مبادئ الإدارة المبادئ الأخلاقية واتخاذ القرارات المسؤولة


هيفاء علي

ما هي المبادئ الأخلاقية الأساسية التي يمكن أن توجِّه سلوك الأفراد والمؤسسات؟ قبل أن ننتقل إلى الحديث عن الأخلاق على مستوى المؤسسات، سوف نتحدَّث عن المبادئ الأخلاقية المرتبطة بالقرارات التي يتخذها الأفراد والمؤسسات والجهات المعنيَّة الأخرى التي تختار التصرُّف بطرق قائمة على المبادئ والمسؤولية تجاه الآخرين.

يكمن الاختلاف بين المبادئ الأخلاقية والقيم في أنَّ المبادئ الأخلاقية تعدُّ قواعدًا أكثر ثباتًا وانتشارًا، في حين تتَّسم القيم بأنَّها تميل لتكون ذات طابع شخصي وغير موضوعي ويمكن أن تتغيَّر بمرور الزمن. إنَّ المبادئ تؤثِّر على القيم، ويعود أصل المبادئ المذكورة في هذا المقال إلى أفلاطون وسقراط وحتى إلى الجماعات الدينية القديمة. يُمكن الجمع بين هذه المبادئ، كما يمكن استخدام مبادئ مختلفة في المواقف المختلفة.

تشمل المبادئ والتوجّهات التي سنتناولها: النفعية، والشمولية، والحقوق القانونية والأخلاقية، والعدالة، والأخلاق الفضيلة، والصالح العام، والنسبية الأخلاقية. اسأل نفسك عندما تقرأ شرح كل مبدأ من هذه المبادئ عمَّا إذا كان يساهم في تشكيل قيمك ومعتقداتك وتصرُّفاتك وأفعالك.

من الجيِّد أيضًا أن تحدِّد المبادئ التي تسيّر أفعالك وتصرّفاتك والمبادئ التي تطمح إلى أن تستخدمها أكثر والأسباب التي تدفعك إلى ذلك. قد يساعدك تبنّي واحد أو أكثر من هذه المبادئ والأساليب الأخلاقية على دراسة الخيارات المتاحة قبل اتخاذ أي قرار أو إيجاد حل لأي معضلة أخلاقية، كما قد تساعدك معرفة هذه المبادئ على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى الالتزام بمبادئ الفريق أو المجموعة أو المؤسسة التي أنت بصدد الانضمام إليها.

من المهم أيضًا استخدام الإبداع عند دراسة القرارات الأخلاقية الصعبة وعندما يبدو أنَّ هناك طريقتين صحيحتين في بعض الأحيان للتصرُّف في موقف معين أو عندما يبدو أنَّه ليس هناك أي خيار صحيح أخلاقيًا، والذي قد يكون مؤشّرًا إلى أن عدم التوصّل إلى قرار وإلغاء اتّخاذ القرار في بادئ الأمر، بالطبع ما لم يحمل عدم التصرّف واتّخاذ القرار في طيّاته ضررًا أكبر من اتّخاذ القرار نفسه.

النفعية: مبدأ العواقبية "الغاية تبرر الوسيلة"

ينصُّ مبدأ النفعية (utilitarianism) في الأساس على أنَّ التصرُّف يكون صحيحًا من الناحية الأخلاقية إذا كان ينتج عنه أعظم منفعة لأكبر عدد من الناس، كما يمكن أن نقول بأنَّ التصرُّف يكون صحيحًا من الناحية الأخلاقية إذا كانت محصّلة المنفعة والنتائج الإيجابية الناجمة عنه بالنسبة لجميع الأشخاص المتأثرين به أكبر من المنفعة المرجوّة من باقي الخيارات والقرارات المُحتملة.. يعدُّ هذا المبدأ -كما هو حال المبادئ الأخرى- واسعًا ومتشعّبًا بطبيعته ويبدو مجرَّدًا إلى حدٍ ما. لكل مبدأ منطقه الخاص، ويتَّضح هذا المبدأ والمبادئ الأخرى عند استعراض تفاصيل ووقائع الموقف الذي يُستخدم فيه ويكون هناك حاجة إلى اتخاذ قرار.

من أوجه القصور لهذا المبدأ أنَّه لا يراعي الأفراد، كما لا يوجد إجماع موّحد بين من تبنّوا هذا المبدأ على تحديد «النافع لجميع أصحاب المصلحة». بالإضافة إلى ذلك، من الصعب قياس وموازنة «التكاليف والمنافع» بدقة عند اتّخاذ القرارات الأخلاقيّة. إنَّ هذا المبدأ من المبادئ الأكثر استخدامًا من قِبل الشركات والمؤسسات والدول والأفراد على الرغم من أوجه القصور المصاحبة له. يمكن تطبيق هذا المبدأ عادةً عند ندرة الموارد أو تضارب الأولويات أو عند عدم وجود خيار واضح يلبِّي احتياجات جميع الأطراف أو عند اتخاذ قرار يحقِّق أكبر الفوائد وأقل الخسائر.

الشمولية: مبدأ المسؤولية تجاه المجتمع

يضع مبدأ الشمولية (universalism) مصالح جميع الأطراف المعنيّة والمخاطر التي قد تواجههم بالحسبان عند التفكير في النتائج والقرارات المتعلِّقة بالسياسات، كما يقوم على تحديد احتياجات الأفراد المعنيين بالقرارات إلى جانب الخيارات المتاحة أمامهم والمعلومات التي يحتاجونها لحماية مصالحهم. يقتضي هذا المبدأ الاهتمام بالبشر واحتياجاتهم وقيمهم، إذ أنَّه ليس طريقة لاتخاذ القرار فحسب؛ بل هو توجّه شامل يتضمَّن الانتباه إلى الجانب الإنساني للأفراد والجماعات عند اتخاذ قرار ما.

لقد كتب الأساتذة براين كوبر وجوزيف سانتورا وجيمس ساروس أنَّ «الشمولية هي التعبير الظاهري للشخصية القيادية وتتجلَّى في احترام الآخرين والعدل وحُسن التعاون والرحمة والتقدير والتواضع». يسعى القادة في «الشركات الأكثر أخلاقية في العالم» إلى خلق بيئة عمل أخلاقية في مستوى القيادة العليا لتجسيد مبادئ الشمولية والسلوك الأخلاقي في ممارساتهم أثناء العمل والإدارة، ومن هؤلاء القادة الذين جسّدوا هذه المبادئ من خلال قراراتهم وأعمالهم: هوارد شولتز مؤسِّس شركة ستاربكس، وجيمس سينيجال المؤسِّس المشارك لشركة كوستكو، وشيرل ساندبيرج مديرة العمليات في شركة فيسبوك، وأورسولا بيرنز الرئيس التنفيذي لشركة زيروكس.

من أوجه القصور أنَّ استخدام هذا المبدأ قد لا يكون واقعيًا أو قابلًا للتطبيق في جميع المواقف، كما أنَّ استخدامه قد يتطلَّب التضحية بحياة إنسان لمساعدة الآخرين أو حمايتهم ويبدو أنَّ هذا يتعارض مع المبدأ نفسه. يصوِّر فيلم «The Post» كيف ورثت ابنة مؤسِّس صحيفة واشنطن بوست المشهورة منصب الرئيس التنفيذي عن والدها وكيف واجهت قرارًا مصيريًّا وأخلاقيًّا اضطرت فيه إلى الاختيار ما بين نشر وثائق سرية تفضح تورُّط الحكومة الأمريكية في حرب فيتنام أو التزام الصمت وحماية الصحيفة من تعرُّضها للإغلاق. لقد حوت الوثائق السرية معلومات تُثبت كذب الجنرالات وكبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية على عامة الشعب بخصوص الموقف الحقيقي للولايات المتحدة في حرب فيتنام، وقد كشفت هذه الوثائق أنَّ هناك شكوكًا حول إمكانية كسب الحرب مع استمرار موت آلاف الشباب الأمريكيين أثناء القتال.

لقد تركَّزت المعضلة التي واجهت الرئيس التنفيذي لصحيفة واشنطن بوست في الحاجة إلى الاختيار ما بين كشف الحقيقة استنادًا إلى الحق في التعبير عن الرأي -وهو رسالة الصحيفة والأساس الذي تقوم عليه- أو البقاء صامتة وإخفاء المعلومات السرية، ولكنَّها اختارت نشر تلك الوثائق السرية لعامة الشعب بدعم من هيئة التحرير التابعة لها في الصحيفة وحثِّهم لها على ذلك، وقد أيَّدت المحكمة العليا هذا القرار.

كانت النتيجة اشتعال الاحتجاجات الشعبية الواسعة من قِبل الشباب الأمريكي وغيرهم، واضطرار الرئيس الأمريكي جونسون إلى التنحِّي عن منصبه وقيام وزير الدفاع ماكنمارا بالاعتذار لاحقًا وانتهاء الحرب وانسحاب القوات الأمريكية من فيتنام. إذًا، هنالك العديد من الصعوبات التي قد تنتج عن استخدام مبدأ الشمولية في المواقف المعقَّدة، إلّا أن هذا المبدأ من شأنه أن ينقذ الكثير من الأرواح البريئة ويحافظ على نزاهة الأمة ويُوقف التدمير العبثي.

الحقوق القانونية والأخلاقية

الحقوق القانونية (Legal rights) هي الحقوق التي تكون مقصورة على نظام قانوني معيَّن وسلطة قضائية محدّدة. على سبيل المثال، يعدُّ الدستور ووثيقة إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة الأساس الذي تقوم عليه الحقوق القانونية للمواطنين مثل الحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة وحرية التعبير. في المقابل، فإنَّ الحقوق المعنوية العامة (أو الإنسانية)هي حقوق عالمية وتستند إلى معايير سلوكية ثابتة في كل المجتمعات مثل: الحق في عدم التعرض للعبودية والحق في العمل.

بإنكامك توسيع نطاق فهمك واستيعابك لفكرة الحقوق المتعلِّقة بالأفراد في مكان العمل من خلال الدخول إلى القائمة السنوية لأفضل الشركات للعمل Best Companies to Work For، إذ يمكنك الاطلاع على سياسات القادة والمؤسسات المرتبطة بالممارسات والامتيازات والتنوُّع والتعويضات بالإضافة إلى الإحصاءات المتعلِّقة بالمزايا والاستحقاقات التي يحصل عليها الموظفون. تقدِّم قائمة «الشركات الأكثر أخلاقية في العالم» أيضًا أمثلة على الحقوق القانونية والأخلاقية المرتبطة بالعاملين وأماكن العمل. يُوظّف هذا المبدأ -كما هو الحال مع مبدأ الشمولية- عندما يكون يتوجّب على الأفراد أو المجموعات أو الدول اتخاذ قرارات معقّدة تكون على حافّة انتهاك أو الإضرار بالقيم أو الحقوق الإنسانية مثل الحق في الحياة والحرية وغيرها.

من أوجه قصور استخدام هذا المبدأ ما يلي:

  1. يمكن أن يُستخدم للتستُّر على المصالح السياسية الأنانية والجائرة.
  2. صعوبة تحديد ما يستحقه كل طرف عندما يكون الطرفان على حق.
  3. يمكن أن يتجاوز بعض الأفراد الحد في استحقاقات معينة على حساب الآخرين.

العدالة: الإجراءات العادلة، مبدأ التعويض والجزاء

يتضمَّن هذا المبدأ أربع مكونات أساسيّة تستند إلى ما يلي:

  1. ينبغي المساواة في المعاملة بين جميع الأفراد.
  2. تتحقَّق العدالة عندما يحصل جميع الأفراد على فرص ومزايا متكافئة.
  3. ينبغي مراعاة تحقيق العدل في القرارات والإجراءات والاتفاقيات بين الأطراف.
  4. يُطبَّق العقاب على من يُلحق الأذى بالآخرين، ويُعطى تعويض لمن تعرَّض للأذى أو الظلم.

يُمكن تلخيص كيفية تطبيق هذا المبدأ عند مواجهة معضلة أخلاقية عن طريق طرح الأسئلة البسيطة التالية بخصوص الإجراء أو القرار المقترح:

  1. هل هو عادل؟
  2. هل هو صائب؟
  3. من سيتأذَّى بسببه؟
  4. من يتوجَّب عليه أن يتحمَّل مسؤولية العواقب؟
  5. هل أرغب/نرغب في تحمُّل مسؤولية العواقب؟

من المفيد التأمُّل في عدد الكوارث والأزمات التي كان من الممكن منع حدوثها لو فكَّر قادة الشركات وأصحاب المصلحة مليًّا في هذه الأسئلة قبل الشروع في اتخاذ قرار. على سبيل المثال، كان من الممكن أن تمنع الإجراءات الوقائية -المتمثِّلة في تجديد المعدَّات والآلات في كل من شركة بريتيش بتروليوم (BP) وشركة إيكسون فالديز- من حدوث كوارث التسرُّب النفطي فيهما، كما أنَّ التزام البنوك الاستثمارية ومؤسسات الإقراض بالقوانين التي تنصُّ على عدم بيع الرهون العقارية التي لا يمكن تسديدها يمكن أن يحمي الاقتصاد العالمي من الانهيار الوشيك.

تنطوي أوجه قصور استخدام هذا المبدأ على أنَّ الأمور والمواقف قد تخضع لوجهات نظر مختلفة وأنَّه لا يوجد هناك جهة معينة يمكن يُمكن الرجوع إليها في المواقف المعقَّدة من أجل تحديد المصيب والمخطئ وتحديد الأطراف المتضرِّرة. يحدث ذلك عند عدم توفُّر الحقائق وعدم وجود حكومة فدرالية أو سلطة قضائية خارجية موضوعية وحياديّة. قد نواجه أيضًا في بعض الأحيان مسألة تحديد الجهة التي تمتلك السلطة والصلاحية لإيقاع العقاب وتحديد من سيدفع التعويضات ومن سيستلمها. على الرغم من ذلك، يعدُّ مبدأ العدالة -مثله مثل المبادئ الأخرى المذكورة في هذا المقال- الحجر الأساس في بناء وإرساء الأنظمة الديمقراطية والحريات الشخصيّة.

الأخلاق الفضيلة: الأخلاق النابعة من الفطرة السليمة

تستند الأخلاق الفضيلة إلى السمات الشخصية مثل الصدق والحكمة العملية والسعادة والازدهار والرضا، وتركِّز على نمط الشخصية والأخلاق والقيم التي يتوجَّب علينا التحلِّي بها وليس على أفعال معينة ينبغي القيام بها. يترسَّخ هذا المبدأ بحسن الخلق والدوافع والقيم الأساسية، وإنَّ أفضل من يجسِّده هم الأشخاص الذين يتحلَّون بالفضائل المرغوبة. إنَّ صاحب الشخصية الجيِّدة هو الشخص الخلوق الذي يتصرَّف بطريقة أخلاقية ويشعر بالرضا والسعادة على إثر ذلك. يعدُّ الإيثار أيضًا جزءًا من شخصية صاحب الأخلاق الفضيلة، كما أنَّ الحكمة العملية مطلوبة في معظم الأحيان.

مبدأ الأخلاق الفضيلة وثيق الصلة بمبدأ الشمولية الذي ذكرناه سابًقا، والجدير بالذكر أنَّ شخصيات وأفعال العديد من القادة تشكِّل نموذجًا حيًّا للأخلاق الفضيلة، وخير مثال على ذلك هو رجل الأعمال المشهور وارن بافت والذي يُعدُّ رمزًا للشخصية الجيِّدة التي تتَّصف بالحكمة العملية والقيم الأخلاقيّة التي منحته ثقةً وتقديرًا كبيرًا في الأوساط المختلفة. يمكن تطبيق هذا المبدأ من خلال طرح السؤال التالي قبل القيام بأي تصرُّف أو اتخاذ أي قرار: فيما لو تركت عجلة القيادة لشخصيّتي الطيّبة، كيف كانت للتصرّف في هذا الموقف؟» من الممكن أن يتساءل آخرون عمَّا قد يفعله شخص آخر يعرفونه أو يحترمونه جدًّا.

من أوجه قصور هذا المبدأ أنَّ بعض الأفراد قد لا يرون في طِباع الشخص الجيّد، الذي اتّخذوه قدوةً، حلًا مناسبًا في مواقف معيّنة، ممَّا يجعلهم يرفضون الاحتذاء بشخصية ذلك الشخص في تِلك المواقف، كما أنَّ هناك جدلًا حول الجهة التي تحدِّد التصرّف الصحيح (الفاضل) خاصةً في المواقف المعقَّدة التي تتطلَّب وجود معلومات واقعية ومعايير موضوعية لاتخاذ القرار الأمثل.

الصالح العام

يُعرَّف الصالح العام بأنَّه «مجموع ظروف الحياة الاجتماعية التي تمكِّن المجموعات والأفراد من الوصول الشامل والمباشر إلى تحقيق ذواتهم». يجب على صنَّاع القرار أن يضعوا بالحسبان نواياهم وآثار أفعالهم وقراراتهم على المجتمع إلى جانب الصالح العام لمختلف الأطراف فيه.

إنَّ تحديد القرارات وبناءها وفق مُقتضى الصالح العام يتطلَّب منا ألَّا نؤثر أنفسنا ومصالحنا على مصالح الآخرين وأن نضع مصالحهم بالحسبان عند تحديد أهداف واتخاذ إجراءات. يمكن تطبيق مبدأ الصالح العام عن طريق طرح السؤال البسيط التالي: «كيف سيؤثِّر هذا القرار أو التصرُّف على البيئة الفيزيائية والثقافية والاجتماعية التي سأعيش بها أنا وعائلتي وأصدقائي والآخرين الآن وخلال الأسبوع القادم وما بعد ذلك؟»

من أوجه القصور الرئيسية لاستخدام هذا المبدأ تحديد الجهة التي تقرِّر أين يكمن الصالح العام في المواقف التي يختلف فيها طرفان أو أكثر بشأن تحديد الطرف الذي انتُهكت مصالحه. من الصعب في المجتمعات التي تقوم على الفردية والرأسمالية في العديد من الحالات أن يتخلَّى الأفراد عن مصالحهم ومنافعهم الماديّة - في قراراتهم- مقابل الصالح العام الذي قد يعني عدم عودتها بالنفع عليهم أو حتى حرمانهم من الانتفاع من تِلك القرارات.

النسبية الأخلاقية: التوجه الشخصي للأخلاق

إنَّ النسبية الأخلاقية في الحقيقة ليست مبدأً يُمكن اتباعه؛ بل هو توجُّه يستخدمه العديد من الناس في كثير من الأحيان. تنصُّ النسبية الأخلاقية على أنَّ الناس يضعون معايير أخلاقية خاصة بهم للحكم على أفعالهم، وأنَّ مصالح الفرد الذاتية وقيمه هي الدافع الأساسي لتصرّفاته وسلوكيّاته وقراراته. بمعنى آخر تختلف المعايير الأخلاقية وفقًا لهذا المبدأ من ثقافة إلى أخرى، وكما تقول الحكمة: «دارِهم ما دمت في دارهم، وأَرْضِهِم ما دمت في أرضهم .»

تتضمَّن أوجه القصور الواضحة لمبدأ النسبية إمكانية أن تتعارض أفكار الفرد ومصالحه الشخصية مع الحقائق والوقائع، كما يمكن أن يصبح أتباع هذا المبدأ مؤيِّدين للحكم المطلق أو متعصِّبين لمعتقداتهم، ويمكن أن تنشأ أنظمة ديكتاتورية واستبدادية تمارس مختلف أشكال العبودية والاستغلال لأعداد كبيرة من الناس نتيجة لقيام الدول والثقافات بتبنِّي هذا التوجُّه.

على سبيل المثال، فرض الحزب الوطني لجنوب أفريقيا في عام 1948 سياسة الفصل العنصري والتمييز ضد السود، واستمرت هذه السياسة حتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين عندما تفاوضت عدة أطراف بشأن إلغائه بدعمٍ كبير من نيلسون مانديلا. قبل حلَّ ذلك النظام العنصري في جنواب افريقيا كان على الشركات العالمية التي تدير أعمالًا تجارية فيها أن تلتزم بسياسة الفصل العنصري السائدة والقيم السلبية وغير الأخلاقية التي تنطوي عليها، كما مارست الروابط الاجتماعية المناهضة لسياسة الفصل ضغوطاتٍ على العديد من الشركات في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها في الثمانينيات من القرن العشرين فيما يتعلَّق باستمرار ممارستها لأعمالها التجارية أو ترك العمل بشكل كامل في جنوب أفريقيا.

مما نستنتجه من سوق المبادئ الأخلاقية السابقة أن المبادئ والقيم توفّر مصدرًا للثبات وضبط النفس على مستوى الأفراد، كما تؤثِّر أيضًا على الأداء والرضا الوظيفي. في المقابل، فإنَّ القيادة القائمة على القيم والمبادئ الأخلاقية تؤثِّربشكلٍ إيجابي على الثقافات وتحفِّز على الأداء والسلوك الأخلاقي على المستوى التنظيمي العام في المؤسّسة. سنناقش في القسم التالي من هذا سلسلة مقالات في هذا الصدد كيف تؤثِّر القيادة الأخلاقية في قمة الهرم الإداري في المؤسسة وفي جميع مستوياتها على التصرُّفات والسلوكيات الأخلاقية فيها.

ترجمة -وبتصرف- للفصل Ethical Principles and Responsible Decision-Making من كتاب Principles of Management





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن