مدخل إلى جافا دورة الجلب والتنفيذ: لغة الآلة في الحاسوب


Rama Alkhayer

الحاسوب نظامٌ مُعقّد مؤلّفٌ من العديد من المُكوّنات المختلفة. إلّا أنَّ هناك مُكوّنًًا فريدًا يقوم بالحوسبةِ الفعليّة، هذا المُكوّن هو وحدة المعالجة المركزيّة (Central Processing Unit) أو (CPU) وهو للحاسوب كالدّماغ للإنسان. في الحواسيب المكتبيّة الحديثة، تكون وحدة المعالجة المركزيّة عبارةً عن "رقاقةٍ" (Chip) لا يتجاوز حجمها إنشًا مُربّعًا (7 سنتيمترات مُربّعةً). مهمّةُ وحدة المعالجة المركزيّة هي تنفيذ البرامج.

يتألّف البرنامج (Program) من قائمةٍ من تعليماتٍ واضحة لا لبس فيها يجبُ على الحاسوب اتّباعها آليًّا. صُمّم الحاسوب لتنفيذ التّعليمات المكتوبة بنوعٍ بسيطٍ من اللغات تدعى لغةَ الآلة (Machine Language). يملك كلُّ نوعٍ من الحواسيب لغة آلة خاصة به، ويستطيع الحاسوب تنفيذ البرنامج مباشرةً فقط إذا كان هذا البرنامج مكتوبًا بلغة الآلة المذكورة. يستطيع الحاسوب تنفيذ البرامج المكتوبة باستخدام لغاتٍ أخرى بعد أن تُترجم تلك البرامج إلى لغة الآلة حصرًا.

عندما تُنفّذ وحدة المعالجة المركزيّة برنامجاً ما، يُخزّن هذا البرنامج في ذاكرة الحاسوب الرّئيسيّة (تدعى أيضًا ذاكرة الوصول العشوائي [Random Access Memory] أو RAM). بالإضافة إلى البرنامج الذي يجري تنفيذه، تحتفظ الذّاكرة أيضًا بالبيانات التي يقوم هذا البرنامج باستخدمها أو معالجتها. تتألّف الذّاكرة الرّئيسية من مُتتالية من المواقع (Location)؛ هذه المواقع مُرقّمةٌ ويُعبّر الرقم التّسلسليّ للموقع عن عنوانه (Address). يسمح العنوان بانتقاء معلومةٍ بعينها من بين ملايين المعلومات المُخزّنة في الذّاكرة. عندما تحتاج وحدة المعالجة المركزيّة إلى الوصول إلى تعليمة برنامج ما أو جزء من بياناته في موقع معيّن من الذّاكرة، تُرسل عنوان تلك المعلومة على شكلِ إشارةٍ إلى الذّاكرة. تستجيب الذّاكرة بإرسال القيمة المحتواة في ذاك العنوان. تُخزّن وحدة المعالجة المركزيّة المعلومات في الذّاكرة من خلال تحديد المعلومة المُراد تخزينها وعنوان الموقع المُراد تخزينها فيه.

أمّا على مستوى لغة الآلة، فإنّ عمل وحدة المعالجة المركزيّة واضحٌ وبسيط إلى حدٍّ كبير على الرّغم من تعقيد تفاصيله. تُنفّذ وحدة المعالجة المركزيّة البرنامجَ المُخزّن على شكل متتاليةٍ من تعليمات لغة الآلة المُخزَّنة في الذّاكرة الرّئيسيّة وذلك بقراءة التّعليمة، أو جلبها (Fetch)، ومن ثُمّ تنفيذها (Execute)، مرارًا وتكرارًا. تُدعى العمليّة المُتمثّلة بجلب التّعليمة وتنفيذها، ثم جلب تعليمة أخرى وتنفيذها وهكذا إلى ما لا نهاية بدورة الجلب والتّنفيذ (fetch-and-execute cycle). هذه العمليّة هي جُلّ ما تقوم به وحدة المعالجة المركزيّة باستثناءٍ وحيد سنتناوله في القسم التّالي.

يُصبح هذا الأمر أكثر تعقيدّا في الحواسيب الحديثة حيث تتألّف رقاقة المعالجة هذه الأيام من عدّة "أنوية" (core) تسمح بتنفيذ عدة تعليمات في آنٍ معًا. كما سُرّع الوصول للذّاكرة الرّئيسيّة من خلال ** الذّاكرة المخبئيّة** (cache) التي صُمّمت للاحتفاظ بالبيانات والتّعليمات التي من المُرجّح أن تحتاجها وحدة المعالجة المركزيّة في وقتٍ قريب. على أيّة حال، لا تُغيّر هذه التّعقيدات من الوظيفة الأساسيّة لوحدة المعالجة المركزيّة.

تنطوي وحدة المعالجة المركزيّة على وحدة الحساب والمنطق (Arithmetic Logic Unit أو ALU) والتي تُمثّل الجزء الذي يقوم بالعمليّات الرّياضيّة كالجمع والطّرح. كما تحتفظ وحدة المعالجة المركزيّة بعدد صغير من المسجّلات (register) تُمثّل هذه الأخيرة وحدات ذاكرة صغيرة قادرة على تخزين رقم واحد. قد تتوفّر وحدة المعالجة المركزيّة النموذجيّةُ على 16 أو 32 مسجلًا مُتعدّد الأغراض (general purpose)، وهي أحد أنواع الذاكرة، إذ تحتفظ هذه المسجلات بقيم البيانات المُتاحة للمعالجة مباشرةً وتُشير العديد من تعليمات لغة الآلة إلى هذه المسجلات. على سبيل المثال، قد تكون هناك تعليمة تأخذ رقمين من مسجلين مُحدّدين، تجمع هذين الرقمين (باستخدام وحدة الحساب والمنطق)، وتُخزّن النّتيجة في مسجل جديد. وقد تكون هناك تعليمات لنسخ قيم البيانات من الذّاكرة الرّئيسيّة إلى مسجل ما أو من مسجل إلى الذّاكرة الرّئيسيّة.

كما تحتوي وحدة المعالجة المركزيّة على مُسجلات ذات أغراض خاصة (special purpose). أهمّ هذه المسجلات هو عدّاد البرنامج (program counter أو PC). تعتمد وحدة المعالجة المركزيّة على عدّاد البرنامج لتعقّب التّعليمة التي تُنفّذها من البرنامج. يُخزّن عدّاد البرنامج عنوان الذّاكرة للتّعليمة التّالية التي يتوجّب على وحدة المعالجة المركزيّة تنفيذها. تفحص وحدةُ المعالجة المركزيّة عدّادَ البرنامج في بداية كل دورة جلب وتنفيذ لمعرفة التّعليمة الواجب جلبها. يُحدَّث عدّادُ البرنامج خلال كل دورة جلب وتنفيذ للإشارة إلى التّعليمة الواجب تنفيذها في الدّورة التّالية والتي - عادةً ولكن ليس دائمًا - ما تكون التّعليمة التي تعقب التّعليمة الحاليّة في البرنامج. تُعدّل بعض لغات الآلة القيم المُخزّنة في عدّاد البرنامج على نحوٍ يسمح للحاسوب أن "يقفز" (jump) من نقطةٍ ما من البرنامج إلى نقطةٍ أخرى؛ هذا الأمر جوهريّ لتطبيق ميّزات برمجية تُعرف بالحلقات والفروع ستُناقَش في الجزء 1.4.

يُنفّذ الحاسوب برامج لغة الآلة آليًّا دون الحاجة إلى فهمها أو التّفكير فيها ويعود هذا الأمر ببساطةٍ إلى طريقة التّركيب الفعليّة لهذه البرامج. هذا المفهوم ليس سهلًا. الحاسوبُ آلةٌ مبنيّة من ملايين المُبدّلات الصّغيرة والتي تدعى ترانزستورات (Transistor). تتميّز الترانزستورات بإمكانية توصيلها على نحوٍ يسمح أن يتحكّم خرج أحد هذه التّرانزستورات بترانزستور آخر (تشغيله أو إيقافه). بينما يقوم الحاسوب بالحوسبة، تقوم هذه المُبدّلات بتشغيل وإيقاف تشغيل بعضها بعضًا وفق نمطٍ تُمليه كلٍّ من طريقة وصلها ببعضها بعضًا من جهة والبرنامج الذي ينفذّه الحاسوب من جهة أخرى.

تُمثّل تعليمات لغة الآلة على شكل أرقام ثنائيّة. يتألّف الرّقم الثّنائيّ من حالتين لا ثالث لهما: صفر وواحد. يُطلق على كلِّ صفر أو واحد تسمية بت (Bit). إذًا فلغة الآلة ما هي إلّا متتالية من الأصفار والواحدات. تُرمّز كل متتالية محدّدة تعليمة مُحدّدةً بعينها. تُرمّز البيانات التي يُعالجها الحاسوب أيضًا كأرقام ثنائيّة. في الحواسيب الحديثة، يحتفظ كل موقعٍ في الذّاكرة ببايت (Byte) والذي يُمثّل متتاليةً من ثمانية بتّات. عادةً ما تتألّف البيانات أو تعليمة لغة الآلة من عدّة بايتات مُخزّنة في مواضع متعاقبة من الذاكرة. على سبيل المثال، قد يقرأ الحاسوب فعليّا أربعة أو ثمانية بايتات عند قراءته تعليمةً واحدةً من الذّاكرة؛ ويكون عنوان الذّاكرة للتّعليمة هو عنوان أول بايت من تلك البايتات.

يستطيع الحاسوب العمل مباشرةً مع الأرقام الثنائيّة لأن المبدّلات قادرةٌ على تمثيل هكذا أرقامٍ بسهولة: تشغيل التّرانزستور لتمثيل الرقم واحد؛ وإيقافه لتمثيل الرقم صفر. تُخزّن تعليمات لغة الآلة في الذّاكرة على شكل أنماطٍ من المبدّلات المُشغّلة أو المتوقّفة. عندما تُحمّل تعليمة لغة الآلة إلى وحدة المعالجة المركزيّة، فإنّ ما يحصل في الحقيقة هو تشغيل أو إيقاف مُبدّلات معينة وفقًا للنّمط الذي يُرمّز تلك التّعليمة. بُنيَت وحدة المعالجة المركزيّة للاستجابة لهذا النّمط بتنفيذ التّعليمة التي يُرمّزها ويُمكّنها من ذلك كونُ جميع المبدّلات في وحدة المعالجة المركزيّة موصولةً معًا.

إذًا، عليك فهم ما يلي حول كيفيّة عمل الحاسوب: تحتفظ الذّاكرة الرّئيسيّة ببرامج وبيانات لغة الآلة. تُرمَّز كلٌّ من هاتين الأخيرتين كأرقام ثنائيّة. تجلب وحدة المعالجة المركزيّة تعليمات لغة الآلة من الذّاكرة واحدةً تلو الأخرى وتُنفّذها. تُؤدّي وحدة المعالجة المركزيّة مهامًّا صغيرةً جدًا وفقًا لكل تعليمة، مثل جمع عددين أو نقل البيانات من وإلى الذاكرة. تقوم وحدة المعالجة المركزيّة بكلّ هذا آليًّا بدون التّفكير فيه أو فهم الهدف منه لهذا يتوّجب على البرنامج الذي سيُنفّذ أن يكون مُتقنًا، كاملًا بكل تفاصيله، وخاليًا من أيّ لبس لأن وحدة المعالجة المركزيّة عاجزةٌ إلّا عن تنفيذه تمامًا كما هو مكتوب. إليك رؤيةً تخطيطيّة لهذه المرحلة من فهمنا للحاسوب:

001Overview.jpg

ترجمة -وبتصرف- للقسم The Fetch and Execute Cycle: Machine Language من الكتاب Introduction to Programming Using Java



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء


مقدمه رائعه متابع للدوره في انتظار الدروس المتقدمه

1 شخص أعجب بهذا

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن