تعلّم وانس وأعد التعلّم- الوجه المتغير لمسيرتك الهندسية


Anmar Fadel

في الماضي القريب، كانت مهنة الهندسة واضحةً نسبياً. درست لغة معينةً أو أكثر، حصلت على عمل ونجحت.

لم يعد هذا الأمر صحيحاً اليوم، فمعدل التغير المتزايد في التقنية يعني أنه بات من الصعب إتقان أي شيء قبل أن يعدّ قديماً ويُستبدل بمنافس أجدد وأبهى. لا تُعنى المسيرة الهندسية الناجحة اليوم بالتعمق في مهارة معينة، بل بالانفتاح لتعلم تقنيات جديدة بسرعة أكبر، وفهم كيف قد يغير ذلك ما يعنيه أن تكون خبيراً.

عدد لا متناهٍ من المبتدئين

في كتابه الأخير “المحتوم The Inevitable”، يدّعي المحرر التنفيذي المؤسس لـ وييرد Wired كيفن كيلي Kevin Kelly أن هذه الوتيرة السريعة والمتزايدة للتغيير تخلق ما يصفه بـ “العدد اللامتناهي من المبتدئين”. التقنيات التي ستسيطر على مدى 30 سنة المقبلة لم تُخترع بعد وبالتالي سنكون جميعنا “مبتدئين” بالنسبة لها، بغض النظر عن العمر أو الخبرة.

فكّر بالأمر في سياق مسيرتك المهنية. في العادة، جرى تدريب المهندسين على وضع توزّع للمهارات الهندسية على شكل حرف T، فالشريط الأفقي يشير إلى اتساع مهاراتك في نواحٍ مختلفة، والشريط العمودي يشير إلى تعمقك في مجالٍ معين.

01_T.png

لكنّ ظهور العدد الكبير من المبتدئين يعني أن الشريط الأفقي أصبح أعرض، والأكثر أهمية من ذلك أن الشريط العمودي أصبح أقصر

02_T.png

يعني الشكل الجديد للحرف T زمناً وخبرة أقل من أجل تقنية معينة.

أصبح الشريط العمودي أقصر لأن التقنية تتغير بسرعة أكبر. لا يزال عليك التعمّق في مجال معين، لكنه من غير المحتمل أن تضطر إلى العمل مستخدماً تقنية واحدة فقط خلال كامل مسيرتك المهنية. يرتبط طول الشريط العمودي بالزمن والخبرة. إن كانت التقنية والمنتجات تتغير بسرعة كبيرة، فسيكون لديك وقت أقل للتعمق في مجال واحد قبل أن يظهر منافس آخر على الساحة.

كما أن معدل التغيير سيؤثر أيضاً على اتساع الشخصية التقليدية التي تتبع التوزع من الشكل T. وبما أنه سيكون هناك المزيد من التقنيات الحديثة، يصبح من المهم توسيع قاعدة المهارات والمعارف للمنتجات والخدمات المختلفة. لن تعرف من أين سيظهر المنتج أو الخدمة الجديدة التالية لذا عليك أن تُحصّن نفسك.

أعطني T

لقد واجهت هذا مؤخراً عندما كنت أعمل على خدمة التخزين S3 من خدمات ويب أمازون (AWS). كنت أحاول الاستعلام عن البيانات المخزنة في S3، وهو ما كان يعني في السابق استخراج وتحويل البيانات لأتمكّن من استجوابها. بجميع الأحوال، أطلقت AWS في السنة الماضية خدمة جديدة تدعى Athena ، مما يعني أنه بإمكاني الاستعلام عن البيانات في S3 لحظياً.

بينما كنت أعمل مع Athena، ذكر أحدهم أن AWS أطلقت للتو خدمة أجدد تدعى Spectrum تسمح لك بإجراء استعلامات Redshift SQL مباشرة في S3. بإمكاني الآن استخدام Spectrum عوضاً عن Athena بالرغم من أنني اكتشفت Athena منذ شهر أو شهرين فقط! وإذا ما أخذنا بالحسبان وجود قلة من الأشخاص فقط يستخدمون Athena في الشركة التي أعمل بها، فقد كنت تقنياً واحداً من “الخبراء” في هذا المجال.

هناك خدمات “جديدة” لكنها مبنية على مهارات أخرى، مثل استخدام استعلامات SQL للاستعلام عن البيانات أو معرفة المنتجات مثل S3 و Redshift. في السابق، كنت تركز على تقنية لقاعدة البيانات مثل MySQL أو Postgres وتقوم بزيادة التعمق العامودي لل T الخاص بك. في الوقت الراهن، ومع التغير السريع للمنتجات والخدمات، فإن كلمة خبير تعني التبديل بين المهارات بسرعة أكبر والتكيف مع التغيرات الجديدة والتخلي عن بعض المهارات.

يغير هذا الأمر الكثير من الأسس التي ترتكز عليها مهنة الهندسية التقليدية. اذهب إلى الجامعة، تعلم إحدى المهارات، انضم إلى شركة تعمل في هذا المجال، طور نفسك، احصل على ترقية، أصبح خبيراً وطور مواردك البشرية. هل من المنطقي أن تذهب إلى الجامعة لمدة أربع سنوات لتتعلّم تقنية قد تختفي عندما تتخرج؟ فكر في تقنيات مثل Hadoop، التي ظهرت إلى العلن عام 2007 لكنها اليوم تعدّ “قديمة” مقارنة مع التقنيات الأحدث في علم البيانات.

إن تعلّم أشياء جديدة بسرعة دون التعمق فيها كما اعتدنا أن نفعل، أمر يسهل قوله أكثر من فعله. نقدّر نحن البشر مهاراتنا ومعارفنا ونحرص على ألا ننساها.
عندما بدأت العمل في مجال عمليّات التطوير DevOps، كنت أستخدم Bash لغة برمجة أساسية. عندما تعتاد على البرمجة باستخدام Bash، يمكنك أن تقوم بأشياء فظيعة بواسطتها. تابعت تعلّم لغات برمجة أخرى مثل بايثون لكنني بقيت استخدم Bash في الكثير من الحالات لأنني كنت على دراية بها. الآن، أنظر إلى الوراء وأدرك أنني كنت بطيئاً جداً في التخلي عن Bash، وأن تعلّم شيء كبايثون بسرعة أكبر كان ليساعد مسيرتي المهنية أكثر. يصعب التخلي عن شيء تشعر أنك جيد أو ملمّ به.

قم بجولة في عالم الهندسة

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الهندسة ليس استيلاء الأتمتة والذكاء الاصطناعي على وظائف البشر. الخطر الحقيقي هو الإحجام عن فهم أن مفهومنا للخبير يتغير. أن تكون خبيراً في شيء ما اليوم يعني بناء قاعدة أوسع من المهارات حتى تتمكن من التعمق عند الحاجة في تلك التقنية أو في ذلك المنتج. إن كانت الأمور تتغير على نحو أسرع من أي وقت مضى، فكذلك يجب على مجال خبرتك أيضاً أن يتغير.

على سبيل المثال، نحن نكتب بالفعل خوارزميات لتعليم الآلة كي تقوم بكتابة التعليمات البرمجية بنفسها. لذا علينا أن نكون جاهزين للانتقال بسرعة من كتابة التعليمات البرمجية فقط إلى تصميم الخوارزميات. يعني ذلك بالطبع تعلّم بعض المهارات الحسابية لتطوير هذه الخوارزميات الجديدة. ولكن في تلك الحالة سيصبح المهندسون أفضل لا أسوأ بفضل التلقيح بين مجموعات المهارات. القليل من تعليم الآلة والقليل من تصميم الخوارزميات والقليل من كتابة التعليمات البرمجية وبعض المعرفة في مجال العمل. يمكّنك توزع T الأعرض من المهارات الأساسية أن تتعمق عمودياً بسهولة عند وصول ذاك المنتج الجديد إلى الساحة.

نحاول في Intercom إعداد الناس لهذا المستقبل وذلك من خلال ضمان قيام المهندسين “بجولات” على مختلف الفرق. يقضي المهندسون بضعة أسابيع في العمل على فريق مختلف أو على جزء مختلف من المنتج. فقد يعمل الشخص الذي اعتاد العمل على القضايا التشغيلية الخلفية Backend في فريق يعمل على تطوير الواجهة الأمامية Frontend. وبطريقة مماثلة، قد يعمل شخص ما مع فريق التحليل لمدة من الزمن ليتعلم عن عرض البيانات أو تعليم الآلة.

الهدف هنا هو توسيع T بحيث يتمكن الناس من التكيف بسرعة أكبر مع التقنيات الجديدة التي تُنشَأ يومياً. بهذه الطريقة يفهمون التقنيات الجديدة في مجالات أخرى ويمكنهم إما أن يعودوا بها لاستخدامها في دورهم الحالي أو أن يتطلعوا إلى قضاء المزيد من الوقت في فريق آخر. هناك هدف متمم للعمل مع أناس مختلفين في فرق مختلفة. وفي كلتا الحالتين، فإنه يمكّن الناس من أن يصبحوا أكثر قدرة على التكيف مع مسيراتهم الهندسية.

تعلم كيف تنسى

إن التنبؤ بالمستقبل أمر صعب. يمكننا رصد الاتجاهات الكبرى في التقنية، لكن يستحيل التنبؤ بالشكل المعين الذي ستتخذه. وعلى نحو مشابه، لا يمكننا أن نفهم تماماً التقنيات التي ستتطلّبها مسيرتنا الهندسية المستقبلية. ما نعرفه هو أن هذا التغير السريع أمر حتمي لا مفر منه.

بغض النظر عن المهارات التي تملكها أو لغات البرمجة التي تبرع فيها، ستصبح بعض الجوانب منسية في المستقبل القريب. لذ اسأل نفسك: ما الذي يمكن أن أنساه؟ لن يكون أمراً سهلاً. ستكون مبتدئاً في مهارة جديدة عوضاً عن عمود المعرفة الذي كنت عليه سابقاً. لكنك ستكون جاهزاً على نحو أفضل بكثير للتعامل مع التقنيات الجديدة عند ظهورها.

ترجمة - بتصرّف - للمقال Learn, unlearn and relearn: the changing face of your engineering career لصاحبه Cathal Horan.

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ Freepik



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن