تحسين الجودة (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0)) أهمية الخبرة إنَّ من العوامل التي غالبًا ما يُغفل عنها في عملية اتخاذ القرارات الفعَّالة هو عامل الخبرة. عادةً ما يكون لدى المديرين الذين مرُّوا بتجارب أكثر معرفة وخبرة كبيرتين تدعم عمليّة اتّخاذ القرارات، إذ تساعد الخبرة المديرين على وضع طُرُق وتكوين استدلالات للتعامل بسرعة مع القرارات المبرمجة، كما تساعدهم على معرفة المعلومات الإضافية التي ينبغي عليهم البحث عنها قبل اتخاذ أحد القرارات غير المبرمجة. أساليب لاتخاذ قرارات مبرمجة أفضل تتيح الخبرة للمديرين معرفة متى ينبغي عليهم تقليل وقت اتّخاذ القرارات غير ذات الأهميّة ولكن مع ذلك لا بُدَّ من اتّخاذها. تعدُّ الاستدلالات - كما ذكرنا سابقًا- بمثابة طرق عقلية مختصرة يسلكها المديرون عندما يتخذون القرارات (الروتينية) المبرمجة، ومن الأساليب الأخرى التي يستخدمها المديرون مع هذا النوع من القرارات استراتيجية الحل المُرضي التي يقوم متخِذ القرار بواسطتها باختيار أول حل مقبول دون بذل جهود إضافية في سبيل تحديد الحل الأفضل. جميعنا نستخدم استراتيجية الحل المُرضي في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، افترض أنَّك تتسوَّق في أحد محلات البقالة وأنَّك ترغب بشراء المُنتج المطلوب بأقل تكلفة ممكنة. إذا كان لديك الكثير من الوقت، قد تقارن بين الأسعار وتحسب السعر بناءً على الوزن (أو الحجم) لتتأكَّد من أنَّ جميع الأصناف التي تختارها هي الأرخص ثمنًا. لكن إذا كنت مستعجلًا، فقد تختار منتجات تعلم أنَّها رخيصة بما فيه الكفاية، وهذا سيتيح لك إنهاء المهمة بسرعة وبتكلفة منخفضة معقولة. أساليب لاتخاذ قرارات غير مبرمجة أفضل يستطيع متخِذو القرارات استخدام عدة أساليب في المواقف التي تكون فيها جودة القرارات أكثر أهمية من مقدار الوقت المستغرق في اتخاذها، كما ينبغي التعامل مع القرارات غير المبرمجة بطريقة منهجية كما ذكرنا سابقًا، ولذلك سنناقش هذه الأساليب في سياق الخطوات الست لعملية اتخاذ القرارات التي ذكرناها سابقًا والتي تتضمن: إدراك أنَّ هناك قرار ينبغي اتخاذه. وضع عدة خيارات. دراسة الخيارات. تحديد الخيار الأفضل. تطبيق الخيار المحدَّد. تقييم مدى فاعلية ذلك الخيار. الخطوة الأولى: إدراك أنَّ هناك قرار ينبغي اتخاذه سيتجاهل المديرون غير الفعَّالون المشكلات في بعض الأحيان لأنَّهم لا يعلمون طريقة التعامل معها، ولكن هذا يؤدِّي غالبًا إلى حدوث مشكلات أكثر وأكبر بمرور الزمن. في المقابل، سينتبه المديرون الفعَّالون إلى المشكلات والفرص ولن يتهرَّبوا من اتخاذ القرارات التي يمكن أن تزيد من فاعلية ونجاح فِرقهم أو أقسامهم أو مؤسساتهم. الخطوة الثانية: وضع عدة خيارات غالبًا ما تكون محصِّلة الوقت الذي يقضيه المديرون في هذه الخطوة وضع خيارين فقط، وبعدها ينتقل المديرون بسرعة إلى الخطوة التالية من أجل اتخاذ قرار سريع. ربما يكون هناك حلًا أفضل، ولكن لم يُؤخذ بعين الاعتبار (نتيجة السرعة). من المهم أن تضع في ذهنك أنَّه ينبغي عدم التسرُّع في حالة القرارات غير المبرمجة، إذ ستزيد عملية توليد العديد من الخيارات الممكنة من احتمالية التوصُّل إلى قرار جيِّد. تتضمن الأساليب التي تساعد على توليد المزيد من الخيارات التناقش مع الآخرين (لمعرفة أفكارهم) والتفكير الإبداعي بشأن المشكلة. التناقش مع الآخرين غالبًا ما يستطيع المديرون تحسين جودة عملية اتخاذهم للقرارات عن طريق إشراك الآخرين في هذه العملية، خاصةً في مرحلة وضع الخيارات. يميل الأشخاص الآخرون إلى رؤية المشكلة من منظورات مختلفة لأنَّهم قد مرُّوا بتجارب مختلفة في الحياة، وهذا من الممكن أن يساعد على توليد خيارات لم تكن لتخطر على ذهنك. يمكن أن يكون التشاور بشأن القرارات الكبيرة مع أحد الاستشاريين مفيدًا خاصةً للمديرين الجدد الذين لا يزالون يتعلَّمون ويطوِّرون من خبراتهم، إذ أنَّ الأشخاص الذين مرُّوا بتجارب أكثر وأصبحوا يمتلكون خبرة أكبر غالبًا ما يكونون قادرين على اقتراح خيارات أكثر. التفكير الإبداعي لا ترتبط الإدارة بالإبداع في جميع الأحيان، ولكن قد يكون الإبداع مفيدًا في بعض الحالات، إذ من الممكن أن يكون التفكير الإبداعي مفيدًا في عملية اتخاذ القرار خاصةً عند وضع الخيارات. يُقصد بالتفكير الإبداعي توليد أفكار جديدة أو مبتكَرة، وهو يتطلَّب استخدام ملكة الخيال والقدرة على الابتعاد عن الطريقة التقليدية في القيام بالأشياء وفي رؤية العالم. على الرغم من أنَّ بعض الأشخاص مبدعين بالفطرة، إلا أنَّ التفكير الإبداعي مهارة يمكن تنميتها واكتسابها، ويتطلَّب ذلك أن تطلق لعقلك العنان وأن تدمج المعرفة الحالية بخبراتك السابقة باستخدام طُرُق مبتكَرة. قد تأتي الأفكار الإبداعية عندما لا نتوقع مجيئها (أثناء الاستحمام مثلًا)، وذلك لأنَّنا لا نكون في حالة تركيز شديدة على المشكلة، وهذا يتيح لعقولنا أن تسرح في أفق الخيال والإبداع تلقائيًّا. إنَّ المديرين الذين يسعون إلى أن يكونوا مبدعين سوف يقضون وقتًا كافيًا في دراسة المشكلة من زوايا متعددة، ويحاولون دمج المعلومات بطرق جديدة، ويبحثون عن الأنماط البارزة، ويستخدمون خيالهم في توليد حلول جديدة للمشكلات القائمة. سنتحدَّث عن المزيد من التفاصيل المتعلِّقة بالتفكير الإبداعي في مقالات لاحقة من سلسلتنا هذه. الخطوة الثالثة: دراسة الخيارات من المهم عند تطبيق هذه الخطوة مراعاة عدة عوامل. على سبيل المثال، قد تكون بعض الخيارات مكلفة أكثر من غيرها، وغالبًا ما تكون المعلومات المرتبطة بهذا الأمر ضرورية عند دراسة الخيارات. سيحرص المديرون الفعَّالون على جمع المعلومات الكافية لتقييم جودة الخيارات المختلفة، كما أنَّهم سيستخدمون الأساليب التالية التي سنبيِّنها فيما يلي: المشاركة في عملية اتخاذ قرارات مستندة إلى الدلائل، والتفكير النقدي، والتناقش مع الآخرين، ومراعاة الآثار بعيدة المدى والجوانب الأخلاقية. المعلومات والبيانات الدقيقة إنَّ عملية اتخاذ القرارات المستندة إلى الدلائل عبارة عن أسلوب لاتخاذ القرارات يتضمَّن جمع أفضل الدلائل المتوفرة بطريقة منهجية لكي يتمكَّن المديرون من اتخاذ قرارات فعَّالة، وتُبنى هذه الدلائل على الخبرات التي مرَّ بها متَّخِذ القرار، ولكنَّها غالبًا ما تتضمَّن أيضًا دلائل خارجية مثل آراء أصحاب المصلحة والظروف المرتبطة بالمؤسسة والتكاليف والمكاسب المحتملة والمعلومات الأخرى المُتعلّقة بالقرار. يُشجَّع المديرون في هذه العملية على الاعتماد على البيانات والمعلومات بدلًا من الاعتماد على حدسهم، ومن الممكن أن يعود هذا بنفع كبير خاصةً على المديرين الجدد والمديرين ذوي الخبرة الذين يريدون الخوض في مشاريع جديدة. (تذكَّر جميع الدراسات التي أجرتاهما روبيو وكوري قبل البدء في إنشاء شركة Away). التناقش مع الآخرين ذكرنا سابقًا أنَّه من الجيِّد الحصول على مساعدة الآخرين عند وضع الخيارات. إنَّ التناقش مع الآخرين جيِّد أيضًا عند دراسة تلك الخيارات وتحليلها، إذ قد يساعدك الأفراد الآخرون الذين يعملون في المؤسسة على تقييم جودة اختياراتك. إنَّ معرفة آراء وتفضيلات الآخرين وسيلة جيِّدة للحفاظ على الموضوعية لأنَّ استشارة الآخرين قد تساعدك على تقليل تحيُّزاتك عند اتخاذ القرارات (شريطة أن تتناقش مع أشخاص لديهم تحيُّزات أو مُيول مختلفة عن تلك الموجودة لديك). التفكير النقدي يمكن أن تتحسَّن مهاراتنا في تقييم الخيارت عن طريق التركيز على التفكير النقدي. إنَّ التفكير النقدي عبارة عن عملية يتم فيها تقييم جودة المعلومات -خاصةً البيانات التي جُمعت من المصادر الأخرى ومن أقوال الآخرين- لتحديد ما إذا كانت المصادر موثوقة وما إذا كانت الأقوال صحيحة. أحد العوامل المهمة المرتبطة بالتفكير النقدي هو الإدراك بأنَّ تحليل الأشخاص للمعلومات المتوفرة ربما لا يكون صائبًا بسبب عدد من المغالطات المنطقية التي قد يقعون فيها عند مناقشة آرائهم أو الدفاع عن وُجهات نظرهم. التعرُّف على هذه المغالطات والقدرة على اكتشافها يمكن أن يساعد على تحسين جودة عملية اتخاذ القرارات. يبيِّن الجدول التالي عدة أمثلة للمغالطات المنطقية الشائعة. المغالطات المنطقية الشائعة اسم المغالطة الوصف أمثلة طُرُق لمواجهة هذه المغالطة عدم الترابط (النتيجة لا تتبع تسلسل منطقي سليم) الاستنتاج المطروح غير منطقي أو هو ليس الاستنتاج المنطقي الوحيد بناء على الحجج المتوفرة. يُنفق المنافس الأكبر لنا أكثر مما ننفقه على التسويق ويمتلك حصة سوقية أكبر. بناءً على ذلك، ينبغي علينا إنفاق المزيد من المال على التسويق. الافتراض غير المعلَن: يمتلك المنافس حصة سوقية أكبر لأنَّه ينفق أموالًا أكثر على التسويق. - ادرس جميع الحجج. هل هي منطقية؟ - فتِّش عن أي افتراضات قد وُضعت ضمن سلسلة الحجج. هل هي منطقية؟ - حاول جمع الدلائل التي تدعم الحجج والافتراضات أو تدحضها. ينبغي عليك أن تسأل السؤال التالي في هذا المثال: لماذا يمتلك منافسنا حصة سوقية أكبر؟ هل هناك أي أسباب أخرى إلى جانب الإنفاق على التسويق؟ السبب الزائف بما أنَّ هناك شيئين مترابطان، فإنَّ أحدهما سبَّب حدوث الآخر. وُجد ارتباطٌ قويٌّ بين معدلات بيع البوظة وبين معدلات الجريمة. بناءً على ذلك، فإنَّ تناول البوظة يؤدي إلى ارتكاب الجرائم. هذه المغالطة شبيهة بمغالطة عدم الترابط، إذ يُوضع افتراض ضمن سلسلة الحجج. - اسأل نفسك عمَّا إذا كان الشيء الأول يُسبِّب حدوث الشيء الثاني، أم أنَّ هناك سبب آخر. في المثال الذي ذكرناه، الصواب هو أنَّ ارتفاع حرارة الجو هو السبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما يُفضي إليه من توتر وقلق) وفي ارتفاع مبيعات البوظة أيضًا. الشخصنة (مغالطة مهاجمة الشخص) ترك الحجج ومهاجمة الشخص الذي أدلى بها. "هل حقًّا ستأخذ ما يقوله محمود على محمل الجد؟ سمعتُ أنَّ أكبر عملائه قد تخلَّى عنه وأصبح يتعامل مع بائع آخر لأنَّه شخص ثرثار وغير صادق." الهدف: إذا توقَّفت عن الثقة في شخص ما، فإنَّك ستتجاهل حججه. - هل لدى الشخص الآخر الذي حاول أن يجعلك تفقد ثقتك في الشخص الأول مصلحة أو نوايا خفيَّة؟ - هل ستكون الحجة التي أدلى بها الشخص الأول مقنعة إذا صدرت عن شخص آخر؟ مغالطة المنشأ عدم الثقة بشيء ما بسبب أصوله وجذوره. "لقد صُنع هذا في الصين، لذلك لا بد أنَّ جودته منخفضة." "إنَّه محامٍ، لذا لا يمكنك أن تثق بأي شيء يقوله." ترتكز هذه المغالطة على الصور النمطية. الصور النمطية عبارة عن تعميمات، بعضها يكون غير صحيح إطلاقًا، وحتى تلك التي تكون صحيحة في بعض الحالات لا تكون صحيحة في جميع الحالات. ينبغي عليك أن تدرك أنَّ طريقة التفكير هذه ما هي إلا شكلٌ من أشكال التحيُّزات الموجودة لديك. الاحتكام إلى التقاليد بما أنَّنا كنَّا دائمًا نفعل هذا بطريقة معينة، إذًا لا بدَّ أن تكون تلك هي الطريقة الصحيحة أو الأفضل. "دائمًا ما فعلنا هذا بهذه الطريقة." "لا ينبغي علينا تغيير هذا. إنَّه يعمل جيِّدًا على النحو الذي هو عليه." - حدِّد ما إذا كان الوضع قد تغيِّر، ويتطلّب إحداث تغيير في طريقة القيام بالأشياء. - حدِّد ما إذا كانت المعلومات الجديدة تُشير إلى أنَّ وجهة النظر التقليدية غير صحيحة. (تذكَّر أنَّنا كنَّا نظنُّ الأرض مسطَّحة.) مُحاكاة الأغلبية بما أنَّ أغلبية الناس تقوم بهذا الأمر، فلا بدَّ أن يكون جيِّدًا. "الجميع يفعل هذا." "لا يريد زبائننا أن يخدمهم أُناس كهؤلاء." - تذَّكر أنَّ الأغلبية تكون مخطئة في بعض الأحيان، وأنَّ الشيء الشائع ليس دائمًا الشيء الصحيح. - اسأل نفسك ما إذا كان تقليد الآخرين سيقودك حيث تريد أن تكون. - تذكَّر أنَّ المؤسسات عادةً ما تكون ناجحة نتيجة تفوُّقها على منافسيها في شيءٍ ما، لذلك قد لا يكون اتباع الأغلبية أفضل طريقة للنجاح. التماس المشاعر تحويل الحجة من المنطق إلى العواطف. "علينا أن نفعل هذا من أجل سمير (المتوفَّى حديثًا). إنَّ هذا ما كان سيريده." - زِد وعيك بعواطفك الخاصة واعرف متى يحاول أحدهم استغلالها. - اسأل نفسك عمَّا إذا كانت الحجة قائمة بذاتها دون استمالة عواطفك. مراعاة الآثار بعيدة المدى من الممكن أن يؤدِّي التركيز على النتائج العاجلة قصيرة المدى وقلة الاهتمام بالمستقبل إلى حدوث المشكلات. على سبيل المثال، تخيَّل أنَّه يتوجَّب على أحد المديرين تحديد ما إذا كان سيوزِّع الأرباح على المستثمرين أم سيتستغل ذلك المال في البحث والتطوير من أجل مواصلة تطوير منتجات مبتكَرة. تميل النفوس البشريّة إلى تحصيل النتائج بسرعة وعلى المدى القريب، إذ أنَّ توزيع الأرباح على المساهمين يبدو خطوةً جيّدة لزيادة قيمة أسهم الشركة، ولكنَّ عدم استثمار المال في البحث والتطوير قد يؤدِّي إلى عدم قدرة الشركة على المنافسة الفعَّالة في السوق بعد خمس سنوات، ومن ثمَّ تكون النتيجة إغلاق الشركة. إنَّ الانتباه إلى النتائج المحتملة بعيدة المدى أمر ضروري عند دراسة الخيارات. مراعاة الجوانب الأخلاقية من المهم أيضًا التفكير فيما إذا كانت الخيارات العديدة المتوفرة جيِّدة أم سيِّئة من الناحية الأخلاقية. يختار المديرون خيارات غير أخلاقية في بعض الأحيان لأنَّهم لم يضعوا بعين الاعتبار الآثار الأخلاقية المترتبة على أفعالهم. على سبيل المثال، قامت شركة فورد في السبعينيات من القرن الماضي بتصنيع سيارة فورد بينتو التي كانت تعاني من سوء تصنيع كارثي، إذ كان من السهل اشتعال النيران في السيارة عند وقوع تصادم خلفي، ولكنَّ الشركة لم تُحجم عن إصدار السيارة منذ البداية لأنَّها نظرت إلى المشكلة من الناحية المالية دون أن تضع بعين الاعتبار الآثار الأخلاقية. (10) لقد نتجَ عن سوء تصرُّف الشركة موت العديد من الأشخاص. من المؤسف أنَّ اتخاذ مثل هذه القرارات غير الأخلاقية لا يزال يحدث ويُسبِّب الضرر. يسعى المديرون الفعَّالون إلى تجنب هذه المواقف عن طريق التفكير في الآثار الأخلاقية التي قد تنتج عن قراراتهم. الشكل التالي مثال ممتاز على طريقة اتخاذ القرارات الإدارية مع مراعاة الجوانب الأخلاقية في الوقت نفسه. إن التمعّن والتفكير الجيّد في كل خطوة من خطوات اتّخاذ القرارات الأخلاقيّة سيساعدك على اتّخاذ القرارات الصائبة. يحدِّد النموذج الذي وضعه جيمس رست أربعة مكونات لعملية اتخاذ القرارات الأخلاقية: الحساسية الأخلاقية: إدراك أن القضية أو المشكلة لها بُعد أخلاقي. الحكم الأخلاقي: تحديد أيّ الأفعال صحيحة وأيّها خطأ. الدافع الأخلاقي: وجود النيِّة لفعل الأمر الصائب. الفعل الأخلاقي: القيام بالأمر الصائب. لاحظ أنَّ التقصير في أي مرحلة يمكن أن يؤدِّي إلى أفعال غير أخلاقية! سوف يساعدك التأنِّي في تحديد الآثار الأخلاقية المحتملة على تنمية الحساسية الأخلاقية لديك، وهذه خطوة أولى مهمة لضمان اتخاذ قرارات أخلاقية. بعد أن حدَّدتَ أنَّ هناك آثار أخلاقية مترتِّبة على قرارك، حان دور خطوة الحُكم الأخلاقي، إذ يجب عليك أن تحدِّد ما إذا كانت الخيارات المحتملة صائبة أم غير صائبة وهل سوف تُسبِّب أي ضرر وما مقدار الضرر ومن هم المتضررين. إذا لم تكن متأكِّدًا ممَّا إذا كان أحد الأمور صائبًا أم لا، فكِّر كيف سيكون شعورك لو تحدَّثت الصحف الكُبرى عن القرار الذي اتخذته في صفحاتها الأولى. إذا كنت ستشعر بالذنب أو الخجل، فلا تفعله! انتبه إلى الإشارات العاطفية؛ فهي تزوِّدك بمعلومات مهمة بشأن الخيار الذي تفكِّر فيه. تتطلَّب الخطوة الثالثة في نموذج اتخاذ القرارات الأخلاقية أن تقرِّر فعل الأمر الصائب، وتتطلَّب الخطوة الرابعة تنفيذ ذلك القرار. تخيَّل أنَّ رئيسك في العمل قد طلب منك القيام بشيء تعلم أنَّه خطأ، فرفضت القيام به، ولكنَّ رئيسك بيَّن لك أنَّك ستخسر وظيفتك إذا لم تفعل ما طلبه منك. تخيَّل أيضًا أنَّ عائلتك تعتمد على دخلك. إذا قررت أن تفعل الأمر الذي تراه صائبًا، فقد يؤدِّي ذلك إلى فقدانك لوظيفتك ومصدر دخلك. أفضل إجراء في مثل هذه الحالات هو العثور على طريقة تُقنِع بها رئيسك بأنَّ المهمّة غير الأخلاقية التي أُنيطت إليك ستُسبّب ضررًا أكبر للمؤسسة على المدى البعيد. الخطوة الرابعة: تحديد الخيار الأفضل بعد أن تمَّ وضع الخيارات ودراستها، يجب على متَّخِذ القرار اختيار أحد تلك الخيارات. تكون هذه الخطوة سهلة في بعض الأحيان، إذ يكون هناك خيار يتفوَّق على غيره بوضوح. لكن غالبًا ما تكون هذه الخطوة صعبة، إذ -كما ذكرنا سابقًا في هذا المقال- قد يكون هناك عدة خيارات جيِّدة ولكن لا يكون من الواضح أي الخيارات هو الخيار الأفضل حتى بعد توفّر جميع الدلائل والمعلومات الممكنة. قد تفتقر قائمة الخيارات المُتاحة إلى خيار يُرضي جميع أصحاب المصلحة، لذلك سوف تتسبَّب في استياء أحدهم مهما كان الخيار الذي اخترتَه. قد يُصاب متخِذ القرار المتردد بالعجز في مثل هذه الحالة ويكون غير قادر على الاختيار بين البدائل المختلفة بسبب عدم قدرته على تحديد الخيار "الأفضل" بوضوح، وقد يقرِّر الاستمرار في جمع معلومات إضافية على أمل أن تصبح عملية اتخاذ القرار أسهل. بصفتك مديرًا، من المهم التفكير فيما إذا كان النفع الذي سيعود من جمع معلومات إضافية يفوق تكلفة الانتظار، وإذا كان هناك ضيق في الوقت، قد لا يكون الانتظار ممكنًا. إدراك أنَّ الكمال بعيد المنال يدرك المديرون الفعَّالون أنَّهم لن يتمكَّنوا من اتخاذ القرار الأفضل في جميع الأحيان بسبب عدم توفُّر المعلومات الكاملة أو عدم توفُّر الوقت أو الموارد اللازمة لجمع كل المعلومات الممكنة ودراستها، كما أنَّهم يتقبَّلون أنَّ عملية اتخاذهم للقرارات لن تصل إلى حد الكمال ولكنَّهم يسعون إلى اتخاذ قرارات جيِّدة عمومًا. إدراك المديرين بأنَّ الوصول إلى الكمال مستحيل سيساعدهم على التأقلم والتغيير في حالة لو اكتشفوا لاحقًا بأنَّ الخيار المحدَّد لم يكن الخيار الأفضل. التناقش مع الآخرين من الممكن أن يكون التناقش مع الآخرين مفيدًا في هذه المرحلة أيضًا. إنَّ اختيار واحد من الخيارات هي مسؤوليتك في النهاية، ولكن عندما تواجه قرارًا صعبًا، فإنَّ التشاور بشأن الخيار الذي اخترته مع شخص آخر من الممكن أن يساعدك في تحديد ما إذا كان قد وقع اختيارك على القرار الأفضل من بين الخيارات المتاحة، كما أنَّ مشاركة المعلومات بطريقة لفظية مع الآخرين يدفع الدماغ إلى معالجة المعلومات بطريقة مختلفة ممَّا قد يزوِّدنا برؤية جديدة ويزيد من وضوح عملية اتخاذ القرارات. الخطوة الخامسة: تطبيق الخيار المحدَّد يتوجَّب عليك بعد تحديد أحد الخيارات أن تطبقَّه. قد يبدو هذا بديهيًا، ولكن من الممكن أن تشكِّل عملية التطبيق تحديًا خاصةً إذا كان سينشأ عن القرار نزاع أو استياء في أوساط بعض أصحاب المصلحة. في بعض الأحيان نكون على يقين بما ينبغي علينا القيام به ولكن نحاول على الرغم من ذلك تجنب القيام به لأنَّنا نعلم أنَّ في المؤسسة من سيستاء بسببه -حتى لو كان الحل الأفضل. إنَّ المُضي قُدمًا في تنفيذ القرار رغم العوائق ضروري لكي تكون مديرًا فعَّالًا. إذا كنت لا تنوي أو لا ترغب في تطبيق القرار، فمن الجيد أن تراجع نفسك وتقف معها وقفة جادَّة حتى تعرف السبب. إذا كنت تعلم بأنَّ القرار سيؤدِّي إلى حدوث نزاع، حاول التفكير في كيفية معالجة هذا النزاع بطريقة فعَّالة. من الممكن أن نشعر بعدم وجود خيار جيِّد أو أن نشعر بأنَّنا مجبرون على اتخاذ قرار نعلم في أعماقنا بأنَّه قرار غير صائب من الناحية الأخلاقية. قد يكون هذا النوع من القرارات من أصعب القرارات التي يمكن أن تواجهك، ولكن ينبغي عليك أن تسعى دائمًا إلى اتخاذ القرارات التي تشعر بالرضا عنها، وهذا يعني أنَّ عليك فعل الأمر الصائب حتى لو كنتَ واقعًا تحت ضغوط تدفعك إلى القيام بأمر خطأ. الخطوة السادسة: تقييم مدى فاعلية ذلك الخيار يُهمِل المديرون أحيانًا الخطوة الأخيرة في عملية اتخاذ القرارات لأنَّ تقييم مدى فاعلية القرار يستغرق وقتًا، وغالبًا ما ينتقل المديرون المشغولون مباشرةً إلى المشروع التالي دون تمحيص المشروع السابق وتقييم نتائجه وفعاليّته. لكن هذه الخطوة مهمة؛ فلو لم نقيِّم أداءنا الخاص ونتائج قراراتنا، لن نستطيع التعلُّم من تجاربنا بطريقة تمكِّننا من تحسين جودة قراراتنا المستقبلية. الاهتمام جيِّدًا بكل خطوة من خطوات عملية اتخاذ القرارات يحسِّن من جودة القرارات، وكما رأينا سابقًا فإنَّ هناك عدة أساليب يمكن أن تساعد المديرين على اتخاذ قرارات جيِّدة. وفيما يلي سنذكر مثالًا يبيِّن كيف طبَّق أحد المديرين الأساليب التي سبق ذكرها من أجل التوصّل إلى قرار جيّد في نهاية المطاف. الأخلاقيات في الحياة المهنية ما حدث مع روب أولت الذي عمل في العديد من الوظائف الإداري تتطلَّب المعضلات الأخلاقية اهتمامًا خاصًا عندما يتعلَّق الأمر باتخاذ القرارات، وبما أنَّ المديرين يتخذون الكثير من القرارات، ليس من المستغرب أن يكون لبعض هذه القرارات آثار أخلاقية. نتيجة وجود العديد من أصحاب المصلحة، فإنَّ ما يمكن أن يكون أفضل بالنسبة لأحد أصحاب المصلحة قد لا يكون هو الأفضل لأطراف أخرى في بعض الأحيان. لقد تحدَّثتُ مع روب أولت (Rob Ault) بشأن خبراته وتجاربه مع المعضلات الأخلاقية التي حدثت خلال مسيرته المهنية. قام روب بالعديد من الأدوار الإدارية لمدة تزيد عن 25 عامًا، وقد بدأ ذلك منذ أن كان 19 عامًا. لقد أخبرني بأنَّه قد واجه عددًا من المعضلات الأخلاقية خلال تلك المدة. أمضى روب معظم حياته المهنية في العمل لصالح المؤسسات الربحية، وقد عمل في بيئة نقابية (union environment). كانت أكثر المواقف التي تزعجه هي عندما يكون الأمر الصائب واضحًا بالنسبة له ولكنَّه يتعارض مع ما يأمره به رئيسه في العمل، ومن ضمن هذه المواقف موقفًا شعر فيه بأنَّه ينبغي طرد أحد الموظفين بسبب سوء تصرفه (ولكنَّه لم يُطرد)، بالإضافة إلى موقف طُلب منه فيه طرد أحدهم بغير وجه حق. على أي حال، كان أكثر ما تحدَّثنا بشأنه هو أسلوبه الذي انتهجه وكيف اتَّخَذ القرارات في مثل هذه المواقف الصعبة. لقد بيَّن روب بوضوح بأنَّ أسلوبه في هذه المواقف قد تغيَّر مع زيادة الخبرة؛ فما فعله سابقًا في حياته المهنية ليس بالضرورة أن يكون مثل ما يفعله في الوقت الحالي، كما أشار إلى أنّ المدير يحتاج إلى المرور بتجارب والوصول لمرحلة من النضج لكي يدرك بأنَّ القرارات التي يتخذها تؤثِّر على حياة الناس. لقد وضَّح أيضًا بأنَّ نقطة البداية لأي عملية اتخاذ قرارات هي إدراك أنّه قد تم تعيينك لتحقيق منافع للشركة، لذلك ينبغي أن يكون مصدر قراراتك نابعًا من رؤيتك لما سيحقِّق أفضل فائدة للمؤسسة على المدى الطويل (بالإضافة إلى ما تراه صائبًا). لا يكون ذلك سهلًا في جميع الأحيان لأنَّ ملاحظة النتائج قصيرة المدى والتنبؤ بها أسهل بكثير. لقد سألت روب عن الأشخاص الذين كان يتحدَّث إليهم قبل اتخاذ القرارات التي ترتبط بجوانب أخلاقية، فأخبرني أنَّه يرى بأنَّ أهم الأشياء التي ينبغي عليك القيام بها بصفتك مديرًا السعي إلى إقامة علاقات مع أشخاص تثق بهم في المؤسسة، وبذلك يصبح لديك أشخاص تستطيع التحدُّث إليهم واستقصاء آرائهم في المواقف الصعبة. لقد صرَّح بأنَّه ينبغي على المدير التواصل باستمرار مع رئيسه في العمل الذي غالبًا يمتلك استيعابًا أفضل واطّلاعًا أشمل على ما يحصل على مستوى المؤسسة، كما أخبرني بأنَّه يحبُّ التحدُّث إلى والده الذي كان يعمل في إدارة الموارد البشرية لمؤسسة كبيرة مصنَّفة ضمن قائمة فورتشين 500. كان دائمًا ما يساعده والده في تكوين تصوُّر عمَّا قد يحصل على المدى البعيد لو سُمِح لأحد الأشخاص بكسر القواعد، وقد أدرك روب في النهاية بأنَّ النتائج بعيدة المدى لكسر القواعد لها تداعيات ونتائج سلبيّة في معظم الأحيان؛ فإذا أُفسِح المجال لأحد الأشخاص بإساءة التصرُّف سيكتشف الآخرون ذلك ويدركون أنَّ بإمكانهم القيام بالشيء نفسه دون أن يترتَّب على ذلك عواقب. يستطلع روب أيضًا آراء الأفراد الآخرين الذين يعملون في المؤسسة باستمرار قبل التوصُّل إلى قرار ذا أبعاد أخلاقيّة، وقد أخبرني بأنَّه عندما كان يعمل في "بيئة نقابية"، كان يحرص على أن تكون لديه علاقات جيِّدة مع مسؤول النقابة لأنَّ ذلك كان يساعده على معرفة وجهات النظر الخاصة بشخص قريب من الموظفين. لم يخبرني روب عن تفاصيل أكبر معضلة أخلاقية واجهته، ولكن مجمل ما حدث هو أنَّه لم يوافق على ما طُلب منه القيام به، وقد آثر ترك عمله على أن يقوم بعملٍ يرى أنّه غير صائب عندما اتضح له عدم وجود خيار آخر، وقد وافق على الحصول على تعويض إنهاء الخدمة مقابل التوقيع على اتفاقية عدم إفصاح، ولهذا السبب لا يستطيع الإدلاء بأي تفاصيل، ولكن بدا واضحًا من محادثتنا بأنَّه يشعر بأنَّه اتخذ القرار الصحيح. تبيِّن تلك المعضلة الأخلاقية أنَّ عملية اتخاذ القرارات الإدارية يمكن أن تكون صعبة في بعض الأحيان. ترجمة -وبتصرف- للفصل Improving the Quality of Decision-Making من كتاب Principles of Management table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; }
  11. ما هي العوائق التي تُصعِّب عملية اتخاذ القرارت بطريقة فعَّالة؟هناك في الواقع العديد من العوائق التي تقف في طريق عملية اتخاذ القرارات الفعَّالة، ويدرك المديرون الفعَّالون هذه العوائق المحتملة ويحاولون التغلُّب عليها قدر الإمكان. العقلانية المحدودة على الرغم من أنَّنا قد نظن بأنَّنا قادرين على اتخاذ قرارات عقلانية تمامًا، إلا أنَّ هذا غالبًا ما يكون غير واقعي نظرًا للمسائل المعقَّدة التي يواجهها المديرون. إنَّ من الشائع اتخاذ القرارات غير العقلانية خاصةً في حالة القرارات غير المبرمجة، إذ أنَّنا لا نستطيع دائمًا تحديد الأسئلة التي ينبغي علينا أن نسألها أو المعلومات التي ينبغي علينا أن نجمعها في مواقف معينة لأنَّنا لم نواجه مثلها من قبل. وحتى لو جمعنا كل المعلومات المتاحة، قد لا نتمكَّن من تكوين تصوُّر منطقي منها جميعًا أو قد لا نستطيع التنبؤ بنتائج قراراتنا بدقة. تشير فكرة العقلانية المحدودة (Bounded rationality) إلى أنَّه لا يمكننا أن نكون عقلانيين تمامًا عند تعاملنا مع المسائل المعقَّدة لأنَّنا لا نستطيع الإحاطة بجميع البدائل الممكنة بالكامل، كما أنَّنا لا نستطيع معرفة جميع الآثار المترتبة على كلٍّ منها، إذ أنَّ كمية المعلومات التي تستطيع أدمغتنا معالجتها محدودة. بطريقة مشابهة، حتى لو كان لدى المديرين القدرة العقلية اللازمة لمعالجة جميع المعلومات ذات الصلة، فإنَّهم غالبًا ما يضطرون إلى اتخاذ القرارات دون امتلاكهم للوقت الكافي لجمع كل البيانات المتصلة بالموضوع، وهذا يعني أنَّ المعلومات المُتوفّرة لديهم تكون غير مكتملة. الالتزام المتصاعد لا يتخذ المديرون دائمًا القرار الصحيح منذ البداية نظرًا لنقص المعلومات المتوفرة، وقد لا يتبيَّن لهم أنَّ القرار الذي اتخذوه لم يكن صائبًا إلا بعد مرور فترة من الزمن. على سبيل المثال، تخيَّل أنَّ هناك مديرًا يتوجَّب عليه الاختيار بين حزمتين متنافستين من البرامج لكي تُستخدم في مؤسسته على نحو دائم من أجل زيادة الكفاءة، وأنَّه اختار في البداية الحزمة التي طوَّرتها الشركة الأكبر والأكثر رسوخًا بحجة أنَّ لدى هذه الشركة قدر أكبر من الموارد المالية التي ستُستثمر في ضمان جودة منتجها. لكن تبيَّن بعد فترة من الزمن أنَّ حزمة البرامج المنافِسة ستكون أفضل بكثير، وفي حين أنَّه من الممكن دمج المنتج الذي توفِّره الشركة الأصغر في الأنظمة الحالية الخاصة بالمؤسسة مقابل تكلفة إضافية قليلة، فإنَّ المنتج الذي توفِّره الشركة الأكبر سيتطلَّب قدرًا أكبر من الاستثمار الأوليّ بالإضافة إلى نفقات كبيرة مستمرة من أجل صيانته والمحافظة عليه. لنفترض أنَّ المدير قد أتمَّ عملية الدفع مقابل حزمة البرامج التي توفِّرها الشركة الأكبر؛ هل سيتخلَّى عن الطريق الذي بدأه ويتقبَّل خسارة الأموال التي دفعها ويقوم بالتحويل إلى حزمة البرامج الأفضل (للشركة الأصغر)؟ أم هل سيستمر في استثمار الوقت والمال في محاولة إنجاح المنتج الأول؟ إنَّ الالتزام المتصاعد (Escalation of commitment) يشير إلى ميل متخذي القرارات إلى الالتزام بالقرارات السيِّئة حتى عندما يؤدِّي ذلك إلى نتائج سلبية متزايدة، إذ بمجرد أن يلتزم الناس بأحد القرارات قد يجدوا أنَّه من الصعب إعادة تقييم ذلك القرار بطريقة عقلانية، وقد يبدو "البقاء على نفس المسار" أسهل من الاعتراف بأنَّ ذلك القرار لم يكن صائبًا. من المهم إدراك أنَّه لن تكون جميع القرارات التي نتخذها قرارات جيِّدة على الرغم من أنَّنا قد بذلنا أفضل ما لدينا لتحقيق ذلك. يدرك المديرون الفعَّالون أنَّ التقدُّم في طريق خطأ ليس تقدُّمًا حقيقيًا، وهم على استعداد لإعادة تقييم قراراتهم وتغيير المسار عندما يكون ذلك مناسبًا. ضيق الوقت غالبًا ما يواجه المديرون قيودًا زمنية قد أن تُصعِّب عليهم اتخاذ القرارات بفاعلية، إذ عندما يكون الوقت المتوفِّر لجمع المعلومات ودراستها بطريقة عقلانية قليلًا، فإنَّ احتمال اتخاذ قرارات جيِّدة -خاصةً في حالة القرارات غير المبرمجة يكون ضعيفًا. قد يدفعنا ضيق الوقت إلى الاعتماد على الاستدلالات بدلًا من القيام بدراسة عميقة. على الرغم من أنَّ الاستدلالات قد تساهم في توفير الوقت، إلا أنَّها لا تؤدِّي بالضرورة إلى التوصُّل إلى أفضل حل ممكن. يقيِّم أفضل المديرين باستمرار المخاطر التي قد تنتج عن التصرُّف بسرعة كبيرة إلى جانب المخاطر التي قد تنتج عن عدم التصرُّف بسرعة كافية. عدم اليقين عادةً ما يتخذ المديرون القرارات في ظل ظروف تتسِّم بالغموض لأنَّهم لا يستطيعون معرفة نتيجة كل خيار من الخيارات إلا عندما يختاروه بالفعل. على سبيل المثال، تخيَّل أنَّ هناك مديرًا يحاول اختيار واحدة من بين حملتي تسويق. الحملة الأولى تقليدية أكثر ولكنَّها متوافقة مع ما قامت به المؤسسة في الماضي، أمَّا الحملة الثانية أكثر عصرية وحداثة وقد تكون نتائجها أفضل أو قد يكون فشلها ذريعًا. يتوجَّب على المدير الذي سيتخذ القرار في نهاية المطاف اختيار إحدى هاتين الحملتين ويشاهد ما سيحدث دون أن يعرف إطلاقًا النتائج التي كان من الممكن أن تحدث إذا اختار الحملة البديلة. قد تُصعِّب حالة عدم اليقين على بعض المديرين عملية اتخاذ القرارات لأنَّ الالتزام بأحد الخيارات يعني التخلِّي عن الخيارات الأخرى. التحيُّزات الشخصية عملية اتخاذنا للقرارات مقيَّدة أيضًا بتحيُّزاتنا الشخصية، إذ نشعر بارتياح أكبر تجاه الأفكار والمفاهيم والأشياء والشخصيات المألوفة بالنسبة لنا أو تلك التي تشبه نطاق تفكيرنا، في حين نكون أقلّ ارتياحًا تجاه الأشياء غير المألوفة والجديدة والمختلفة. إنَّ من أكثر التحيُّزات شيوعًا لدى البشر ميلهم إلى الإعجاب بالأشخاص الذين نعتقد أنَّهم يشابهوننا (لأنَّنا معجبين بأنفسنا). وعلى الرغم من أنَّ هذه التشابهات يُمكن ملاحظتها (بناءً على الخصائص الديموغرافية مثل العِرق والجنس والعمر)، إلا أنَّها من الممكن أيضًا أن تكون ناتجة عن المرور بخبرات وتجارب مشتركة (مثل الذهاب إلى الجامعة نفسها) أو وجود اهتمامات مشتركة (مثل الاجتماع في نادي الكتاب). قد يُسبِّب التحيز المبني على التشابه وتفضيل الأشياء المألوفة إلى حدوث مشاكل متنوعة للمديرين مثل: توظيف أشخاص أقل كفاءة من بين المتقدِّمين للوظيفة فقط لأنَّهم يماثلون المدير بطريقة ما، أو إيلاء المزيد من الاهتمام لآراء بعض الموظفين وتجاهل أو استبعاد آراء غيرهم، أو اختيار تقنية مألوفة بدلًا من اختيار تقنية جديدة أفضل، أو التمسُّك بأحد المزوِّدين المعروفين بدلًا من التعامل مع آخر ذي جودة أعلى، وغيرها. قد يكون من الصعب جدًا التغلُّب على تحيُّزاتنا بسبب الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، إذ أنَّ أدمغتنا بارعة في تنظيم المعلومات وترتيبها في مجموعات، كما أنَّها لا تُفضِّل بذل مجهود لإعادة تنظيم المعلومات بعد أن يتم إنشاء المجموعات، ولذلك نميل إلى إيلاء المزيد من الاهتمام إلى المعلومات التي تؤكِّد معتقداتنا الحالية ويقل اهتمامنا بالمعلومات التي تناقضها، وهذا أحد أوجه قصور الدماغ ويُشار إليه بالانحياز التأكيدي. في الحقيقة، نحن لا نرغب في الاصطدام بما يعارض معتقداتنا الحالية لأنَّ ذلك يبدو بمثابة تهديد يدفع أدمغتنا إلى استخدام النظام الانفعالي ويمنعنا من دراسة المعلومات الجديدة منطقيًا باستخدام النظام التأملي. من الصعب تغيير أفكار الناس عن شيء ما إذا كانت قناعاتهم راسخة. على سبيل المثال، عندما يوظِّف المدير موظفًا جديدًا قد نال إعجابه واقتنع بأنَّه سيكون موظفًا ممتازًا، فإنَّ هذا المدير سينتبه إلى النماذج التي تدلُّ على الأداء الممتاز للموظف وسيتجاهل النماذج التي تدلُّ على ضعف أدائه (أو يعزوها إلى أشياء خارجة عن سيطرة الموظف). سيميل المدير أيضًا إلى الثقة بذلك الموظف، ولذلك سيقبل تبريراته بشأن ضعف أدائه دون أن يتحقَّق من صحتها أو دقتها. العكس صحيح أيضًا؛ فإذا لم يعجبنا أحد الأشخاص، سوف ننتبه إلى سلبياته ونتجاهل إيجابياته أو نستبعدها، كما ستقل احتمالية ثقتنا به أو تصديق ما يقوله. لهذا السبب يميل السياسيون إلى الانشقاق عمَّن يخالفهم الرأي ومعاداته في نظام الحزبين. قد يكون من الصعب جدًا أن يكون لدينا تصوُّرات دقيقة عن الأشخاص الذين يعجبوننا والأشخاص الذين لا يعجبوننا، ولكن سيحاول المدير الفعَّال تقييم المواقف التي يواجهها من منظورات مختلفة وجمع آراء متعددة لتقليل أثر تحيُّزه عند اتخاذ القرارات. النزاع العائق الأخير الذي من الممكن أن يُصعِّب عملية اتخاذ القرار هو النزاع. معظم الأفراد لا يحبُّون النزاع وسوف يتجنَّبونه عندما يكون هذا ممكنًا، ولكن قد تنطوي عملية اتخاذ القرار الأفضل على بعض النزاعات. على سبيل المثال، تخيَّل أنَّ هناك مديرًا مسؤولًا عن موظف يتأخر عن العمل في معظم الأحيان ممَّا يجعل الآخرين مضطرين إلى ترك مسؤولياتهم من أجل القيام بما كان من المفترض أن يقوم هو به. ينبغي على المدير إجراء محادثة مع ذلك الموظف لتصحيح سلوكه، ولكنَّ الموظف لن تعجبه المحادثة وقد يكون رد فعله سلبيًا. لن يكون كلًا من المدير والموظف مرتاحين، إذ من المُرجّح حدوث نزاعٍ في مثل هذا الوضع، ولكن يبقى القرار الصحيح هو إجراء تلك المحادثة حتى لو كان ذلك الموظف موظفًا أساسيًا في القسم. دانتي ديسبارت هو المؤسِّس والمدير التنفيذي لشركة Risk Cooperative، وقد شارك أيضًا في تأليف كتاب Global Risk Agility and Decision Making. يشير دانتي إلى أنَّ المخاطر المفاجِئة وغير المتوقَّعة أصبحت أكثر شيوعًا وقلَّت إمكانية التنبؤ بها، كما أصبح لها تأثير أكبر على المزيد من الأشخاص في وقت واحد. (مصدر الصورة: ستيف بووبريك/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)) سوف يستمر حدوث السلوك السيِّئ إذا لم يُصحَّح، وهذا سوف يُسبِّب المزيد من المشكلات في مكان العمل على المدى الطويل، إذ قد يظنُّ الموظفون الآخرون أنَّ هذا السلوك مسموح به، وقد يبدؤون أيضًا بالذهاب متأخرين إلى العمل أو بالانخراط في سلوكيات سلبية أخرى، كما قد ينزعج بعض الموظفين المُلتزمين بشكل كبير لدرجة أنَّهم سيبحثون عن مكان آخر للعمل. تجدر الإشارة إلى أنَّ أفضل الموظفين في هذه الحالة سيجدون عملًا جديدًا بسرعة أكبر من غيرهم. من المهم أن يدرك المديرون بأنَّه على الرغم من أنَّ النزاع قد يضايقهم (خاصة على المدى القريب)، فإنَّ ثمة أوقات يكون فيها النزاع ضروريًا للمجموعة أو القسم أو المؤسسة لأداء العمل بفاعلية على المدى الطويل. من المفيد أيضًا التمييز بين النزاع المرتبط بالعمليات والنزاع المرتبط بالعلاقات الشخصية. يتعلَّق النزاع المرتبط بالعمليات (Process conflict) بتحديد أفضل طريقة للقيام بشيء ما، وقد يؤدِّي في الواقع إلى تحسين الأداء لأنَّ الأفراد يدرسون الخيارات المختلفة معًا من أجل تحديد الحلول الأفضل. في المقابل، النزاع المرتبط بالعلاقات الشخصية (Relationship conflict) هو النزاع الذي يحدث بين الأفراد، لذلك فهو يحمل طابعًا شخصيًا وينطوي على مهاجمة الأشخاص وليس الأفكار. عادةً ما يكون هذا النوع من النزاع مؤذيًا وينبغي قمعه عند الإمكان. يرجع سبب الأذى الناجم عن النزاع المرتبط بالعلاقات جزئيًا إلى أنَّ شعور الفرد بأنَّه قد هوجم شخصيًا سيجعله يلجأ إلى النظام الانفعالي عند اتخاذ قراراته. ينبغي أن يدرك المديرون الفعَّالون بوجه خاص إمكانية حدوث نزاع مرتبط بالعلاقات الشخصية عندما يقدِّمون آرائهم وانتقاداتهم ، كما ينبغي عليهم حصر انتقاداتهم في الأمور المتعلِّقة بالسلوكيات والأنشطة (طريقة إنجاز الأشياء) والابتعاد عن الأمور الشخصية. الوعي بالنزاع المرتبط بالعلاقات والتعامل معه يلفت الانتباه إلى فائدة الذكاء العاطفي والتعاطف وأهميته بالنسبة لقادة المؤسسات، ومن المرجَّح أن يكون هؤلاء القادة أكثر تيقُّظًا تجاه الآثار المؤذية التي تنتج عن النزاع المرتبط بالعلاقات الشخصية. يوضِّح مربع «القيادة الإدارية» كيف تبنّى أحد المديرين التنفيذيين التعاون التعاطفي وكيف كان ذلك مفيدًا. القيادة الإدارية كيف تغيَّرت شركة مايكروسوفت في عهد ساتيا نادالا؟ عندما أصبح سانيا نادالا المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت عام 2014، بدأ في إحداث تغيير كبير في ثقافة الشركة. لقد أراد أن يغيِّر ثقافتها التي كانت تقدِّر "العارف بكل شيء" إلى ثقافة تقدِّر "الشغوف بتعلُّم كل شيء"، إذ كان يرغب في أن يصبح الموظفون متعلمين محبِّين للاطلاع و مستمعين فعَّالين ومحاورين جيِّدين؛ فمن خلال التعلُّم المستمر وتعاون الموظفين مع بعضهم وتعاونهم مع الزبائن ستبقى شركة مايكروسوفت قادرة على التطوُّر وستتمكَّن من تقديم حلول تكنولوجية رائعة. كان من أوائل الأعمال التي قام بها نادالا عندما تولَّى منصب المدير التنفيذي للشركة تكليف جميع أعضاء فريق الإدارة العليا بقراءة كتاب التواصل اللاعنفي الذي كتبه المؤلِّف مارشال روزنبرغ. تُركِّز هذه السلسلة في الأساس على التواصل التعاطفي الذي يعدُّ توجُّها رقيقًا ولطيفًا مُقارنة بالأسلوب الذي اعتاد عليه موظفُّو شركة مايركوسوفت. يؤمن نادالا بأنَّ تنمية التعاطف لدى الموظفين يزيد من فهمهم لحاجات الزبون ورغباته ويعزِّز قدرتهم على تطوير منتجات وخدمات أفضل من خلال التعاون فيما بينهم. لقد دعم نادالا أيضًا مبادرات التنوُّع والشمول، ولكنَّه يعترف بأنَّ هناك المزيد من الأمور التي ينبغي القيام بها. إنَّ دعمه لهذه المبادرات يُعدُّ امتدادًا لتركيزه على التعاطف، كما أنَّه في الوقت نفسه يقود إلى نتائج إيجابيّة على صعيد العمل لأنَّ زيادة تنوُّع وجهات النظر يمكن أن يساعد على دفع عجلة الابتكار والارتقاء بمستوى الابداع في الشركة. ينعكس هذا التحوّل الكبير في ثقافة إدارة شركة مايكروسوفت ككل من خلال شعارها الجديد وهو: «مهمتنا تمكين كل فرد وكل مؤسسة في شتى أنحاء العالم من تحقيق المزيد من الأهداف». يعدُّ الموظفون الذين يعملون في شركة مايكروسوفت من ضمن الأفراد الذين تسعى الشركة إلى تمكينهم. إنَّ تحقيق التنوُّع يشكِّل تحديًا خاصةً في مجالٍ يهيمن عليه الذكور، ويعترف نادالا بأنَّه قد ارتكب أخطاءً بسبب تحيُّزاته الخاصة. على سبيل المثال، أشار نادالا أثناء مؤتمر «Women in Computing» إلى أنَّ النساء لسن بحاجة إلى المطالبة بزيادة رواتبهنَّ عندما كنَّ يستحققن ذلك لأنَّ النظام -على حدِّ قوله- سيحل المشكلة، ولكنَّه اعترف لاحقًا بأنَّه كان مخطئًا واستغلَّ ذلك الخطأ كمنطلق لإحراز تقدُّم أكبر في هذا المجال. لقد كان للتغير الثقافي الذي قاده نادالا وقعٌ كبير على اجتماعات فريق الإدارة العليا للشركة. لقد كان يشعر أعضاء الفريق في السابق بحاجتهم إلى إثبات معرفتهم بجميع الإجابات الصحيحة أثناء اجتماعات الفريق. لكنَّ نادالا وضع قواعدًا مختلفة، إذ أنَّه طلب من أعضاء الفريق إبداء آراءهم بصدق وشفافيّة، كما أنَّه كان يعطي تقييمات إيجابية بشكل دوري. أصبحت ثقافة شركة مايكروسوفت أكثر تعاونية، وأصبح الموظفين أكثر استعدادًا للمجازفة وابتكار أشياء مدهشة، وذلك بفضل التركيز على التعلم المستمر والابتعاد عن التركيز على "أن تكون دائمًا على حق". يبدو أن التغيُّر في ثقافة شركة مايكروسوفت يؤتي ثماره، إذ أصبحت منتجاتها تُوصف بأنَّها «رائعة» و«مثيرة»، وأصبحت منصة الحوسبة السحابية الخاصة بها تتفوَّق على منافساتها، كما أنَّ أدائها المالي قد تحسَّن بدرجة كبيرة. إنَّ تغيير ثقافة الشركة مهمة شاقَّة، ولكنَّ قيادة نادالا لشركة مايكروسوفت تُثبت بوضوح بأنَّ هذا القرار يمكن أن يؤتي ثماره. ترجمة -وبتصرف- للفصل Barriers to Effective Decision-Making من كتاب Principles of Management
  12. قد تتساءل ما هما نوعا أنظمة اتخاذ القرارات المستخدمان في الدماغ؟ في الواقع يعالج دماغ الإنسان المعلومات عند اتخاذه للقرارات بواسطة أحد النظامين الآتيين: النظام التأملي والنظام الانفعالي. يعدُّ النظام التأملي (reflective system) نظامًا منطقيًا وتحليليًا ومنهجيًا، في حين أنَّ النظام الانفعالي (reactive system) هو نظام سريع واندفاعي وحدسي ويعتمد على العواطف أو العادات ليستدلَّ على الخطوة التالية التي سيقوم بها. تشير الأبحاث في مجال علم النفس العصبي إلى أنَّ الدماغ يمكنه استخدام نظام واحد فقط في نفس الوقت من أجل معالجة المعلومات دارلو وسلوماند وأنَّ النظامين يُداران باستخدام أجزاء مختلفة من الدماغ. القشرة الأمامية الجبهية مسؤولة أكثر عن النظام التأملي، أما العقد القاعدية واللوزة الدماغية فهي مسؤولة أكثر عن النظام الانفعالي. نظام اتخاذ القرارات الانفعالي نميل إلى أن نفترض بأنَّ الطريقة المنطقية التحليلية تؤدِّي إلى اختيار القرارات الأفضل، ولكن تعتمد صحّة هذا الافتراض على الموقف الذي يتم فيه اتخاذ القرار. الطريقة السريعة الحدسية يمكنها أن تنقذ حياتك؛ فعندما نشعر فجأة بالخوف الشديد، تكون الاستجابة هي إما الكر أو الفر مما يؤدِّي إلى التصرُّف مباشرة دون التفكير في جميع الخيارات المتاحة وتقييم نتائجها بطريقة منهجية. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يستطيع المديرون ذوو الخبرة اتخاذ القرارات بسرعة كبيرة جدًا لأنَّهم قد تعلَّموا من تجاربهم وخبراتهم كيف يتصرَّفون في موقف معين. قد لا يكون هؤلاء المديرون قادرين على شرح الأسباب التي جعلتهم يتخذون قراراتهم، وسيقولون أنَّهم تبِعوا "حدسهم" أو فعلوا ما "شعروا" بأنَّه الشيء المناسب. في الواقع، يقوم الدماغ بالتحويل مباشرة إلى نظام اتخاذ القرارات السريع والحدسي في مثل هذه المواقف لأنَّ المديرين قد واجهوا موقفًا مماثلًا في الماضي وتجاوبوا معه بطريقة صحيحة ومناسبة. نظام اتخاذ القرارات التأملي الطريقة السريعة ليست دائمًا أفضل طريقة لاتخاذ القرارات؛ فمن الأفضل عند مواجهة مواقف معقَّدة وغير مألوفة دراسة المعلومات المتوفرة منطقيًا وتحليليًا ومنهجيًا. بصفتك مديرًا، ينبغي عليك أن تكون قادرًا على التمييز بين المواقف التي تتطلّب استجابةً عفويّة "حدسيّة" وتلك التي تحتاج إلى تفكيرٍ مليٍّ ومحاكمة عقليّة جيّدة. من المهم جدًا الانتباه إلى العواطف لأنَّ بعض العواطف القوية قد تُصعِّب تحليل المعلومات بعقلانية. يدرك المديرون الناجحون تأثيرات العواطف ويعلمون أنَّ عليهم الانتظار ومعالجة الوضع المضطرب بعد أن تهدأ عواطفهم. غالبًا ما تقودنا العواطف القوية -سواء كانت إيجابية أم سلبية- نحو اتخاذ القرارات بسرعة وعفوية. هل سبق أن اندفعت وقمت بعملية شراء كبيرة كنتَ متحمِّسًا لها، ثمَّ ندمتَ على قيامك بذلك؟ هذا يدلُّ على مدى قوة العواطف وقدرتها على التأثير على قراراتنا. ينبغي عمومًا أن لا تُتخَذ القرارات الكبيرة باندفاع؛ بل ينبغي اتخاذها بعد تفكير وتأمل. دور العواطف إدراك دور العواطف وتأثيرها على عمليّة اتخاذ القرار لا يعني أنَّ علينا تجاهلها، إذ يمكن أن تكون العواطف بمثابة إشارات قوية تدلٌّنا على ما ينبغي علينا فعله ، خاصةً في المواقف ذات الصلة بالجوانب الأخلاقية. (سنتطرّق إلى المزيد عن اتخاذ القرارات في مثل هذه المواقف في فقرة الأخلاقيّات في الحياة العمليّة المذكور لاحقًا في هذاالمقال.) التفكير مليًا بشأن مشاعرنا تجاه الخيارات الممكنة ومعرفة الأسباب الكامنة وراء تلك المشاعر يمكنه أن يحسِّن من عملية اتخاذنا للقرارات. تعتمد عملية اتخاذ القرارات الفعَّالة على كلًا من المنطق والعواطف، لذلك أصبح الذكاء العاطفي من المميزات الشائعة لدى المديرين الفعَّالين, يُعرَّف الذكاء العاطفي بأنَّه القدرة على إدراك الفرد لمشاعره الخاصة ومشاعر غيره وفهمها وإداركها والانتباه لها، وهو يتطلَّب أن يكون لدى الفرد وعي وانضباط ذاتي، وينطوي في الأساس على التبديل بين العواطف والمنطق عن طريق تحليل العواطف وفهمها ثمَّ التحكم بها وإدارتها بما يتناسب مع الموقف. يتضمن الذكاء العاطفي أيضًا التعاطف مع الآخرين –أي القدرة على فهم عواطفهم (ووجود رغبة في القيام بذلك). أخيرًا، يتضمن الذكاء العاطفي وجود مهارات اجتماعية تساعدنا على إدارة الجوانب العاطفية لعلاقتنا مع الآخرين. يستطيع المديرون المدركون لعواطفهم الخاصة استنباط ما تعنيه عواطفهم في موقف معين واستغلال هذه المعلومات في اتّخاذ القرار النهائي، كما أنَّ المديرون الذين يستشعرون عواطف الآخرين بإمكانهم مساعدة المجموعات على العمل بطريقة فعَّالة أكثر والمشاركة في عمليات اتخاذ القرارات الجماعية بطريقة أفضل. على الرغم من أنَّ بعض الأشخاص يمتلكون ذكاءً عاطفيًا فطريًا، إلا أنَّه من الممكن اكتساب الذكاء العاطفي وتقويته بالممارسة. يبيِّن الشكل التالي مكونات الذكاء العاطفي. القرارات المبرمجة وغير المبرمجة ما الفرق بين القرارات المبرمجة وغير المبرمجة؟ من المهم أن يميِّز المديرون بين القرارات التي يمكن أن يكون لها هيئة خاصة وسلسلة إجراءات محددة (القرارات المبرمجة) والقرارات ذات الطبيعة غير المألوفة التي تتطلَّب إعمال الفكر واسترعاء الانتباه (القرارات غير المبرمجة)، وذلك لأنَّ الوقت لدى المديرين محدود ويجب عليهم استغلال ذلك الوقت بحكمة حتى يكونوا فعَّالين. القرارات المبرمجة القرارات المبرمجة هي القرارات التي تتكرَّر على مر الزمن والتي يمكن وضع مجموعة من القواعد التي تساعد في عملية اتخاذها. قد تكون هذه القرارات بسيطة أو قد تكون معقَّدة إلى حدٍ ما، إلّا أن جميع المعايير المستخدمة في اتخاذها تكون معروفة مُسبقًا أو يمكن على الأقل تخمينها بدرجة مقبولة. على سبيل المثال، يُفترض أن يكون القرار المتعلِّق بتحديد كمية المواد الخام اللازم طلبها قرارًا مبرمجًا مبنيًا على المخزون الحالي وكمية الانتاج والمدة التي من المتوقع تسليم المنتج النهائي خلالها. لنأخذ مثالًا آخر؛ تخيَّل أنَّ هناك مديرًا لأحد المتاجر يحاول وضع جدول العمل الأسبوعي للموظفين الذين يعملون بدوام جزئي. يجب على المدير أن يراعي مدى ازدحام المتجر في الأوقات المختلفة وأن يضع في الحسبان التغيرات الموسمية للعمل، كما يجب عليه مراعاة عدد العمال المتاحين للعمل آخذًا في الاعتبار الإجازات التي قد يطلبها الموظفون والتزاماتهم الأخرى (مثل دراستهم في الجامعة). قد تكون عملية وضع الجدول الزمني معقَّدة، ولكنَّها في الواقع تعتمد على اتخاذ قرارات مبرمجة، إذ أنَّها تتم دوريًا وتستند إلى معايير واضحة، ولذلك يمكننا وضع قواعد محددة لها. غالبًا ما يبني المديرون استدلالات (heuristics) أو طرق تفكير مختصرة لتسهيل عملية اتخاذ القرارات المبرمجة. على سبيل المثال، قد لا يعلم مدير المتجر كم سيكون المتجر مُزدحمًا خلال أسبوع الخصومات الكبيرة على الأسعار، ولكنَّه قد يزيد عدد العمال كعادته بنسبة 30% خلال تلك الفترة(لأنَّ هذا الأمر قد نجح إلى حدٍ ما في الماضي). تُعدُّ الاستدلالات وسيلة فعَّالة، إذ أنَّها توفِّر وقت مُتَّخِذ القرار من خلال إيجاد حل مناسب بسرعة. ليس بالضرورة أن تُفضيَ الاستدلالات إلى الحل المثالي دومًا؛ فقد يتطلَّب الوصول إلى الحل المثالي عملية تفكير أكثر تعقيدًا، ولكن عادة ما ينتج عن الاستدلالات حلولًا جيدة وناجعة، وغالبًا ما تُستخدم في حالة القرارات المبرمجة لأنَّ الخبرة التي تكوَّنت نتيجة اتخاذ القرارات مرارًا وتكرارًا تساعد مُتَّخِذ القرار على معرفة النتائج المتوقعة ورد الفعل المناسب للموقف، كما أنّه من الممكن تعليم ونقل الخبرات الشخصيّة المتعلِّقة بالقرارات المُبرمجة للآخرين بسهولة، إذ يمكن تحديد القواعد والمعايير وكيفية ارتباطها بالنتائج وشرح ذلك بوضوح حتى يستطيع مُتَّخِذ القرار الجديد التوصُّل إلى قرار جيِّد. يُشار إلى القرارات المبرمجة في بعض الأحيان بـِ القرارات الروتينية لأنَّها لا تتطلَّب عملية تفكيرمعقَّدة عند الحاجة إلى التوصُّل إلى قرار. يوضِّح الشكل التالي أوجه الاختلاف بين القرارات المبرمجة والقرارات غير المبرمجة. القرارات غير المبرمجة بخلاف القرارات المبرمجة، فإنَّ القرارات غير المبرمجة هي قرارات غير مألوفة وليس لها قواعد محددة وعادةً ما تكون المعايير التي تحكمها غير واضحة ، كما أنَّ المعلومات المتوفِّرة في هذه الحالة غالبًا ما تكون غامضة أو غير مكتملة، وقد يلجأ مُتَّخِذ القرار إلى التفكير العميق والإبداعي للتوصُّل إلى قرار جيِّد. يُشار إلى هذه القرارات في بعض الأحيان بـِ القرارات غير الروتينية لأنَّها تتطلَّب قدرًا أكبر من الدراسة والتفكير. على سبيل المثال، تخيَّل أنَّ هناك مديرًا يحاول اتّخاذ قرار بشأن تبنِّي تقنية حديثة في شركته. دائمًا ما سيكون هناك أمور مجهولة في مثل هذه المواقف؛ هل ستكون التقنية الحديثة أفضل من الحالية؟ هل ستحظى بقبول على نطاق واسع بمرور الزمن؟ أم ستحظى تقنيّة أخرى باهتمام الزبائن؟ أفضل ما يستطيع المدير فعله في هذا الموقف هو جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ذات الصلة ودراستها لتخمين ما إذا كانت التقنية الحديثة جديرة بالاهتمام. من الواضح أنَّ القرارات غير المبرمجة تشكِّل تحديًا أكبر. عملية اتخاذ القرارات إنَّ اتِّخاذ القرارات المُبرمجة يعتمد على طُرق تفكير مُختصرة كما ذكرنا سابقًا، ولكنَّ الأمر مُختلف في حالة القرارات غير المُبرمجة التي تتطلّب وضع تسلسل فكري مُنظّم. يوضِّح الشكل التالي عملية اتخاذ القرارات غير المُبرمجة والتي يمكن تقسيمها إلى ست خطوات متسلسلة كما يلي: إدراك أنَّ هناك قرار ينبغي اتخاذه. وضع عدة خيارات. دراسة الخيارات. تحديد الخيار الأفضل. تطبيق الخيار المحدَّد. تقييم مدى فاعلية ذلك الخيار. بالرغم من أنَّ هذه الخطوات تبدو واضحة، إلا أنَّ الأفراد غالبًا ما يتجاوزون بعض الخطوات أو لا يعطونها ما تستحقّ من الوقت والتفكير. في الواقع، سيرفض الناس في بعض الأحيان الاعتراف بوجود مشكلة لأنَّهم لا يعلمون كيف يتعاملون معها. سنتحدَّث عن المزيد من التفاصيل الخاصة بهذه الخطوات لاحقًا في هذا المقال عندما نستعرض طُرُقًا لتحسين جودة عملية اتخاذ القرارات. قد تلاحظ وجود أوجه تشابه بين النظامين اللذين يستخدمهما الدماغ في اتخاذ القرارات ونوعي القرارات (القرارات المبرمجة والقرارات غير المبرمجة). عادة ً ما تكون القرارات غير المبرمجة بحاجة إلى المعالجة في أدمغتنا بواسطة النظام التأملي من أجل أن نتمكَّن من التوصُّل إلى قرار جيِّد. أمَّا بالنسبة للقرارات المبرمجة، فإنَّ الاستدلالات تتيح لمتخِذي القرارات بالتحويل إلى النظام الانفعالي السريع ثمَّ الانتقال بسرعة إلى مسائل أخرى. ترجمة -وبتصرف- للفصلين How the Brain Processes Information to Make Decisions و Programmed and Nonprogrammed Decisions من كتاب Principles of Management
  13. إن عملية بناء المؤسسات وتطويرها ونقلها من المحلية إلى العالمية يجب أن تستند إلى خطوات جريئة وخطط مُحكمة مدعومةٍ بقراراتٍ حكيمة ومناسبة، وفي مقالنا هذا سنسلّط الضوء على آلية اتخاذ القرارات والخصائص الأساسية لها، كما سنتعرّض إلى أنظمة اتخاذ القرارات والعوائق التي تصعّب هذه العملية، وسنتطرّق كذلك إلى كيف يمكن للمدير أن يحسّن من جودة القرارات التي يتّخذها في مؤسسته والتي تلعب دورًا مهمًّا في ارتقائها وتقدّمها. استكشاف المهن الإدارية كيف أسَّست ستيفاني كوري وجين روبيو شركة Away لحقائب السفر كان على جين روبيو وستيفاني كوري أن يتخذوا عددًا من القرارات المهمة عندما أرادوا البدء بإنشاء شركة خاصة بهم لبيع حقائب السفر أطلقوا عليها اسم Away، وكان أول هذه القرارات هو البدء بشركتهما التجارية! جاء هذا القرار بعد أن كُسرت حقيبة السفر الخاصة بروبيو أثناء إحدى الرحلات، وقد شعرت بالانزعاج لأنَّ جميع خيارات حقائب السفر المتوفرة في الأسواق إما رخيصة الثمن (100$ أو أقل) وجودتها منخفضة أو مكلفة جدًا (400$ أو أكثر) وجودتها عالية، ولم يكن هناك خيارًا يتوسطهما، لذلك بدأت روبيو وصديقتها ستيفاني كوري دراسة سوق حقائب السفر عام 2015. لقد وجدتا أنَّ سبب ارتفاع أسعار حقائب السفر ذات الجودة العالية يعود إلى طريقة توزيعها وبيعها عبر متاجر البيع بالتجزئة المتخصصة والمتاجر الكبرى، وأنّ بإمكانهما توفير حقائب عالية الجودة بأسعار متوسطة (200$-300$) إذا اختارتا أسلوبًا يمكنهما بواسطته البيع مباشرة إلى المستهلكين. تكوَّنت لدى روبيو وكوري بعد دراسة مستفيضة قناعة بأنَّهما يمتلكان فكرة تستحقُّ المُحاولة، وقد اتفقتا على إطلاق اسم «Away» على الشركة التي تهدف إلى توفير تجربة مُريحة للمسافرين. كان لدى كلًا من مؤسِّستَي الشركة خبرة سابقة في العمل في شركة ناشئة في مجال التجارة الإلكترونية (شركة واربي باركر)، وهذا قد ساعدهما على اتخاذ قرارات صائبة. كانت خبرة روبيو مُنصَبَّة أكثرها على صنع العلامات التجارية والتسويق، في حين كانت خبرة كوري متركِّزة في إدارة سلاسل الإمداد والعمليات التشغيلية، لذا كانت كل منهما قادرة على إضافة خبرة كبيرة إلى العديد من جوانب العمل. لقد جمعتا الأموال من الأصدقاء والعائلة في البداية، ولكنَّهما حاولتا بعد شهور قليلة الحصول على تمويل رأس المال الاستثماري (venture capital funding) لكي تضمنا امتلاك ما يكفي من المال لبداية ناجحة. كان أحد القرارات المهمة التي كان على روبيو وكوري اتخاذها في بدايات إنشائهما للعمل الخاص بهما هو الاتفاق على تصميم أوليّ للمنتج، وتطلَّب هذا القرار تسويق واسع النطاق ودراسة سلوك المستهلكين من أجل فهم احتياجاتهم ورغباتهم. لقد سألتا مئات الأشخاص عن الأشياء التي يحبونها في حقائب السفر الحالية وعن أكثر الأشياء التي تزعجهم بشأنها، كما تعاقدتا مع فريق تصميم مكوَّن من شخصين حتى يساعداهما في إنشاء النموذج الأولي، وبعد جهود كبيرة من الدراسة والتطوير تمكنتا من الخروج بالتصميم الأوليّ للحقيبة، والذي تميّز بخفّة وزنه وتصميمه المُلفت. للحقيبة أيضًا عجلات ذات جودة عالية جدًا (العجلات الأربعة وليس اثنتين) وسحَّابات عالية الجودة، ومن مميزاتها الإضافية احتوائها على بطارية مدمجة لشحن الهواتف والأجهزة الأخرى. كان على مؤسِّستَي الشركة اختيار شريك لتصنيع المنتج الخاص بهما، وقد اكتشتفتا أنَّ عملية التصنيع في الولايات المتحدة ليست خيارًا جيّدًا لأنَّ لمنتجهما هيكل صلب مصنوع من البولي كربونات والغالبية العظمى من مصَّنعي الحقائب الذين يستخدمون هياكل البولي كربونات موجودون في آسيا. لقد درستا عددًا من خيارات شراكات العمل المتاحة أمامهم وطرحوا الكثير من الأسئلة. علاوةً على ذلك، زارت روبيو وكوري جميع المصانع المدرَجة ضمن قائمة خياراتهم لمُعاينتها على أرض الواقع، وكانت هذه الخطوة جزءًا مهمًا من عملية الدراسة لأنَّهم وجدوا أنَّ جودة المُنتجات التي تُبهرجها الشركات في دعاياتها وإعلاناتها لم ترتق في الواقع إلى المستوى المطلوب. قرَّرت روبيو وكوري في النهاية العمل مع شريك مصنِّع في الصين ينتج حقائب سفر أيضًا للعديد من العلامات التجارية الفاخرة، وكانتا سعيدتين جدًا بهذه الشراكة، كما داومتا على تخصيص جزء من الوقت لتنمية تلك العلاقة والحفاظ عليها، وقد ساعد هذا على تجنُّب المشكلات التي كان من الممكن أن تنشأ. لقد تمكّنتا روبيو وكوري في نهاية عام 2015 من تطوير منتجهما الأول، وقد قرَّرتا السماح للزبائن بالطلب المسبق لحقائب السفر لأنَّها لن تكون متوفِّرة في موسم التسوق في العطلات، وقد شاركتا معًا في التسويق لمنتجهما عن طريق السرد القصصي، إذ أجريتا مقابلات مع 40 عضوًا من أوساط المبدعين الذين يحظون باحترام كبير بخصوص تجاربهم في السفر وأصدرتا كتابًا عن ذكريات السفر باسم The Places We Return To. لم يكن الكتاب ممتعًا وجذَّابًا فحسب؛ بل لفت أنظار الكثير من الأشخاص في الأوساط الإبداعية إلى حقائب شركة «Away» أيضًا. أصبح الكتاب متوفرًا منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2015 مجانًا مع شراء بطاقة هدية يمكن استبدالها بحقيبة في فبراير/شباط من العام 2016. أثار الكتاب فور إصداره اهتمامًا كبيرًا وجذب الانتباه إلى المنتج بشكلٍ مُسبق، وقد بِيعت جميع النسخ المطبوعة منه والبالغ عددها 1200 نسخة، وحصلت شركة «Away» على إيرادات بمقدار 12 مليون دولار من مبيعات السنة الأولى فقط. كان أمام ستيفاني كوري وجين روبيو العديد من القرارت المهمة والجديدة المتعلِّقة بالبدء في إنشاء شركتهم الخاصة وتطويرها، وكان أحد أسباب نجاحهما هو أنَّهما اتخذتا هذه القرارات بحكمة عن طريق الاعتماد على معرفتهما المشتركة وخبرتهما والكثير من البحث والدراسة قبل التوصُّل إلى أي قرار، وستستمرَّان في مواجهة العديد من القرارات المهمة والثانوية. لقد قامتا بتوسيع خط منتجاتهما من صنف واحد من حقائب السفر إلى أربعة أصناف، وتخطِّطان إلى بيع المزيد من حقائب السفر الأخرى -وغيرها من ملحقات السفر- في المستقبل. ارتفع عدد موظفي الشركة -التي اتخذت من مدينة نيويورك مقرًا لها- ليصل إلى أكثر من 60 موظفًا خلال أول عامين، ومن ضمن هؤلاء الموظفين عضوا فريق التصميم اللذان تم التعاقد معهما للمساعدة في تصميم النموذج الأولي، إذ أعربت روبيو وكوري عن تقديرهما لمجهوداتهما وعرضتا عليهما وظائف بدوام كامل في شركة «Away». كل عملية توظيف جديدة تعني وجود قرارات جديدة متعلِّقة بماهية العمل المطلوب إنجازه وبالشخص الذي يتعيَّن عليهم توظيفه لإنجاز ذلك العمل، كما أنَّ كل منتج جديد تصاحبه قرارات جديدة، ولكن يبدو أنَّ روبيو وكوري قد رسمتا لأنفسهما (ولشركتهما) طريقًا للنجاح في المستقبل. المصادر: كيندال بيكر. (5 ديسمبر, 2016). An Interview With the Co-Founder of Away. The Hustle: https://thehustle.co/episodes Up and Away. Bond Street: https://bondstreet.com/jen-rubio-interview جوش كونستين. (19 مايو, 2017). Away nears 100k stylish suitcases sold as it raises $20M. ت TechCrunch: https://techcrunch.com أدلين داف. (9 مارس, 2017). The T&L Carry-On: Away Travel Co-Founders Jen Rubio and Stephanie Korey. Travel & Leisure: https://www.travelandleisure.com بيرت هيلم. (يوليو/أغسطس, 2017). How This Company Launched With Zero Products –and Hit $12 Million in First-Year Sales. Inc.com: https://www.inc.com فيرونيك هايلاند. (22 ديسمبر, 2015). The Duo Trying to Make Travel More Glamorous. The Cut: https://www.thecut.com يتخذ المديرون وأصحاب الأعمال التجارية -أمثال جين روبيو وستيفاني كوري- قرارات يوميًا. بعض هذه القرارات مهمة مثل قرار البدء بمشروع تجاري جديد، في حين أنَّ معظمها قرارات أقل أهمية متعلِّقة بطبيعة إدارة الشركة ولكنّها ضرورية لنجاحها على المدى البعيد. بعض القرارات من الممكن التنبؤ بها، وبعضها غير متوقَّع. سنستعرض خلال هذا المقال معلومات مهمة عن عملية اتخاذ القرارات ستساعدك على اتخاذ قرارات أفضل وعلى أن تكون مديرًا أفضل في نهاية المطاف. نظرة عامة على عملية اتخاذ القرارات الإدارية ما هي الخصائص الأساسية لعملية اتخاذ القرارات الإدارية؟ عملية اتخاذ القرارات هي عملية التفكير في البدائل الممكنة واختيار واحدًا منها. من المهم إدراك أنَّ المديرين يتخذون قرارات باستمرار وأنَّ جودة اتخاذهم للقرارات يؤثِّر -بدرجة كبيرة جدًا في بعض الأحيان- على فاعلية المؤسسة وأصحاب المصلحة. يشمل أصحاب المصلحة جميع الأفراد أو المجموعات التي تتأثر مصالحها بمصالح المؤسسة (مثل الزبائن، والموظفين، والمساهمين، …إلخ) يتخذ أعضاء فريق الإدارة العليا على نحو متكرر قرارات تؤثِّر على مستقبل المؤسسة وجميع أطرافها المعنية، ومن الأمثلة على هذه القرارات هو تحديد ما إذا كانوا سيستخدمون إحدى التقنيات الحديثة أو سينشئون خط إنتاج جديد. القرار الجيِّد سيُسهم في ازدهار المؤسّسة واستمرارها على المدى الطويل، في حين أنَّ القرار السيِّئ قد يقودها إلى الإفلاس. عادة ما يؤثِّر المديرون في مستويات الإدارة الأدنى بدرجة أقل على استمرار المؤسسة، ولكن يمكن أن ينعكس تأثيرهم بدرجة كبيرة على أقسامهم وعلى الموظفين الذين يعملون فيها. تأمَّل -مثلًا- في تأثير المشرفين المباشرين (في مستوى الإدارة المباشرة) المسؤولين على وضع جداول الأعمال الخاصة بالعمال وتأمين المواد الخام في أقسامهم. من المستبعد أن تقود القرارات السيِّئة التي يتخذها المديرون في مستويات الإدارة الأدنى إلى زوال الشركة بأكملها، ولكنّها قد تؤدِّي إلى العديد من النتائج السلبية مثل: انخفاض الإنتاجية بسبب قلة عدد العمال أو عدم كفاية المواد الخام اللازمة. زيادة النفقات بسبب كثرة عدد العمال أو وجود فائض من المواد الخام، خاصةً إذا كان عمرها الافتراضي محدودًا أو إذ كانت تكلفة تخزينها مرتفعة. انتشار الإحباط وانخفاض الروح المعنوية وزيادة معدل دوران الموظفين (الذي من الممكن أن يكون مكلفًا بالنسبة للمؤسسة) إذا كانت القرارات متعلِّقة بإدارة الموظفين وتدريبهم. تحديد وقت اتخاذ القرار في حين أنَّ بعض القرارات بسيطة، إلا أنَّه غالبًا ما تكون القرارات التي يتخذها المديرون معقدة تتطلَّب الاختيار بين مجموعة من البدائل المختلفة والتي لا يُمكن التكهّن بوقعِها ونتائجها. المديرون في مثل هذه الحالات بحاجة إلى جمع المعلومات، وهذا يقودهم إلى قرار مهم آخر وهو تحديد مقدار المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار جيِّد. كثيرًا ما يتخذ المديرون القرارات دون أن يكون لديهم معلومات كافية، وإنَّ من إحدى السمات المميزة للقادة الفعَّالين قدرتهم على تحديد متى ينبغي عليهم تأجيل اتخاذ قرار معين من أجل جمع المزيد من المعلومات ومتى ينبغي عليهم اتخاذ القرار بمقتضى المعلومات المتوفرة. يمكن أن يكون للتباطؤ في اتّخاذ القرارات نتائجًا لا تقلُّ سوءً عن التسرُّع في اتخاذها، إذ من الممكن أن تؤدِّي عدم الاستجابة السريعة إلى ضياع الفرص، ولكنَّ التسرُّع -في المقابل- قد يؤدِّي إلى سوء توزيع موارد المؤسسة على المشاريع ومن ثمَّ غياب فُرص نجاحها. يجب على المديرين الفعَّالين أن يحددوا ما إذا كانوا قد جمعوا معلومات كافية، ويجب عليهم أن يكونوا مستعدِّين لتغيير مسارهم إذا توفرَّت معلومات جديدة تدلُّ على أنَّ القرار الأول لم يكن صائبًا. يمكن أن تُشكِّل عملية تغيير المسار تحدِّيًا بالنسبة للأفراد ذوي التقدير الذاتي المنخفض لأنَّ اعترافهم بارتكاب خطأ ما قد يكون أصعب عليهم من المضي قدمًا في طريقٍ خطأ. يدرك المديرون الفعَّالون أنَّ بعض الإخفاقات لا مفرَّ منها بسبب الطبيعة المعقَّدة للعديد من المهام، كما أنَّهم يعلمون أنَّه من الأفضل تقليل الأثر الذي تُلحقه القرارات السيئة بالمؤسسة وأصحاب المصلحة من خلال الاكتشاف المبكر لها ومن ثمّ تصحيحها. ما هو القرار الصحيح؟ تجدر الإشارة إلى أنَّ اتخاذ المدير للقرارات لا يشبه اختبارات الاختيار من متعدد على الإطلاق، إذ إنّ هناك إجابة واحدة صحيحة في تلك الاختبارات، ونادرًا ما يكون الحال هكذا عندما يتعلَّق الأمر بالقرارات الإدارية. يختار المدير أحيانًا من بين عدة خيارات جيِّدة ولا يكون الخيار الأفضل واضحًا بالنسبة له، ويكون هناك عدة خيارات سيِّئة في أحيان أخرى وتكون مهمة المدير في هذه الحالة تحديد الخيار الأقل ضررًا. غالبًا ما يكون هناك تضارب في مصالح الأفراد داخل المؤسسة الواحدة، ويجب على المدير أن يقوم باتخاذ القرار آخذًا بعين الاعتبار أنَّ ذلك القرار قد لا يصبُّ في المصلحة الشخصيّة للعديد من أفراد المؤسّسة، ولكنّه القرار الأفضل للمصلحة العامّة للشركة. ما هو القرار الأخلاقي الصحيح؟ يقع على عاتق المديرين أحيانًا اتخاذ قرارات لا تتعلّق بانزعاج أحد أصحاب المصلحة فحسب، إذ قد يُطلب منهم اتخاذ قرارات يمكنها أن تُلحق الضرر بالآخرين، ويترتَّب على هذه القرارت عواقب أخلاقية. تشير الأخلاق إلى معتقداتنا المتعلِّقة بالصواب والخطأ، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، كما ترتبط الأخلاق -ضمنيًا- بتفاعلاتنا مع الآخرين وتأثيرنا عليهم؛ فإذا لم يكن يتوجَّب علينا التفاعل مع غيرنا، لن نضطر إلى التفكير في أثر تصرُّفاتنا على الأفراد والمجموعات الأخرى. لكن جميع المديرين يتخذون قرارات تؤثِّر على الآخرين، لذلك من المهم الانتباه إذا ما كان الأثر الذي تتركه قراراتنا إيجابيًا أم سلبيًا. غالبًا ما تستخدم عبارة «زيادة ثروة المساهمين» كمسوِّغ لإعطاء الأولوية للأرباح قصيرة الأجل على حساب حاجات الأطراف الأخرى التي ستتأثَّر بالقرار مثل الموظفين والزبائن والمواطنين المحليين (الذين قد يتأثرون بالقرارات المرتبطة بالبيئة على سبيل المثال)، ولكن غالبًا ما يكون قرار زيادة ثروة المساهمين قرارًا يتسِّم بقصر النظر لأنَّه قد يُلحق الضرر بالمصلحة المالية للمؤسسة في المستقبل. السمعة السيئة ومقاطعة الزبائن للمؤسسة والغرامات الحكومية جميعها نتائج محتملة الحدوث على المدى البعيد إذا اختار المديرون خيارات تسبِّب ضررًا في سبيل زيادة ثروة المساهمين، لذلك فإن زيادة ثروة المساهمين ليست مُبرّرًا لإلحاق الضرر بالآخرين. إنَّ الإدارة ليست للأشخاص الذين تنقصهم الجرأة كما تلاحظ من خلال الأمثلة الموجزة السابقة! لكن قد تشعر بقمة الرضا إذا شغلتَ منصبًا يخوِّلك من اتخاذ قرارات لها تأثير إيجابي على المؤسسة وأصحاب المصلحة. وسنوضّح ذلك بشكل أكبر في مثالنا التالي. قصة نجاح شركة باتاغونيا غالبًا ما يكون التركيز الأساسي لأي مدير أو صاحب شركة على تحقيق الأرباح، ولكن يختار قادة المؤسسات في بعض الأحيان السعي إلى إحراز هدفين كبيرين في وقتٍ واحد وهما: تحقيق الربح وتقديم النفع للمجتمع بطريقة ما. ما السبب في ذلك؟ يرجع السبب عادةً إلى اعتقادهم بأنَّه من المهم القيام بذلك، إذ يوفِّر العمل التجاري فرصة لإحراز هدف آخر يحظى باهتمام المؤسِّسين والمالكين والمديرين. تعدُّ شركة باتاغونيا المتخصِّصة في بيع الملابس مثالًا واقعيًّا على الشركات التي تسعى إلى تحقيق الربح والمنفعة العامّة في آنٍ واحد، إذ أنَّ العبارة التي تبيِّن رسالة الشركة تقول: «نحن نعمل من أجل حماية كوكبنا الذي نسكن في كنفه». تهتم شركة باتاغونيا جدًا بالمحافظة على البيئة وتتبرع بما لا يقل عن 1% من مبيعاتها السنوية للمنظمات البيئية المحليّة. اتخذ مؤسس شركة باتاغونيا (يوفون شوينارد) قرارًا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي يقتضي بصناعة الملابس باستخدام القطن العضوي عندما علِم أنَّ الطريقة المستخدمة في زراعة القطن الذي يستورده تُلوِّث التربة والمياه وتضُر بصحة العاملين. لم يكن تنفيذ ذلك القرار سهلًا، إذ كان عدد مزوِّدي القطن العضوي قليلًا واضطرت الشركة إلى تعلُّم كيفية زراعته والعمل مع المزوِّدين خطوة تلو أخرى حتى يحصلوا على القطن المطلوب . تُطلق الشركة حملات تشجِّع خلالها زبائنها على تقليل عمليات الشراء التي يقومون بها وتسعى إلى تحقيق نموذج اقتصادي مسؤول لا يستند على فكرة الاستهلاك التي غزت العالم، ومن هذه الحملات الحملة التي أطلقتها عام 2011 والتي تحمل عنوان «لا تشترِ هذا المعطف». توفِّر شركة باتاغونيا أيضًا خدمة خاصة لإصلاح الملابس القديمة وتتيح للزبائن استبدال قطع الملابس فيما بينهم. هناك ثمن مقابل كل الجهود التي تهدف إلى تقديم النفع، أليس كذلك؟ في الواقع، تُظهر الدراسات أنَّ متوسّط الأرباح والعائدات الماليّة للشركات التي تبّنت فكرة الاستدامة أكبر من تِلك التي لم تنهج هذا النهج. علاوةً على ذلك، غالبًا ما يرغب الناس في العمل في المؤسسات التي تسعى إلى تقديم النفع (خاصةً الأشخاص الذين يؤمنون بقيم مماثلة لقيمها)، لذلك يميل الموظفون الذين يعملون في هذه المؤسسات إلى أن يكونوا مخلصين جدًا لها، كما أنَّ مستويات اندماجهم في العمل ودافعيتهم وإنتاجيتهم تكون مرتفعة. يمنح هذا الشغف والاهتمام قيمةً للمؤسسة ويثبت أنَّه من الممكن تحقيق الربح وتقديم النفع للمجتمع في الوقت نفسه. المصادر: History of Patagonia - A Company Created by Yvon Chouinard. الموقع الرسمي لشركة باتاغونيا: https://www.patagonia.com/company-history.htm باتاغونيا شركة خضراء أم مجنونة؟ (8 يناير, 2014). موقع مصراوي: https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2014/1/8/156341/-باتاغونيا-شركة-خضراء-أم-مجنونة- ترجمة -وبتصرف- للفصل Overview of Managerial Decision-Making من كتاب Principles of Management
  14. قد تتساءل عن المزايا والخصائص التي يتفرّد بها المديرون المتمرّسون، أو الصفات التي يجب أن يمتاز بها المدير الناجح حتى يقود شركته إلى النجاح والريادة وسط المنافسة العالمية. في مقالنا هذا سنوضّح هذه النقاط ونتطرّق إلى أبرز الخصائص التي يجب أن يتمتّع بها المدير الناجح. إنَّ الوقت مجزَّأ، وقد أدرك المديرون منذ زمن بعيد أنّّ الوقت لا يُسعفهم لإنجاز مهامهم بشكل كامل وأنه لا مُتّسع من الوقت لإنهاء جميع الأشياء والمهام المُناطة بهم. على الرغم من ذلك، نشأت ظاهرة جديدة في السنوات الأخيرة من القرن العشرين وهي تزايد حاجة الأشخاص الذين يقومون بأدوار قياديّة إلى الوقت، في حين أنَّ عدد ساعات اليوم بقيت ثابتة، وقد تم زيادة عدد ساعات العمل استجابةً لتلك الحاجة، ولكن سرعان ما اكتشف المديرون أنَّ اليوم مكوَّن من 24 ساعة فقط وأنَّ العمل لساعات أكثر أدَّى إلى تناقص العائدات الهامشية، ووفقًا لأحد الباحثين فإنَّ: المديرين لديهم الكثير من الالتزامات التي تثقل كاهلهم، ولكنَّهم لا يستطيعون تفويض تلك المهام إلى الغير بسهولة، لذلك هم مدفوعون إلى إرهاق أنفسهم بالعمل الإضافي ومضطرون إلى القيام بالكثير من المهام بسطحية. بعبارة مختصرة: تجزئة الوقت وتوزيعه على المهام والتواصل اللفظي من خصائص عمل المديرين. تتنافس مهام المديرين وأدوارهم من ناحية أهميتها، ومن الواضح أنَّ المديرين لا يستطيعون إرضاء الجميع؛ فالموظفون يريدون مزيدًا من الوقت لإنجاز أعمالهم، ويريد الزبائن استلام المنتجات والخدمات بسرعة وبمستويات جودة عالية، ويريد المشرفون أن يُنفق المزيد من المال على المعدَّات وعلى التدريب وتطوير المنتجات، ويريد المساهمون أن تزداد عوائد الاستثمار. لا يستطيع المدير العالق في هذا الوضع أن يمنح كل هؤلاء أقصى ما يريدون، وغالبًا ما تُتَّخذ القرارات استنادًا إلى مدى ضرورة تلبية الحاجات ومدى دنو المشكلة. الوظيفة الإدارية ممتلئة بالمهام، وقد أُعيد تنظيم العديد من الشركات العالمية وشركات في أمريكا الشمالية في السنوات الأخيرة لكي تصبح أكثر كفاءة وسرعة في العمل وأكثر قدرة على المنافسة، وغالبًا ما تضمَّن إعادة التنظيم جعل العديد من العمليات لامركزية بالإضافة إلى الإزالة الشاملة لطبقات الإدارة الوسطى، وقد وجد العديد من المديرين الذين لم تطلهم عملية التقليص هذه أنَّ عدد المرؤوسين الذين يقعون تحت إمرتهم مباشرة قد تضاعف. تشير نظرية الإدارة الكلاسيكية إلى أنَّ أكبر عدد من المرؤوسين الذين يستطيع المدير التعامل معهم مباشرة بطريقة معقولة هو سبعة مرؤوسين. تكنولوجيا المعلومات فائقة السرعة وأنظمة الاتصالات الفعَّالة في وقتنا الحالي أدَّت إلى أن يكون لدى العديد من المديرين حوالي 20 أو 30 شخصًا يُطلعونه على أعمالهم مباشرة. أصبحت الكفاءة هي المهارة الإدارية الأساسية في القرن الحادي والعشرين نتيجة قلة توفر الوقت الذي يحتاجه المديرون، وتجزئة الوقت إلى وحدات أصغر أثناء ساعات العمل، وملاحقة العمل للعديد من المديرين خارج أماكن عملهم وحتى في أوقات الإجازات، وتزايد المسؤوليات الملقاة على كاهل المديرين بسبب تقليص حجم المؤسسات. ما الأمر الذي يتغير في وظيفة المدير؟ محور الأهمية والتركيز أهمية الدور الريادي للمديرين في ازدياد، إذ يجب عليهم أن يكونوا مدركين للمخاطر والفرص المحيطة ببيئة العمل. تتضمن المخاطر التطورات التكنولوجية لدى المنافسين، وتقادم المؤسسة التي ينتمي إليها المدير، والتناقص الملحوظ في دورة حياة المنتجات. وقد تشمل الفرص وجود مجالات من المنتجات والخدمات التي تعاني نقصًا أو التي لم تُستهدف بعد، وفرص التوظيف الخارجية، والاندماجات، وعمليات الشراء، وإجراء تطويرات في المعدَّات أو المساحات المكانية أو غيرها من الأصول. سيبحث المديرون المنتبهون جيدًا للأسواق والبيئة التنافسية عن الفرص للحصول على مكاسب. أهمية الدور القيادي للمديرين أيضًا في ازدياد، ويجب عليهم أن يكونوا أكثر خبرة بصفتهم استراتيجيين أو مرشدين، إذ تتطلَّب وظيفة المدير ما هو أكثر بكثير من مجرد تسيير أعمال أحد الأقسام في مؤسسة كبيرة، وما لم تكن المؤسسات قادرة على جذب الأفراد الجيِّدين وتدريبهم وتحفيزهم والاحتفاظ بهم وتعزيزهم، فلا يمكنها أن تتوقع تفوُّقها على المنافسين، ولذلك يجب على المديرين بصفتهم قادة أن يرشدوا باستمرار الأشخاص الواعدين وأصحاب الإمكانات في المؤسسة. عندما تفقد المؤسسة موظفًا ذا كفاءة عالية، فسوف يعيق ذلك من سيرها إلى أن تتمكَّن من استبدال ذلك الموظف، وحتى لو عثرت على شخص مناسب تمامًا ويتمتَّع بأفضل المؤهلات لشغل الوظيفة الشاغرة، فإنَّ عليها تدريبه وتشجيعه وتحفيزه، بالإضافة إلى تقبُّل حقيقة أنَّ مستويات الإنتاجية ستكون أقل لبعض الوقت ممَّا كانت عليه حينما كان الموظف السابق موجودًا. المسؤوليات الإدارية من الأسئلة المهمة التي غالبًا ما تُثار بشأن المديرين: ما هي المسؤوليات التي تقع على عاتق المديرين في المؤسسات؟ ووفقًا للتعريف الذي ذكرناه، يتوجَّب على المديرين التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، ويمكن تقسيم مسؤولياتهم إلى تسع فئات من الأنشطة وهي: التخطيط طويل المدى: كثيرًا ما يتوجَّب على المديرين الذين يشغلون المناصب التنفيذية القيام بالتخطيط والتطوير الاستراتيجي. الضبط والتحكم: يقيِّم المديرون الأوضاع ويتَّخذون إجراءات تصحيحية فيما يخص توزيع واستغلال الموارد البشرية والمالية والمادية. المسح البيئي: يجب على المديرين باستمرار الانتباه إلى التغييرات في بيئة العمل ومراقبة مؤشرات العمل مثل العوائد على حقوق المساهمين أو على الاستثمار، والمؤشرات الاقتصادية، ودورات الأعمال التجارية وما إلى ذلك. الإشراف: يشرف المديرون باستمرار على أعمال مرؤوسيهم. التنسيق: غالبًا ما يجب على المديرين تنسيق أعمال الآخرين داخل القسم الذي يعملون فيه وخارجه. إدارة العلاقات مع الزبائن والتسويق: يتوجَّب على بعض المديرين التواصل المباشر مع الزبائن الحاليين والزبائن المحتملين. إدارة العلاقات مع المجتمع: يجب على المديرين إقامة صلات قوية مع ممثلين من مختلف الجهات المعنية خارج الشركة والتي تتضمن الوكالات الحكومية والفيدرالية وفئات المجتمع المدني المحلية والمورِّدين. تقديم الاستشارات الداخلية: يستغل بعض المديرين خبرتهم التقنية في حل المشكلات الداخلية ويتصرَّفون كمستشارين داخليين في شؤون التغيير والتطوير التنظيمي. مراقبة المنتجات والخدمات: يتوجَّب على المديرين التخطيط ووضع الجداول الزمنية ومراقبة عمليات التصميم والتطوير والإنتاج والتوصيل الخاصة بمنتجات وخدمات المؤسسة. كما سنرى لاحقًا، لا يقوم كل المديرين بجميع هذه الأنشطة؛ بل يؤدِّي المديرون المختلفون أدوارًا مختلفة ويتحمَّلون مسؤوليات مختلفة تبعًا لموضعهم في الهرم التنظيمي. سنبدأ بإلقاء نظرة على الفروقات الموجودة بين الأعمال الإدراية. الفروقات بين الأعمال الإدارية المتنوعة مع أنَّ كل مدير قد يكون لديه مجموعة متنوعة من المسؤوليات -بما فيها المسؤوليات التي ذكرناها سابقًا-، فإنَّ مقدار الوقت الذي يستغرقه كل نشاط وأهمية ذلك النشاط ستتفاوت بدرجة كبيرة. أشهر تقسيمين للأعمال الإدارية هما: تقسيم الأعمال الإدارية حسب المستوى الذي يشغله المديرون في الهرم التنظيمي. تقسيم الأعمال الإدارية حسب نوع القسم أو الوظيفة المسؤولين عنها. فيما يلي شرح مختصر لكل منهما. الإدارة حسب المستوى: هناك ثلاثة مستويات عامة للإدارة وهي: الإدارة التنفيذية والإدارة الوسطى و الإدارة المباشرة (انظر الشكل التالي). المديرون التنفيذيون هم في قمة الهرم الإداري وهم مسؤولون عن المؤسسة بأكملها، وخصوصًا توجهها الاستراتيجي. المديرون في مستوى الإدارة الوسطى (في منتصف الهرم الإداري) مسؤولون عن الأقسام الرئيسية وقد يشرفون على المديرين الأقل منهم رتبة. أخيرًا، المديرون في مستوى الإدارة المباشرة يشرفون على الموظفين العاديين ويقومون بالأنشطة اليومية داخل الأقسام. يبيِّن الشكل السابق الاختلافات في الأنشطة الإدارية من خلال التسلسل الهرمي للمستويات الإدارية. سيكرِّس كبار المسؤولين التنفيذيين المزيد من أوقاتهم للقضايا التي تحتاج إلى إعمال الفكر، في حين سيركِّز المديرون في مستوى الإدارة المباشرة جهودهم على القضايا الفنية (التقنية). على سبيل المثال، تتمحور الأنشطة التي يقوم بها المديرون في مستوى الإدارة العليا على التخطيط طويل المدى ومراقبة مؤشرات العمل والتنسيق وتقديم الاستشارات الداخلية. في المقابل، تتمحور الأنشطة التي يقوم بها المديرون في مستوى الإدارة المباشرة على الإشراف لأنَّ مسؤوليتهم تتمثَّل في إنجاز المهام بواسطة الموظفين العاديين. المديرون في مستوى الإدارة الوسطى يقومون بأنشطة متنوعة. يمكننا تصنيف المهارات الإدارية إلى ثلاثة أنواع: المهارات الفنية: يجب على المديرين أن يكونوا قادرين على استخدام الأدوات والأساليب والتقنيات الخاصة بمجالاتهم. على سبيل المثال، يجب على المحاسب أن يمتلك خبرة في المبادئ المحاسبية، في حين يجب على مدير الإنتاج أن يكون ذا معرفة بإدارة العمليات. تمثِّل هذه المهارات آليات العمل. المهارات الإنسانية: تتطلَّب هذه المهارات القدرة على العمل مع الآخرين وفهم أساليب تحفيز الموظفين وطبيعة سلوك الأفراد في المجموعات. تسمح هذه المهارات للمدير بأن يصبح مرتبطًا بمجموعته وقائدًا لها. المهارات الإدراكية: تصوِّر هذه المهارات قدرة المدير على تنظيم المعلومات وتحليلها سعيًا إلى تحسين أداء المؤسسة، وتتضمَّن القدرة على رؤية المؤسسة ككل وفهم كيف تتصل الأقسام المختلفة مع بعضها بعضًا لكي تعمل كوحدة متكاملة. هذه المهارات ضرورية لنجاح التنسيق بين الدوائر والأقسام حتى تتحدَّ المؤسسة بأكملها في سبيل تحقيق الأهداف. كما هو واضح في الشكل التالي، فإنَّ القدر المطلوب من هذه المهارات تختلف باختلاف المستوى الإداري، وهذا يعني أنَّ النجاح في المناصب التنفيذية يتطلَّب مهارات إدراكية عالية ومهارات فنية أقل في معظم الحالات (وليس جميعها)، في حين يحتاج المديرون في مستوى الإدارة المباشرة عادةً إلى مهارات فنية أكثر ومهارات إدراكية أقل. لكن علينا الانتباه إلى أنَّ المهارات الإنسانية تبقى مهمة لنجاح جميع المستويات الإدارية الثلاث. الإدارة حسب القسم أو الوظيفة: بالإضافة إلى تقسيم الإدارة إلى مستويات في الهرم الإداري، تختلف المسؤوليات الإدارية أيضًا باختلاف نوع القسم أو الوظيفة، إذ توجد هناك اختلافات بين أقسام ضمان الجودة، والتصنيع، والتسويق، والمحاسبة والتمويل، وإدارة الموارد البشرية. على سبيل المثال، سيركِّز المديرون الذين يعملون في قسم التصنيع جهودهم على المنتجات والخدمات والضبط والتحكم والإشراف. في المقابل، سيقل تركيز مديري التسويق على التخطيط والتنسيق وتقديم الاستشارات وسيزداد تركيزهم على إدارة العلاقات مع الزبائن والجهات الخارجية. إنَّ التركيز على الأنشطة الإدارية يتفاوت بدرجة كبيرة تبعًا لاختلاف القسم الذي يكون المدير مسؤولًا عنه. على المستوى الشخصي، هناك فائدتان مهمتان على الأقل لمعرفة أنَّ توليفة المهارات الإدراكية والإنسانية والفنية تتغير بمرور الزمن وأنَّ كل مجال وظيفي يحتاج إلى قدر متفاوت من أنشطة إدارية معينة. الفائدة الأولى هي أنَّك إذا قررت أن تكون مديرًا، فإنَّ معرفة أنَّ توليفة المهارات تتغير بمرور الزمن قد يساعدك على تجنُّب شكوى شائعة وهي أنَّ الموظفين صغيري السن يريدون التفكير والتصرف مثل المديرين التنفيذيين قبل أن يصبحوا مشرفين بارعين في مستوى الإدارة المباشرة. أمَّا الفائدة الثانية فهي أنَّك إذا علمتَ المزيج المختلف من الأنشطة الإدارية الذي تحتاجه كل وظيفة من الوظائف، فهذا قد يُسهِّل عليك اختيار المجال أو المجالات الوظيفية الأنسب لمهاراتك واهتماماتك. يُنقل المديرون عبر الأقسام عندما يترَّقون في السلَّم الإداري في العديد من الشركات، ويتكوَّن لديهم بهذه الطريقة نظرة شاملة على المسؤوليات الخاصة بالأقسام المختلفة، ويجب عليهم خلال مهامهم اليومية التركيز على الأنشطة المناسبة لأقسامهم ولمستوياتهم الإدارية. إنَّ معرفة الأنشطة التي يجب التركيز عليها من صميم عمل المدير. على أي حال، سنتطرق إلى هذا الموضوع عندما نتحدَّث عن طبيعة الفروق الفردية في المقال التالي. ترجمة -وبتصرف- للفصل Major Characteristics of the Manager's Job من كتاب Principles of Management
  15. إن المؤسسات هي الهيكل الأساسي وعَماد أي مجتمع متقدّم، وقيادة هذه المؤسسات ليس بالأمر البسيط فهي تتطلّب حِنكة وخِبرة وباعًا طويلًا في الإدارة، وهنا يأتي دور المديرين الأكفاء في تحمّل هذه المسؤولية والنهوض بركب مؤسساتهم لمواكبة التقدّم السريع والمنافسة المتزايدة في الأسواق العالمية. ولكن هنا يتبادر إلينا أسئلة كثيرة منها: بماذا يقوم المديرون في سبيل مساعدة المؤسسات على تحقيق أعلى مستويات الأداء؟ وما هي الأدوار التي يؤدِّيها المديرون في المؤسسات؟ وما هي الخصائص التي يمتاز بها المديرون الفعَّالون؟ سنجيب عن هذه الأسئلة تِباعًا في مقالنا. استكشاف المهن الإدارية إن المهن الإدارية مجال قائمٌ بحدِّ ذاته، وربما تكون قد فكرَّت حيال ما ستتناوله سلسلتنا الفريدة هذه عن مبادئ الإدارة، ومن المرجَّح أن يكون لديك بعض التصوُّرات المسبقة عمَّا تتمحور حوله الإدارة. يجب عليك أن تدير وقتك وأن تحدِّد مقدار الوقت الذي ستكرِّسه لمذاكرة دروس الإدارة والمحاسبة مثلًا. قد تكون تعمل في وظيفة صيفية أو وظيفة بدوام جزئي وينبغي عليك خلالها تقديم معلومات أو تقارير إلى مديرك، أو قد تكون تابعت تقاريرًا إخبارية عن المديرين الناجحين من أمثال جيف بيزوف مدير شركة أمازون أو شيريل ساندبيرج مديرة العمليات في فيسبوك وترغب في معرفة ما الذي جعلهم ناجحين لكي تتمكَّن من محاكاة ممارساتهم في مسيرتك المهنية، أو قد يكون لديك انطباعًا (غير صائب) بأنَّ الإدارة في الأساس هي مجرَّد أمر بديهي وأنَّك في الواقع لست بحاجة إلى القراءة حول مبادئ الإدارة على الإطلاق، غير أنَّه يتوجب عليك ذلك لكي تحصل على الدرجة العلمية. ستخبرك معظم المراجع التي تتطرّق للإدارة -مثلها مثل سلسلتنا الفريدة هذه- أنَّ المديرين يقضون أوقاتهم في التخطيط والتنظيم والتوظيف والتوجيه والتنسيق وإعداد التقارير والرقابة. لا تصف هذه الأنشطة في الحقيقة ما يقوم به المديرون وفقًا لما اكتشفته الأستاذة جين هاناواي في دراستها حول المديرين في أماكن العمل؛ بل -في أحسن الأحوال- يبدو أنَّ هذه الأنشطة تصف أهدافًا مبهمة يسعى المديرون إلى تحقيقها باستمرار. لكنَّ العالم الحقيقي ليس بتلك البساطة؛ فالعالم الذي يعمل فيه معظم المديرين كأنَّه «تيار مضطرب ومحموم من الأنشطة المتواصلة». بماذا يقوم المديرون؟ بماذا يقوم المديرون في سبيل مساعدة المؤسسات على تحقيق أعلى مستويات الأداء؟ المديرون في عملٍ مستمر، ومما يدلُّ على ذلك إشارة جميع الدراسات عن المديرين تقريبًا إلى أنَّهم «في تنقل شبه دائم من مهمة إلى أخرى وأنَّهم يغيرون محور اهتمامهم لكي يتجاوبوا مع القضايا عندما تطرأ، وينخرطون في عدد كبير من المهام التي تتميز بقصر مدتها». لقد راقب خبير الإدارة هنري منتسبرغ عددًا من المديرين التنفيذيين وهم يعملون حتى يحصل على بعض المعلومات حول ما يقومون به وكيفية قضائهم لأوقاتهم، ووجد -على سبيل المثال- أنَّهم يتواصلون مع غيرهم بمعدل 36 مرة كتابيًا و16 مرة لفظيًا في اليوم الواحد، وتتناول كل عملية تواصل تقريبًا قضية مختلفة عن الأخرى، وتكون معظمها موجزة وتستغرق أقل من 9 دقائق. أجرى البروفيسور جون كوتر دراسة على عددٍ من المديرين العامِّين الناجحين على مدى خمس سنوات ووجد أنَّهم يقضون معظم أوقاتهم في التعامل مع الآخرين بما فيهم المرؤوسين ورؤسائهم والعديد من الأشخاص من خارج المؤسسة. لقد وجدت هذه الدراسة أنَّ المديرين العاديين قد أمضوا 25% فقط من أوقات عملهم بمفردهم وأنَّهم أمضوا تلك الأوقات بدرجة كبيرة في البيت أو على متن الطائرات أو في التنقل إلى أماكن عملهم، كما أنَّ عددًا قليلًا منهم قد أمضوا أقل من 70% من وقتهم في التعامل مع الآخرين؛ بل إنَّ بعضهم أمضى ما يقارب 90% من أوقات عملهم في التعامل مع الآخرين. ووجد كوتر أنَّ نطاق المواضيع التي يتناولونها أثناء نقاشاتهم مع الآخرين واسع للغاية، وأنَّ القضايا غير المهمة تأخذ من أوقاتهم إلى جانب أمور العمل المهمة، وقد كشفت الدراسة التي أجراها أنَّ المديرين نادرًا ما يتَّخذون "قراراتٍ كبيرة" خلال هذه المحادثات ونادرًا ما يصدرون الأوامر بالطريقة التقليدية، وأنَّ أفعالهم غالبًأ ما تكون استجابةً لمبادرات الآخرين، وأنَّهم يقضون مقدارًا كبيرًا من الوقت في أنشطة غير مخطط لها ليست موجودة ضمن جداول أعمالهم. وقد وجد كوتر -أيضًا- أنَّ المديرين يقضون معظم أوقاتهم في إجراء محادثات قصيرة غير مترابطة مع الآخرين، وأشار إلى أنَّ «مناقشة سؤال واحد أو قضية واحدة نادرًا ما تدوم أكثر من 10 دقائق، وأنَّه من غير الغريب إطلاقًا أن يتناول المدير العام عشرة مواضيع غير متَّصلة ببعضها خلال محادثة مدتها 5 دقائق.» كما بيَّنت دراسة حديثة أجرتها البروفيسورة لي سبرول على مجموعة من المديرين قيامهم بتصرُّفات مشابهة، إذ أظهرت أنَّهم في غضون يوم واحد انخرطوا في 58 نشاط مختلف، وأنًّ متوسط المدة التي استغرقها النشاط الواحد 9 دقائق فقط. تبدو المقاطعات أيضًا جزءًا طبيعيًا من عمل المديرين، إذ وجدت الباحثة روزماري ستيوارت أنَّ المديرين الذين أجرت دراستها عليهم استطاعوا العمل لمدة نصف ساعة بدون توقف تسع مرَّات فقط خلال الأسابيع الأربعة التي أمضتها في هذه الدراسة. وفي الواقع، يقضي المديرون وقتًا قصيرًا جدًا بمفردهم، إذ أنَّهم -على نقيض ما تُصوِّره كتب الإدارة- نادرًا ما يكونون لوحدهم وهم يضعون الخطط أو يفكِّرون بقلق حيال القرارات المهمة؛ بل إنَّهم يقضون معظم أوقاتهم في التفاعل مع الآخرين داخل المؤسسة وخارجها. إذا حسبنا الوقت الذي تستغرقه عمليات التواصل العابرة التي تحدث في الممرات والمحادثات الهاتفية والاجتماعات الفردية واجتماعات المجموعات الأكبر، فإنَّ المديرين يقضون حوالي ثلثي أوقاتهم في التفاعل مع الآخرين. ووفقًا لمنتسبرغ: «المديرون -بخلاف الموظفين الآخرين- لا يتركون الهاتف ولا يغادرون الاجتماع لكي يعودوا إلى مباشرة العمل؛ بل إنَّ عمليات التواصل هذه هي من صميم عملهم.» تدلُّ الطبيعة التفاعلية للإدارة على أنَّ معظم العمل الإداري عبارة عن محادثات وحوارات؛ فعندما يكون المديرون في خِضم عملهم، فهم يتحدَّثون ويستمعون. لقد بيَّنت الدراسات التي أُجريت حول طبيعة العمل الإداري أنَّ المديرين يقضون حوالي ثلثي إلى ثلاثة أرباع أوقاتهم في أنشطة لفظية، وهذه المحادثات اللفظية وفق ما وضَّحه البروفيسوران روبرت إيكلس ونيتين نهريا هي الوسائل التي بواسطتها يجمع المديرون المعلومات ويبقون على اطلاع بالمستجدَّات ويحدِّدون المشكلات ويتباحثون بشأن المعاني المشتركة ويضعون الخطط ويُسيِّرون مجريات الأمور ويُصدرون الأوامر ويفرضون سلطتهم ويقيمون العلاقات وينشرون الأقاويل. باختصار، هذه المحادثات هي ما تتمحور حوله ممارسات المديرين اليومية. وممّا كتبه البروفيسوران إيكلس ونهريا: من خلال الأشكال الأخرى للكلام مثل الخطابات والعروض التقديمية، يضع المديرون تعريفات ومدلولات لأفعالهم الخاصة ويقدِّمون للآخرين تصوُّرًا عن المؤسسة ومكانتها وأهدافها. أدوار المديرين ما هي الأدوار التي يؤدِّيها المديرون في المؤسسات؟ وجد منتسبرغ في الدراسة الابتكارية التي أجراها على المديرين أنَّ غالبيتهم يدورون في فلك ثلاث فئات أساسية من الأدوار الإدارية. أولًا: الأدوار التفاعلية: يتوجَّب على المديرين التفاعل مع عدد كبير من الناس أثناء ساعات العمل أسبوعيًا، إذ يتولَّون استقبال الضيوف واصطحاب العملاء والزبائن لتناول العشاء ومقابلة العملاء المحتملين وشركاء العمل وإجراء مقابلات التوظيف ومقابلات تقييم الأداء وتكوين التحالفات والصداقات والعلاقات الشخصية مع العديد من الآخرين، وقد أظهرت كثير من الدراسات أنَّ هذه العلاقات هي أغنى مصادر المعلومات بالنسبة للمديرين بسبب طبيعتها المباشرة والشخصية. تنشأ ثلاثة أدوار من أدوار المدير مباشرة من سلطته الرسمية وتتطلَّب وجود علاقات شخصية أساسية. أولى هذه الأدوار هي دور ممثل المؤسسة، إذ يجب على كل مدير بصفته رئيسًا لوحدة تنظيمية أن يؤدِّي بعض المهام الرسمية. وقد بيَّنت الدراسة التي أجراها منتسبرغ أنًّ الرؤساء التنفيذيين أمضوا 12% من الوقت الذي يتواصلون فيه مع الآخرين في تأدية مهام رسمية، وأنَّ 17% من بريدهم الوارد تناول رسائل شكر وتقدير وطلبات مرتبطة بمنصبهم، وأحد الأمثلة على ذلك هو قيام رئيس شركة بطلب بضاعة مجانية لتلميذ من ذوي الإعاقة. إنَّ المديرين مسؤولون عن أعمال الأشخاص الذين يعملون في أقسامهم أو مؤسساتهم، وتصرفاتهم مرتبطة مباشرة بدورهم كقادة. يمكننا أن نرى بوضوح النفوذ الذي يمتلكه المديرون من خلال دورهم كقادة وفقًا لما يقوله منتسبرغ، إذ أنَّ سلطتهم الرسمية تمنحهم صلاحيات كبيرة، وتحدِّد القيادة -بدرجة كبيرة- مقدار الصلاحيات التي سيحصلون عليها. هل دور القائد ذو أهمية؟ اسأل موظفي شركة كرايسلر (التي أصبحت شركة DaimlerChrysler في وقتنا الحالي)، إذ كانت هذه الشركة العظيمة المُصنِّعة للسيارات في حالة إفلاس وعلى وشك الإندثار عندما تولَّى لي إياكوكا إدارتها في ثمانينيّات القرن الماضي والذي أنشأ علاقات جديدة مع اتحاد عمال السيارات وأعاد تنظيم الإدارة العليا للشركة و-ربما الأهم من كل ذلك- أقنع الحكومة الفيدرالية الأمريكية بكفالة سلسلة من القروض المصرفية التي من شأنها أن تجعل الشركة قادرة على سداد ديونها مجددًا. يُعزى الحصول على ضمانات القروض واستجابة الاتحاد وتفاعل السوق إلى أسلوب إياكوكا في القيادة وجاذبيته الشخصية بدرجة كبيرة. وتتضمن الأمثلة الأحدث التي تدلُّ على أهمية دور القائد: عودة هوارد شولتز مؤسس شركة ستاربكس لكي يعيد النشاط إلى الشركة ويتولَّى قيادتها، وقدرة جيف بيزوس الرئيس التنفيذي لشركة أمازون على الابتكار خلال فترة الركود الاقتصادي. هوارد شولتز الرئيس التنفيذي لشركة ستاربكس وهو يتحدث بعد استلامه جائزة القيادة المتميزة في عالم الأعمال (Distinguished Business Leadership Award) أثناء حفل توزيع جوائز القيادة المتميزة الذي أقامه المجلس الأطلسي في ولاية واشنطن الأمريكية. (مصدر الصورة: رئيس هيئة الأركان المشتركة / فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic ‏(CC BY 2.0)) قليلًا ما تحدثَّت المؤلفات الإدارية المتداولة عن دور حلقة الوصل (أو الوسيط) حتى وقت قريب، إذ أصبح هذا الدور -الذي يتعلَّق بقيام المدير بإنشاء علاقات خارج السلسلة الرأسية للإدارة- ذا أهمية خاصة في ضوء ما توصَّلت إليه الدراسات التي أُجريت حول العمل الإداري والتي بيَّنت أنَّ الوقت الذي يقضيه المديرون في التعامل مع نظرائهم وغيرهم من الأشخاص خارج أقسامهم أو مؤسساتهم لا يقل عن ذلك الذي يقضونه مع مرؤوسيهم، ومن المثير للاستغراب أنَّهم يقضون وقتًا قليلًا مع رؤسائهم. وقد كشفت الدراسة التي أجرتها روزماري ستيوارت أنَّ 160 مديرًا بريطانيًا في مستويات الإدارة الوسطى والعليا أمضوا 47% من أوقاتهم في التعامل مع نظرائهم، و41% من أوقاتهم في التعامل مع أشخاص داخل القسم الذي يعملون فيه، و12% فقط من أوقاتهم في التعامل مع رؤسائهم، كما أظهرت دراسة أجراها الباحث غيست (عام 1956) على مجموعة من مشرفي التصنيع في الولايات المتحدة نتائجًا مماثلة. ثانيًا: الأدوار المعلوماتية: يتوجَّب على المديرين جمع أنواع عديدة من المعلومات وترتيبها وتحليلها وتخزينها وتناقلها، وبذلك يصبحون مصادرًا للمعلومات وغالبًا ما يحتفظون بكمية هائلة من المعلومات داخل رؤوسهم وسرعان ما ينتقلون من دور جامع المعلومات إلى دور ناقلها في غضون دقائق. مع أنَّ العديد من المنظَّمات التجارية لديها أنظمة ضخمة وباهظة الثمن، إلا أنَّه لا شيء يضاهي سرعة بديهة دماغ مدير مدرَّب تدريبًا جيِّدًا وقدرته على معالجة المعلومات، ومن غير المستغرب أنَّ المديرين يفضِّلون هذه الطريقة. عندما يؤدِّي المديرون دور المراقب (أو الراصد)، فإنَّهم يتقصَّون البيئة المحيطة بحثًا عن معلومات، ويتحدَّثون مع الجهات التي تربطهم بهم صلات ومع مرؤوسيهم، ويتلقُّون معلومات لم يطلبوا الحصول عليها ويكون مصدر الكثير منها هو شبكة علاقاتهم الشخصية، ويصلهم قدرًا لا بأس به من هذه المعلومات بشكل لفظي (وغالبًا ما تكون إشاعات وأقاويل وتخمينات). وعندما يؤدِّي المديرون دور ناقل المعلومات (أو المِرسال)، فإنَّهم ينقلون معلومات خاصة أو سرية بطريقة مباشرة إلى مرؤوسيهم الذين قد لا تكون لديهم إمكانية الوصول إليها. لا يجب على المديرين تحديد الجهات التي ينبغي أن تتلقّى مثل هذه المعلومات فحسب، ولكن مقدار هذه المعلومات ومتى يتم نقلها وبأي طريقة أيضًا. يتوجَّب على المديرين -بصورة متزايدة- تحديد ما إذا كان من المناسب أن يتمكَّن المرؤوسون والنظراء والزبائن وشركاء العمل وغيرهم من الوصول المباشر إلى المعلومات طوال الوقت دون أن يضطر هؤلاء إلى التواصل مع المديرين. وعندما يؤدِّي المديرون دور الناطق الرسمي للمؤسسة، فإنَّهم ينقلون المعلومات إلى أشخاص خارج مؤسساتهم. على سبيل المثال، قيام رئيس تنفيذي لشركة بإلقاء خطاب أمام مجموعة من الأشخاص لدعم أهداف المؤسسة أو قيام مشرف بتقديم اقتراح لأحد الموَّردين بشأن إجراء تعديلات على منتج. يتوجَّب على المديرين -بصورة متزايدة- التعامل مع ممثلين عن وسائل الإعلام وتقديم الردود المستندة إلى الحقائق والآراء التي سوف تُطبع أو تُذاع إلى جماهير كبيرة غالبًا كما هي أو بعد تعديلات بسيطة. إنَّ المجازفات التي تتضمنها هذه الحالات كبيرة، وكذلك هي المكاسب المحتملة من ناحية تعرُّف الناس على العلامة التجارية وشهرة المؤسسة وسطوع نجمها. ثالثًا: الأدوار القرارية: تقع على عاتق المديرين مسؤولية اتخاذ القرارات بالنيابة عن المؤسسة وأصحاب رؤوس الأموال. تُتخذ هذه القرارات في كثير من الأحيان في ظل وجود غموض كبير وعدم توفر معلومات كافية، وغالبًا ما ستساعد الفئتان السابقتان من الأدوار الإدارية -الأدوار التفاعلية والأدوار المعلوماتية- المدير في اتخاذ القرارات الصعبة في الحالات التي تكون فيها النتائج غير واضحة والمصالح متضاربة. عندما يؤدِّي المديرون دور الريادي، فإنَّهم يسعون إلى تحسين أعمالهم والتكيف مع ظروف السوق المتغيرة والاستجابة للفرص حينما تبرز. إنَّ المديرين الذين ينظرون نظرة بعيدة المدى إلى المسؤوليات المنوطة بهم هم من أوائل من يدرك أنَّهم بحاجة إلى أن يجدِّدوا أساليبهم ومنتجاتهم وفئات الخدمات التي يقدمونها واستراتيجياتهم في التسويق وطرقهم في العمل لأنَّ الأساليب والطرق الأقدم تصبح غير مستخدمة و-بالتالي- يحصل المنافسون على الأفضلية. في حين أنَّ دور الريادي يصف المديرين الذين يبادرون بالتغيير، فإنَّ دور معالج المشكلات يصوِّر المديرين المضطرين إلى التعامل مع الظروف. قد تنشأ الأزمات لأنَّ المديرين السيِّئين يتركون الظروف تتدهور أو تخرج عن السيطرة، ولكنَّ المديرين الجيِّدين أيضًا يجدون أنفسهم وسط أزمة لم يتوقَّعوا حدوثها غير أنَّه يجب عليهم التعامل مع مثل هذه الأزمات. الدور الثالث من فئة الأدوار القرارية هو دور موزِّع الموارد الذي يتطلَّب من المديرين اتخاذ قرارات بشأن اختيار الأفراد الذين سيحصلون على الموارد وتحديد الموارد التي سيحصل عليها هؤلاء ومقدارها ومتى سيحصلون عليها وأسباب حصولهم عليها. تشمل الموارد الأموال والمعدَّات والقوى العاملة والمكاتب والمساحات المخصَّصة لعمليات الإنتاج وحتى الوقت الخاص بالمدير نفسه، وكل هذه الموارد محدودة، والطلب عليها يفوق ما هو متوفر منها لا محالة. يجب على المديرين أن يتَّخذوا قرارات مدروسة بشأن كيفية توزيع هذه الموارد مع الحرص على بقاء أفضل الموظفين وتحفيزهم وتطوير قدراتهم ومهاراتهم. توماس إف بريندرغاست رئيس هيئة النقل الحضري (MTA) في ولاية نيويورك وهو يتحدَّث أمام وسائل الإعلام عن آخر المستجدَّات بخصوص مفاوضات العمل الحالية مع نقابات LIRR. يتوجَّب عليه أثناء تفاوضه مع النقابات أن يتولَّى القيام بعدة أدوار إدارية. (مصدر الصورة: هيئة النقل الحضري (MTA) في ولاية نيويورك/ فليكر) آخر دور ضمن فئة الأدوار القرارية هو دور المفاوِض، إذ يقضي المديرون قدرًا كبيرًا من الوقت في التفاوض حول مخصَّصات الميزانية واتفاقيات العمل والمساومات الجماعية وغيرها من القرارات الرسمية المتعلِّقة بتسوية النزاعات. غالبًا ما سيتَّخذ المديرون في غضون أسبوع واحد عشرات القرارات الناتجة عن عمليات تفاوض قصيرة ومهمة فيما بين الموظفين والزبائن والعملاء والمورِّدين وغيرهم ممَّن يتوجَّب على المديرين التعامل معهم. يبيِّن الشكل التالي الأدوار التي يؤدِّيها المدير. ترجمة -وبتصرف- للفصلين What Do Managers Do?‎ و The Roles Managers Play من كتاب Principles of Management