مبادئ الإدارة القيادة والأخلاق على مستوى المؤسسات


هيفاء علي

لماذا تعدُّ القيادة الأخلاقية مهمة في المؤسسات؟ إنَّ القيادة التي تعتمد على تحديد الغايات والقيم الأخلاقية ضرورية من أجل التوافق الداخلي للمؤسسات وفعالية الأسواق الخارجية والمسؤولية تجاه أصحاب المصلحة. عرَّف الباحث شيستر برنارد في عام 1939 منهج القيادة القائمة على القيم الأخلاقية بأنَّه منهج يبعث على «اتخاذ قرارات شخصية تعاونية من خلال تكوين إيمان بالفهم المشترك وباحتمالية النجاح وبالرضا التام عن الدوافع الشخصية وبتكامل الهدف المشترك.» يوضِّح الشكل التالي أنَّ الرؤية والرسالة والقيم أساسية في تحديد وتطبيق الاستراتيجيات والعمليات والتوافق المؤسساتي، ويعدُّ ذلك جزءًا مهمًا من القيادة.

Strategic-Organizational-Alignment.jpg

التوافق المؤسساتي الاستراتيجي (المصدر: جوزيف وايس، © 2014)

تُعرَّف القيادة بأنَّها القدرة على التأثير على المرؤوسين لتحقيق الأهداف والغايات المشتركة. إنَّ القادة التنظيميين مسؤولون أمام الجهات المرتبطة بالمؤسسة من أصحاب المصالح والمساهمين والموظفين في ما يتعلّق بتحقيق أهداف المؤسسة، وتعتمد درجة التزامهم بالمسؤولية والأخلاق عند قيامهم بذلك على عدة عوامل. تعدُّ قيم القائد مهمَّة من ناحية الأخلاق والفعالية لأنَّها عادةً ما تصبح القيم التي تتبنَّاها المؤسسة ككل.

يُشار إلى التأثير الذي يولّده قادة المؤسسات بمصطلح "التأثير الإداري"، وعلى الرغم من أنَّ قيم القائد ينبغي أن تتوافق مع قيم المؤسسة ورؤيتها ورسالتها، إلّا أن ذلك قد لا يحدث دائمًا كما رأينا في الأزمات المؤسساتيّة الأخلاقية التي ناقشناها سابقًا والتي أدَّت إلى إخفاق شركات مثل إنرون وتايكو وورلد كوم وويلز فارجو وغيرها من الشركات البارزة.

على الرغم من أنَّ القيادة من أهم العناصر التي تحدِّد معالم استراتيجية المؤسسة وثقافتها ونظام الحكم فيها؛ إلّا أنّها غالبًا ما تكون مسؤولية مشتركة بين المسؤولين والمرؤوسين في مختلف مستويات المؤسسة وهي ليست حكرًا على فرد معيّن. على سبيل المثال، يستخدم معهد إثيسفير المشهور -وهو مؤسسة خاصة تقيِّم سلوكيات ومسؤوليات الشركات من الناحية الأخلاقية والاجتماعية- خمسة معايير لتقييم البعد الأخلاقي والخروج برقم يمثّل المعيار الأخلاقي للمؤسسة (EQ)، هذه المعايير الخمس هي:

  • المعيار الأول: برنامج الأخلاقيات والامتثال الخاص بالشركة، ويمثِّل 35% من المعيار الأخلاقي (EQ).
  • المعيار الثاني: درجة رسوخ الأخلاق في ثقافة الشركة.
  • المعيار الثالث: مواطنة ومسؤولية الشركة. يقيس هذا المعيار تأثير ووقع قرارات المؤسسة على المحيط الاجتماعي.
  • المعيار الرابع: يرتبط بحوكمة الشركة وما إذا كان منصبا الرئيس التنفيذي للشركة ورئيس مجلس الإدارة يشغلهما شخص واحد أم شخصان مختلفان. حيث تزايد الوعي الاجتماعي في الآونة الأخيرة حول ضرورة وجود التنوُّع في المناصب القيادية.
  • المعيار الخامس: القيادة والابتكار والسُمعة.

ذكر معهد إثيسفير أنَّه تمَّ تكريم 124 شركة في عام 2017 من 5 قارات و19 دولة و52 قطاعًا مختلفًا من قطاعات الأعمال، ومن بين تلك الشركات 13 شركة حصلت على التكريم إحدى عشرة مرة و8 شركات حصلت على التكريم لأول مرة في ذلك العام. تتضمَّن الشركات الحاصلة على التكريم تِلك الشركات التي كان لها دور كبير في إحداث تغييرات إيجابية في أوساط الأعمال والأوساط الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم، كما تضع هذه الشركات تأثيرات ونتائج ما تقوم به من أفعال وقرارات على الموظفين والمستثمرين والزبائن وغيرهم من أصحاب المصلحة بالحسبان وتتبنّى القيم وثقافة النزاهة كأساس للقرارات التي تتخذها يوميًا. يوضِّح الجدول التالي أفضل 10 شركات أخلاقية في عام 2017 وفق معايير معهد إثيسفير.

الشركات الأكثر أخلاقية في العالم
الشركة المجال الدولة
شركة ثري إم الصناعات التحويلية الولايات المتحدة الأمريكية
أكسنتشر الخدمات الاستشارية إيرلندا
أفلاك إنكوربوريتد التأمين على الحياة الولايات المتحدة الأمريكية
أولستيت التأمين على الممتلكات الولايات المتحدة الأمريكية
شركة أليسكا لخدمات خطوط الأنابيب النفط والغاز ومصادر الطاقة المتجددة الولايات المتحدة الأمريكية
شركة أبلايد ماتيريالز الإلكترونيات وصناعة أنصاف النواقل الولايات المتحدة الأمريكية
شركة آرثر جالاغر وشركاه وسطاء تأمين الولايات المتحدة الأمريكية
شركة آفنت الإلكترونيات وصناعة أنصاف النواقل الولايات المتحدة الأمريكية
بابتست هيلث في جنوب فلوريدا الرعاية الصحية الولايات المتحدة الأمريكية
المصدر: مقتبس من معهد إثيسفير عام 2017،https://www.worldsmostethicalcompanies.com/honorees

 

إنَّ الموثوقية والنزاهة بالإضافة إلى القيم والمبادئ الأخلاقية هي عناصر مهمة لشخصية القادة الأخلاقيين وسلوكياتهم وينبغي أن تُترجم على هيئة تصرُّفات وأفعال تجاه الموظفين والشركاء أصحاب المصلحة والمجتمعات ككل. يقع على عاتق القادة أيضًا مسؤولية إظهار الاحترام تجاه الآخرين ومعاملة جميع أصحاب المصلحة بإنصاف والسعي دومًا للعمل من أجل الصالح العام وبناء مجتمع أفضل والتحلِّي بالصدق والأمانة في مختلف المواقف. يساهم التحلِّي بهذه الأخلاق الفضيلة في خلق بيئة عمل أخلاقية في جميع أجزاء ومستويات المؤسسة.

احترام الآخرين

إنَّ احترام الآخرين يتطلَّب من القادة أن يدركوا القيمة الجوهرية للآخرين وأن يعاملوا الناس بطيب نيّة دون استغلالهم، إذ ينبغي النظر إلى الأشخاص على أنَّهم ذوو قيمة لأنَّهم بشر وليس بسبب ما يستطيعون تقديمه للآخرين أو بسبب قدرتهم على مساعدة الآخرين على التقدُّم فحسب. ينطوي احترام الآخرين على مراعاة الفروق الفردية ومنحهم حرية التفكير بطريقة مستقلة والسماح لهم بالعمل كأفراد والسعي إلى تحقيق أهدافهم الخاصة، إذ يزداد شعور الموظفين بأهميتهم وتزداد كذلك ثقتهم بأنفسهم عندما يُظهر القائد احترامه لهم من خلال منحهم الاستقلالية، وغالبًا ما يؤدِّي ذلك إلى زيادة ولاء الموظفين وإنتاجيتهم.

معاملة جميع أصحاب المصلحة بإنصاف

يسعى القادة الأخلاقيون جاهدين إلى معاملة جميع من قد يتأثَّرون بقراراتهم بطريقة مُنصفة وعادلة، كما أنَّ المساواة أيضًا هي من أولوياتهم وينبغي أن تكون عاملًا بارزًا في عملية اتخاذ القرارات. يجب على القادة الأخلاقيين أن يُحجموا عن معاملة البعض معاملة خاصَّة حتى لا يشعر الآخرون بأنَّهم منبوذون وحتى لا تتولَّد الضغينة بين الأفراد بسبب التفرقة في المعاملة. هناك استثناء واحد لهذه القاعدة وهي عندما يكون الفرد مستحقًّا للمعاملة الخاصة من أجل تحقيق العدل.

ليس من السهل دائمًا منع شعور الموظفين بوجود تمييز، إذ تتطلَّب بعض المواقف توزيع المزايا والأعباء، وتختبر هذه المواقف مدى قدرة القائد وحرصه على تحقيق العدل. لقد حدَّد توم بوشامب ونورمان باوي المبادئ المشتركة التي تُرشد القادة الذين يواجهون مثل تلك المعضلات، ويمكن لهذه المبادئ أن تساعج القادة على توزيع المسؤوليات بعدل وإنصاف. تنصُّ هذه المبادئ على أنَّه يجب أن يحصل كل شخص على فُرصٍ متساوية وفقًا لاحتياجاته وحقوقه وجهوده ومساهماته المجتمعية وأدائه.

العمل من أجل الصالح العام

يقدِّم المهاتما غاندي مثالاً على ما ينطوي عليه مبدأ السعي لتحقيق الصالح العام، إذ أمضى هذا الزعيم الهندي -المعروف بالتزامه بالاحتجاجات السلمية والعصيان المدني الشامل- 20 عامًا في جنوب أفريقيا وهو يعترض على التشريعات التي تميز ضد الهنود، وأمضى بقية حياته في الهند يناضل من أجل الاستقلال عن الاستعمار الأجنبي ويعمل على الحد من الفقر والضرائب وعلى تحرير النساء وإنهاء كافّة أشكال التمييز العنصري. لم يناضل غاندي من أجل تلك القضايا لتحقيق منافع شخصية؛ بل فعل ذلك يُحرر الناس من الظُلم والاستغلال تحقيقًا لمصلحة عامّة نبيلة. لقد كرَّس غاندي حياته لدعم القضايا الاجتماعية التي يؤمن بها وتحوَّلت غاياته وتوجُّهاته إلى مبادئ أخلاقية مجتمعية ثمَّ عالمية.

يسعى القادة الأخلاقيون إلى تحقيق أهداف اجتماعية ومؤسسية أعظم من تلك الأهداف الفرديّة الخاصّة، وتقتضي هذه المسؤولية أن يقدِّم خدمة أكبر عن طريق الاهتمام باحتياجات الآخرين. هذا السلوك مثال على الإيثار والتفاني والذي يتمثّل في تسخير الطاقات والقدرات الشخصيّة من أجل تحقيق أهداف الآخرين وطموحاتهم. قد يتجلَّى الإيثار في المؤسسة في التوجيه والتمكين والتشجيع وتكوين الفِرق وسلوكيات المواطنة والاهتمام بمصالح الآخرين وغيرها.

بناء المجتمع

تشتهر سلسلة متاجر هول فودز -التي اشترتها أمازون مؤخَّرًا- ببرامج التوعية المجتمعية على كل من النطاق المحلي والعالمي، ويتبرع كل متجر منها لبنوك الطعام والملاجئ، كما تتبرَّع بنسبة 5% من صافي المبيعات اليومية للمؤسسات المحلية غير الربحية أو التعليمية، وقد أنشأت هذه الشركة مؤسّسة تابعة لها تحت مسمّى هول بلانت (Whole Planet) وذلك بهدف مكافحة الجوع حول العالم، تدعم هذه المؤسسة البرامج التي تعالج قضايا اجتماعية نبيلة مثل الرفق بالحيوان والتغذية وطرق الإنتاج الصديقة للبيئة.

تعدُّ هذه الجهود التي تبذلها سلسلة متاجر هول فودز في دعم المناطق المحلية والعالمية المجاورة لمتاجرها مثالًا ممتازًا عن التنظيمات الأخلاقيّة التي تسعى جاهدةً لبناء مُتجمع أفضل وتحقيق المصلحة العامة. عندما يتمحور تركيز القائد الأخلاقي على احتياجات الآخرين بدلًا من نفسه، فإنَّ الآخرين سوف يحذون حذوه في غالب الأحيان، ويمكن أن يؤدِّي هذا إلى وجود مجموعة قوية من الموظّفين والمساعدين المخلصين حوله، والذين يعملون مع القائد من أجل تحقيق الأهداف المشتركة المتوافقة مع رغبات جميع أصحاب المصلحة.

السعي إلى تحقيق الهدف المشترك معناه أنَّه لا يمكن لأي شخص أن يعطي الأولوية لاحتياجاته الخاصة على حساب أهداف المجموعة، وبشكل مشابه فإن المدير الأخلاقي لا يمكنه فرض سيطرته على الآخرين. إنَّ الرئيس التنفيذي الناجح الذي يعمل مع العديد من الجمعيات الخيرية أو الأفراد لإطعام من لا مأوى له يعدُّ نموذجًا مثاليًّا على القائد الذي يساهم في بناء المجتمع.

التحلي بالأمانة

الأمانة صفة نبيلة تحظى بقّبول معظم المجتمعات على اختلاف ثقافاتها وقيَمها، إلّا أن تحلي الفرد بصفة الأمانة لا يكون له معيارٌ ثابتٌ دائمًا، فالأمانة لا تقتصر فقط على قول الصدق وتجنّب الخداع أو الكذب؛ ؛ بل تتطلَّب من القادة أيضًا أن يكونوا صريحين وواضحين قدر الاستطاعة وأن يصفوا الحقيقة كاملةً بدقة وبتفصيل كافٍ، ولكنَّ قول الحقيقة كاملةً لا يكون التصرّف الأنسب في جميع المواقف، لذلك يجب على القادة أن يراعوا مشاعر ومعتقدات الآخرين وأن يدركوا أنَّ مستوى الصراحة المناسب يختلف باختلاف الموقف.

وفقًا لدراسة مسحية حديثة، فإنَّ 58% من الناس على مستوى العالم يثقون عمومًا بالشركات في حين أنَّ 42% الباقين يُساورهم بعض الشك والريبة تجاهها. ينبغي على القادة ورؤساء مجلس الإدارة في الشركات أن ينهجوا نهجًا واضحًا وشفّافًا في تعاملاتهم مع الزبائن والمساهمين وأصحاب المصلحة. يمكن أن تؤدِّي عدم أمانة القادة فيما يتعلَّق بتفاصيل العمل إلى تشويه الحقيقة وتحريف المُعطيات وهذا في الواقع قد يؤدي إلى نتائج وخيمة وغير مرغوب فيها لدى جميع أصحاب المصلحة.

لقد وجد الباحثون سيالديني وبيتيا وبتروفا وغولدشتاين أنَّ المؤسسات غير الأمينة تعاني من سوء السمعة وقلة إنتاجية الموظفين وأضرار مختلفة مرتبطة بزيادة مستوى الرقابة عليها، وخلصوا إلى أنَّ التكاليف بعيدة المدى التي تتكبَّدها المؤسسة بسبب عدم الأمانة أكبر بكثير من المكاسب الفورية التي قد تحصل عليها عبر الممارسات التي تنافي الأمانة.

Robert-Cialdini.jpg

يظهر في هذه الصورة روبرت سيالديني الذي يشير هو وباحثون آخرون إلى أنَّ المؤسسات غير الأمينة تعاني من سوء السمعة وقلة إنتاجية الموظفين وأضرار مختلفة مرتبطة بزيادة المراقبة، وخلصوا إلى أنَّ التكاليف التي تتكبَّدها المؤسسة بسبب عدم الأمانة أكبر بكثير من أي مكاسب قصيرة الأجل. (مصدر الصورة: ديف دوجديل/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution-ShareAlike 2.0 Generic (CC BY-ND 2.0))

القيادة الإشرافية والقيادة الخدمية

إنَّ عدد القادة الفعَّالين والمرؤوسين الذين يقومون بممارسات شريفة وناجحة أكبر ممَّا تبيِّنه وسائل الإعلام، ومن هؤلاء أيضًا روَّاد الأعمال الذين يمارسون الإشراف والقيادة الخدمية. لا تكون أسماء هؤلاء معروفة على الصعيد الوطني، ولكنَّ شركاتهم ومجتمعاتهم والأطراف التي تتعامل معهم يعرفونهم جيِّدًا. على سبيل المثال، تضمُّ قائمة أفضل 10 قادة في عام 2017 المنشورة في مجلة Inc.com أسماء أربع سيدات يشغلون منصب رئيس تنفيذي، وهؤلاء السيدات لا يقمن بواجباتهن وينجحن في وظائفهن فحسب؛ بل يقمن أيضًا على خدمة الآخرين.

إحدى هؤلاء السيدات بريتاني ميريل أندروود التي أنشأت شركة (Akola Jewelry) وتشغل منصب الرئيس التنفيذي فيها والتي عدَّتها ياهو «أفضل شخص في العالم» في عام 2014. يُعاد استثمار 100% من أرباح شركتها في دعم فرص العمل والتدريب والبرامج الاجتماعية وبناء مراكز تدريب وحفر آبار مياه في المجتمعات الفقيرة في جميع أنحاء العالم.

يُعدُّ آرون فويرشتاين أيضًا –رئيس تنفيذي سابق لمصنع في ولاية ماساتشوستس- مثالًا على الشخص الذي يطبِّق القيادة الإشرافية والقيادة الخدمية.

القيادة الإدارية

القيادة الخدمية: آرون فويرشتاين في مصنع مالدن ميلز

آرون فويرشتاين هو ثالث مالك لمصنع مالدن ميلز في ولاية ماساتشوستس، وقد احترق هذا المصنع بالكامل بتاريخ 11/12/1995. كانت من الخيارات المتاحة أمام فويرشتاين استخدام أموال التأمين لإعادة بناء المصنع، ولكنَّه بدلًا من ذلك دفع الرواتب والاستحقاقات الكاملة لجميع 3000 عاملًا لمدة 6 شهور ريثما أُعيدَ بناء المصنع، وقد صرَّح لاحقًا أنَّه لم يكن لديه خيار سوى مساعدة الموظفين، وكان تصرُّفه مستندًا إلى دراسته للتلمود، وقد قال في جامعة كزافييه:

«يقع على عاتقي مسؤولية تجاه العاملين سواء كانوا يعملون عملًا يدويًا أو مكتبيًا، كما لدي مسؤولية أيضًا تجاه المجتمع. كان من غير المعقول أن أترك 3000 شخصًا يفقدون مصدر رزقهم وأن أوجِّه ضربة قاضية لمدينتي لورانس وميثيون. قد تكون شركتنا عديمة القيمة في سوق الأوراق المالية، ولكنَّ عمليًّا قيمتها أكبر من ذلك بكثير.»

جسَّد فويرشتاين نمطي القيادة الإشرافية والخدمية اللتين تركِّزان بوجه خاص على طريقة عمل القادة مع المرؤوسين. (تتعلَّق القيادة الأخلاقية ككل بخصائص القائد وتشمل التصرُّفات في البيئة التنظيمية الداخلية والخارجية.) 

تهتمُّ القيادة الإشرافية بإعطاء الموظّفين قدرًا من حريّة التصرّف والقرار مع استمرار تنظيم وإدارة القائد لأعمالهم بشكل كامل، في حين تتطلَّب القيادة الخدمية العمل بتفانٍ مع الموظفين لتحقيق الأهداف المشتركة التي تصبُّ في مصلحة الجميع وليس المصلحة الفردية. هناك الكثير من المعلومات والتفاصيل المفيدة في هذين النمطين من القيادة، ولكنَّنا سنتحدث باختصار عنهما. إنَّ كلا هذين النمطين يقتضي معاملة الموظفين باحترام -وهذا عنصر أساسي من عناصر القيادة الأخلاقية- إلى جانب منحهم القدرة على التطوُّر على الصعيدين الشخصي والمهني.

يوجِّه أسلوب القيادة الإشرافية القادة إلى أن يقودوا الموظفين ويديروا أعمالهم دون السيطرة عليهم، إذ أنَّ القادة الذين يمارسون القيادة الإشرافية يهتمون بصدق بموظفيهم ويساعدونهم على تحقيق الأهداف الشخصية والتنظيمية. ينتج عن القيادة الإشرافية بيئة عمل تسودها روح الفريق حيث يعمل الجميع فيها جنبًا إلى جنب، وتتميَّز المؤسسات التي يديرها قادة ينتهجون أسلوب القيادة الإشرافية بعدم المركزية في اتخاذ القرارات، وذلك يعني أنَّ القيادة وصلاحيّة اتّخاذ القرار لا تتركَّز بيد شخص أو مجموعة أو قسم أو وحدة إدارية واحدة؛ بل إنَّ السلطة تكون موزَّعة بين جميع الأطراف المشاركة.

لقد نشأ مفهوم القيادة الخدمية على يد روبرت غرينليف الذي يرى بأنَّ القيادة ملازمة للخدمة والعمل. تصل القيادة الخدمية إلى حدود أبعد من القياة الإشرافية، إذ تتطلَّب من القائد أن يبتعد عن المكاسب الشخصية وأن يكرِّس نفسه بالكامل لقضية أكبر، وقد ذكر غرينليف بأنَّ الصفة الأساسية التي تميِّز القائد الخدوم عن غيره هي أنَّ ما يُحرِّكه هو ضميره (أي الإحساس الأخلاقي الداخلي الذي يساعده على التمييز بين الصواب والخطأ). إنَّ تلك الصفة هي الفرق بين القيادة التي يمكن أن تنجح والقيادة التي يمكن أن تصمد وتستمر مثل القيادة الخدمية. من الجوانب الرئيسية في القيادة الخدمية ما يلي:

  1. تفضيل تقديم الخدمة على المصلحة الشخصية: إنَّ الاهتمام الرئيسي للقائد الخدوم هو مساعدة الآخرين وليس نيل التقدير والعرفان أو الحصول على مكافأة مالية.
  2. الاستماع إلى الآخرين: يدرك القائد الخدوم أهمية الاستماع إلى أفكار وهواجس جميع الأطراف والجهات المشاركة، ولا يحاول إطلاقًا فرض سلطته ورغبته على الآخرين، ويساعده ذلك على تقوية العلاقات وفهم احتياجات ورغبات المجموعة وتوزيع الموارد بفاعلية لخدمة مصالح المجموعة.
  3. إلهام الآخرين من خلال الأمانة والثقة: يجب على القادة الأخلاقيين أن يكونوا أهلًا للثقة والأمانة كما تحدَّثنا سابقًا. ليس من الصعب على القائد الخدوم أن يكون أمينًا لأنَّه غالبًا ما تكون لديه قناعات أخلاقية راسخة.
  4. العمل على تحقيق أهداف معقولة: يدرك القائد الخدوم أنَّ العديد من المشكلات لا يمكن أن يحلها شخص واحد فقط، كما أن القائد الهادم يسعى جاهدًا ليتحمّل أعباء المهام والتحديّات الصعبة والتي ستولّد ضغطًا نفسيًّا كبيرًا على الموظفين أو المجموعات في حال أوكلت إليهم.
  5. مساعدة الآخرين كلَّما كان ذلك ممكنًا: يمدُّ القائد الخدوم يد المساعدة للآخرين عندما تقتضي الظروف ذلك. من الأمثلة على ذلك: تقديم أحد مديري مطاعم الوجبات السريعة المساعدة لموظفيه العاملين بدوام جزئي ومعاونتهم في قلب قطع البرغر أثناء ازدحام العمل الشديد ساعة الذروة في وقت الغداء. مثال آخر:عندما لاحظ أحد مديري الأقسام أنَّ فريقه بحاجة إلى المساعدة من أجل تسليم العمل قبل انتهاء الوقت المحدَّد للتسليم، قرَّر مشاركة الفريق بعد الظهيرة ومساعدتهم على إنجاز ذلك العمل في الوقت المحدَّد.

يبيِّن دونالد ديغراف وكولين تيلي ولاري نيل طريقة أخرى لفهم وتمييز خصائص القيادة الخدمية كما يلي:

إنَّ الافتراض الرئيسي هو أنَّ القيادة الحقيقية تتطلَّب منا السعي لتحقيق غايات أسمى من مصالحنا، وإنَّ أحد أهم جوانب القيادة مساعدة المؤسسات والموظفين على تحديد هدفهم الأسمى. إنَّ أفضل اختبار لفلسفة القيادة الخدمية هو تحديد ما إذا كان الزبائن والموظفين يتطوَّرون على الصعيد الشخصي! هل يصبح الزبائن أكثر صحة وحكمة وحرية واستقلالية وتزداد احتمالية أن يصبحوا هم «مقدِّمين للخدمات»؟ ما التأثير الذي تُحدثه على الفئات المحرومة في المجتمع؟ هل سينتفعون أم أنَّ وضعهم لن يزداد سوءًا على الأقل؟ يجب على القائد أن يكون متحمِّسًا لرغبته في تحسين أوضاع المجتمع من أجل تحقيق الغاية والهدف الأساسي من المؤسسة التنظيمية التي يرأسها.

الجانب المظلم من القيادة التنظيمية

لا يلتزم جميع القادة بالمبادئ والقيم الأخلاقية الفضيلة، وهناك سبعة دلائل على التقصير في القيادة الأخلاقية هي:

  1. العمى الأخلاقي: عدم إدراك القضايا الأخلاقية بسبب قلة الانتباه أو غياب الإحساس الأخلاقي.
  2. الصمت الأخلاقي: عدم التحدُّث عن المبادئ والقيم الأخلاقية أو عدم تطبيقها.
  3. عدم الاتساق الأخلاقي: عدم القدرة على رؤية التناقضات بين القيم المتَّبعة. على سبيل المثل، يقول بعض القادة أنَّهم يقدِّرون الالتزام بالمسؤولية ولكنَّهم يكافئون الموظفين على أدائهم استنادًا إلى الأرقام ومعدّل الإنجاز فقط.
  4. الشلل الأخلاقي: عدم القدرة على التصرُّف وفق القيم الأخلاقية بسبب قلة المعرفة أو الخوف من العواقب.
  5. الرياء الأخلاقي: عدم الالتزام بالقيم المتبناة وتفويض الأمور للآخرين بسبب عدم الرغبة في القيام بها أو عدم القدرة على ذلك.
  6. الانفصام الأخلاقي: عدم وجود مجموعة متناغمة من القيم مثل التصرُّف بأسلوب معين في العمل والتصرُّف بأسلوب آخر في المنزل.
  7. الرضا الذاتي الأخلاقي: والذي يتضمّن اعتقاد القادة أنهم معصومون من ارتكاب الأخطاء.

تذكر مجلة فورتشن في مقال أكثر 19 قائد تخييبًا للآمال في العالم أمثلة على قادة غير أخلاقيين وممارساتهم السلبية، وسنتحدَّث عن مثالين منهما باختصار. المثال الأول هو مارتن فينتركورن الرئيس السابق لشركة فولكس فاجن الذي تولَّى قيادتها أثناء فضيحة كارثية عندما ثبَّت المهندسون الذين يعملون في الشركة برنامجًا يتلاعب بنسبة انبعاثات عوادم السيارات على 11 مليون سيارة تعمل بالديزل، وقد أكَّد مارتن أنه كان على غير دراية بهذه الأفعال. كان فينتركورن مديرًا يركِّز على التفاصيل وقد شكَّل ثقافة تؤكِّد على أن تحقيق المكاسب أهم من أي شيء آخر.

المثال الثاني هو ريك سنايدر حاكم ولاية ميشيغان الذي تلوثَّت مياه مدينة فلينت الأمريكية في عهده بالرصاص ممَّا قد يكون سببًا في الأمراض وتلف الدماغ خاصةً لدى السكان صغار السن. كما تعرّض ريك لسيل من التُهم واللوم على فشله في إدارة حكومته في ولاية ميشيغان وغياب رقابته على قوانين وكالة حماية البيئة في الولاية والتي سمحت بطرح كميّات كبيرة وخطيرة من فضلات الرصاص في شبكة مياه المدينة.

نستنتج من تفاصيل أمثلة القيادة الأخلاقية والقيادة غير الأخلاقية التي ذكرناها أنَّ ثقافة المؤسسة عنصر مهم وأساسي وأنَّه بدون وجود ثقافة أخلاقية ستنشأ قرارات قيادية سيئة من الناحية الأخلاقية.

ترجمة -وبتصرف- للفصل Leadership: Ethics at the Organizational Level من كتاب Principles of Management





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن