مبادئ الإدارة أنواع القادة وأساليب القيادة


هيفاء علي

للقادة مكانة مميزة ضمن مجموعاتهم؛ فهم يؤثِّرون على أفراد المجموعة ويُقدِّمون التوجيهات لهم. على سبيل المثال، كان ليونارد بيرنشتاين أحد أعضاء الفرقة السيمفونية، ولكن دوره في تأدية أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية يختلف اختلافًا كبيرًا عن دور باقي أعضاء الفرقة السيمفونية؛ إذ إنَّه وضع تصوُّرًا للسيمفونية إلى جانب قيادة الأوركسترا. الفكرة التي نودُّ التأكيد عليها هي أنَّ من يتولَّى القيادة يجب أن يتقلّد دوره تقلّدًا مميزًا ويجب أن يُمثِّل نواة الأنشطة التي تؤدِّيها المجموعة.

تحتوي المؤسسات على نوعين من القادة هما: القائد الرسمي والقائد غير رسمي. القائد الرسمي هو الشخص الذي بإمكان الأفراد الذين لا ينتمون إلى مجموعته أن يدركوا أنَّه القائد المسؤول عن مجموعته، وغالبًا ما يُعيَّن من قِبل المؤسسة للعمل وكيلًا لها بصفة رسمية. على سبيل المثال، كان جاك ويلش القائد الرسمي لشركة جنرال إلكتريك، وكان ليونارد بيرنشتاين القائد الرسمي للفرقة السمفونية. من الناحية العملية، يؤدِّي جميع المديرين دور القادة الرسميين لأنَّ طبيعة عملهم تتطلَّب ذلك. تتيح المؤسسات التي تتبنَّى أسلوب الإدارة الذاتية لأعضاء فِرق العمل اختيار الفرد الذي سيصبح قائدًا لها. عندما تُصادق المؤسسة على ذلك الاختيار، يصبح هؤلاء القادة قادةً رسميين في تلك المؤسسة. غالبًا ما يُصبح أفراد المؤسسة الذين يُحسنون الترويج لأفكارهم المتعلِّقة بإنجاز المشاريع هم القادة؛ إذ يُعدُّ الإقناع والإلهام عنصران أساسيان في معادلة القيادة، خاصةً في المؤسسات التي تسمح بمشاركة وتفاعل الموظفين على نطاق واسع.

في المقابل، القائد غير الرسمي هو الشخص الذي يعترف به أعضاء مجموعته قائدًا لهم، ولا يُعيَّن من قِبل المؤسسة. غالبًا ما يكون للفِرق الرياضية قادة غير رسميين يؤثِّرون تأثيرًا كبيرًا على أعضاء الفريق على الرغم من أنَّهم لا يشغلون منصبًا قياديًا رسميًا. في الواقع، تحتوي معظم مجموعات العمل على قائد غير رسمي واحد على الأقل، وقد يجلب القادة غير الرسميين -مثلهم مثل القادة الرسميين- النفع أو الضرر للمؤسسة، ويتوقَّف ذلك على ما إذا كان تأثيرهم يدفع أعضاء المجموعة إلى التصرف وفق ما تقتضيه الأهداف التنظيمية أم لا.

كما بيَّنا سابقًا، فإنَّ القائد والمدير مفهومان غير مترادفين. تُميِّز جريس هوبر -أميرال متقاعد في البحرية الأمريكية- بين القيادة والإدارة بقولها: «أنت لا تدير الناس؛ بل تدير الأشياء. إنما القيادة للأشخاص». غالبًا ما يكون للقادة غير الرسميين نفوذ كبير على زملائهم؛ إذ يعترف بهم أعضاء مجموعتهم ويستجيبون لهم عن طيب خاطر. لكن لا تتضمَّن أدوار القادة غير الرسميين جميع المسؤوليات الإدارية، وذلك لأنَّ القائد غير الرسمي لا يحتاج دائمًا إلى ممارسة التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة. ومع ذلك، كثيرًا ما تحثُّ المؤسسات التي تسمح بمشاركة الموظفين على نطاق واسع قادتها الرسميين وغير الرسميين على ممارسة جميع الأدوار الإدارية، ويرى الكثيرون أنَّ هذه الإجراءات ضرورية لنجاح فِرق العمل المُدارة ذاتيًا.

السبيل إلى القيادة

يصل الناس إلى المناصب القيادية من خلال طريقين. أولًا، هناك القائد المُعيَّن (designated leader) الذي تضعه جهات مسؤولة خارج المجموعة في المنصب القيادي، فمثلًا تعمل برامج تدريب الضباط الاحتياط والأكاديميات العسكرية، مثل (West Point) على إعداد الأشخاص حتى يصبحوا قادةً بشكل رسمي. في المقابل، هناك القائد الناشئ (emergent leader) الذي يبرز من خلال العمليات التي تجري بين أفراد المجموعة أثناء سعيهم إلى تحقيق هدف مشترك.

هناك مجموعة متنوعة من العمليات التي تساعدنا على فهم كيفية ظهور القادة. لقد لاحظ جيرالد سالانسيك وجيفري فيفير أنَّ قوة التأثير على الآخرين تتنتقل إلى يد الأفراد الذين يمتلكون الموارد الضرورية والنادرة (التي غالبًا ما تكون هي المعرفة والخبرة) والتي تكون المجموعة بحاجة إليها من أجل التغلُّب على مشكلة جوهرية، وأشاروا أيضًا إلى سيادة مفهوم القيادة والتحالف في أوساط المهندسين في شركات الدول الكُبرى، مثل الولايات المُتّحدة خلال خمسينيات القرن العشرين، وذلك لأنَّ المؤسسات كانت تتنافس على تصميم أفضل المنتجات في ذلك الوقت.

انتقلت القيادة وقوة التأثير بعد ذلك إلى يد المسوِّقين في العديد من المؤسسات، إذ أصبحت المنافسة تعتمد على قوّة وهيمنة الإعلانات بهدف بناء صورة مميزة للمنتجات في ذهن المستهلك. انتقلت دفة القيادة وقوة التأثير مرة أخرى منذ حوالي 10-15 سنة، وأصبحت هذه المرة في يد الأشخاص ذوي الخبرات المالية والقانونية، وذلك لأنَّ أبرز ما كانت تواجهه العديد من المؤسسات في هذا الوقت هو عمليات الاندماج والاستحواذ والاستحواذ العدائي والتمويل الابتكاري.

نرى ممَّا سبق أنَّ كلًّا من سالانسيك وفيفير ركّزا على أهمية قوة التأثير وما يترتَّب عليها من انتقال القيادة إلى الأفراد الذين بإمكانهم مساعدة المؤسسة أو المجموعة على التغلُّب على المشكلات والتحديات التي تواجهها، إذ يحدُث انتقال للقيادة وقوة التأثير تبعًا لتغيُّر التحديات التي تواجه المجموعة.

يبرُز العديد من القادة استجابةً لمتطلَّبات الموقف، إذ تتطلَّب المواقف المختلفة معارف ومهارات وقدرات مختلفة، وغالبًا ما تلجأ المجموعات إلى العضو الذي يمتلك المعارف والمهارات والقدرات التي تحتاجها لتحقيق أهدافها. يتنازل الناس عن سلطتهم وطواعيّتهم ويمنحون السلطة للأفراد الذين يُتوقَّع أن يُسهموا إسهامات بارزة من أجل تحقيق أهداف المجموعة، وغالبًا ما يكون الفرد الذي يتسلَّم السلطة عضوًا ذا مكانة جيِّدة في المجموعة، ويُصبح لهذا الفرد خصوصية تميِّزه عن غيره بسبب كفاءته وإسهاماته في تحقيق أهداف المجموعة، الأمر الذي يُتيح له التأثير على المسار الذي تسلكه المجموعة أثناء عملها على تحقيق أهدافها.

تجدر الإشارة إلى أنَّ السمات التي يمتلكها بعض الأفراد تساعدهم بدرجة كبيرة لكي يغدو قادة، وتشير الدراسات إلى أنَّ الناس لا يميلون إلى اتباع الأفراد الذين لا يتمتَّعون بالدافعية والثقة بالنفس والخبرة والأمانة والنزاهة.

القيادة هي فن التأثير

ذكرنا سابقًا أنَّ القيادة هي علاقة تأثير اجتماعي بين شخصين أو أكثر تجمعهم مجموعة معينة ويعتمد كلّ منهم على الآخر لتحقيق أهداف محدَّدة ومشتركة، ولكن كيف يمكن للقادة التأثير على الآخرين بفعالية؟ يجب أن نفهم المقصود بالتأثير الاجتماعي حتى نتمكَّن من الإجابة عن هذا السؤال. إنَّ التأثير الاجتماعي، أو التفاعلي، هو قدرة الفرد على إحداث تغيير على دوافع الآخرين ووجهات نظرهم وسلوكياتهم، وبناءً على ذلك تكون إجابة سؤال «كيف يؤثِّر القادة على أتباعهم؟» هي أنَّ التأثير الاجتماعي الذي يتمتَّع به القائد هو الذي يُشكِّل مصدر سلطته وقوته.

لقد وضع العالمان جون فرينش وبيرترام ريفين تصنيفًا مفيدًا يبيِّن مصادر وأنواع القوى التي قد يستخدمها القادة في عمليّة التأثير والتأثّر ضمن مجموعتهم الإداريّة، وتتضمَّن هذه القوى ما يلي:

  1. قوة المكافأة (Reward power): القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الناس يعتقدون أنَّه بإمكانه تقديم الأُعطيات أو المكافآت، مثل: المال أو التقدير الذي يرغب الآخرون في الحصول عليه.
  2. القوة القسرية (Coercive power): القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الناس يعتقدون أنَّه بإمكانه معاقبتهم بما يُزعجهم أو منعهم من الحصول على شيءٍ يعدُّونه ثمينًا.
  3. القوة المرجعية (Referent power): القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الآخرين يرغبون في التقرُّب منه أو الحصول على رضاه أو مساعدته.
  4. قوة الخبرة (Expert power): القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الآخرين يعتقدون أنَّه يمتلك المعرفة والخبرة التي يحتاجونها ومستعد لمشاركتها معهم. هناك مفهوم يُدعى قوة امتلاك الموارد وهو أوسع من مفهوم قوة الخبرة، إذ يشمل القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الآخرين يعتقدون أنَّه يمتلك الموارد التي يحتاجونها -مثل المعلومات أو الوقت أو المواد اللازمة- ومستعد لمشاركتها معهم.
  5. القوة الشرعية (Legitimate power): القوة التي يمتلكها الشخص لأنَّ الآخرين يعتقدون أنَّه يمتلك الحق في السلطة والتأثير عليهم وأنَّهم يتوجَّب عليهم أن يطيعوه. يمكن أن ينشأ هذا الحق عن التقاليد، أو الكاريزما أو جاذبية الشخص، أو القوانين، أو الأدوار المؤسسية في المجتمع، أو الجاذبية الأخلاقية، أو العقلانية (أي الحجج العقلية والأدلة الواقعية والمنطق ووجهات النظر الملائمة).

ليست كل أنواع القوى فعَّالة بنفس الدرجة (انظر الشكل التالي)، كما أنَّ مجال تأثير القائد يختلف عن مجموع القوى التي تحت تصرُّفه؛ إذ ينتج عن أنواع القوى المختلفة أشكال مختلفة من الامتثال. على سبيل المثال، يدفع القادة الذين يعتمدون على القوة القسرية أتباعهم إلى النفور منهم أو مقاومة محاولات التأثير فيهم، بينما يُنتج القادة الذين يعتمدون على قوة المكافأة أتباعًا يُدقِّقون كثيرًا في ردود أفعالهم في سبيل الحصول على رضى القائد وبالتالي نيل المكافآت، إذ غالبًا ما تدفع المكافآت الأفراد إلى طرح تساؤلات مثل: «ما مقدار ما أحصل عليه؟» أو «ما مقدار الجُهد الذي يتوجَّب عليّ أن أبذله؟» أو «هل يتناسب مقدار مع أحصل عليه مع مقدار الجهد الذي أبذله؟». في المقابل، يؤدِّي استخدام القوة المرجعية إلى تقليد الأتباع للقائد وتبنِّيهم لقضيته، ويؤدِّي استخدام قوة الخبرة والعقلانية والأخلاق الحسنة غالبًا إلى التزام الأتباع واستيعابهم للأهداف التي حدَّدها القائد.

Leader-Follower-Power-Relationship.jpg

العلاقة بين قوة القائد والأتباع

عادةً ما يحصل القادة الذين يستخدمون القوة المرجعية وقوة الخبرة على رد فعل إيجابي من أتباعهم، يتمثَّل في رضاهم وحُسن أدائهم. بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى أنَّ العقلانية هي النهج الأكثر تأثيرًا على الأتباع من حيث التزامهم ودافعيتهم وأدائهم ورضاهم وفاعلية العمل الجماعي.

يمكن أن يؤدِّي استخدام قوة المكافأة والقوة الشرعية (الاعتماد على مركز الشخص للتأثير على الآخرين) إلى نتائج متعارضة وربما سلبيّة، إذ تؤدِّي هذه القوى أحيانًا إلى حُسن أداء الأتباع ورضاهم، ولكنَّها قد لا تكون مؤثِّرة في بعض الأحيان أو قد تؤدِّي إلى نتائج غير مرغوب فيها. على نحوٍ مماثل، قد تؤدِّي القوة القسرية إلى أداء مرغوب فيه، ولكنَّها أيضًا قد تؤدِّي إلى استياء الأتباع ومقاومتهم.

القادة الجيِّدون -سواءً كانوا رسميين أم غير رسميين- يستغلُّون العديد من مصادر القوة، أمَّا القادة الذين يعتمدون على سلطتهم وقوتهم الشرعية فقط لا يكون تأثيرهم كافيًا لمساعدة مؤسساتهم وأعضائها على النجاح. يُدرك القادة الفعَّالون والمؤثِّرون أنَّ استخدام القوة القسرية غالبًا ما يؤدِّي إلى تقليل فعالية القوى الأخرى، وأنَّ استخدام القوة المرجعية غالبًا ما يؤدِّي إلى زيادة فعالية الأنواع الأخرى من القوى. ومن المعلوم أنَّنا نولي قيمة أكبر للمجاملات أو المكافآت التي نحصل عليها من شخص نحبُّه مقارنةً بتلك التي نحصل عليها من شخص لا نحبُّه، كما أنَّنا نكون أقل انزعاجًا من العقوبات التي نتلقَّاها من شخص نحبُّه (مثل الوالدين) مقارنةً بما قد نشعر به عندما نعاقب من قِبل شخص لا نحبُّه.

مجمل القول هو أنَّ نوع القوة التي يستخدمها القائد من أهم العوامل التي تُحدِّد مدى فعالية القيادة والتأثير الاجتماعي الذي يُمارسونه على أتباعهم ومرؤوسيهم. تزداد فعالية القائد عندما يمتثل له الأفراد بإرادتهم ورغبتهم، وغالبًا ما يحدث هذا عندما يكون تأثير القائد نابعًا من خصائصه الذاتية، مثل: عقلانيته أو خبرته أو حُسن أخلاقه أو قوته المرجعية.

تتعلَّق القيادة بوجود رؤية وبث تلك الرؤية للأتباع وإشعارهم بمدى أهميتها، ومن الوسائل التي قد يستخدمها القادة لجذب انتباه أتباعهم وإثارة عواطفهم وتوضيح المهام والتحديات التي قد تواجههم: أسلوب المخاطبة والمناقشة العقلانيّة وسرد القصص والخبرات السابقة وغيرها، تساعد هذه الوسائل القائد على التأثير على وجهات نظر أتباعه ودافعيتهم وسلوكياتهم.

أساليب القيادة القائمة على التأثير

لقد درس العديد من الكتاب والباحثين كيف بإمكان القادة استخدام القوى بما يتناسب مع متطلَّبات المواقف المختلفة. تُشير إحدى وُجهات النظر إلى أنَّ أعضاء وموظفي المؤسسات التقليدية يتوقَّعون أن يُبلَّغوا بما يجب عليهم القيام به، وهم مستعدُّون لاتباع التوجيهات الدقيقة. في المقابل، فإنَّ الأفراد الذين يُفضِّلون المؤسسات التي تسمح بمشاركة الموظفين وتفاعلهم على نطاق واسع يرغبون في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، ويتوقَّعون من قادتهم أن يسمحوا لهم بذلك، وهم مستعدُّون لتحمُّل مسؤوليّة قراراتهم وأعمالهم. نستنتج من ذلك أنَّ بإمكان القائد استخدام سلطته واستغلالها بطرق متنوعة.

نموذج تانينباوم وشميت

ابتكر العالمان تانينباوم وشميت في خمسينيات القرن العشرين ما يُعرف بنظرية الخط المستمر في القيادة، والتي تتدرَّج فيها أساليب القيادة من استخدام السلطة الاستبداديّة إلى إعطاء حرية كبيرة جدًّا للموظفين، وقد أدخل الباحثون بعد ذلك تعديلات على نموذج تانينبوم وشميت من خلال تصنيف أساليب القيادة إلى ثلاث فئات، هي: الاستبدادية (القائد هو مركز السلطة)، والتشاركية (يتشاور القائد مع الموظفين ويسمح لهم بالمشاركة)، والحكم الحر (تُسند المهام إلى أعضاء المجموعة والذين يُحدِّدون بأنفسهم كيف سيؤدُّون تلك المهام، ويتخلَّى القائد عن أداء أدواره القيادية).

Tannenbaum -Schmidt-continuum.jpg

نموذج تانينباوم وشميت (المصدر: مقتبس من «How to choose a leadership pattern»، تانينباوم وشميت، 1971. مجلة هارفارد بزنس ريفيو، ص 167)

نظرية X ونظرية Y

تفترض نظرية X ونظرية Y التي وُضعت من قِبل العالم الأمريكي دوغلاس ماكغريغور أنَّ هناك وجهتي نظر مختلفتين بشأن دوافع أفراد المؤسسة في العمل، وينشأ عن ذلك التفرّع الحاجة إلى أسلوبين مختلفين من القيادة. يفترض القادة الذين تنطبق عليهم نظرية X أنَّ الفرد أو الموظّف العادي لا يحب العمل ولا يستطيع توجيه نفسه والتحكُّم فيها أو أنه غير مؤهّلٍ لذلك، ولذلك يميلون إلى استخدام أسلوب قيادة يتَّسم بشدة السيطرة والرقابة. في المقابل، يفترض القادة الذين تنطبق عليهم نظرية Y أنَّ جميع الأفراد يمتلكون قدرات إبداعية كامنة ولديهم أيضًا الرغبة في توجيه أنفسهم والتحكُّم فيها، ولذلك غالبًا ما يمنحون أفراد المؤسسة مساحة كبيرة من حرية التصرُّف في عملهم ويشجِّعونهم على المشاركة في اتخاذ القرارات الإدارية والتنظيمية. يميل هؤلاء القادة أيضًا إلى استخدام أساليب القيادة القائمة على المشاركة وتبنّي الهياكل التنظيمية العضوية.

لا تقتصر نظرية X ونظرية Y على المجتمعات المتطوّرة فقط، وتشير الدلائل إلى أنَّ المديرين في مختلف أنحاء العالم لديهم نفس وجهتي النظر اللتان طرحناهما، إذ كشفت دراسة أُجريت على 3600 مدير في 14 دولة أنَّ معظم هؤلاء المديرين تتفق افتراضاتهم حول الطبيعة البشرية مع افتراضات نظريةX. على الرغم من أنَّ المديرين قد يُصرِّحون بأهمية الإدارة التشاركية ومميزاتها، إلا أنَّ معظمهم لا يثقون في قدرات موظفيهم على توجيه أنفسهم والتحكُّم فيها وعلى تقديم مساهمات إبداعية.

أساليب القيادة التوجيهية والتساهلية

من المعلوم أنَّ حل المشكلات يُعدُّ من الأدوار الإدارية والقيادية المهمة في العمليّة المؤسساتيّة، ولذلك اقترح جان موجيك وبرنارد رايمان من جامعة ولاية كليفلاند أربعة أساليب مختلفة للقيادة (موضَّحة في الشكل التالي) تدور حول اتخاذ القرارات وعمليات تنفيذ هذه القرارات.

Leadership-Behavior-Power.jpg

سلوك القائد واستخدامه للسلطة (المصدر: مقتبس من الدراسة «The case for directive leadership»، جان موجيك وبرنارد رايمان، 1987)

يستأثر الاستبدادي الموجِّه (directive autocrat) بالسلطة، ويتخذ قرارات أُحادية الجانب دون استشارة أحد، ويُشرف عن كثب على الأنشطة التي يؤدِّيها الموظفون. يكون أسلوب القيادة هذا مناسبًا عندما تتطلَّب الظروف اتخاذ قرارات سريعة وعندما يكون أعضاء المجموعة حديثي العهد أو قليلي الخبرة أو غير مُؤهلين. على سبيل المثال، قد يستخدم الطبيب المسؤول عن ملجأ بُني على عجل لإيواء ضحايا الإعصار هذا الأسلوب لقيادة المتطوعين غير الطبيين.

يتّخذ الاستبدادي المتساهل (permissive autocrat) القرارات لوحده ولكنَّه يتيح لأعضاء المجموعة حرية التصرُّف عند تنفيذ تلك القرارات. يُوصَى باستخدام أسلوب القيادة هذا عندما يكون الوقت المتاح لاتخاذ القرارات محدودًا، أو عندما تكون المهام المطلوبة روتينية، أو عندما يكون لدى أعضاء المجموعة الخبرة الكافية التي تُمكنِّهم من تحديد السلوكيات والإجراءات المناسبة.

يتيح الديمقراطي الموجِّه (directive democrat) لأعضاء المجموعة المشاركة في اتخاذ القرارات ويُشجِّعهم على ذلك، ولكنَّه يُمارس سلطته عليهم عندما يُنفِّذون الأعمال والمهام المطلوبة منهم ويُوجِّههم بشأن كيفية أدائها. هذا الأسلوب مناسب للاستخدام عندما تكون آراء الأتباع وأفكارهم مفيدة ولديهم قدرات إبداعيّة مميّزة في مجال عملٍ يتطلّب الإبداع، ولكنَّ الموقف أو العمل يتطلَّب أن يكون هناك شخص واحد مسؤول عن تنظيم عملية تنفيذ تلك الأفكار. على سبيل المثال، قد يسمح الجرَّاح لجميع أعضاء الفريق الجراحي بالمشاركة في وضع خطة إجراء العملية الجراحية، ولكنَّه يُصبح مسؤولًا تمامًا عن سير العمل بمجرد البدء في تنفيذ العملية الجراحية.

يتقاسم الديمقراطي المتساهل (permissive democrat) السلطة مع أعضاء المجموعة، ويحثُّهم على المشاركة في اتخاذ القرارات وتحديد طريقة تنفيذها. هذا الأسلوب مناسب للاستخدام عندما يترتَّب على عملية المشاركة قيمة معلوماتية وتحفيزية، وعندما يتوفَّر الوقت الكافي لاتخاذ قرارات جماعية، وعندما يكون بإمكان أعضاء المجموعة تحسين جودة عملية اتخاذ القرارات، وعندما يكون بإمكانهم أيضًا إدارة أنفسهم والتحكُّم فيها أثناء تنفيذ خطط العمل.

يُشاع استخدام الأسلوب الديمقراطي المتساهل في المؤسسات التي تسمح بمشاركة الموظفين على نطاق واسع، ويكون القادة في هذه الحالة هم حلقات الوصل ومركز الاستشارة والمرجعيّة للأفراد، ويكونون مُيسِّرين ومديري نزاعات وملهمين ومدربين ومعلمين وموجهين ومشجعين. من الأمثلة على القادة الذين يستخدمون هذا الأسلوب رالف ستاير (Ralph Stayer) الذي يُعدُّ المؤسِّس والمالك والمدير التنفيذي لشركة (Johnsonville Foods)، وهو يصف نفسه بأنَّه فيلسوف شركته. يُعدُّ هاري كوادراتشي (Harry V. Quadracci) -مؤسِّس شركة (Quad/Graphics)- أيضًا من النوع الديمقراطيّ المُتساهل، إذ إنَّه يُشجِّع جميع الموظفين في الشركة على المشاركة الفعَّالة في اتخاذ القرارات وتنفيذها ويتيح لهم العمل باستقلالية وإظهار قدراتهم الكامنة بهدف تحقيق أهداف الشركة.

Jeff-Bezos.jpg

يظهر في الصورة جيف بيزوس -المؤسِّس والرئيس التنفيذي لشركة أمازون- الذي اعتاد على إحضار كرسي فارغ في المقابلات لتذكير المشاركين بأهمية فئة الزبائن التي لا تحضر هذه المقابلات، وقد استبدل الكرسي الفارغ بموظفين يحملون المسمَّى الوظيفي «Customer Experience Bar Raisers».

ترجمة -وبتصرف- للفصل Types of Leaders and Leader Emergence من كتاب Principles of Management



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء




يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن