وهيبة مغربي

الأعضاء
  • المساهمات

    37
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • Days Won

    1

السُّمعة بالموقع

9 Neutral

2 متابعين

  1. كيف يمكن للإداريين والمؤسسات تقليص سلوك الموظفين غير المرغوب به مع تعزيز السلوك المرغوب به؟ عند تطبيق المبادئ و الأساليب المذكورة أعلاه في مكان العمل، نرى عمومًا أحد هذين النهجين: تعديل السلوك أو الإدارة الذاتية للسلوك. يعتمد كلا المنهجين على مبادئ التعلم التي ذكرناها آنفًا. يجب علينا مراجعة هذين الأسلوبين نظرًا لأن لهما تبعات واسعة في الشركات. أولًا، سنلقي نظرة على الجوانب الإيجابية والسلبية لتعديل السلوك. تعديل السلوك هو استخدام مبادئ الإشراط الاستثابي لقولبة السلوك البشري ليتوافق مع المعايير المرغوبة من الرؤساء. طُبّق تعديل السلوك في السنوات الأخيرة في مجموعة واسعة من المؤسسات، وفي معظم الحالات حصلت الشركات على نتائج إيجابية. هناك اهتمام متزايد بهذه الطريقة كأداة إدارة إيجابية لتحسين الأداء وتخفيض التكاليف. نظرًا لتركيز أساليب تعديل السلوك على قولبة السلوك بحد ذاته، سيكون من الأفضل لنا لو نظرنا إلى هذا النهج على أنّه أسلوب لتحفيز الموظفين بدلًا عن كونه نظرية عن دوافع العمل. إذ أنّه لا يحاول تقديم نموذج شامل عن العوامل المتغيرة التي تساهم في التحفيز في الشخصية ومجال العمل. عوضًا عن ذلك، فإنه توجه تعديل السلوك الإداري هو حول كيفية التحفيز، هذا التركيز هو الذي أدّى إلى شعبية منهج تعديل السلوك الحالي بين بعض الإداريين. مع ذلك، يجب أن نحذر من القبول المطلق لأي أسلوب حتى نفهم الافتراضات والأسس التي يُبنى عليها. إذا بدى أنّ الافتراضات الأساسيّة للنموذج غير مؤكدّة أو غير مناسبة في موقف أو مؤسسة معيّنة، فمن الواضح أنّ استخدامه سيكون موضع تساؤل. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } التوسع حول العالم مخيم الجحيم الياباني هناك مقولة في اليابان مفادها أنّ (الظفر الناشب يُقص)، وتعني أنّه في الشركات اليابانية من المفترض أن يتصرف الموظفون معًا وأن يعملوا بانسجام تام، ولا تُشجّع الفردية. على الرغم من أنّ الشركات اليابانيّة تستخدم الكثير من الأساليب لتدريب موظفيها على العمل بجد وتخطّي العقبات كمجموعة، إلا أنه بعض الأساليب البارزة التي تستخدمها العديد من الشركات اليابانية تنحرف بعض الشيء عن ذلك المنهج، وتُعرف باسم مخيم الجحيم Hell Camp. الهدف من مخيم الجحيم هو تطوير الموظفين ليتمكّنوا من "التركيز تحت الضغط". يمثل مخيم الجحيم مزيجًا ما بين تدريبات الهواء الطلق التي تقوم بها منظمة Outward Bound والتدريب على تأكيد الذات، وهو مصمم لتقوية الموظفين من خلال وضعهم في العديد من المواقف المحرجة والصعبة (على سبيل المثال، جعلهم يصرخون أغنية الشركة في محطة قطار محليّة). إذا نجحوا في كل تمرين (مثلًا إذا صرخوا بصوتٍ عالٍ وبقدرٍ كافٍ من المشاعر)، يُسمح لهم بإزالة واحدة من "شارات العار" العديدة. تُترك معايير إزالة الشارة غامضة وغير معروفة من قبل الموظفين المشتركين، لذا يستخدم البرنامج نظام تعزيز متغير المعدل الذي ذكرناه سابقًا. لا يعلم الموظف أبدًا متى سيقول له المدرب أنّك نجحت، لذلك سيُرجّخ الموظف أنّ مستوى الأداء الذي سيؤدي إلى إزالة شارة العار هو أعلى أداء يمكن أن يبذله. إذا نجح الموظف خلال البرنامج الذي يستمر أسبوعًا بإزالة جميع الشارات وإظهار صدقه والتزامه، فإنّه يتخرج. أمّا في حال لم يتمكّن من ذلك، يجب عليه إعادة البرنامج. يُقدّر أنّ 50000 مدير ياباني خاضوا هذا البرنامج، والذي تنهجه الشركات لأنّها تعدّه طريقة لمنع الإداريين من أن يصبحوا لينين أو متراخين في إدارتهم. كما قال أحد المديرين التنفيذيين: "أصبحت الشركات لينة جدًا وضعيفة جدًا في طريقتها للمطالبة بالتميّز". يعتقد أنّ المضايقات والصعوبات التي يتعرّض لها الموظفون أثناء مخيم الجحيم والتعزيز التالي لإنجاز مهمة مُرضية يُعزّز الشخصية، ولا تبدي الشركات اليابانيّة أي علامة على فقدان الاهتمام بهذا البرنامج. المصادر: Richarz, Allan, “ The Intense Corporate ‘Hell Camps’ of 1980s Japan,” Atlas Obscura, May 30 2017, https://www.atlasobscura.com/articles/hell-camp-japan-80s; Phallon, R., “Hell Camp,” Forbes, June 18, 1984; Neill, Michael and Lustig, David, “ A 13-Day Japanese Boot Camp Shows U.S. Executives How to Succeed in Business Through Suffering,” People, May 30, 1988, https://people.com/archive/a-13-dayjapanese- boot-camp-shows-u-s-executives-how-to-succeed-in-business-through-suffering-vol-29-no-21/. افتراضات تعديل السلوك يقوم منهج تعديل السلوك -كأحد أساليب الإدارة- على ثلاثة أفكار. أولًا، يؤمن مناصرو تعديل السلوك أنّ الفرد في الأساس منفعل وتفاعلي (عوضًا عن كونه فاعلي)، ويميل إلى الاستجابة إلى المنبهات في بيئته المحيطة ومتابعة سلوك خارجي، بدلًا من تحمّل المسؤولية في بدء السلوك ابتداءً منه. يتناقض هذا التأييد مباشرة مع نظريات التحفيز المعرفية (مثل نظرية التوقع\التكافؤ)، والتي تنص على أنّ الفرد يصنع قرارات واعية بشأن سلوكياته الحاليّة والمستقبلية ويأخذ دورًا نشطًا وفاعلًا في تشكيل بيئته المحيطة. ثانيًا، يركّز مناصرو تعديل السلوك على السلوك الملاحظ والقابل للقياس، عوضًا عن الاحتياجات أو التوجّهات أو الأهداف أو مستويات التحفيز التي لا يمكن ملاحظتها. في المقابل، تركّز النظريات المعرفية على العوامل الملحوظة وغير الملحوظة على أنها مرتبطة بالتحفيز. تجادل نظرية التعلم الاجتماعي على أنّه يمكن للأفراد تغيير سلوكهم ببساطة من خلال مراقبة الآخرين وملاحظة العقوبات أو المكافآت التي تنتج عن سلوكياتهم وتصرّفاتهم. ثالثًا، يشدّد تعديل السلوك على أنّ التعزيز وحده كافٍ لتحقيق التغييرات الدائمة. السلوكيات المعزّزة إيجابيًا ستتكرّر (أي ستُتعلّم)، في حين أنّ السلوكيات غير المعزّزة ستتراجع (وفقًا لقانون التأثير الذي ناقشناه سابقًا). تصميم برنامج تعديل السلوك لتنجح أساليب تعديل السلوك، يجب أن يكون تطبيقها مصمّمًا جيدًا ومطبّق بشكل منهجي. تمر المحاولات المنهجية لتطبيق هذه البرامج عادة عبر خمس مراحل (انظر إلى الشكل 4.8). الشكل (4.8): خطوات تطبيق برنامج تعديل السلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). وضع معايير سلوكيّة واضحة. أولًا، تحاول الإدارة تحديد الجوانب السلوكيّة للأداء المقبول بشكل واضح. يجب أن تكون الإدارة قادرة على تحديد ما يشكّل سلوكًا مقبولًا بحيث يمكن للموظفين فهمه، وأن يكون وفقًا لشروط موضوعية وقابلة للقياس. من الأمثلة على المعايير السلوكية: الحضور الجيّد (الأناقة) والوصول إلى العمل بالوقت المحدّد وإتمام المهام في الموعد المحدّد. يصعب أحيانًا تحديد مؤشرات موضوعية مناسبة للأداء الناجح، على سبيل المثال طرحت إحدى المديرات المسؤولات عن برامج تدريب مُضيفات الطيران في شركة طيران عالمية هذا التساؤل "كيف يمكن قياس أو تقييم التصرّفات المقبولة من قبل المُضيفات وتفريقها عن التصرّفات غير المقبولة؟ هل يمكننا وضع معايير موضوعية وثابتة للأداء الناجح في هذا المجال؟". مع ذلك، فإنّ الكثير من المواقف وسلوكيات العمل يمكن إدراجه وتصنيفها تحت خانة مقبول أو مرفوض بسهولة. تدقيق الأداء. يمكن إجراء تدقيق وفحص للأداء بمجرد تحديد المعايير السلوكيّة المقبولة. نظرًا لأنّ الإدارة تهتم بمدى تلبية الموظفين للمعايير السلوكيّة بنجاح، فإنّ التدقيق يهدف إلى تحديد المواقف أو الحالات التي لا تُنفّذ فيها السلوكيات المرغوبة. مثلًا يمكن أن تكشف سجلات الحضور في مختلف الأقسام وجود قسم معيّن يُظهر على نسبة تغيّب أو تأخير مرتفعان ارتفاعًا واضحًا. يمكن بعدها اتخاذ الإجراءات المناسبة لإصلاح المشكلة. بالمختصر، يهدف تقييم الأداء إلى تحديد الاختلافات بين ما تراه الإدارة كسلوك مرغوب أو مقبول والسلوك الفعلي. وضع أهداف سلوكيّة محدّدة. ثالثًا، يجب وضع أهداف سلوكيّة معيّنة لكل موظف. عدم القدرة على تحديد أهداف سلوكيّة ملموسة هو السبب الرئيسي لفشل العديد من برامج تعديل السلوك. من الأمثلة على هذه الأهداف: تخفيض معدّل الغياب أو التأخر، وتقليل عيوب المنتج على خط التجميع، وتلبية جداول الإنتاج. يجب أن تكون الأهداف واقعيّة (أي يمكن تحقيقها من قبل الموظف بطريقة معقولة) ومقبولة من قبل الموظفين، وإلّا ستفتقر هذه الأهداف إلى الأهمية والجهد المبذول سيتراجع حتمًا. تقييم النتائج. بعد ذلك، يحتفظ الموظفون والمشرفون بسجل أداء الموظفين ومُقارنات هذا السجل مع المعايير والأهداف السلوكيّة المحدّدة سابقًا، وتُلاحظ عندها الفروقات وتُناقش. على سبيل المثال، يمكن للسجل أن يزوّد الموظفين بتعليقات مستمرّة عن كفاءة أداءهم فيما يتعلّق بتقليل العيوب في المُنتجات. تقديم الملاحظات والمكافآت. أخيرًا، على أساس تقييم سجل أداء الموظف، يُعطي المشرف ملاحظاته والثناء حيثما يُستحق للموظف. يمكن أن يعزّز الثناء جهود الموظفين لتقليل العيوب (تعزيز إيجابي). إنّ الامتناع عن الثناء في حال كان مستويات العيوب في الإنتاج أكبر من الحد الأدنى الموضوع أو دون الأهداف المحدّدة، إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى توقف الموظفين عن السلوك الذي أدى إلى العيوب أو العمل بجد أكبر لتقليل العيوب ( منهج الزوال). محور هذه المرحلة من العملية هو فكرة القولبة، وهي عملية تحسين الأداء تدريجيًا خطوة بخطوة. لنفترض أنّ موظف غائب في 30% من الوقت خلال شهر واحد. لتحسين الحضور، سنضع هدفًا للتغيّب فقط 5% من الوقت. بعد تطبيق العملية أعلاه، سنجد أنّ نسبة التغيّب ستنخفض إلى 20% في الشهر الثاني. رغم أنّ هذا ليس المستوى المطلوب من الحضور، إلّا أنّه بوضوح تحسّن ويُكافئ على هذا النحو. في الشهر التالي، ستنخفض إلى 15% ومرة أخرى يُكافئ هذا التحسّن التدريجي، وبالتالي، من خلال هذا الأسلوب التدريجي سيصبح الموظف أقرب إلى المستوى المطلوب من السلوك. وبمعنى آخر، "قولبنا" سلوكه. تعديل السلوك في الممارسة يوجد عدّة طرق لرؤية كيف يمكن تطبيق مبادئ تعديل السلوك في المؤسسات. يمكن العثور على أحد أفضل الأمثلة في الدراسة الكلاسيكيّة التي أجراها لوثن (Luthans) وكريتنر (Kreitner). حيث أجرى هذان الباحثان تجربة ميدانية في معمل متوسط الحجم لتصنيع الإضاءة. استُخدمت مجموعتين منفصلتين من المشرفين في هذه الدراسة. في إحدى المجموعتين (المجموعة التجريبيّة)، دُرِّبَ المشرفون على أساليب تعديل السلوك. سُمي هذا البرنامج إدارة الطوارئ السلوكية (BCM)، ويتضمن عشر محاضرات عن استراتيجيات تعديل السلوك مدة كل منها 90 دقيقة على مدى عشرة أسابيع. المجموعة الثانية من المشرفين (مجموعة الضبط) لم تتلقّى أي تدريب. بعد ذلك، طُلب من المشرفين المتدربين تطبيق ما تعلموه على مجموعاتهم، وبالطبع لم يُعطى لمشرفي مجموعة الضبط أي تعليمات كهذه. دُرس أداء كلا المجموعتين بعد عشرة أسابيع، وجُمع نوعين من البيانات. أولًا، اهتم الباحثون بإيجاد أي تغيّرات سلوكيّة محتملة بين مختلف العمال في المجموعات التجريبيّة (بالموازنة مع مجموعات الضبط) كنتيجة لبرامج تعديل السلوك التي خضعوا لها. لوحظ تغيرات واضحة للمجموعات التدريبية في المجالات التي اسستُهدفت للتغيير، تمثّلت في: (1) انخفاض تواتر الشكاوى ما بين أفراد المجموعة (2) انخفاض معدل المخلّفات (3) ارتفاع مؤشرات الجودة في المجموعة (4) انخفاض تواتر مشاكل الأداء الفرديّة. لم تُسجل تغيرات مماثلة في مجموعات الضبط التي لم تتعرّض لتعديل السلوك. ركّز القياس الثاني على معدلات الأداء الإجماليّة لمختلف المجموعات، حُسب هذا المعدّل على أساس قياس فعالية العمل المباشرة لكل مجموعة. مرة أخرى، تحسّن الأداء الجماعي الإجمالي (أي معدّلات فعالية العمل) تحسّنًا ملحوظًا في المجموعات التجريبيّة، لكن لم يتغيّر في مجموعات الضبط، يمكن رؤية ذلك في الشكل (4.9). استنتج الباحثون أنّ إدخال برنامج تعديل السلوك أدّى إلى تحسّنات جوهريّة في أداء المصنع. الشكل (4.9): موازنة الأداء ما بين المجموعات باستخدام برنامج إدارة الطوارئ السلوكيّة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الإدارة الذاتية للسلوك كيف يمكن تدريب الموظفين على تحمّل المزيد من المسؤولية عن التطوّر الذاتي والأداء الوظيفي بهدف تأسيس بيئة عمل تتميّز بالتعلّم الذاتي المستمر وتطوير الموظفين؟ النهج الإداري الثاني لقولبة السلوك المتعلّم في مكان العمل هو الإدارة الذاتيّة للسلوك (Behavioral Self-Management BSM). الإدارة الذاتية للسلوك هي عملية تعديل الفرد لسلوكه ذاتيًا من خلال إدارة المعطيات والعمليات الإدراكيّة والنتائج اللاحقة بصورة منهجيّة مستمرّة. BSM هي أحد أساليب التعلم وتغيير السلوك والتي تعتمد على الفرد لأخذ زمام المبادرة في التحكم بعملية التغيير. إنّ التأكيد هنا هو على "السلوك" (لأنّ تركيزنا هو على تغيير السلوكيات) وليس على المواقف أو القيم أو الشخصية. رغم أنّ الإدارة الذاتية للسلوك شبيهة بتعديل السلوك، إلّا أنّها تختلف عنه في أحد الجوانب المهمة وهي: التركيز الكبير على العمليات الإدراكيّة، والذي يعكس نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا Bandura. عملية التنظيم الذاتي أساس الإدارة الذاتيّة للسلوك هو الاعتقاد الراسخ بأنّ الأفراد قادرون على تحصيل الضبط الذاتي إذا أرادوا تغيير سلوكهم (سواء للقدوم إلى العمل في الوقت المحدد أو الإقلاع عن التدخين أو خسارة الوزن …إلخ)، وإنّ ذلك ممكن من خلال عملية تسمّى التنظيم الذاتي (Self-regulation)، كما هو موضّح في الشكل (4.10). وفقًا لهذا النموذج، يميل الأشخاص إلى ممارسة أنشطتهم اليومية بصورة روتينية إلى أن يحدث شيء غير اعتيادي أو غير متوقّع، عند هذه النقطة يبدأ الفرد عملية التنظيم الذاتي من خلال الدخول في مرحلة المراقبة الذاتية (المرحلة 1). في هذه المرحلة، يحاول الفرد تحديد المشكلة. على سبيل المثال، إذا أخبرك المشرف أنّ اختيارك للملابس غير مناسب للمكتب، فإنّك ستوجّه انتباهك إلى ملابسك بشكل أكبر عند القدوم إلى العمل. الشكل (4.10): نموذج التنظيم الذاتي لكانفر Kanfer. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). في المرحلة الثانية (مرحلة التقييم الذاتي) ستفكّر فيما عليك ارتداءه. ستوازن هنا بين ما تمتلكه من ملابس والمعايير المقبولة التي تعلمتها من زملائك أو من الإعلانات مثلًا. أخيرًا، بعد تقييم الوضع والقيام بإجراءات تصحيحيّة إذا لزم الأمر، فإنّك ستطمئن نفسك أنّ التأثير السلبي مرّ وأنّ كل شيء على ما يرام الآن، تسمى هذه المرحلة مرحلة التعزيز الذاتي (المرحلة 3). وستصبح الآن قادرًا على العودة إلى روتينك الطبيعي. تشكّل عملية التنظيم الذاتي هذه أساس الإدارة الذاتيّة للسلوك. الإدارة الذاتية في الممارسة عندما نجمع بين نموذج التنظيم الذاتي في الأعلى ونظرية التعلم الاجتماعي (التي ناقشناها سابقًا)، يمكننا رؤية آلية عمل الإدارة الذاتية. كما هو موضّح في الشكل (4.11)، يجب أخذ أربع عوامل تفاعلية في الحسبان، وهي المعطيات الظرفية والشخص والسلوكيات والنتائج. 20 (لاحظ أنّ الأسهم في الرسم البياني هي ذات اتجاهين لتبين أن العملية ثنائية الاتجاه بين هذه العوامل الأربعة). الشكل (4.11): نموذج الإدارة الذاتية لنظرية التعلم الاجتماعي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). المعطيات الظرفية. في محاولة لتغيير أيّ سلوك، يستجيب الأشخاص للمعطيات المحيطة بهم. أحد الأسباب التي تجعل الإقلاع عن التدخين صعبًا للغاية بالنسبة لبعض الأشخاص هو الوابل المستمر من الإعلانات المتعلقة بالتدخين على اللوحات وفي المجلات وما إلى هنالك، إذ إنّ هناك الكثير من المعطيات والمنبهات التي تذكّر الأشخاص بالتدخين. لكن يمكن تحويل المعطيات الظرفية إلى مصلحتنا عند استخدام الإدارة الذاتية للسلوك. من خلال استخدام الأنواع الستة من المعطيات الموضّحة في الشكل (4.11). في العمود الأول، يمكن للأشخاص وضع سلسلة من التذكيرات الإيجابية والأهداف المرتبطة بالسلوكيات المرغوبة. تعمل هذه التذكيرات على توجيه تركيزنا نحو ما نحاول تحقيقه. وبالتالي إنّ الشخص الذي يحاول الإقلاع عن التدخين سوف: (1) يتجنب أي اتصال مع المدخنين أو إعلانات التدخين (2) يبحث عن معلومات عن مخاطر التدخين (3) يضع هدفًا شخصيًا للإقلاع (4) يتتّبع استهلاكه للسجائر. تهدف هذه الإجراءات إلى توفير المعطيات الظرفية الصحيحة لتوجيه السلوك نحو لهدف المطلوب (الإقلاع عن التدخين.) الدعم الإدراكي. بعد ذلك، يستخدم الشخص ثلاثة أنواع من الدعم الإدراكي لمساعدته في عملية الإدارة الذاتية. يمثّل الدعم الإدراكي معطيات ذات طابع نفسي (على عكس المعطيات البيئية المحيطة). يمكن تحديد ثلاثة أنواع منها: الترميز. أولًا، يمكن أن يستخدم الأشخاص الترميز من خلال محاولة ربط المنبه الكلامي أو البصري مع المشكلة. على سبيل المثال، يمكن أن نخلق في عقلنا صورة لمدخن يسعل ويبدو عليه المرض، وبالتالي في كلّ مرّة نفكر فيها بالسجائر سنربطها مع المرض. التدرّب. ثانيًا، يمكن أن يتدرّب الأشخاص على حل المشكلة. على سبيل المثال، يمكن أن نتخيّل كيف سنتصرّف في موقف اجتماعي بدون السجائر، من خلال هذا التخيّل سنطوّر صورة ذاتية عن كيف سنبدو ضمن الظرف المرغوب. التحدّث مع النفس. أخيرًا يمكن للأشخاص أن يجروا أحاديث حماسية مع أنفسهم ليستمروا بسلوكهم الإيجابي. نعلم من الأبحاث السلوكية أنّ الذين يملكون نظرة سلبية للأشياء (لا أستطيع القيام بذلك)، يميلون إلى الفشل أكثر من الأشخاص الذين يملكون نظرة أكثر إيجابية (نعم، أستطيع القيام بذلك). لذلك، من خلال التحدّث مع النفس يمكننا إقناع أنفسنا أنّه بإمكاننا الوصول إلى الهدف والنتيجة المرجوّة. المعضلات السلوكية. تُستخدم الإدارة الذاتية بشكل أساسي لحمل الأشخاص على القيام بأشياء التي لا نميل إليها، إذ أنّنا بحاجة إلى القليل من الحافز للقيام بالأمور الممتعة، بخلاف الأمور غير الممتعة (كالإقلاع عن التدخين) والتي تحتاج حافزًا قويًّا. وبالتالي نستخدم الإدارة الذاتية لحمل الأفراد على التوقف عن المماطلة في عمل، أو الميل إلى الأعمال البسيطة والتي تفتقر إلى عامل التحدي، أو لتقبّل أنفسهم وإلى ما هنالك. هذه هي "المعضلات السلوكية" المشار إليها في الشكل (11.4). باختصار، يتمثّل التحدي بحمل الأشخاص على التخلي عن السلوكيات ذات احتمال الحدوث المنخفض (مثل الالتزام بجدول زمني أو التخلي عن الإشباع الفوري لتدخين سيجارة واحدة) من أجل تجنّب السلوكيات عالية الاحتمالية (مثل المماطلة أو الإصابة بسرطان الرئة). على المدى الطويل، من الأفضل للفرد -ومسيرته المهنية- تغيير سلوكياته، لأنّ الفشل في ذلك سيؤدي إلى عقاب ما أو أسوء من ذلك. نتيجة لذلك، يستخدم الأشخاص عادةً الإدارة الذاتية لتغيير سلوكياتهم قصيرة الأمد وغير المقبولة إلى سلوكيات مفيدة طويلة الأمد. إنّ هذا الصراع ما بين السلوكيات قصيرة الأمد وطويلة الأمد هو ما يُشار إليه بالمعضلة السلوكيّة. التعزيز الذاتي. أخيرًا، يمكن للأشخاص الثناء على أنفسهم وأن يدركوا أنّهم أنجزوا ما كانوا يهدفون إلى القيام به. وفقًا لباندورا، يتطلّب التعزيز الذاتي ثلاثة شروط ليكون فعّالًا: (1) يجب وضع أهداف أداء واضحة لتحديد كمية ونوعية الهدف المطلوب (2) يجب أن يملك الشخص السيطرة على المعززات المرغوبة (3) يجب تطبيق المعزّزات على أساس مشروط فقط، أي أنّ الفشل في تحقيق الأداء المعياري يجب أن يؤدي إلى الحرمان من المكافأة. وبالتالي، من خلال العمل على تغيير بيئة الفرد المحيطة وتولي الفرد مسؤولية سلوكه، تسمح أساليب الإدارة الذاتية للأفراد بتحسين سلوكهم بحيث ينعكس أثر ذلك التغيير إيجابيًا عليهم وعلى الأشخاص المحيطين بهم. الحد من التغيب من خلال الإدارة الذاتية وُجِّهت الجهود في دراسة حديثة إلى الحدّ من غياب الموظفين من خلال استخدام بعض أساليب الإدارة الذاتية للسلوك. كان الموظفين في الدراسة عمال نقابيين من موظفي الحكومة مع تاريخ مُلفتٍ من الغياب والتأخّر عن العمل. أُعطي لهؤلاء الموظفين تدريب عن الإدارة الذاتية. قُدّم التدريب على مدى ثمانية جلسات مدّة كل منها ساعة لكل مجموعة، مع ستة جلسات فرديّة مع كل مشترك مدّة كل منها 30 دقيقة. تضمّنت هذه الجلسات: (1) تعليم المشاركين كيفية وصف السلوكيات المسببّة للتغيّب (مثلًا خلافات مع زملاء في العمل) (2) تحديد الأسباب التي أدّت إلى تشكّل السلوكيات واستمرارها (3) تطوير استراتيجيات للتغلّب عليها. حدّد المشاركون أهدافًا قصيرة وطويلة الأمد لتعديل سلوكياتهم. بالإضافة إلى ذلك، وُضِّح لهم كيفية تسجيل غياباتهم في السجّلات بما في ذلك تواترها وأسبابها وعواقبها. أخيرًا، حدّد المشاركون المعزّزات والعقوبات المحتملة والتي يمكن تطبيقها ذاتيًا عقب تحقيق الهدف أو الفشل في تحقيقه. بعد تسعة أشهر من الدراسة، أظهرت النتائج أنّ طريقة الإدارة الذاتية أدّت إلى انخفاض كبير في معدّل الغياب (مقارنة مع مجموعة الضبط). استنتج الباحثون أنّ طريقة كهذه لها تطبيقات مهمّة على مجموعة واسعة من المشاكل السلوكيّة في مكان العمل ضمن المؤسسة. ترجمة -وبتصرف- للفصلين Behavior Modification in Organizations و Behavioral Self-Management من كتاب Organizational Behavior
  2. ما هي أفضل الممارسات التي يمكن أن تستخدمها المؤسسات لتدريب موظّفيها على مهارات العمل الجديدة؟ أحد السمات الأساسيّة لمعظم نُهج التعليم هو مفهوم التعزيز. يعود هذا المفهوم إلى قانون التأثير لثوان دريك، والذي كما ذكرنا سابقًا ينص على أنّ السلوك الذي يُعزّز إيجابيًا يميل إلى أن يُكرّر، في حين أنّ السلوك الذي لا يُعزّز يميل إلى ألا يُكرّر. وبالتالي يمكن تعريف التعزيز على أنّه أي شيء يؤدي إلى تكرار سلوك معيّن أو تثبيطه. التعزيز مقابل التحفيز من المهم التفريق ما بين مفهوم التعزيز ومفهوم تحفيز الموظفين. يمثّل التحفيز، كما هو معرّف في الفصل التالي، عملية نفسيّة إدراكيّة في طبيعتها. لذلك، يكون التحفيز ذو منشأ داخلي، إذ يُختبر أو يُشعر به من قبل الموظف ويمكننا فقط رؤية مظاهره اللاحقة في السلوك الفعلي. من الجهة الأخرى، يمكننا رؤية التعزيز بشكل فعلي، وغالبًا ما يتظاهر بشكل خارجي. يمكن لمشرف أن يُعزّز ما يراه سلوكًا مرغوبًا بدون معرفته للحوافز الكامنة وراءه. على سبيل المثال، يمكن لمشرف أن يكون لديه عادة قول "هذا مثير للاهتمام" كلّما قُدّمت إليه فكرة جديدة، ذلك يمكن أن يعزّز الابتكار والابداع لدى الموظفين دون أن يُدرك المشرف سبب ذلك التعزيز. إنّ الفرق ما بين نظريات التحفيز والتعزيز يجب أن يبقى في حسباننا عند دراستنا لتعديل السلوك والإدارة الذاتية للسلوك في هذا الفصل لاحقًا. استراتيجيات تغيير السلوك من منظور إداري، تتوفّر العديد من الاستراتيجيات تقويم السلوك وتسهيل التعلّم في بيئة المؤسسة. يمكننا ملاحظة أربع أنواع مختلفة من استراتيجيات تغيير السلوك: (1) التعزيز الإيجابي (2) التعزيز السلبي أو تجنّب التعلّم (3) الزوال (4) العقاب. يلعب كل نوع دورًا مختلفًا في كل من الطريقة والمدى الذي يحدث فيها التعلّم، وسنتحدّث عن كل منها فيما يلي. التعزيز الإيجابي: يعتمد على تقديم نتيجة جاذبة (مكافأة) للفرد بعد قيامه بسلوك مرغوب. كما قال سكينر "إنّ التحفيز الإيجابي هو منبه يُضاف إلى موقف ما من اجل تعزيز احتمال حدوث استجابة استثابيّة". أحد الأمثلة البسيطة عن التعزيز الإيجابي هو مديح المدير لموظّفيه عند قيامهم بعمل جيد في موقف معيّن، أو عند مدح المدير لأحد الموظفين عند التزامه بالوقت المحدّد باستمرار (انظر إلى الشكل 4.6)، فإنّ نمط السلوك-المدح هذا من الممكن أن يشجّع الموظف ليأتي في الوقت المحدّد في المستقبل على أمل الحصول على مدح إضافي. الشكل (4.6): استراتيجيات تغيير السلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). يجب أن تتحقّق عدّة شروط ليكون التعزيز الإيجابي فعّالًا في تسهيل تكرار السلوك المرغوب. أولًا، يجب أن يكون المُعزّز نفسه (المديح) مُقدّرًا من قبل الموظف، إذ لن يكون المديح فعّالًا إن لم يكترث به الموظفون. ثانيًا، يجب أن يرتبط المُعزّز بشكل قوي بالسلوك المرغوب، إذ إنّ تلقّي المُعزّز (المديح) من قبل الموظف يجب أن يكون منوّطًا ومرتبطًا مباشرة بالقيام بالسلوك المرغوب. "يجب أن تنتج المكافآت مباشرة بعد الآداء، وكلّما كانت درجة أداء الموظف أفضل، يجب أن تكون مكافأته أكبر." من المهم ان نأخذ في الحسبان هنا أنّ "السلوك المرغوب" يمثل السلوك الذي يحدده المشرف وليس الموظف. لذلك حتى يلعب المديح دور المُعزز عليه ألا يكون مُقدّرًا من قبل الموظف فقط، بل أيضًا يجب أن يتبع مباشرة السلوك المرغوب، وأن يكون أكبر كلّما كان السلوك أقرب للصورة المثالية الموجودة في عقل المدير. إذ إن المديح الذي يُقال عشوائيًا من غير المرجّح أن يعزز السلوك المرغوب. ثالثًا، يجب أن يكون هناك فرص كافية لإعطاء المعزز بعد السلوك المرغوب. إذا كان المعزز مرتبطًا بسلوك معيّن نادرًا ما يحدث، فإنّ الأفراد نادرًا ما سيعزّزون هذا السلوك وغالبًا لن يربطوه بمكافأة. على سبيل المثال، إذا أعطي المديح فقط مقابل الأداء الاستثنائي (والذي قلّما يحدث في المؤسسة)، فإنّه من غير المرجّح أن يمتلك تأثيرًا قويًّا على الموظفين لأداء السلوك المرغوب. من المهم أن يُبنى نظام السلوك-المكافأة بحيث يكون من السهل تحقيقه. التعزيز السلبي: يشير مفهوم التعزيز السلبي إلى السعي لتجنّب وضع أو نتيجة غيّر سارّة من خلال اتّباع السلوك المرغوب. يتعلّم الموظفون تجنّب الأعمال ذات النتائج غير السارّة أو غير المريحة من خلال التصرّف بطرق معيّنة. إذا أدّى موظف مهمّة بطريقة صحيحة أو التزم بالقدوم إلى العمل في الوقت المحدّد (انظر إلى الشكل 4.6)، فإنّ المشرف عليه من الممكن أن يمتنع عن مضايقته أو توبيخه أو إحراجه. من المفترض أن يتعلّم الموظف مع مرور الوقت أنّ الالتزام بالسلوك الصحيح يقلّل من التحذيرات التي يوجّهها المشرف إليه، وللمحافظة على هذا الوضع، يستمر الموظف باتّباع السلوك المرغوب. الزوال: يقترح مبدأ الزوال أنّ السلوك غير المرغوب سيتراجع (يزول تدريجيًا) نتيجة لعدم وجود تعزيز إيجابي. في حال لم يحظى الموظّف المتأخر في المثال الوارد في الشكل (4.6) بالمديح من المشرف عليه ولم يُرشّح لزيادة راتبه أو ترقيته، فإنّنا نتوقع أن يؤدي عدم التعزيز هذا إلى "زوال" هذا التأخير. إذا يستنتج الموظّف أنّ التأخير من شأنه أن يحرمه من زيادة راتبه أو فرصة ترقيته مستقبلًا ومن الممكن أن يحاول أن يأتي إلى العمل في الوقت المحدّد. العقاب: وأخيرًا، الاستراتيجية الرابعة لتغيير السلوك المستخدمة من قبل الإداريين والمشرفين هي العقاب. العقاب هو تطبيق عواقب غير سارّة أو سلبية نتيجة لسلوك غير مرغوب به. أحد الأمثلة عن تطبيق العقاب هو توبيخ المشرف للموظف علنيًا أو تغريمه نتيجة لتأخيره المستمر (انظر إلى الشكل 4.6). من المفترض أن يمتنع الموظف عن التأخير في المستقبل ليتجنّب مثل هذه العواقب غير المرغوبة. العقوبات الأكثر استخدامًا (وكذلك المكافآت الأكثر استخدامًا) موضّحة في الجدول (4.1). المكافآت والعقوبات الأكثر استخدامًا المكافآت العقوبات زيادة الراتب التوبيخ الشفهي مكافأة مالية التوبيخ الكتابي الترقية النبذ الثناء والتقدير النقد الجوائز الإيقاف عن العمل التقدير الذاتي إنزال الرتبة الإحساس بالإنجاز تقليل الصلاحيات زيادة المسؤولية نقل غير مرغوب به إجازة الفصل النهائي من العمل الجدول (4.1) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). إنّ استخدام العقاب هو في الواقع أحد أكثر المسائل المثيرة للجدل في استراتيجيات تغيير السلوك. رغم أنّ العقاب يمكن أن يمتلك نتائج عمل إيجابية، خاصة إذا أُدير بأسلوب غير شخصي ونُفّذ مباشرة بعد حدوث التقصير أو الخطأ، إلّا أنّ بعض التداعيات السلبية يمكن أن تنتج أيضًا عبر استياء الموظفين من الإجراء أو شعورهم بأنّهم يعاملون بطريقة غير عادلة. إنّ هذه النتائج السلبية للعقاب مبيّنة في الشكل (4.7). لذلك ورغم أنّ العقاب يمثّل قوّة فعّالة في التعلم التصحيحي، فإنّ استخدامه يجب أن يُطبّق بعناية. عمومًا، وليكون العقاب فعّالًا يجب أن تتناسب العقوبة مع شدة "الخطأ المُرتكب"، وأن تُعطى على انفراد وأن تُشرح للموظف بشكل واضح. الشكل (4.7): النتائج السلبية المحتملة للعقاب (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } الأخلاقيات في الممارسة التعامل مع متنمّر في مكان العمل تشير الدراسات إلى أنّ حوالي 50% من الموظفين في الولايات المتحدة الأمريكيّة يتعرّضون للتنمّر في مرحلة ما في عملهم. يجب أخذ جميع أنواع التنمّر في الحسبان وليس فقط التمييز أو المضايقة. عملت أنجيلا في مجلس إدارة كلية حقوق وتعرّضت للتنمّر بشكل مباشر. كثيرًا ما كان مديرها يصرخ عليها أمام زملائها، وكان واضحًا بالنسبة لها أنّها لم تكن محبوبة. لم تكن أنجيلا وحدها التي شعرت بالغيظ تجاه هذا المدير الذي كان يتعامل مع الموظفين الآخرين بنفس الطريقة. حاول العديد من الموظفين، بمن فيهم أنجيلا، استرضاء المدير المتنمّر لكن لم ينفع شيء. في أحد الأيام هُدّدت أنجيلا من قبل مديرها، لكنّها قبل أن تتمكّن من الوصول لقسم الموارد البشرية فُصلت من العمل. على الرغم من أن سوء المعاملة الإدارية بهذا الشكل وفي هذا المثال يُعد أمرًا نادرًا، إلا أنه يجب علينا معرفة وإدراك أن تعديل سلوك غير مرغوب أو التعامل معه هو إجراء مهم لأي مدير في مكان العمل. المصادر: Acceptable and Unacceptable Behaviours, University of Cambridge website, accessed January 15, 2019, https://www.hr.admin.cam.ac.uk/policies-procedures/dignity-work-policy/guidance-managersand-staff/guidance-managers/acceptable-and; Hedges, Kristi, How to Change Your Employee’s Behavior,” Forbes, March, 4, 2015, https://www.forbes.com/sites/work-in-progress/2015/03/04/how-tochange-your-employees-behavior/#c32ad4b6732a; and Kane, Sally, Workplace Bullying: True Stories,Statistics and Tips, The Balance Careers, January 29, 2019, https://www.thebalancecareers.com/bullying-stories-2164317 باختصار، يُركّز كل من التعزيز الإيجابي والسلبي على تحقيق الاستجابة المرغوبة من الموظف. في التعزيز الإيجابي يتصرّف الموظف بطريقة معيّنة للحصول على المكافآت المرغوبة، بينما في التعزيز السلبي يتصرّف الموظف بهدف تجنّب محصّلات معيّنة غير مرغوبة. لكن في كلا الحالتين يُعزز السلوك المرغوب من قبل المشرف. في المقابل، يركّز الزوال والعقاب على محاولات المشرفين للحد من حدوث السلوك الغير مرغوب. يعني ذلك أنّ الزوال والعقاب يُستخدمان عادة لحمل شخص على التوقف عن فعل شيء لا يحبّه المشرف، ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ الفرد سيبدأ بالتصرف بالطريقة المرغوبة أو الصحيحة انطلاقًا من ذاته. يواجه الطلاب في الكثير من الأحيان صعوبة في التمييز بين التعزيز السلبي والزوال، أو في فهم كيف يمكن أن يمتلك أي منهما تأثيرًا مهمًا على السلوك. يوجد عاملان من المهم أخذهما في الحسبان، الأول سنسميه ببساطة "تأثير التاريخ". يمكن لعدم الرغبة في التعرّض للمضايقة أن يعزّز وصول الموظف إلى العمل في الوقت المحدّد وذلك في حال تعرّض هذا الموظف سابقًا للمضايقة بسبب تأخره. إنّ الوصول في الوقت المحدّد وبالتالي تجنّب المضايقة السابقة سيعزز من الوصول في الوقت المحدّد. تنطبق هذه الديناميكية نفسها على الزوال. إذا اُثنيَ على الموظف سابقًا لوصوله في الوقت المحدّد، ثم وصل متأخرًا ولم يُثنى، سيعمل ذلك على إضعاف الميل إلى الوصول متأخرًا. سنسمي العامل الثاني "التأثير الاجتماعي"، على سبيل المثال، إذا رأيت الآخرين يتعرّضون للمضايقة لوصولهم متأخرين وأنت لم تتعرض للمضايقة أبدًا بسبب وصولك في الوقت المحدّد دومًا، يمكن لهذا أن يعزز الوصول إلى العمل في الوقت المحدّد بشكل أكبر. ومرّة أخرى، تنطبق هذه الديناميكية على الزوال. إذا رأيت الآخرين يتلقون الثناء لوصولهم في الوقت المحدّد، ولم تتلقّى أنت الثناء بسبب وصولك متأخرًا باستمرار، سيعمل ذلك على إضعاف الميل إلى الوصول متأخرًا. من منظور إداري، تُطرح العديد من الأسئلة حول أي من استراتيجيات تغيير السلوك هي الأكثر فاعليّة. يجيب مناصري استراتيجيات تغيير السلوك، مثل سكينر، بأنّ التعزيز الإيجابي مترافقًا مع الزوال هما الطريقة الأنسب لتحقيق السلوك المرغوب. هناك عدّة أسباب كامنة وراء هذا التركيز على النهج الإيجابي للتعزيز. أولًا، رغم أنّ العقاب من الممكن أن يثبّط أو يزيل السلوك غير المرغوب، إلا أنه غالبًا لايقدّم معلومات للفرد حول كيفية أو في أي اتجاه عليه أن يتغيّر لكي يتجنّب العقاب. يمكن أن يؤدي تطبيق العقاب أيضًا إلى عزل الفرد عن بيئة العمل المحيطة به، مما يقلّل من فرص حدوث تغيير مفيد. وبالمثل، يميل التعزيز السلبي إلى تسليط الضوء على الجانب السلبي، يعني ذلك أنّ الأشخاص يتعلمون الابتعاد عن بعض السلوكيات، مثل التأخر، خوفًا من تداعياتها السلبية. بالمقابل، يبدو أنّ الجمع ما بين التعزيز الإيجابي واستخدام الزوال له آثار سلبية غير مرغوبة أقل، ويسمح للأفراد أن يتلقوا المكافآت التي يرغبون بها. ويعتقد البعض أنّ النهج الإيجابي للتعزيز هو أداة الإدارة الأكثر فاعليّة لتحقيق التغييرات الإيجابيّة في المؤسسة. الجدول الزمني لتطبيق التعزيز بعد دراسة الاستراتيجيات الأربعة المختلفة لتغيير السلوك، ننتقل الآن إلى دراسة الطرق أو الجداول الزمنية المختلفة لتطبيق هذه الاستراتيجيات. كما قال كوستيلو (Costello) وزالكيند (Zalkind): «تُحدّد سرعة حدوث التعلّم ومدى تأثيره بتوقيت التعزيز». لذلك، إنّ معرفة أنواع الجداول الزمنية للتعزيز هو أمرٌ أساسي للإداريين إذا أرادوا معرفة كيفية اختيار المكافآت وتحديد توقيتها الدقيق بحيث تمتلك التأثير الأقصى على أداء الموظفين. رغم أنّ هناك طرق متنوعّة لكيفية تطبيق المكافآت، يمكن تصنيف معظم الأساليب في مجموعتين: مستمرة - جزئية (أو متقطّعة). يُكافئ جدول التعزيز المستمر السلوك المرغوب في كلّ مرّة يحدث فيها. على سبيل المثال، يمكن للمدير أن يمدح (أو يدفع) الموظف في كل مرّة يقوم فيها بأداء جيّد أو تصرّف صحيح، لكن نظرًا لضيق الوقت والموارد الذي يعمل فيه معظم الإداريون، فإنّ ذلك غالبًا ما يكون صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا. لذا فإنّ معظم استراتيجيات مكافآت الإدارة تعمل وفقًا لجدول زمني جزئي. يُكافئ جدول التعزيز الجزئي السلوك المرغوب في فترات زمنية محدّدة ومتقطّعة، وليس في كلّ مرّة يظهر فيها السلوك المرغوب. بالمقارنة مع الجداول المستمرة، تؤدي الجداول الجزئية إلى تعلّم أبطىء لكن احتفاظ أقوى واستمرارية في أسلوب التعزيز، وبذلك يغدو التعلّم عادة أكثر ديمومة. يمكن تحديد أربع أنواع من جداول التعزيز الجزئية: (1) فواصل ثابتة - (2) معدل ثابت - (3) فواصل متغيرة - (4) معدل متغير (انظر إلى الجدول 4.2). table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } الجداول الزمنية للتعزيز الجزئي الجدول الزمني للتعزيز طبيعة التعزيز آثاره على السلوك عند تطبيقه آثاره على السلوك عند إيقافه مثال جدول الفواصل الزمنية الثابتة مكافأة في فترات زمنية ثابتة يؤدي إلى أداء متوسط وغير منتظم زوال سريع للسلوك الراتب الأسبوعي جدول المعدل الثابت مكافأة مرتبطة باستمرار مع الإنتاج يؤدي بسرعة إلى أداء عالي وثابت زوال سريع للسلوك نظام الدفع وفقًا للقطعة جدول الفواصل الزمنية المتغيرة مكافأة معطاة في فواصل زمنية متغيرة حول متوسط وقت معيّن يؤدي إلى أداء مرتفع باعتدال وثابت زوال بطيء للسلوك تقييم أداء شهري ومكافأة في أوقات عشوائية كل شهر جدول المعدل المتغير مكافأة معطاة في مستويات إنتاج متغيرة حول متوسط إنتاج معيّن يؤدي إلى أداء مرتفع جدًا زوال بطيء للسلوك مكافأة مبيعات مرتبطة ببيع عدد س من الحسابات، لكن تتغير س باستمرار حول متوسط معين الجدول (4.2) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). جدول الفواصل الزمنية الثابتة. يُكافئ هذا الجدول الأفراد على أدائهم في فترات زمنية محدّدة، كما هو الحال عند إعطاء الراتب كلّ أسبوعين. حتى إذا كان أداء الموظفين في الحد الادنى، سيُدفع لهم. لكن هذه التقنية لا تؤدي عمومًا إلى مستويات أداء عالية أو مستدامة لأنّ الموظفين يعلمون أنّ الأداء بالحد الأدنى سيؤدي إلى الحصول على نفس مكافآت الأداء العالي. وبالتالي هناك حافز ضئيل لتقديم أداء وجهود عالية. وأيضًا عند تعليق أو إيقاف المكافآت، فإنّ زوال العادات المرغوبة سيحدث بسرعة. تُستمد العديد من الجهود الحديثة لإعادة تصميم الوظائف إلى إدراك الحاجة لاستراتيجيات بديلة للتحفيز وفق فواصل زمنية ثابتة. جدول المعدل الثابت. الجدول الثابت الثاني هو جدول المعدل الثابت. تُعطى المكافأة هنا فقط بعد إكمال عدد ثابت من الاستجابات المرغوبة. بمعنى آخر، المكافآت مرتبطة بالأداء، أي أن المكافأة تكون من جِنس جودة العمل. مثال شائع عن جدول المعدل الثابت هو نظام الدفع وفقًا "للقطعة"، حيث يُدفع للموظفين لكل وحدة إنتاج ينتجونها. تحت هذا النظام، يصل الأداء إلى مستويات عالية بسرعة. في الواقع وفقًا لهامنر (Hamner): «إنّ مستوى الاستجابة هنا أعلى بكثير من أي مستوى يُحصل عليه تحت أي جدول آخر يعتمد على الفواصل الزمنية». 14 لكن الجانب السلبي منه هو انّ الأداء يتراجع بحدّة عند تعليق المكافآت كما في جداول الفواصل الزمنية الثابتة. جدول الفواصل الزمنية المتغيرة. تُطبّق جداول التعزيز المتغيرة -سواء متغيرة الفواصل الزمنية أو المعدل- بأوقات عشوائية لا يمكن أن يتنبّئ بها الموظف. لا يعلم الموظف في هذه الجداول عمومًا متى ستكون فترة التقييم والمكافآت التالية. في الجدول ذي الفواصل الزمنية المتغيرة، تعطى المكافآت وفق فترات زمنية مستندة إلى متوسط. على سبيل المثال، يمكن أن يعلم الموظف أنّ أداءه في المتوسط يقيّم ويُكافئ حوالي مرّة في الشهر، لكنّه لا يعلم متى سيحدث ذلك تمامًا، لكن يعلم أنّه سيحدث ضمن فترة شهر. يكون الجهد والأداء مرتفعان ومستقرّان مع مرور الوقت في هذا الجدول، لأنّ الموظف لا يعلم أبدًا متى سيحدث التقييم. جدول المعدل المتغير. وأخيرًا، جدول المعدل المتغير هو جدول تُعطى فيه المكافآت فقط بعد أداء الموظف وفق السلوك المرغوب به عددًا من المرات، مع تغيّر عدد المرات من مكافأة إلى آخرى، لكنّها تتوسط مع الوقت إلى معدل ثابت من عدد الأداءات المُكافأة. على سبيل المثال، يمكن أن يقرّر مدير إعطاء مندوب مبيعات مكافأة ماليّة مقابل كل 15 حساب جديد يُباع، لكن عوضًا عن تقديم المكافأة كلّ 15 حساب مُباع (كما في جدول المعدل الثابت) يُمكن أن ينوّع المدير عدد المبيعات المطلوبة للحصول على المكافأة، ربما من 10 مبيعات في المكافأة الأولى إلى 20 حساب مباع في المكافأة الثانية، لكن في المتوسط يسود المعدل 1:15. إذا فهم الموظف هذه الأرقام، فإنّ العدد الوسطي الآمن من المبيعات -أو مستوى المبيعات الذي من المرجّح أن يؤدي إلى الحصول على مكافأة- يزيد على 15. بناءً على ذلك، يؤدي جدول المعدل المتغير عادة إلى أداء عالي وثابت، والأكثر من ذلك، زوال السلوك المرغوب بطيء أيضًا في حال غياب المكافأة. أي من جداول التعزيز الأربعة هذه هي الأفضل؟ استنتج هامر بعد مراجعة عدّة دراسات توازن ما بين هذه الطرق المختلفة مايلي: اتضحت ضرورة وضع شروط التعزيز المناسبة بعد عدّة دراسات، تحوّل فيها إعطاء المكافآت من شروط مرتبطة بالاستجابة (المعدل) إلى شروط مرتبطة بالوقت (الفواصل الزمنية). خلال الفترة التي اُشترط فيها إعطاء المكافآت بناءً على حدوث السلوك المرغوب، فإنّ أنماط الاستجابة المناسبة ظهرت على مستوى عالي باستمرار. عندما أعطيت المكافآت فيها على أساس الوقت مستقلّة عن سلوك الموظف، كان هناك انخفاض ملحوظ في السلوك المرغوب. إعادة الوضع إلى جدول المكافآت المشروط بالأداء أعاد فوريًا مستويات الاستجابة العالية. بمعنى آخر، تؤدي جداول المكافآت المشروطة بالأداء (أو المعدل) عمومًا إلى أداء أفضل من الجداول المشروطة بالوقت (أو الفواصل الزمنية)، بغض النظر عمّا إذا كانت هذه الجداول ثابتة أم متغيّرة. سنعود إلى هذه النقطة في مقال لاحق عند استعراض موضوع تقييم الأداء وأنظمة المكافآت. يوجد نهجان آخران للتعلم في أعمال ديفيد كولب (David Kolb) وميل زيلبرمان (Mel Silberman). تتمثّل نظرية أسلوب التعلّم التجريبي لكولب بدورة تعلّم مؤلفّة من أربعة مراحل، يتطرّق فيها المتعلّم إلى جميع الأساسيات. تُنجز المراحل الأربعة عندما يمر الشخص بدورة مؤلفة من: (1) المرور بتجربة ملموسة متبوعة (2) بمراقبة تلك التجربة والتفكير فيها، والذي يؤدي إلى (3) تشكيل مفاهيم مجرّدة (تحليل) وتعميمات (استنتاجات) والتي (4) تُستخدم بعدها لاختبار فرضيات في المواقف المستقبلية، مما ينجم عنه تجارب جديدة. حدّد زيلبرمان في كتابه التدريب الفعّال (Active Training) ثمانية صفات لتجربة التعلّم الفعّالة والنشيطة وهي: مستوى معتدل من المحتوى، التوازن ما بين التعلم العاطفي والسلوكي والمعرفي، تنوّع أساليب وتوجّهات التعليم، فرص للمشاركة الجماعية، تشجيع الأفراد على مشاركة خبراتهم، إعادة تدوير المفاهيم والمهارات المتعلّمة سابقًا، تشجيع حل مشاكل الحياة الواقعية، والسماح بالوقت الكافي للانطلاق مجدّدًا. ترجمة -وبتصرف- للفصل Reinforcement and Behavioral Change من كتاب Organizational Behavior
  3. وصلنا الآن في سلسلة مقالاتنا الفريدة عن السلوك التنظيمي في المؤسسات إلى جانب أساسي لا يقل أهمية عن المواضيع السابقة، ألا وهو مفهوم التعليم والتعزيز ضمن بيئة المؤسسة. سنعرّج في مقالاتنا التالية إلى العديد من المواضيع الفريدة بدءًا من كيف تقدّم المؤسسات المناسبة في الوقت المناسب وصولًا إلى الآلية المناسبة لتدريب الموظفين على مهارات عمل جديدة، وانتهاءً بكيفية تقليل السلوك غير المرغوب للموظفين وتعزيز السلوك المرغوب. استكشاف المهن الإدارية طريقة غوغل لبناء ثقافة التعلم المستمر غوغل ماهرة في عدّة جوانب ومنها جذب أفضل المواهب، والحفاظ على رضا الموظفين، وتشجيع الإبداع. وفقًا لجمعية التطوير والتدريب الأمريكيّة (ATD)، يكون دخل الشركات التي تقدّم برامج تدريب شاملة لموظفيها أعلى من الشركات التي لا توّفر تدريبات رسميّة بنسبة 218% لكل موظف، بالإضافة إلى حصولها على هامش أرباح أعلى بكثير. إنّ الاستثمار في الأشخاص وتعزيز بيئة التعلّم الذاتي هي الخطة الصحيحة للشركات التي تتطلّع إلى الحفاظ على انضباط سلوك موظفيها وتدريبهم وتطويرهم لاكتساب مهارات جديدة. ليس من الضروري إنفاق ملايين الدولارات لإنشاء ثقافة تشجّع على التعلّم. تتّبع غوغل المبادئ البسيطة التي تعطي موظفيها غاية ًومسارًا مهنيًا واضحًا. إذ توفّر المعلومات المهمة وذات الصلة لموظفيها، وتعلم أنّه حتى يكون بإمكانها الاستفادة من هذه المعلومات بأكبر قدر، فيجب أن تكون وثيقة الصلة ومعروضة بالنسق المناسب وفي الوقت المناسب. كما وتعمل غوغل أيضًا على أرشفة المعلومات المهمة، مما يمّكن الموظفين من الوصول إليها في أي وقت. أي تعمل غوغل على فتح الأبواب وإلغاء الحواجز عوضًا عن بنائها وعرقلة عملية تعلّم وتطوّر الموظفين. ثانيًا، تعتمد غوغل تقنية تسميها "الأسئلة الغبية". من الممكن أن يبدو هذا تكتيكًا سخيفًا، لكن تشجيع الموظفين على مشاركة أسئلتهم وآرائهم يتيح تبادل المعلومات والتعلم على جميع المستويات. وتوظّف غوغل أيضًا قيم الاحتفاء بالفشل، والذي يسمح للموظفين بالتعلّم من أخطائهم وإخفاقاتهم، ليتمكّنوا بعدها من الانتقال إلى المشروع التالي بذخيرة جيّدة من المعلومات االجديدة لمكتسبة، ليصبحوا أفضل في كلّ مرة. وأخيرًا، تضع غوغل خططًا رسمية من أجل "التعلم غير الرسمي والمستمر"، مثل السماح للموظفين بمتابعة اهتماماتهم الخاصة واستخدام أدوات التدريب والدعم المختلفة والتي توفرها. إنّ استخدام هذه الأساليب يزرع ثقافة التعلّم في الشركة بكفة مستوياتها. وتحتل غوغل موقع الصدارة في هذا المسعى، لكن يمكن للشركات الأخرى أيضًا تعلّم أساليب غوغل للمضي قُدمًا ووضع موظّفيهم على المسار الصحيح كذلك. المصادر: Ault, Nicole, “Don’t Trust Anyone Over 21,” The Wall Street Journal, August 22, 2018,https://www.wsj.com/articles/dont-trust-anyoneover-21-1534977740?mod=searchresults&page=1&pos=1; and Gutierrez, Karla, “Mind-blowing Statistics that Prove the Value of Employee Training and Development, Shift, August 22, 2017, https://www.shiftelearning.com/blog/statistics-value-of-employee-training-and-development. أحد مسؤوليات الإداريين الرئيسية هي تطوير ومكافأة موظّفيهم. إذا أراد الإداريون زيادة تأثير المكافآت المتاحة (والمحدودة في معظم الأحيان) إلى الحد الأقصى، فإنّ امتلاكهم معرفة دقيقة بأساليب التعزيز هو أمرٌ ضروري لتحقيق ذلك. سنكرّس في الفصل لتطوير فهم دقيق ومفصّل لعمليات التعلّم في المؤسسات، وسنبدأ بالنظر إلى نماذج التعلّم الأساسيّة. نماذج التعلم الأساسية كيف يمكن أن تقدّم المؤسسات المكافآت المناسبة في الوقت المناسب؟ يمكن تعريف التعلّم -بشكل يتوافق مع موضوعنا- على أنّه تغيّر دائم في السلوك يحدث نتيجة للتجربة والخبرة. يُقال مثلًا عن شخص ما أنّه تعلّم شيئًا ما عندما يبدي تغيّرًا سلوكيًّا جديدًا مع مرور الوقت. إنّ عدّة جوانب من هذا التعريف جديرة بالملاحظة، أولًا، يتضمّن التعلّم حدوث تغيّر في موقف أو سلوك ما، لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التغيّر تحسّنًا، فمن الممكن أن يتضمّن مثلًا اكتساب عادات سيئة أو تعصّب نحو أمرٍ ما. ليحدث التعلّم، يجب أن يكون التغيّر الواقع دائم نسبيًا، لذا فإنّ التغيّرات التي تحدث في السلوك نتيجة تعبٍ أو تأقلمٍ مؤقت مع وضعٍ فريد لا تعدّ أمثلة عن التعلّم. ثانيًا، يشتمل التعلّم عادةً على نوع من الممارسة أو الخبرة. على سبيل المثال، لا يعدّ التغيّر الذي ينجم عن النضج الجسدي تعلّمًا بحدّ ذاته، كما هو الحال عندما يطوّر طفل قوته البدنية ليمشي. ثالثًا، يجب تعزيز الممارسة أو الخبرة مع الوقت ليحدث التعلّم. عندما لا يتبَع التعزيز الممارسة أو الخبرة، فإنّ السلوك سيتلاشى أو يختفي في النهاية (يزول). أخيرًا، التعلّم هو عملية استنتاجية، أي لا يمكننا رؤية التعلم بشكل مباشر، بل يجب علينا استنتاج حدوث التعلم من خلال مراقبة التغيّرات الظاهرة في السلوك. يمكننا فهم عملية التعلّم بشكل أفضل من خلال النظر إلى المراحل الأربعة لتطوّر الأبحاث المتعلّقة بعملية التعلّم (انظر إلى الشكل 4.2). يعود بدء الاهتمام العلمي بالتعلم إلى تجارب بافلوف المبكرة (Pavlov) وتجارب أخرى في بداية القرن، حيث كان التركيز فيها على علاقة المنبه-الاستجابة والمحدّدات والعوامل البيئيّة المحيطة المؤثرة في السلوكيات المُلاحظة. تبع ذلك اكتشاف قانون التأثير، وتجارب الإشراط الإجرائي (experiments in operant conditioning) وأخيرًا تشكيل نظرية التعلم الإجتماعي. الشكل (4.2): تطوّر نظرية التعلّم السلوكي الحديثة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الإشراط الكلاسيكي (Classical conditioning) الإشراط (أو التشريط) الكلاسيكي هو العملية التي تُطَوّر من خلالها رابطة منبه-استجابة ما بين منبه مشروط واستجابة مشروطة، من خلال الربط المتكرر ما بين منبه مشروط ومنبه غير مشروط، هذه العملية مبيّنة في الشكل (4.3). يوضّح المثال الكلاسيكي لتجارب بافلوف هذه العملية. كان بافلوف في البداية مهتمًا بدراسة العمليات الهضمية لدى الكلاب، لكنّه لاحظ أنّ الكلاب بدأت بإفراز اللعاب بمجرد حدوث الإشارة الأولى لقدوم الطعام. على أساس هذا الاكتشاف حوّل انتباهه إلى إمكانية تدريب الحيوانات على رسم علاقة ما بين عوامل غير مرتبطة سابقًا. باستخدام الكلاب تحديدًا كهدف، درس إلى أي حد يمكنها أن تتعلم ربط رنين الجرس بفعل إفراز اللعاب. بدأت التجربة بعلاقات منبه-استجابة غير مُتعلّمة وغير مشروطة، فعندما قُدّم للكلب اللحم (منبه غير مشروط)، أفرز الكلب اللعاب (استجابة غير مشروطة)، ولم تكن أي عملية تعلّم ضرورية هنا كون هذه العلاقة تمثّل عملية فيزيولوجية طبيعيّة. الشكل (4.3) الإشراط الكلاسيكي مقابل الإشراط الاستثابي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). بعد ذلك، قرن بافلوف المنبه غير المشروط (اللحم) بمنبه حيادي (رنين الجرس). لا يُتوقّع في الحالة الطبيعيّة أن يُحرّض رنين الجرس بحد ذاته الإلعاب لدى الكلب، لكن مع مرور الوقت تطوّرت لدى الكلب رابطة مُتعلَّمة ما بين الجرس واللحم (أي أن سماع صوت الجرس يعني قدوم الطعام)، أدّت في نهاية المطاف إلى تكوّن رابطة منبه-استجابة ما بين المنبه المشروط (الجرس) والاستجابة (الإلعاب) بدون وجود المنبه الغير مشروط (اللحم). وكانت هذه التجربة بمثابة الدليل على ظاهرة التعلّم كعملية فيزيولوجية حقيقية للمخلوقات، وأنّ هذا التعلّم نتج عن تكيّف الكلب على ربط شيئين غير مرتبطين عادة، الجرس واللحم. على الرغم من إمكانية الاستشهاد على تجارب بافلوف كدليل على وجود الإشراط الكلاسيكي، إلا أنه من الضروري أن نسأل من منظور السلوك المؤسساتي، كيف ترتبط هذه العملية بالأشخاص في العمل؟ قدّم آيفنسافيش (Ivancevich) وشيلاغي (Szilagy) ووالاس (Wallace) مثالًا عن الإشراط الكلاسيكي في العمل: أحد الأمثلة عن الإشراط الكلاسيكي في بيئة العمل، هو تعلّم طيار كيفية استخدام نظام إنذار مثبّت حديثًا. السلوك الواجب تعلّمه في هذه الحالة هو الاستجابة لضوء الإنذار الذي يشير إلى أنّ الطائرة انخفضت تحت الارتفاع الحرج على مسار انحدار معيّن. الاستجابة المناسبة هي زيادة ارتفاع الطائرة. يعرف الطيّار مُسبقًا كيفية الاستجابة بشكل مناسب لتحذير المدرّب عبر زيادة ارتفاع الطائرة (يمكننا في هذه الحالة القول أنّ تحذير المدرب هو المنبه الغير مشروط والإجراء التصحيحي عبر زيادة الارتفاع هو الاستجابة الغير مشروطة). تتألف الدورة التعليمية (الشرطية) هنا من تحذير المدرب للطيار ليزيد ارتفاع الطائرة في كل مرّة يضيء فيها ضوء الإنذار. من خلال الإقتران المتكرّر لضوء الإنذار وتحذير المدرب، يتعلّم الطيار في نهاية المطاف ضبط ارتفاع الطائرة استجابةً لضوء الإنذار رغم عدم وجود المدرب. مرّة أخرى، الوحدة المُتعلّمة هنا هي رابطة منبه-استجابة جديدة، أو بالأحرى عادة تكيفية جديدة. على الرغم من امتلاك الإشراط الكلاسيكي تطبيقات وتأثير واضح في مكان العمل، خاصة في مجال التدريب والتطوير، إلا أنه انتُقد لأنه يفسّر جزء محدود فقط من عملية التعلّم البشري الكلية. ناقش الطبيب النفسي ب. ف. سكينر(B. F. Skinner) أنّ الإشراط الكلاسيكي يّركز على السلوكيات الاستجابية أو الانعكاسية، ما يعني أنّه يركّز تركيزًا كبيرًا على الاستجابات اللا إرادية التي تنتج عن منبّه. لا يمكن تفسير عمليات التعلّم الأكثر تعقيدًا من خلال الإشراط الكلاسيكي لوحده فقط، وفي سبيل وضع تفسير بديل، اقترح سكينر وآخرون نموذج الإشراط الاستثابي للتعلّم (أو ما يُعرف بالتشريط الاجرائي.) الإشراط الاستثابي (Operant Conditioning) ينصب التركيز الرئيسي للإشراط الاستثابي على تأثير التعزيزات أو المكافآت على السلوكيات المرغوبة. من أوائل علماء النفس الذين درسوا مثل هذه العمليات كان ج. ب. واطسون (J. B. Watson)، وهو أحد معاصري بافلوف، والذي ناقش أنّ السلوك يتأثّر إلى حد كبير بالمكافآت التي يتلّقاها المرء نتيجة لأفعاله. 4 تتجلى هذه الفكرة بشكل واضح في قانون التأثير لثورندايك (Thorndike's law of effect)، والذي ينص على أنّه من بين الاستجابات العديدة والناتجة عن نفس الموقف أو المؤثر، سيكون احتمال حدوث الاستجابات التي تشتمل في نتائجها على الرضا (منبه مُعزِّز مثل المكافأة)، أكبرمن تلك التي تتضمّن عدم الراحة (منبه مثبّط مثل العقاب). بعبارة أخرى، يفترض هذا القانون أنّ السلوك المؤدي إلى نتائج إيجابية أو ممتعة يميل إلى أن يُكرّر، في حين أنّ السلوك المؤدي إلى نتائج سلبية أو عقاب يميل إلى أن يُتجنَّب. وبهذه الطريقة يتعلّم الأفراد الاستجابات المناسبة والمقبولة في بيئتهم. على سبيل المثال، إذا وضعنا خصومات وعقوبات مادية على كل تأخير يبديه الموظف، فمن المتوقع أن يتعلّم هذا الموظف الوصول باكرًا ليحصل على كامل راتبه. أحد نماذج التعلم الاستثاري موضّح في الشكل (4.2)، هناك ثلاث مفاهيم مهمّة في هذا النموذج: الدافع: حالة من عدم التوازن الداخلي، وهو حاجة محسوسة. يُعتقد عمومًا أنّ الدافع يزداد مع شدّة الحرمان. ويجب أن يكون الدافع أو الرغبة بالتعلم موجودًا لتحدث عملية التعلّم. على سبيل المثال، عدم قدرتك حاليًا على شراء منزل أفضل من اللذي تملكه سيؤدي غالبًا إلى توليد دافع لاكتساب المزيد من المال لشراء المنزل الذي ترغب به. ولكن في حال كنت تعيش في شقة جميلة ومريحة فإن الدافع من أجل تطوير العمل واكتساب مال إضافي لشراء شقّة أفضل سيختفي. العادة. هي الرابطة ما بين المنبه والاستجابة الناجمة عن الخبرة. على سبيل المثال، إذا تعلّم شخص مع مرور الوقت أنّ تناول الطعام يرضي شعور الجوع، ستتطور رابطة منبه-استجابة (جوع-طعام) قوية. وهكذا فإن العادات تحدّد السلوكيات ومسارات الأفعال التي نختارها. التعزيز أو المكافأة. يمثّل هذا المفهوم ردود الأفعال التي يتلقّاها الفرد نتيجة لفعل ما. على سبيل المثال، إذا مُنحت -كمندوب مبيعات- مكافأة مالية لارتفاع مبيعاتك وخططت لاستخدام هذا المال لشراء المنزل الذي لطالما رغبت به، سيؤدي هذا إلى تعزيز السلوكيات التي تعتقد أنّها أدّت إلى زيادة المبيعات، مثل الابتسام للزبائن وتكرار أسماءهم خلال العرض وما إلى ذلك. ينشّط منبه ما حافز الفرد من خلال تأثيره على الدافع والعادة. كلّما كان الدافع والعادة أقوى (رابطة منبه-استجابة)، كان الحافز للتصرّف بطريقة معيّنة أكبر. يحدث أمران نتيجة لهذا السلوك، أولًا، يتلّقى الفرد رد فعل تقلّل من الدافع الأصلي. ثانيًا، يعزّز الفرد إيمانه بصحّة رابطة منبه-استجابة التي لديه إلى الحد الذي اثبتت فيه نجاحها. يعني ذلك، إذا كانت استجابة الفرد للمنبه تُشبع دافعه أو حاجته، فإنّ الفرد سيؤمن بقوة أكبر بملاءمة وفعاليّة علاقة المنبه-الاستجابة تلك، وسيستجيب بنفس الطريقة في ظل ظروف مماثلة. سنوضّح هذه النقطة في المثال التالي: في محاولات حديثة لتدريب العاطلين عن العمل تم تأسيس نظام دفع يومي عوضًا عن أنظمة الدفع الأسبوعية أو الشهرية. إنّ السبب الرئيسي لذلك هو أنّ العاملين، الذين لا يملكون تاريخًا إيجابيًا في العمل، يمكنهم أن يروا بسرعة أكبر العلاقة ما بين العمل وتلقّي الأجر، وتتطور على إثر ذلك رابطة منبه-استجابة بسرعة أكبر، وذلك بسبب تواتر وتكرار التعزيز أو المكافأة. الإشراط الاستثابي مقابل الإشراط الكلاسيكي يمكن تمييز الإشراط الاستثابي عن الإشراط الكلاسيكي بطريقتين: أولًا، يختلف النهجان في سبب جوهر حدوث التغيّرات في السلوك. في الإشراط الكلاسيكي، يُعتقد أنّ التغيّرات في السلوك تنجم عن التغيّرات الطارئة على المنبه، أي الانتقال من منبه غير مشروط إلى منبّه مشروط. في الإشراط الاستثابي من الناحية الأخرى، يُعتقد أنّ التغيّرات في السلوك تنجم عن عواقب سلوك سابق، إذ عندما لا يُكافئ سلوك معيّن أو يُعاقب، لا نتوقّعه أن يتكرّر. ثانيًا، يختلف النهجان بدور المكافآت وتواترها. في الإشراط الكلاسيكي، يُعطي المنبه الغير مشروط -والذي يلعب دور المكافأة- في كلّ تجربة. بالمقابل، تُعطى المكافأة في الإشراط الاستثابي فقط عندما يختار الأفراد الاستجابة الصحيحة. يعني ذلك أنّه في الإشراط الاستثابي يجب أن يعمل الأفراد بطريقة صحيحة في بيئتهم قبل أن يتلقّوا مكافأة، أي أن الاستجابة هي الوسيلة للحصول على المكافأة المطلوبة. نظرية التعلم الاجتماعي نموذج التعلّم الأخير الذي علينا دراسته هو نظرية التعلّم الاجتماعي لألبرت باندورا (Albert Bandura). تُعرّف نظرية التعلم الاجتماعي على أنّها عملية قولبة السلوك، من خلال التفاعل المتبادل ما بين إدراك الشخص وسلوكه وبيئته المحيطة. يحدث ذلك من خلال عملية يسمّيها باندورا الحتمية التبادلية (reciprocal determinism). يعني هذا المفهوم أنّ الأشخاص يتحكمّون ببيئتهم (مثلًا بالاستقالة من العمل)، بقدر ما تتحكّم البيئة بالأشخاص (مثلًا بالاستغناء عنهم). وبالتالي يُنظر إلى التعلّم على أنه عملية تفاعلية يتمتّع فيها المتعلّم ببعض التحكّم على الأقل. تشترك نظرية التعلم الاجتماعي مع الإشراط الاستثابي في العديد من الأوجه الأساسية. على سبيل المثال، يناقش كل من سكينر وباندورا أنّ السلوك يُتحكّم به عن طريق منبهات البيئة وعواقبها بشكل جزئي، ويستخدم باندورا السلوك الملاحظ كوحدة أساسيّة للتحليل (عوضًا عن المواقف والمشاعر …إلخ). لكن وعلى عكس الإشراط الاستثابي، تفترض نظرية التعلم الاجتماعي أنّ العمليات الإدراكية أو العقلية تؤثر على استجابتنا لمنبهات البيئة المحيطة بنا. تشتمل نظرية التعلم الاجتماعي على أربعة عناصر أساسية: الانتباه - الاحتفاظ - التوليد - الحوافز. قبل أن يستطيع شخص ما تعلّم شيء، يجب عليه أن يلاحظ أو ينتبه إلى الشيء الذي يجب أن يتعلّمه. على سبيل المثال، إذا كنت طالبًا فلن تتعلم الكثير في أيّ درسٍ إن لم تهتم بالمعلومات التي يطرحها المعلّم. الاحتفاظ هو العملية التي يُحتفظ من خلالها ما لاحظته أو تعلّمته في ذاكرتك. يتضمن التوليد ترجمة ما سُجّل في عقلك إلى أفعال وسلوكيات ظاهرة. من الواضح أنّه كلّما كان مستوى الانتباه أعلى والاحتفاظ أكبر، كان توليد ما تُعلّم أفضل. واخيرًا، يمكن أن تؤثّر الحوافز على العمليات الثلاثة جميعها. على سبيل المثال، إذا كوفئت على انتباهك إلى أمر (مثلًا بمديح)، ستُولي انتباهًا أكبر إلى ذلك الأمر مستقبلًا. إذا كُوفئت مثلًا على تذكّر ما درسته (مثلًا بعلامات جيدة)، فستميل إلى تذكّر وحفظ معلومات أكثر. وإذا كوفئت على إعادة توليد ما تعلّمته (مثلًا بترقية لتحفيزك مرؤوسيك بفعالية)، ستوّلد ذلك السلوك مجدًدًا بوتيرة وجودة أفضل. مركز هذه النظرية هو مفهوم التعلّم غير المباشر. التعلّم غير المباشر هو التعلّم الذي يحدث من خلال تقليد أشخاص آخرين. أي أنّنا نراقب ونحلّل ما يفعله شخص آخر والنتائج المترتّبة عليه، ونتيجة لذلك نتعلّم بدون الحاجة إلى تجربة الظاهرة مباشرة. أي إذا رأينا موظف زميل عوقب أو فُصل من العمل لإخلاله بالنظام في مكان العمل، سنتعلّم ألّا نقوم بذلك. إذا رأينا أنّ الهدايا في الشرق الأوسط تُعطى باليد اليمنى، من الممكن أن نعطي الهدايا بهذه الطريقة نحن أيضًا. نموذج عن عمليات التعلّم الاجتماعي موضّح في الشكل (4.4). كما نلاحظ، تتفاعل ثلاث عوامل (الشخص - البيئة - السلوك) من خلال عمليات مثل التعلّم غير المباشر والتمثيل الرمزي والتحكّم الذاتي لتثمر سلوكيات مُتعلّمة فعليّة. الشكل (4.4): نموذج عن التعلّم الاجتماعي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). المؤثرات الرئيسية على التعلّم. على أساس هذا العمل، يمكننا تحديد عدّة عوامل عامّة يمكنها تعزيز عمليات التعلّم. إنّ رغبة الفرد بالتعلّم وخلفيته المعرفية عن الموضوع ومدة فترة التعلّم هي بعض عناصر بيئة التعلّم. حدّد فيلي (Filley) وهاوس )House) وكير (Kerr) خمسة مؤثرات أساسيّة على فعالية التعلّم. 8 تشير الأبحاث العلمية لمُشتقّة من آداب العلوم السلوكية وعلم النفس إلى أنّ فعالية التعلّم تزداد بشكل كبير عند وجود دافع قوي للتعلّم لدى الأفراد. نرى في بعض الأحيان طلّابًا يعملون ليلًا ونهارًا لإكمال ورقة بحثية أو دراسةٍ ما تثير اهتمامهم، في حين أنّ كتابة ورقة بحثيّة غير مثيرة للاهتمام من الممكّن أن تُؤجّل إلى آخر دقيقة ممكنة. يتحقق أقصى قدر من نقل المعرفة عندما يُحفّز الطالب أو الموظف للتعلّم من خلال دافع قوي للمعرفة أو إنجاز العمل. أثبتت أدلة أيضًا أنّه يمكننا تسهيل عملية التعلّم من خلال تزويد الأفراد بملاحظات عن أدائهم. تلعب استعراض النتائج والأخطاء (التغذية الراجعة) دورًا في تحقيق التوازن المعرفي، إذ تُظهر للأفراد النقاط التي كانوا فيها على صواب أو خطأ، وتزوّدهم بالمنظور الصحيح للتحسّن. يمكن أن تلعب التغذية الراجعة والملاحظات دورًا إيجابيًّا مهمًا يمكنه أن يعزز رغبة الفرد أو استعداده للتعلّم. إنّ الطلاب الذين يُخبرهم أساتذتهم كيف كان أداؤهم في امتحان وما الذي يمكنهم تحسينه في المرّة القادمة سيحاولون قصار جُهدهم في الدراسة وتجاوز تِلك الأخطاء في المستقبل. في العديد من الحالات، يمكن للتعلّم المُسبق أن يزيد من القدرة على تعلّم مواد أو مهام جديدة من خلال توفير الخلفية أو المواد الأساسيّة اللازمة. في الرياضيات مثلًا، يصبح تعلّم عملية الضرب أسهل بعد إتقان عملية الجمع. تميل الآثارالمفيدة للتعلّم المسبق (على التعلّم الحالي) إلى أن تكون أكبر عندما تُظهر المهام السابقة والمهام الحالية روابط منبه-استجابة متشابهة. على سبيل المثال، معظم رواد الفضاء المُختارون لبرامج الفضاء يمتلكون سنوات من الخبرة السابقة في مجال الطائرات، إذ يُفترض أن تسهّل خبراتهم ومهاراتهم السابقة تعلّم قيادة المركبات الفضائية عالية التقنية والمشابهة نوعًا ما للطائرات التقليدية. تتعلّق العوامل الأخرى المؤثرة على التعلّم فيما إذا كانت المواد المراد تعلّمها مقدّمة بشكل كامل أو جزئي (التعلم الكامل مقابل الجزئي). تقترح الأدلّة المتوفرة أنّه عندما تتكوّن مهمة من عدّة واجبات مختلفة وغير مرتبطة، يكون التعلّم الجزئي هو الأكثر فاعليّة، وكل مهمة يجب أن تُتعلّم وتُنجر بشكل منفصل. لكن في حال كانت المهمة تتألف من عدّة واجبات متكاملة ومرتبطة ببعضها بعضًا (كتعلّم مكونات آلة صغيرة)، يكون التعلّم الكامل هو الأنسب، لأنّ ذلك يضمن عدم تجاهل العلاقة الرئيسية بين الأجزاء وتسلسلها المناسب كذلك. الشكل (4.5): إشارة توقف في كيبيك. هل ستؤدي معرفتك السابقة إلى توقفك توقفًا كاملًا أثناء قيادتك في كيبيك؟ (المصدر: Joe Schlabotnik/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)) يركّز المؤثر الرئيسي الأخير على التعلّم على إيجابيات وسلبيات جلسات التدريب المركّزة في مقابل المتفرقّة. تشير الأبحاث إلى أنّ توزيع الممارسة -فترات تعلّم قصيرة في فترات زمنيّة محدّدة- أكثر فاعلية في تعلّم المهارات الحركية أو العملية من تعلّم المهارات اللفظية أو المعرفية. 10 كما أنّ الممارسة الموّزعة تسهّل كذلك تعلّم المواد شديدة الصعوبة أو الضخمة أو الشاقّة. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ تأثير الممارسة المركّزة يكون أفضل عندما يتطلّب الأمر نظرة ثاقبة وشاملة لإنجاز المهمّة. ويبدو أنّ الجهود المركّزة خلال فترات زمنية قصيرة يوفّر نهجًا تفاعليًا أفضل لحل المشاكل. على رغم من أنّ هناك اتفاق عام على أنّ هذه المؤثرات مهمّة (وتحت سيطرة الإدارة في الكثير من الحالات)، إلّا أنّها لا يمكن أن تنوب عن نقص أو عدم كفاءة نظام التعزيز في المؤسسة. يُعرف التعزيز في الواقع على أنّه مفتاح التعلّم الفعّال. إذا كان الإداريون مهتمين باستنباط السلوكيّات المرغوبة من موظفيهم، فإنّ معرفة أساليب التعزيز هو أمرٌ ضروري. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } التوسع حول العالم تعلّم كيف تكون فعّالًا في دول الخارج تعلّمت شركة جينيرال موتورز (General Motors) أنّه لا ينفع أن يتعلّم مديروها من خلال التجربة فقط كيفية العمل بفعاليّة أثناء وجودهم في دول أجنبيّة. نهضت وتحسّنت نُظم إدارة مهام المبعوثين خارجيًا إلى مناطق صعبة بفضل تجارب ريتشارد بنينغتون (Richard Pennington)، وهو رئيس جينيرال موتورز للتجارة العالمية في مناطق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. يعلم بنينغتون من خلال تجربته أنّ بعض الأعمال يمكن أن تسير بسلالة وبعضها الآخر قد يُعرقل كثيرًا أثناء العمل في الخارج، وتعلّم العديد من الدروس من نقل الموظفين إلى أماكن مثل أوزباكستان. أصبح ذلك مهمًا عندما بدأت الشركة بعملية جديدة لتصنيع المحركات في العاصمة تاشكينت، بالإضافة إلى وجود معمل في أنديجان. كانت أهداف الشركة هي نفسها كما في معظم مشاريع التنقّل العالمية: وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح والوقت الصحيح وبالتكلفة الصحيحة. كان النهج العام هو اعمل-خطّط -نفّذ -وتحقق. حثّ بنينغتون المبتعثين إلى عدم الإفراط بالاعتماد على الانترنت، والذهاب ورؤية العمل بأنفسهم إذا أمكن ذلك، ويقول: « لا شيء يضاهي الذهاب إلى موقع العمل بنفسك، خاصّة الأماكن الصعبة». يؤكّد بنينغتون كذلك على أهمية اختيار المورّدين في أرض الواقع بعناية، حتى وإن كان لديك بالفعل شبكة من المورّدين. العلاقات القويّة على أرض الواقع في البلد المضيف لها أهميّة كبيرة وأساسية في تسيير العمل بسلاسة. وفي الأماكن الصعبة، من المهم أن تتعاون مع كل من الموظفين المحليين في الموارد البشرية والمالية والقسم القانوني، إذ إنّ تسليم المدفوعات في الوقت المناسب هو أمر بالغ الأهميّة. كما أن تقديم تدريبات ثقافية ولغويّة له نفس القدر من الأهميّة كذلك. تتضمن برامج التدريب هذه مجموعة واسعة من طرق التعليم. يمكن نقل المعلومات الواقعية من خلال المحاضرات والمواد المطبوعة. وتُعلّم المواد الأكثر دقّة من خلال لعب الأدوار ودراسات الحالة والمحاكاة. تقترح الأبحاث المتعلّقة بتدريبات التبادل الثقافي أنّه كلّما كان عدد المشاركين أكبر في التدريب، كلما تعلّموا أكثر، وأنّه كلّما مارسوا أو عملوا على محاكاة السلوكيات الجديدة التي يحتاجونها لإتقان البيئة الأجنبية الجديدة، كلما كانوا أكثر فاعليّة في المواقف الواقعيّة. كانت نتائج جنيرال موتورز رائعة. إذ أظهرت معظم الشركات التي لا تقدّم تدريبات التبادل الثقافي لموظفيها المبتعثين خارجًا معدلات فشل وصلت إلى حوالي 25%، ويكلّف كل فشل منها الشركة 150000$ بالمتوسط، بينما معدل الفشل في جنيرال موتورز لم يتجاوز 1%. في حالة جنيرال موتورز، امتدّ التدريب كذلك ليشمل عائلات الإداريين، ممّا ساعد أزواجهم وأولادهم على تقبّل المهمة الخارجية بسرعة أكبر. المصدر: F. Furnie, “International assignments: Managing change and complexity,” Relocate Global, September 23, 2015, https://www.relocatemagazine.com/articles/4697international-assignmentsmanaging-change-and-complexity; J. Lublin. “Companies Use Cross-Cultural Training to Help Their Employees Adjust Abroad.” Wall Street Journal, August 4, 2004 p. B1. ترجمة -وبتصرف- للفصل Basic Models of Learning من كتاب Organizational Behavior
  4. كيف يمكن تأسيس بيئة عمل مميزة بمواقف عمل إيجابية والحفاظ عليها؟ إحدى المسائل المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإدراك والإسناد اللين تطرّقتنا إليهما سابقًا -والمتأثرة تأثرًا كبيرًا بهما- هي وجهات النظر أو السلوكيات. يمكن تعريف وجهة النظر بأنها الاستعداد للاستجابة بطريقة ملائمة أو غير ملائمة تجاه الأشياء أو الأشخاص في بيئة الفرد. فعندما نشعر بأننا نحب أو نكره شيئًا فإنّنا في الواقع نعبّرعن موقفنا أو وجهة نظرنا تجاه هذا الشيء. ينبغي ملاحظة ثلاثة جوانب مهمة من هذا التعريف، أولًا، وجهة النظر هي هيكل فكري افتراضي يمكن ملاحظة نتائجه ولا يمكن ملاحظته هو بذاته. ثانيًا، وجهة النظر مفهوم أحادي البعد: إذ إنّ وجهة النظر تجاه فرد أو شيء ما تتباين إلى درجة كبيرة من كون هذا الفرد أو الشيء مفضّلًا أو محبوبًا إلى كونه غير مفضّل أو حتى مكروه، فنحن نحبّ شيئًا ما أو لا نحبّه (أو نكون حياديين)، ونعتقد أنّ شيئًا ما ممتع أو غير ممتع، ففي كلّ الحالات يمكن تقييم الموقف وفق منهج تقييم واحد. ثالثًا، يعتقد أن وجهة النظر ترتبط بالسلوك أو ردة الفعل التالي، وسوف نعود لنناقش هذه الفكرة لاحقًا. يمكن تقسيم وجهة النظر إلى ثلاث مكونات مترابطة، وهي: (١) مكوّن إدراكي يتعامل مع معتقدات وأفكار الفرد عن فرد أو شيء آخر. (٢) مكوّن عاطفي يتعامل مع مشاعر الفرد تجاه غيره. (٣) مكوّن إرادي يتعامل مع نوايا الفرد تجاه غيره من الأفراد أو الأشياء. والآن وبعد أن تعرّفنا على ماهية وجهة النظر، سننظر إلى كيفية تشكيل وجهة النظر وكيفية تأثيرها على السلوك. يعرض الشكل 3.8 نموذجًا عامًا عن العلاقة بين وجهة النظر والسلوك. كما نرى، فإنه تؤدي وجهات النظر إلى نوايا سلوكية والتي تؤدي بدورها إلى سلوك فعلي. من خلال تتّبع السلوك، يمكننا في كثير من الأحيان تحديد الجهود والأفعال المبذولة من قبل الفرد لتبرير سلوكه. فلندرس كل مكوّن منفصلًا بدءًا بعملية تشكيل وجهة النظر. الشكل (3.8): العلاقة بين المواقف والسلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). كيف يتم تشكيل وجهة النظر يوجد خلاف كبير على هذا السؤال، إحدى الآراء هي التي يقدّمها الطبيب النفسي باري ستاو (Barry Staw) وزملاءه هي نهج الميول، والذي يقول بأن وجهات النظر تعبّر عن ميول معيّنة (ثابتة نسبيًا) في طريقة الاستجابة إلى الأفراد أو الظروف المحيطة بهم، أي يُنظر إلى وجهات النظر على أنها سمات شخصية. وبالتالي فإنّ بعض الأشخاص لديهم ميل - استعداد - إلى أن يكونوا سعداء بالعمل بصرف النظر عن طبيعة العمل نفسه. بينما قد يكون لدى الآخرين ميل داخلي ليكونوا غير سعداء، بصرف النظر عن الطبيعة الفعليّة للعمل. هنالك العديد من الأدلة التي تدعم هذا النهج في سلسلة من الدراسات التي وجدت أن وجهات النظر تتغير تغيّرًا ضئلًا بين الأشخاص قبل وبعد تغيير عملهم. وبقدر ما تكون هذه الموجودات صحيحة فإن للإداريين تأثير ضئيل على تحسين وجهات النظر الوظيفية عن طريق اختيار وتوظيف أولئك الذين لديهم ميول مناسبة للعمل. النهج الثاني لتشكيل وجهة النظر يسمى النهج الظرفي (situational approach). يفسّر هذا النهج أنّ وجهات النظر تنشأ نتيجة ظروف معيّنة مميّزة ومختلفة، فهي محدّدة بحسب الظرف ويمكن أن تختلف استجابةً لظروف العمل المتغيرة. وبالتالي يتفاعل الأشخاص مع وظائفهم كتيجة لخبرتهم أو تجربتهم في تلك الوظيف(وظيفة مملة أو غير مجزية، مشرف أو مدير سيء)، يتفاعلون مع ظروف هذه الوظائف عن طريق تشكيل وجهات نظر خاصّة بهم تجاه تلك الوظيفة. هناك في الواقع العديد من الاختلافات حول هذا النهج، إذ يقترح بعض الباحثون أنّ وجهات النظر تنتج بشكل رئيسي من طبيعة تجربة العمل بحدّ ذاته، والتي يبررها موظف بقوله: "لا أتفاهم جيدًا مع مشرفي ولذلك لست راضيًا عن عملي". وبقدر ما يصف هذا بدقة كيفية تشكيل وجهات النظر فإنّه يعني أيضًا أنّه يمكن تغيير وجهات النظر هذه بسهولة نسبيًا، فإذا كان الموظفون غير راضين عن وظائفهم بسبب خلافات مع المشرفين فإن تغيير المشرفين أو تغيير سلوك المشرفين قد يكون وسيلة فعالّة لتحسين وجهات النظر الوظيفية للموظف. وبمعنى آخر، إذا كانت وجهات النظر ناتجة بشكل أساسي عن ظروف العمل، فيمكن عندئذ تغيير وجهات النظر عن طريق تغيير هذه الظروف. يقترح المدافعون عن النهج الظرفي عملية أكثر تعقيدًا لتشكيل وجهات النظر وهي نهج معالجة المعلومات الاجتماعية. تؤكّد وجهة النظر هذه والتي طوّرها بفيفر وسالانسيك (Pfeffer and Salancik) أنّ وجهات النظر ناتجة عن "حقائق مبنية اجتماعيًا" كما يراها الفرد (انظر الشكل 3.9).28 أي أنّ السياق الاجتماعي الذي يتواجد فيه الفرد يشكل ويحدد طريقة إدراكه للموقف وبالتالي وجهة نظره تجاهه. الشكل (9.3): منظور نهج معالجة المعلومات الاجتماعية للمواقف (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). وآلية عمل النهج هو كالتالي؛ لنفترض أنّ موظفًا جديدًا انضم إلى مجموعة عمل تتكون من أشخاص عملوا معًا لبعض الوقت. لدى المجموعة الحالية بالفعل آراء ومشاعر حول عدالة المدير وأخلاقه وجودة مكان العمل وكفاية التعويض وما إلى ذلك من صفات العمل، ولدى وصول هذا الموظف يُلقّن تلميحات قياسيّة اجتماعيًّا من زملائه في العمل حول وجهات النظر المقبولة تجاه مختلف جوانب العمل والشركة. وبالتالي ونظرًا إلى القوى الاجتماعية، يبدأ الموظف الجديد في تكوين وجهات نظر تستند إلى أجزاء من المعلومات المقدّمة من بيئته الخارجية (زملائه) بدلًا من تشكيل وجهة نظر موضوعية عن مكان العمل. فإذا كان منظور معالجة المعلومات الاجتماعية صحيحًا، سيكون تغيير وجهة نظر الفرد أمرًا صعبًا ما لم يتم نقل الفرد إلى مجموعة مختلفة من زملاء العمل أو ما لم تتغير وجهات نظر زملاء العمل الحاليين. أي نهج هو الصحيح؟ تشير البحوث في الحقيقة إلى وجود مزايا لكل من وجهتي النظر الظرفية ومعالجة المعلومات الاجتماعية، وربما يكون من الحكمة إدراك أنّ الظروف الاجتماعية والميول الشخصية تتفاعل مع بعضها لتشكل الأساس الذي تبنى عليه وجهات نظر الفرد في العمل. إنّ الفائدة العملية لهذا التأثير المشترك للمنهجين السابقين في تبرير وجهات النظر هو أنّه لا يجب أن نفترض كإداريين أنّ التغييرات الطفيفة في ظروف العمل سيكون لها تأثيرات كبيرة على وجهات النظر الفردية، بل إنّ الجهود المنهجية التي تركّز على المجموعات والأنظمة الاجتماعية المترابطة هي التي من شأنها أن تؤدي إلى تغييرات ناجحة في وجهات النظر. النوايا السلوكية والسلوك الفعلي بغض النظر عن كيفية تشكيل وجهات النظر (إما من خلال النهج الظرفي أو معالجة المعلومات الاجتماعية)، فإن المشكلة التالية التي نواجهها هي فهم كيف تؤثر النوايا السلوكية الناتجة على السلوكّ الفعلي للفرد وكيف توجّهه (ارجع إلى الشكل 3.8)، وهذه العلاقة ليست مثالية. بغض النظر عن طبيعة نوايا الفرد، فغالبًا ما تعمل قيود داخلية وخارجية مختلفة على تعديل مسار العمل المقصود من هذا الفرد. على سبيل المثال قد ترغب في الانضمام إلى جماعة أو نقابة معيّنة ولكن قد تُمنع من القيام بذلك لأسباب متنوعة، وبالمثل فقد يكون لدى أي شخص نية قوية للحضور إلى العمل ولكنه قد يصاب بالأنفلونزا. أي أنه بغض النظر عن النية قد تتدخل عوامل أخرى لتحديد نتاج السلوك الفعلي في نهاية المطاف. تبرير السلوك يشعر الأشخاص غالبًا بالحاجة إلى تبرير سلوكهم لضمان اتساق وتوافق سلوكياتهم مع وجهات نظرهم تجاه الحدث (انظر الشكل 3.8). يُطلق على هذه الميول مصطلح الثبات المعرفي (cognitive consistency). عندما يجد الناس أنفسهم يتصرفون بطريقة تتعارض مع وجهات نظرهم - عندما يواجهون عدم انسجام معرفي - يتعرّضون للتوتر ويحاولون تقليل هذا التوتر والعودة إلى حالة من الاتساق المعرفي. على سبيل المثال، قد يكره مدير ما وظيفته ولكن يتعيّن عليه العمل لساعات طويلة، وبالتالي هو يواجه تباينًا وتناقضًا واضحًا بين وجهة نظره (كراهية الوظيفة) وسلوكه (العمل لساعات طويلة) وسيعاني في معظم الأحيان من عدم انسجام معرفي. ومن أجل أن يصل إلى انسجام وتوازن معرفي ، يمكنه القيام بأحد أمرين، أولًا؛ يمكنه تغيير سلوكه والعمل لساعات أقل، ومع ذلك فقد لا يكون هذا ممكنًا، أوبدلًا من ذلك يمكنه تغيير موقفه من الوظيفة إلى موقف أكثر إيجابية، فقد يقنع نفسه على سبيل المثال أنّ الوظيفة ليست بهذا السوء وأنّ ساعات العمل الطويلة قد تؤدي إلى الترقية السريعة. عندما يقوم بذلك سيحقق حالة من الاتساق المعرفي، وسيؤدي الفشل في القيام بذلك على الأرجح إلى زيادة التوتر والانسحاب من العمل في نهاية المطاف. المواقف المرتبطة بالعمل كيف يمكن للإداريين والمنظمات أن يطوّروا قوى عاملة ملتزمة؟ يتعين علينا تحديد وجهات النظر التي تهمنا عندما نطبّق مفهوم تأثير وجهات النظر لضبط العمل. ورغم إمكانية تحديد مجموعة متنوعة من وجهات النظر ذات الصلة بالعمل، فإن الموقف الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام هو الرضا الوظيفي. ونظرًا لأنّ هذا المفهوم هو أحد أكثر المفاهيم التي دُرست على نطاق واسع في السلوك المؤسساتي، سنبحثه هنا بشيء من التفصيل. الانخراط في العمل والالتزام يجب أولًا أن نقدّم وجهتي نظر وظيفيتين يجب إدراكهما وهما: التفاني والالتزام. يشير التفاني الوظيفي إلى مدى اهتمام الشخص والتزامه بالمهام المنوطة إليه. هذا لا يعني أن الشخص "سعيد" (أو راضٍ) عن الوظيفة، بل إنّه يشعر بمسؤولية معينة تجاه ضمان إنجاز المهمة نفسها بطريقة صحيحة وبمستوى عالٍ من الكفاءة، فمحور تركيز وجهة النظر هنا هو الوظيفة نفسها. يمثل الالتزام المؤسساتي من ناحية أخرى القوة النسبية لانتماء الفرد ومشاركته في المؤسسة، ويمكن أن يتميّز الالتزام بثلاثة عوامل: (1) إيمان قوي وتقبّل أهداف المؤسسة وقيَمها ، (2) استعداد لبذل جهد كبير نيابة عن المؤسسة، (3) رغبة قوية في الحفاظ على العضوية في المؤسسة. إذ يمثّل الالتزام شيئًا يتجاوز الولاء الحيادي للشركة عند عرضه بهذه الطريقة. إنه ينطوي على علاقة نشطة مع المؤسسة حيث يكون الأفراد على استعداد لتقديم جُزء من أنفسهم ووقتهم وطاقتهم من أجل مساعدة الشركة على النجاح والازدهار. تبرز القراءة المتأنية لمفاتيح النجاح في العديد من الشركات اليابانية الأهمية والدور البارز الذي تلعبه القوى العاملة الملتزمة. ننتقل الآن إلى موقف العمل الثالث وهو الرضا الوظيفي. الرضا الوظيفي يمكن تعريف الرضا الوظيفي بأنّه "حالة عاطفية ممتعة أو إيجابية ناتجة عن ثناء الآخرين أو الفرد ذاته على الوظيفة أو الخبرة الوظيفية له". ينتج عن إدراك أنّ عمل الموظف يوفر له فعليًا ما يقدِّره في بيئة العمل. تندرج العديد من خصائص مفهوم الرضا الوظيفي من هذا التعريف، أولًا؛ الرضا هو استجابة عاطفية للعمل، أي أنه لا يمكن فهمه بشكل كامل إلا من قبل الفرد نفسه. لا يمكننا ملاحظة الرضا بشكل مباشر كما هو الحال مع أي حالة عاطفية أو جهة نظر أخرى، بل يجب أن نستنتج وجوده وسماته إما من خلال سلوك الموظف أو من خلال أفعاله. ثانيًا؛ يمكننا فهم ظاهرة الرضا الوظيفي بشكل أفضل من خلال المُفارقات التي تترافق وهذه الظاهرة. حيث أشار العديد من الكتّاب إلى مفهوم الرضا الوظيفي باعتباره نتيجة لمدى ما يريده الشخص أو يتوقعه من الوظيفة مقارنةً بما يتلقاه منها بالفعل. يأتي الأشخاص للعمل بمستويات متفاوتة من التوقعات الوظيفية، وقد تختلف هذه التوقعات ليس فقط من حيث الجودة (قد يقدّر الأفراد المختلفون أشياء مختلفة في الوظيفة) ولكن أيضًا في شدتها. يتلقى الأشخاص نتائج (مكافآت) من الوظيفة على أساس خبرات العمل، لا تشمل هذه المكافآت المكافآت الخارجية فقط، مثل الأجور والترقية، ولكن تشمل أيضًا مجموعة متنوعة من المكافآت الداخلية مثل العلاقات المُرضية مع زملاء العمل والعمل الأخلاقي والمفيد للمجتمع. نتوقع أن يكون الموظف راضيًا عن وظيفته ويرغب في البقاء عندما تصبو فيه النتائج التي يحصل عليها الموظف إلى توقعاته أو تفوقها. في الحالات التي تتجاوز فيها النتائج التوقعات بالفعل فإننا نتوقع من الموظفين إعادة تقييم تطلّعاتهم أو ربما رفعها لتتساوى مع النتائج الحالية التي يحصلون عليها. ومع ذلك عندما لا تفي النتائج بالتوقعات يكون الموظفون غير راضين، وقد يفضّلون البحث عن مصادر بديلة للرضا، إما عن طريق تغيير الوظائف أو عن طريق إعطاء قيمة أكبر لأنشطة الحياة الأخرى، مثل الترفيه أو رحلات الاستجمام. أبعاد الرضا الوظيفي. قيل بأنّ الرضا الوظيفي يمثل في الواقع مزيجًا متنوّعًا من وجهات النظر المختلفة والمتعلقة بالوظيفة، لذلك عندما نتحدث عن الرضا يجب أن نحدد " الرضا عن ماذا؟"، وقد اقترحت الأبحاث خمسة أبعاد وظيفية تمثّل أهم خصائص الوظيفة التي يولّد الناس استجابات عاطفية تجاهها وهي: العمل نفسه. مدى أهمية المهام التي يؤديها الموظفون وتوفيرها فرص للتعلم وتحمّل المسؤولية. الأجر. مقدار الأجر المستلم، والإنصاف في الأجر، وطريقة الدفع. فرص الترقية. توافر فرص واقعية للتقدّم. الإشراف. القدرات التقنية والإدارية للمشرفين؛ إلى أي مدى يظهر المشرفون المراعاة والاهتمام بالموظفين. زملاء العمل. إلى أي مدى زملاء العمل ودودون وذوو كفاءة تقنية وداعمون. على الرغم من هنالك أبعاد أخرى للرضا الوظيفي ، إلا أن هذه الأبعاد الخمسة تُستخدم في أغلب الأحيان عند تقييم الجوانب المختلفة لمواقف العمل في المؤسسات. قياس الرضا الوظيفي. لعل أكثر استطلاعات الرأي الأكثر شيوعًا في المؤسسات اليوم تركّز على الرضا الوظيفي. يرى العديد من الإداريين الرضا مؤشرًا مهمًا على الفعالية التنظيمية، وبالتالي يُراقب بانتظام لتقييم مشاعر الموظفين تجاه المنظمة. أكثر الوسائل شيوعًا لتقييم الرضا هي مقياس التقييم. تمثل مقاييس التقييم التعابير اللفظية الذاتية المباشرة المتعلقة بمشاعر الموظفين؛ والتي استُخدمت على نطاق واسع في الشركات منذ عام 1930. توجد عدّة مقاييس للرضا الوظيفي. إحدى المقاييس الأكثر شعبية هو استبيان رضا مينيسوتا (MSQ Minnesota Satisfaction Questionnaire). تستخدم هذه الأداة نموذج استجابة "ليكرت" (Likert-response format) لإنشاء درجات رضا على 26 مقياس، بما في ذلك الرضا عن التعويض وفرص الترقية وزملاء العمل والمديح وما إلى ذلك. يمكنك تقييم درجاتك في نسخة قصيرة من هذه الأداة في قسم التقييم في هذا الفصل. يتميّز استبيان MSQ ومقاييس التصنيف المماثلة بمزايا عديدة لتقييم مستويات الرضا الوظيفي. أولًا؛ تتصف بأنها قصيرة وبسيطة نسبيًا ويمكن إكمالها من قبل معظم الموظفين وبسرعة. ثانيًا؛ بسبب الصياغة العامة للمصطلحات المختلفة، يمكن طرح هذه الاستبيانات على مجموعة واسعة من الموظفين ومن وظائف مختلفة، فليس من الضروري تغيير الاستبيان لكل تصنيف وظيفي، كما تتوفر بيانات معيارية شاملة (أو معايير). تتضمن هذه المعايير ملخصات لعشرات الآلاف من الأشخاص الذين أكملوا الاستبيان. وبالتالي ، يمكن لأصحاب العمل في المؤسسات الأخرى تحديد التوجّه النسبي ونتائج هذه الاستبيانات. على الرغم أنّ لمقاييس التصنيف العديد من المزايا مقارنة بالتقنيات الأخرى، إلا أن هناك عيبين اثنين لها، أولًا وكما هو الحال مع أي تقرير أو استبيان ذاتي ، يُفترض أن الذين يكتبون هذا الاستبيان على استعداد وقادرين على وصف مشاعرهم بدقة. ولكن كما لاحظ العديد من الباحثين أن الأفراد غالبًا ما يستبعدون -بوعي أو بدون وعي- المعلومات التي يشعرون أنّها مضرة ويعززون المعلومات التي يشعرون أنّها مفيدة لهم. فمن الممكن مثلًا أن يقوم الموظفون الذين يعتقدون أن رؤسائهم قد يرون نتائج استبياناتهم بالإبلاغ عن وجهات نظر وظيفية مواتية بطريقة مفرطة. المشكلة الثانية في مقاييس التصنيف هي الافتراض الأساسي بأنّ عناصر الاستبيان تعني نفس الشيء لجميع الأشخاص، فقد لا يكون هناك تفسير مشترك بين الأفراد. ومع ذلك اثبتت مقاييس التقييم أنها مفيدة في تقييم الرضا في جوانب مختلفة من الوضع الوظيفي. يمكن للإداريين استخدام النتائج لتحديد مجالات المشاكل المحتملة وتوليد نقاشات وخطط عمل عن كيفية تصحيح جوانب الوظائف أو المؤسسة التي تسبب مستويات غير مقبولة من عدم الرضا الوظيفي. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } رضا الزبون والنوعية ما مدى رضا الموظفين إذا كنت قد سافرت على متن شركة خطوط "ساوثويست الجوية" (Southwest Airlines) يمكنك معرفة أنّ هناك شيء مختلف تمامًا بمجرد تعاملك لأول مرّة مع موظفيها. بدءًا من المضيفات، إلى إعلانات الطيار، وحتى ممثلي خدمة العملاء، جميعهم لديهم تصرفات مُبهجة ويبدو عليهم السعادة عند تعاملهم معك، وعلى عكس الاعتقاد الشائع فإن هذا ليس تمثيلًا! أعلنت شركة طيران "ساوثويست" عام 2017 أنها ستشارك أرباحها البالغة 586 مليون دولار مع موظفيها البالغ عددهم 54000، مما منحهم مكافأة متوسطها حوالي 13.2 في المائة. بالإضافة إلى 351 مليون دولار إضافية والتي ساهموا بها في خطة الرواتب التقاعدية 401 (k) أيضًا. هذه مجرد إحدى الطرق العديدة التي أعطتها "ساوثويست" لموظفيها في يوم وزمن يبدو فيه الحصول على الحد الأدنى لأجور المرشحين المؤهلين بمثابة قتال. يفسّر الرئيس التنفيذي للشركة غاري كيلي (Gary Kelly) ذلك بقوله »نهجنا والذي يضع الناس والموظفين أولًا، والذي قاد شركتنا منذ تأسيسها، يعني أن شركتنا تعمل جيدًا، وأنّ موظفينا يقومون بعمل جيد حقًا. يعمل موظفونا بجهد كبير لا يصدق ويستحقون مشاركة نجاح ساوثويست». لا عجب أن يظهر الموظفون داخل أو خارج رحلتك رضاهم عبر مواقفهم اليومية مع هذا النهج الذي تنهجه الشركة. عام 2017 هو العام الثالث والأربعون الذي تقاسمت فيه ساوثويست أرباحها مع أفرادها. في حين أنّ التعويضات تعدّ واحدة من أكثر الصفات المسنودة للشركة للمساعدة في إرضاء الموظفين، وتتّخذ تدابير أكثر من ذلك وكل ذلك في سبيل الحفاظ على حماسٍ عالٍ لموظفيها. يصنف الموظفون في "ساوثويست" أولًا ويحتل الزبائن المرتبة الثانية. فهي تساهم في بناء ثقافة من المرح والقيم الأساسية الشاملة التي تساعد على إعطاء موظفيهم شعور الجماعة والانتماء. وعندما يكون موظفوهم متحمسين وفخورين بما يقومون به، سيكونون قادرين على تقديم أفضل ما لديهم لعملائهم كل يوم، وهو ما يظهر في نتائج رضا العملاء العالية في استطلاعات الرأي كل عام. المصادر: Dahl, Darren, “Why do Southwest Employees Always Seem so Happy,” Forbes, July, 28, 2017, https://www.forbes.com/sites/darrendahl/2017/07/28/why-do-southwest-airlines-employees-alwaysseem- so-happy/#3cba8dbc59b0; Martin, Emmie, “A major airline says there's something it values more than its customers, and there's a good reason why,” Business Insider, July 29, 2015, https://www.businessinsider.com/southwest-airlines-puts employees-first-2015-7; Ramdas, Shreesha, “The Southwest Way to Employee Satisfaction: Flying High Like the High Flier,” Customer Think, May 12, 2018, (http://customerthink.com/the-southwest-way-to-employee-satisfaction-flying-high-like-the highflier/. ترجمة -وبتصرف- للفصلين Attitudes and Behavior و Work-Related Attitudes من كتاب Organizational Behavior
  5. كيف يقلّل الإداريون والمؤسسات من التأثير السلبي للقوالب النمطية والحواجز الأخرى التي تحول دون اتّخاذ وجهات نظر دقيقة للعلاقات الشخصية؟ يمكن تحديد العديد من العوائق التي تعيق دقة تصوّرنا في العملية الإدراكية. وهذه العوائق هي: (1) الصور النمطية - (2) الإدراك الانتقائي - (3) الدفاع الإدراكي. سنستعرض بإيجاز إلى كلٍّ منها من حيث صلتها بالإدراك الاجتماعي في مواقف العمل المختلفة (انظر الجدول 3.2). عوائق الإدراك الصحيح للآخرين العائق تعريفه القولبة النمطية الميل لتطبيع سمات للأشخاص على أساس مستواهم أو فئتهم فقط الإدراك الانتقائي هو العملية التي نتجنب من خلالها المعلومات التي لا نرغب في سماعها بشكل منهجي ونركّز عوضًا عنها على المعلومات الأهم والأبرز الدفاع الإدراكي الميل إلى عدم تصديق أو تجاهل المعلومات التي تشكل تهديدًا شخصيًا أو الغير مقبولة ثقافيًا table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } القولبة النمطية إحدى العوائق الأكثر شيوعًا عند إدراك الآخرين في العمل هو القولبة النمطية، وهي تعميم صفة معينة أو انطباع خاص على مجموعة من الأشخاص على نطاق واسع، وهي عملية يُمنح فيها سمات لأشخاص على أساس مستواهم أو فئتهم فقط. يمكن أن تحدث بشكل خاص عند مقابلة المرء لأشخاص جدد، ولا يعرف إلّا القليل عنهم. نحن نميل إلى تصنيف الأشخاص في فئات معمّمة معدودة على أساس بعض الخصائص البارزة مثل الجنس أو العرق أو العمر، ونسند إليهم مجموعة من الصفات المسبقة بناءً على سمات الفئة التي وضعناهم فيها. فنفترض مثلًا أنّ كبار السن ذوو طرازٍ قديم ومحافظ وطبع عنيد وربما يعانون من بعض الخرف. ونرى الأساتذة على أنّهم شاردي الذهن وغير عمليين ومثاليين، أو غريبي الأطوار. اقترح جين وتريانديس وويك (Jain, Triandis, and Weick) تفسيرًا لوجود القوالب النمطية، إذ قالوا أنّ القوالب النمطية يمكن أن تستند إلى حدٍّ ما إلى الواقع نفسه. إذ يميل الأشخاص إلى مقارنة المجموعات الأخرى بمجموعتهم الخاصة، مما يجعلهم يضعون فروقات صغيرة من أجل قولبة الفئات الأخرى وتصنيفها في قالب مختلف عن فئتهم. فمثلًا يمكن أن نقول أن كبار السن بالعموم يشكلون فئة أكثر تحفظًّا أو أكثر تقليديّة، عندها تعمل القولبة النمطية على معاملة جميع أفراد هذه الفئة وفقًا لذلك التعميم. يمكننا ملاحظة ثلاثة أنواع من القوالب النمطية في المؤسسات: العمر والعرق والجنس. إنّ القوالب النمطية المرتبطة بالعمر موجودة في جميع المؤسسات. وجدت دراسة حديثة15 أنّه لا يزال هناك قوالب نمطية واضحة عن الموظفين الأكبر سنًا، إذ يُعتقد أنّهم (1) أكثر مقاومة للتغيير في المؤسسة، (2) أقل إبداعًا، (3) أقل قدرةً على المخاطر أو المجازفة، (4) ذوو قدرات بدنية أقل، (5) أقل اهتمامًا بتعلم التقنيات الجديدة، ( 6) أقل قدرة على تعلم التقنيات الجديدة. عندما طُلب من طلاب إدارة الأعمال اتخاذ قرارات متعلّقة بالموظفين الأكبر سنًا، اتّبعوا توجهات مختلفة لذلك. إذ أعطوا كبار السن ترشيحًا أقل في قرارات الترقية، وتلقى كبار السن أيضًا اهتمامًا أقل وموارد أقل للتدريب والتطوير، وأخيرًا نُقِل كبار السن إلى أقسام أخرى بدلًا من مواجهة رؤسائهم عند ظهور مشكلة في أدائهم. تنشأ مشاكل مماثلة للأشخاص من خلفيات عرقية أو ثقافية أو جنسية مختلفة. هناك مشكلة في العديد من الشركات اليوم تتمثل في المواقف تجاه المرأة كمدير أو مدير تنفيذي. إنّ النجاح في منصب إداري صعبٌ دائمًا، وتزداد المهمة صعوبة إن لم يكن زملاء العمل أو الرؤساء أو المرؤوسين داعمين لك. الإدراك الانتقائي الإدراك الانتقائي هو الانتخاب المنهجي للمعلومات التي نرغب في سماعها واستبعاد تلك التي لا نريد سماعها مع التركيز بدلًا من ذلك على معلومات أكثر أهميّة. تُحدّد هذه الأهمية بناءً على خبراتنا واحتياجاتنا وتوجّهاتنا. إنّ دراسة سيمون وديربورن (Dearborn and Simon) المذكورة سابقًا عن المدراء تقدّم لمحة ممتازة عن الإدراك الانتقائي. إذ يُركّز مديرو خطوط الإنتاج بشكل أساسي على مشاكل الإنتاج مع استبعاد أو غض النظر عن المشكلات الأخرى، وكذلك الأمر مع المحاسبين، والعاملين في شؤون الموظفين، مديرو المبيعات. إذ يرى الجميع أن تخصّصه أكثر أهمية في الشركة من التخصّصات الأخرى. يقدّم "ماينر" (Miner) مثالًا آخر عن الإدراك الانتقائي في المجموعات والمؤسسات، ويلّخص سلسلة من التجارب التي تتناول المجموعات المتنافسة في تمارين حل المشكلات، إذ قدّمت المجموعات باستمرار حلولها الخاصّة على أنّها أفضل من الحلول التي اقترحها الآخرون. تلخص هذه النتائج ظاهرة شائعة نراها في العديد من المؤسسات البحثيّة. إذ أنه هناك ميل مستمر لدى العلماء لرؤية الأفكار أو المنتجات التي تنشأ خارج مؤسّستهم أو إدارتهم على أنّها أقل شأنًا، والحكم على الباحثين الآخرين على أنّهم أقل كفاءة وإبداعًا منهم. يُشار إلى هذا غالبًا باسم متلازمة "غير مُخترَعٍ هنا" (Not-Invented-Here). يمكن العثور على أنماط مماثلة لهذا السلوك بين الإداريين وعاملي الخدمة وأمناء السر. الدفاع الإدراكي العائق الأخير للإدراك الاجتماعي هو الدفاع الإدراكي، والذي يعتمد على ثلاثة مبادئ، تتمثل بما يلي: تمتلك المنبّهات المزعجة أو المهدّدة عاطفيًا عتبة إدراك أكبر من المنبهات المحايدة الطبيعية. من المرّجح أن تثير هذه المنبهات استجابات إدراكية ثانوية تكون مُحرّفة لمنع التعرّف أو التأثر السلبي بهذه المنبهات (مثل الصدمات العاطفية). تثير هذه المنبهات الحرجة ردود أفعالٍ عاطفيّة رغم عدم إدراكها بشكل كامل. بعبارة أخرى، نميل من خلال الدفاع الإدراكي إلى عدم تصديق أو تجاهل المعلومات التي إمّا تهدّدنا شخصيًا أو تكون غير مقبولة ثقافيًا. ونظرًا لأنّ للمنبهات المزعجة عاطفيًا عتبة أعلى تأثيرًا للتعرّف عليها (إدراكها)، يكون الأشخاص أقل عرضة لمواجهة التهديد أو الاعتراف به بشكل واضح، وبدلًا من ذلك يرون منبّهات مختلفة تمامًا أو حتى خاطئة لكنّها أكثر أمانًا بالنسبة لهم. مع ذلك فإن وجود المنبه الحرج غالبًا ما يؤدي إلى زيادة المشاعر السلبية رغم عدم التعرّف عليه أو الاعتراف به. لنفترض مثلًا أنّه وخلال التفاوض على عقد مع مصنع تجميع، تسرّبت كلمة مفادها أنّه وبسبب انخفاض الأرباح يمكن أن يضطر المصنع إلى الإغلاق بشكل دائم، قد يتجاهل العمال القلقون هذه الرسالة ويختارون بدلًا من ذلك الاعتقاد بأنّ إدارة الشركة تروّج شائعات كاذبة لترجح الكفة لصالحها (لصالح عدم زيادة الأجور) خلال مفاوضات الأجور. لكن حتى ولو تقبّل العمال ذلك الإدّعاء كحقيقة، يمكن توقّع ردود فعل عاطفية قويّة ضد الشركة من قبلهم. أحد آثار الدفاع الإدراكي هو إبعادنا عن الأحداث التي تواجهنا مباشرة والتي لا نرغب في التعامل معها أو قد لا نكون قادرين على التعامل معها، فنبدّد عواطفنا من خلال توجيه انتباهنا إلى أشياء أخرى (بديلة) ونأمل أن يختفي الحدث الأصلي الذي أزعجنا في النهاية. يكون الدفاع الإدراكي واضحًا خصوصًا عندما يواجه الأشخاص موقفًا يتناقض مع المعتقدات والمواقف والمبادئ التي يتبنونها. قدّم هير وغرونز (Haire and Grunes) في دراسة كلاسيكيّة عن الدفاع الإدراكي لطلاب الجامعات وصفًا لعمال المصانع. تضمنت هذه الأوصاف كلمة ذكاء (أي أن عمال المصانع على الرغم من طبيعة عملهم هم أذكياء)، ونظرًا لأن هذا الوصف يتعارض مع معتقدات الطلاب فيما يتعلق بعمال المصانع، فقد اختاروا رفض الوصف باستخدام الدفاع الإدراكي. ويمكننا تحديد أربع أنماط للدفاع الإدراكي في هذه الحالة 20: الإنكار: نفى عدد قليل من الأشخاص وجود الذكاء لدى عمال المصانع. التعديل والتشويه: كان هذا أحد أكثر أشكال الدفاع شيوعاَ. حيث كان النمط هو توضيح الصراع الإدراكي من خلال الربط بين الذكاء وبعض الخصائص الأخرى – مثلًا "إنّه ذكي لكنه لا يملك زمام المبادرة للارتقاء والتميز ضمن مجموعته". التغيير في وجهات النظر: غيّر الكثير من الطلاب نظرتهم للعامل بسبب خاصيّة الذكاء. ومع ذلك كان التغيير في معظمه حَذقًا للغاية. الاعتراف ولكن مع رفض التغيير: أدرك عدد قليل جدًا من الطلاب بوضوح التعارض بين وجهات نظرهم للعامل والوصف الذي كان يواجههم. ذكر أحدهم مثلًا "يبدو أنّ هذا الوصف متناقض، فمعظم عمال المصانع الذين سمعت عنهم ليسوا أذكياء للغاية." إنّ الدفاع الإدراكي يصعِّب أي موقف من المرّجح أن يكون فيه صراع أو اختلاف، فهو يخلق بقعًا عمياء تجعلنا نفشل في سماع ورؤية الأحداث كما هي بالفعل. التحدّي الذي يواجه الإداريين هو تقليل الشعور بالخطر في مواقف معيّنة بحيث لا تظهر هذه الآليات الإدراكية الدفاعية الخاطئة لدى العمال. يمكن تحقيق ذلك من خلال طمأنة الأشخاص بأنّ الأشياء المهمة لهم ستبقى كما هي، أو من خلال التأكيد على إيجابية الحدث نفسه في المستقبل. الإسنادات أو الدوافع: تفسير أسباب السلوك كيف يعزو الأشخاص المديح واللوم للأحداث المؤسساتية؟ أحد المؤثرات الرئيسيّة على سلوك الأشخاص هو كيف يفسّرون الأحداث المحيطة بهم. الأشخاص الذين يشعرون بأنّ لديهم سيطرة على ما يحدث لهم هم أكثر قدرة على لتقبّل مسؤولية أفعالهم من أولئك الذين يشعرون بعدم سيطرتهم على الأحداث المحيطة بهم. تُدعى العملية المعرفية التي يفسر من خلالها الأشخاص أسباب سلوكهم نظرية الإسناد. تتعلق "نظرية الإسناد" على وجه التحديد بالعملية التي يفسّر من خلالها الفرد الأحداث على أنّها ناتجة عن جزء معين من بيئة أو ظروف مستقرة نسبيًا. تستند نظرية الإسناد إلى حد كبير على عمل "فريتز هايدر" (Fritz Heider). والذي يقول أنّ السلوك يتحدّد من خلال مجموعة من قوى داخلية (مثل القدرات أو الجهد) وقوى خارجية (مثل صعوبة المهمة أو الحظ). باتباع النهج المعرفي ل "لوين وتولمان" (Lewin and Tolman) الذي يؤكّد على أنّ ما يؤثر على السلوك هو عوامل مُدركة وليست فعلية. وبالتالي، إذا أدرك الموظفون أن نجاحهم هو نتيجة لقدراتهم وجهودهم، يُمكن أن يُتوقْع منهم أن يتصرفوا بطريقة مختلفة عن تصرفهم عند اعتقادهم أنّ ذلك ناتج عن الحظ. عملية الإسناد الافتراض الأساسي لنظرية الإسناد هو أنّ الأشخاص يُحفّزون لفهم بيئتهم والأسباب والغاية الكامنة في أحداث معينة. وإذا تمكّن الأفراد من فهم هذه الأسباب سيكونون في وضع أفضل للتأثير أو التحكم في تسلسل الأحداث المستقبلية. رسمت هذه العملية في الشكل 3.5. تشير نظرية الإسناد على وجه التحديد إلى أنّ الأحداث السلوكية المحدّدة (مثل استلام ترقية) تُحلّل من قبل الأفراد لتحديد أسبابها. يمكن أن تؤدي هذه العملية إلى استنتاج مفاده أنّ الترقية نتجت عن جهد الفرد نفسه، أو عن سبب آخر عوضًَا عن ذلك، مثل الحظ. وبناءً على هذه التفسيرات المعرفية للأحداث، يقوم الأفراد بمراجعة بنيتهم المعرفية وإعادة التفكير في افتراضاتهم حول العلاقات السببية. قد يستنتج الفرد مثلاً أنّ الأداء الجيّد يؤدي بالفعل في نهاية المطاف إلى الترقية، وبناءً على هذا يتخذ الفرد اختيارات حول السلوك المستقبلي، إذ يمكن أن يقرر مواصلة بذل مستويات عالية من الجهد على أمل أن يؤدي ذلك إلى المزيد من الترقيات. ومن ناحية أخرى، إذا استنتج الفرد أنّ الترقية نتجت في المقام الأول عن الصدفة دون أن يكون لها علاقة كبيرة بالأداء، قد تنشأ بنية معرفية مختلفة، وقد يكون هناك دافع أقل لمواصلة بذل مستويات عالية من الجهد. بمعنى آخر، تؤثّر الطريقة التي نتصور ونفسر بها الأحداث من حولنا بشكل كبير على سلوكياتنا المستقبلية. الشكل (3.5): عملية الإسناد العامة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الأسباب الداخلية والخارجية للسلوك حاول "هارولد كيلي" (Harold Kelley) تحديد العوامل الرئيسية السابقة للصفات الداخلية والخارجية بناءً على عمل "هايدر"(Heider) . فدرس كيف يحدّد الأشخاص - أو بالأحرى كيف يدركون فعلياً - ما إذا كان سلوك شخص آخر ينتج عن أسباب داخلية أو خارجية. تشمل الأسباب الداخلية القدرة والجهد، بينما تشمل الأسباب الخارجية الحظ و سهولة أو صعوبة المهمة. يوضّح استنتاج "كيلي" في الشكل 3.6 أنّ الأشخاص يركّزون فعلياً على ثلاثة عوامل عندما يقومون بالإسناد السببي: الشكل (3.6): أسباب الإسنادات الداخلية والخارجية مقتبس من Nyla Branscombe and Robert A. Baron. Social Psychology. Fourteenth Edition, 2016, Pearson (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الإجماع، والذي يشير إلى أي مدى تعتقد أنّ الشخص المُراقب يتصرف بطريقة تتوافق مع سلوك أقرانه في المجموعة. سيكون الإجماع كبيرًا عندما تعكس أو تشابه تصرفات الفرد تصرفات المجموعة؛ وبالمقابل يكون الإجماع منخفضاُ في الحالة المعاكسة. الثبات،أي إلى أي مدى تعتقد أنّ الشخص المُراقب يتصرّف بثبات - بطريقة مماثلة - عندما يواجه نفس المواقف أو مواقف مشابهة في ظروف مختلفة. ستكون درجة الثبات عالية عندما يتصرف الشخص بشكل متكرر بنفس الطريقة عند مواجهته لظروف ومحفّزات متشابهة. التميز، بمعنى إلى أي مدى تعتقد أنّ الشخص المُراقب سيتصرف بشكل متميّز (غير رتيب أو متكرر) عند مواجهته لمواقف مختلفة. يكون التميز منخفضاً عندما يتصرف الشخص بطرق متماثلة في ظروف مختلفة؛ وبالمقابل توجد درجة عالية من التميز عندما يغير الشخص استجاباته طبقًا للحالات أو الظروف المختلفة. كيف تتفاعل هذه العوامل الثلاثة لتحديد ما إذا كانت صفات أو تصرفّات الشخص داخلية أم خارجية؟ وفقًا للشكل، في ظل ظروف الإجماع العالي والثبات العالي والتميز العالي، نتوقع من المراقب أن يقوم بتخصيصات خارجية حول أسباب السلوك. وهذا يعني أن الشخص سوف يعزي السلوك المرصود (الفوز في بطولة الغولف مثلًا) إلى الحظ الجيد أو إلى حدث خارجي آخر. ومن ناحية أخرى، عندما يكون الإجماع منخفضًا والثبات مرتفعًا والتميز منخفضًا، نتوقع من المراقب أن يعزو السلوك المرصود (الفوز في بطولة الغولف) إلى أسباب داخلية (مهارة الفائز). وبعبارة أخرى، نحن نميل إلى أن نعزو الأسباب الكامنة وراء نجاح أو فشل الآخرين إما لأسباب داخلية أو خارجية ،وذلك وفقًا لطريقة تفسيرنا للقوى والعوامل الأساسية المرتبطة بسلوك الآخرين. على سبيل المثال، لنناقش حالة أول مديرة مبيعات في شركة تُرقّى إلى رتبة مدير تنفيذي، كيف ستفسر ترقيتها - الحظ والعلاقات أم القدرة والأداء؟- لمعرفة ذلك، اتبع النموذج. إذا كانت قد ساهمت في بيع وتسويق المنتجات بشكل أكبر من نظرائها (الذكور) بصفتها مندوبة مبيعات (إجماع منخفض في السلوك)، وباعت المُنتجات في مناطق مبيعات مختلفة (ثبات عالي)، وكانت أيضًا قادرة على بيع المنتجات المختلفة ( المنتجات الأساسية والثانوية للشركة) في خطوط إنتاج الشركة (منخفضة التميز)، سنعزو ترقيتها أكثر إلى قدراتها الذاتية. ومن ناحية أخرى، إذا كان نظرائها الذكور مندوبي مبيعات جيدين (أي سيصبح عامل الإجماع للموظفة عالٍ) وكان سجل مبيعاتها للمنتجات الثانوية غير مستمر أو مستقر (تميز عالٍ)، فمن المحتمل أن يعزو الناس ترقيتها إلى الحظ أو الاتصالات، بغض النظر عن أدائها في المبيعات في خط الإنتاج الأساسي (الثبات العالي). الانحياز في الإسناد ينبغي أن ننتبه إلى نقطة أخيرة في عملية التأويل ونسب التصرّفات إلى سببيات معيّنة، وهي أنه يميل الأشخاص إلى الوقوع بأخطاء معيّنة عند تفسير أو تأويل أسباب السلوك، ينبغي ملاحظة نوعين من هذه الأخطاء أو التحيزات. يُسمّى أولها خطأ النسب الجوهري أو الأساسي، وهو الميل إلى التقليل من شأن تأثيرات أسباب السلوك الخارجية أو الحالية وزيادة شأن تأثيرات الأسباب الشخصية أو الداخلية، وبالتالي عند حدوث مشكلة معينة في قسم ما من الشركة فإننا نميل إلى لوم الناس عوضًا عن لوم الأحداث أو المواقف. أما الخطأ الثاني في عملية النسب تسمى بشكل عام الانحياز الذاتي، إذ ليس من المفاجئ أن يكون هناك ميل لدى الأشخاص لينسبوا نجاح حدث أو مشروع لأفعالهم الخاصة بينما ينسبون الفشل للآخرين، وبالتالي غالبًا ما نسمع مندوبي المبيعات يقولون: "أنا كنت السبب في نجاح هذه الصفقة" عند نجاحهم أو "سرقوا هذه الصفقة مني" عوضًا عن قوله "خسرتها" في حالات الفشل. إن هذين النوعين من الانحياز في تفسير رؤيتنا للأحداث من حولنا يساعدنا في فهم سبب اختلاف رؤية الموظفين للحدث ذاته. ترجمة -وبتصرف- للفصلين Barriers to Accurate Social Perception و Attributions: Interpreting the Causes of Behavior من كتاب Organizational Behavior
  6. سنستعرض في الجُزء الثالث من سلسلتنا الفريدة عن السلوك التنظيمي في المؤسسات جملةً من النقاط المهمة، والتي يجب أن يتطرّق إليها الإداريون في خضم مهامهم وأعمالهم اليومية وأثناء تعاملهم مع الموظفين. سنخوض في المقالات التالية في العديد من المواضيع، ابتداءً من تأثير اختلافات وجهات النظر على سلوك الموظف وأدائه، وصولًا إلى كيفية تقليل الإداريين للتأثير السلبي للقوالب النمطية في المؤسسة، وانتهاءً بكيفية تأسيس بيئة عمل تتسم بسلوكيات عمل إيجابية والحفاظ عليها وكيفية تطوير قوة عاملة ملتزمة داخل المؤسسة. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } استكشاف المهن الإدارية وجهات النظر الشخصية تؤثر على الانسجام في مكان العمل كان الصراع منهجًا اعتاد عليه كل من جيمس وتشاز في مكان عملهم، وكان الأمر مجرّد مسألة وقت قبل أن تتفاقم خلافاتهم وتصبح عبئًا عليهم وعلى طاقم الإدارة كذلك. حرص تشاز على أن يكون في المقدّمة ويركّز على التطوّر بسرعة في مسيرته المهنية، ويبقى لساعات إضافية كنوع من الاستعراض لمثابرته، ويتولّى كذلك مهام إضافيّة من الإدارة دون أن يمانع ذلك. من الناحية الأخرى، جيمس راضٍ عن منصبه ويرى أنّه إذا قام بعمله المعتاد سيُعدّ جزءًا ثابتًا من الفريق وسيُكافئ على جهوده اليومية المُعتادة الدؤوبة، ويَنظر إلى سلوك تشاز على أنّه تملّق ويستاء منه بسبب جهوده الإضافية لأنّها تجعل عمله يبدو سيئًا. لا يفكّر جيمس في الأسباب الشخصية التي تجعل تشاز يتصرّف بهذه الطريقة، وعوضًا عن ذلك ينتهي به المطاف أن يعامل تشاز معاملة سيئة مع قلّة صبر في كل مرّة يضطران فيها إلى العمل معًا. يتحدّث تشاز إلى مديره جيري بشأن الطريقة التي يعامله بها جيمس، ويوضح أنّه يعاني من بعض المشاكل الشخصيّة في المنزل، فزوجته حامل ويحاولان إدّخار بعض المال من أجل مولودهم الجديد. إذ يشعر تشاز أنّه مجبر على العمل بجد وعرض مواهبه للحصول على زيادة في راتبه. ويعبّر عن مشاعره تجاه جيمس، وأنّه يجب ألّا يُدَقّق عليه لمجرد قيامه بالمزيد وتجاوزه لزملائه الذين قرّروا الالتزام بالحد الأدنى من متطلبات العمل. يتفهّم جيري موظفه تشاز ومخاوفه التي دفعته إلى القدوم إليه، ويتحدثان أيضًا عن طرائق لتقدير الجهود الإضافية التي يبذلها تشاز ويخطّطان لإجراء محادثة خلال فترة المراجعة السنوية ومناقشة ترقيته مرّة أخرى. يقترح جيري على تشاز أيضًا أن يتحدّث مع جيمس لتخفيف حدّة سلوكه السلبي، ويرى أنّه في حال فهم جيمس الأسباب الكامنة وراء تصرفات تشاز من الممكن أن يصبح أقل غيرة وأقل شعورًا بالتهديد. العملية الإدراكية كيف تؤثّر اختلاف وجهات النظر على سلوك الموظف وأدائه؟ الإدراك هو العملية التي يدرس ويختار وينظّم ويفسّر الشخص من خلالها الأحداث ليعطيها معنى. هو عملية فهم البيئة المحيطة بغية توليد الاستجابة السلوكية المناسبة. ولا يؤدي الإدراك بالضرورة إلى إعطاء ردود فعل مثالية للظروف المحيطة، وإنّما يؤدي إلى تصور فريد يتأثر باحتياجات ورغبات وقيم واستعدادات المُدرك. وكما وصفه كريتش وزملائه: إنّ تصور الفرد لحالة معيّنة ليس تمثيلًا فوتوغرافيًا للعالم المادي، بل إنّه بناء جزئي وشخصي يُنظر فيه إلى أشياء معيّنة اختارها الفرد لتلعب الدور الرئيسي في نظرته. إذ إنّ كل مدرك إلى يمكن أن نعدّه فنانًا غير تمثيلي يرسم صورة للعالم تُعبّر عن رؤيته الشخصية للواقع. يختار ويدرس الأفراد عدّة أشياء تسترعي انتباههم في بادئ الأمر، وتسمّى هذه العملية الانتقائية الإدراكية. تجذب بعض هذه الأشياء اهتمامنا، وبعضها الآخر لا. إذ يلاحظ الأفراد أمرًا معيّنًا في البداية، ثم يحاولون فهمه من خلال تنظيمه أو تصنيفه وفقًا للإطار المرجعي الخاص بهم وتِبعًا لاحتياجاتهم، وتسمى العملية الثانية هذه التنظيم الإدراكي. عندما يُربط الشيء بمعنى يصبح الأفراد في وضع يمكّنهم من تحديد الاستجابة أو رد الفعل المناسبين، على سبيل المثال إن أدركنا وفهمنا بوضوح أنّ طريقًا ما يشتمل على خطر سقوط صخرة أو الإصابة بحادث سير سنتمكّن من الابتعاد عن الطريق بسرعة. ونظرًا لأهمية الانتقائية الإدراكية لفهم وجهات النظر في مواقف العمل، سندرس هذا المفهوم بشيء من التفصيل قبل التحدّث عن موضوع الإدراك الاجتماعي. الانتقائية الإدراكية: رؤية ما نراه تشير الانتقائية الإدراكيّة كما ذُكر أعلاه إلى العملية التي يختار الأفراد من خلالها الأشياء التي سيوجّهون انتباههم لها في البيئة المحيطة. وبدون هذه القدرة على التركيز على منبه أو بضعة منبهات بدلًا من المئات التي تحيط بنا لن نتمكّن من معالجة جميع المعلومات اللازمة لبدء سلوك أو اتخاذ إجراء معيّن. تعمل الانتقائية الإدراكية في الأساس على النحو الموضّح في الشكل (انظر الشكل 3.2). يتعرّض الفرد أولًا لشيء ما أو منبه ما – مثل ضوضاء عالية أو سيارة جديدة أو مبنى مرتفع أو شخص آخرأو ما إلى ذلك، ثم يركّز الفرد انتباهه بعد ذلك على هذا الشيء أو المنبه دون سواه، ويركّز جهده على فهم أو استيعاب هذا المنبه. فمثلًا صادف مديران خلال قيامهما بجولة في مصنع إحدى الآلات المعطّلة، ركّز أحد هذين المديرين اهتمامه على الآلة المتوقّفة، في حين ركّز المدير الآخر اهتمامه على العامل الذي كان يحاول إصلاحها. طرح كلاهما في آنٍ واحد سؤالًا على العامل، سأل المدير الأول عن سبب توقف الآلة وسأل المدير الثاني عمّا إذا كان الموظف يعتقد أنّه قادر على إصلاحها. نلاحظ أن كلا المديرين تعرّض لنفس الموقف وواجه نفس الحادثة، لكنهما لاحظا وحلّلا جوانب مختلفة منه. يوضّح هذا المثال أنّه ما إن يوجّه المرء انتباهه إلى أمرٍ ما، فمن المرجّح أن يحتفظ بصورة للشيء أو المنبّه في ذاكرتهم وأن يختاروا الاستجابة المناسبة له. يمكن تقسيم هذه المؤثرات المختلفة على الانتباه الانتقائي إلى مؤثرات خارجية ومؤثرات داخلية (شخصيّة) (انظر إلى الشكل 3.3). الشكل (3.2): عملية الانتقائية الإدراكية (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الشكل (3.3): المؤثرات الرئيسيّة على الانتباه الانتقائي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). المؤثرات الخارجية على الانتباه الانتقائي تشتمل المؤثرات الخارجية على خصائص وصفات الشيء أو الشخص المُلاحظ والمنشّط للحواس. تؤثر معظم المؤثرات الخارجية على الانتباه الانتقائي بسبب خصائصها الفيزيائية أو خصائصها الديناميكية. الخصائص الفيزيائية. غالبًا ما تؤثر الخصائص الفيزيائية للأشياء نفسها على كيفية استحواذ هذه الأشياء على انتباه المدرك. يوجَّه التركيز هنا نحو الصفات الفريدة والمختلفة وغير العادية. إحدى الخصائص الفيزيائيّة المهمة هي الحجم. إذ تحظى الأشياء الأكبر حجمًا عمومًا باهتمامٍ أكبر من الأشياء الأصغر حجمًا. تستخدم شركات الإعلانات الإشارات واللوحات الإعلانية بأكبر حجم ممكن لجذب انتباه المدرك. لكن عندما تكون معظم الأشياء المحيطة بنا كبيرة الحجم، عندها يمكن أن تحظى الأشياء الصغير باهتمام أكبر وشتدّ الانتباه إليها. يمثّل الحجم في كلا الحالتين عنصرًا مهمًا في عملية الإدراك. تميل كذلك الأشياء البهيّة ذات الطابع الحيوي والصاخبة والملوّنة كذلك إلى جذب الانتباه بشكل أكبر. فمثلًا عندما يصرخ كبير العمال في المصنع بأمرٍ ما على العمال، من المحتمل أن يتلقّى انتباهًا إضافيًا منهم (رغم أنّه يمكن ألّا يتلقى الاستجابة المطلوبة). يجب أن نتذكر هنا أنّ هذه الشدة والاستعلاء في التنبيه يزيد الاهتمام فقط عند مقارنته مع المنبهات المماثلة الأخرى. فإذا كان كبير العمال يصرخ دائمًا سيتوقف الموظفون عن الانتباه إلى صراخه. إذ تحصل الأشياء ذات الطابع غير المتكرر والمُختلف على اهتمام أكبر من الأشياء التي تحدث بشكل متواتر ومستمر. من الأمثلة على مبدأ الاختلاف والتواتر هذا هو استخدام علامات السلامة في الطرق السريعة، إذ تُكتب رسالة وجيزة مثل "خطر" باللون الأسود على خلفية صفراء أو برتقالية. الخاصيّة الفيزيائيّة الأخيرة التي يمكنها أن تزيد من الوعي الإدراكي هي إبداع وعدم إلفة الشيء. إنّ رؤية الفريد أو الغير متوقع في بيئة مألوفة (كأن يأتي مسؤول تنفيذي في شركة ملتزمة إلى العمل مرتديًا شورت برمودا على سبيل المثال) أو رؤية المألوف في بيئة غير مناسبة (شخص يُمسك مشروبًا كحوليًا في كنيسة) ستحظى بالانتباه حتمًا. الخصائص الديناميكية. المجموعة الثانية من المؤثرات الخارجية على الانتباه الانتقائي هي تلك التي تتغير بمرور الوقت أو تستمد تفرّدها من الترتيب الذي قُدّمت به. الخاصية الديناميكية الأكثر وضوحًا هي الحركة. إذ إننا نميل في معظم الأحيان إلى الانتباه إلى الأشياء المتحركة ضمن خلفية ثابتة. تستخدم شركات الإعلان هذا المبدأ وتستغل هذه الظاهرة الفطرية لدى الإنسان، إذ إنّها في كثير من الأحيان تستخدم إشارات مع أضواء أو أشياء متحرّكة لجذب الانتباه. أحد الأمثلة الواضحة في البيئة المؤسساتيّة هي الموظف الذي يعمل بمعدل كبير، والذي يستعرض مهارته وتقدّمه أمام زملائه من خلال العمل بسرعة كبيرة ليجذب المزيد من الاهتمام إليه. إحدى المبادئ الرئيسية الأخرى التي تستخدمها شركات الإعلان هو تكرار الرسالة أو الصورة. حيث تحظى التعليمات المكرّرة في العمل إلى انتباهٍ أكبر من الموظفين، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمهمة مملة أو يصعب التركيز عليها. إنّ هذه العملية فعّالة خصوصًا في مجال سلامة المنشآت. إذ تحدث معظم الحوادث الصناعية سبب أخطاء ناجمة عن عدم المبالاة أثناء إنجاز المهام الروتينية. يساعد تكرار قواعد وإجراءات السلامة في الحفاظ على العمال في حالة تأهب لإمكانية وقوع الحوادث. المؤثرات الشخصية على الانتباه الانتقائي بالإضافة إلى المجموعة المتنوعة من العوامل الخارجية، توجد العديد من العوامل الشخصية المهمة التي يمكنها أيضًا التأثير على مدى الانتباه الذي يوليه الفرد لمنبه أو شيء معين في البيئة المحيطة به. المؤثران الشخصيان الأكثر أهمية في الإدراك هما أولوية الاستجابة و ميول الاستجابة. أولوية الاستجابة تعني الميل إلى التركيز على الأشياء المرتبطة باحتياجاتنا أو رغباتنا العاجلة. يمكن تمييز تأثير أولوية الاستجابة في بيئة العمل بسهولة، إذ يكون العامل الذي سئم من ساعات العمل العديدة حساسًا للغاية تجاه عدد الساعات أو الدقائق المتبقيّة حتى مغادرة العمل. حتى أن الموظفين الذي لديهم هذا التأثير يعلمون حق العلم عدد الساعات المتناسبة مع الأجور التي عُرضت عليهم أثناء تفاوضهم على عقد عمل جديد. كما أن الإداريين الذين يكونون بحاجة إلى تحقيق أهداف طموحة حساسيين لمواضيع معينة مثل الفرص المتاحة ومقدار الإنجازات والنجاح والترقية. وأخيرًا تكون المديرات أكثر حساسية من العديد من الإداريين الذكور في ما يتعلّق بالتغاضي عن مواقف وتصرّفات الذكور المسيئة تجاه النساء في العمل. يمكن لتأثير أولوية الاستجابة بدوره أن يشوّه نظرتنا إلى محيطنا أيضًا، كما قال روش Ruch: ميول الاستجابة. في حين أن تأثير أولوية الاستجابة يتعامل مع الاحتياجات والاهتمامات العاجلة فإنّ تأثير ميول الاستجابة هو الميل إلى التعرف على الأشياء المألوفة بسرعة أكبر من الأشياء غير المألوفة. تحمل فكرة تأثير ميول الاستجابة إدراكًا واضحًا لأهمية ما تعلمناه في الماضي على الموجودات في الوقت الحاضر وكيفية حكمنا عليها. قُدّم إلى مجموعة من الأفراد في إحدى الدراسات مجموعة من أوراق اللعب ذات الألوان والرموز المعكوسة - أي أنّ الكوبة والديناري طُبعوا باللون الأسود، والبستوني والسباتي باللون الأحمر. كان من المثير للدهشة أنه عندما عُرض على الأفراد هذه البطاقات لفترات زمنية قصيرة، استمروا بوصف البطاقات كما كانوا يتوقعونها أن تكون (الكوبة والديناري باللون الأحمر والبستوني والسباتي باللون الأسود) بدلًا مما هي عليه في الواقع، إذ كانوا مهيئين لرؤية الأشياء كما كانت دائمًا في الماضي. نستنتج مما سبق أن العملية الإدراكية هي في الواقع عملية معقدة، وهناك عدة عوامل (سيّما الدوافع النفسية والمؤثرات المحيطة) التي تؤثر في كيفية تفسير الأحداث التي نركّز عليها وكيفية استجابتنا لها. على الرغم من أنّ هذه العملية قد تبدو معقدة نوعًا ما، إلّا أنّها في الحقيقة تمثّل اختصارًا وتبسيطًا لطريقة تأويلنا استجابتنا لما حولنا وترشدنا في سلوكنا اليومي. وهذا يعني أنّه بدون الانتقائية الإدراكية فإننا سنقف عاجزين عن الاستجابة بسبب ملايين المحفّزات التي تتنافس على شد اهتمامنا. تتيح لنا العملية الإدراكية تركيز انتباهنا على الأحداث و الأشياء الأكثر بروزًا وأهميّة، وتتيح لنا كذلك تصنيف هذه الأحداث أو الأشياء بحيث تنسجم مع الخريطة المفاهيمية للبيئة الخاصة بنا. التوسع حول العالم أيّ سيارة ستودّ شرائها؟ عندما اتّحدت شركة جينيرال موتورز مع تويوتا لتشكيل شركة (NUMMI أو New United Motor Manufacturing Inc) كان لديهم فكرة عظيمة، إذ إنّ الشركة الجديدة لن تنتج سيارة تويوتا كورولا فحسب بل أيضًا سيارة جنرال موتورز والتي تدعى جيو بريزم. وستكون كلتا السيارتين متطابقتين بشكل أساسي باستثناء بعض الفروق البسيطة في التصميم. ولكن لسوء الحظ فقد نسيت جنرال موتورز أمرًا واحدًا، إذ إنّ المستهلك في أمريكا الشمالية كان لديه انطباع مسبق وكان يفضّل السيارات اليابانية على السيارات الأمريكية الصنع. ونتيجة لذلك بيعت سيارات تويوتا كورولا منذ بداية المشروع المشترك بسرعة، بينما تراجعت مبيعات جيو بريزم. من السهل شرح ما حدث وتبريره ضمن إطار مفهوم الاختلافات الإدراكيّة الذي شرحناه سابقًا. إذ إنّ المستهلك العادي ينظر ببساطة إلى سيارات كورولا على أنها ذات جودة أعلى (وربما مواصفات أقوى) فكان مهيئًا نفسيًّا مسبقًا لشرائها، بينما لم يشكك المستهلكون بسيارات بريزم فقط؛ بل إنمّا إصرار شركة جنرال موتورز على الاسم الجديد للسيارة وتركها للاسم القديم المعروف لها أدّى إلى ترك العديد من العملاء في حيرةٍ من أمرهم وغير متيقّنين بما يشترونه حقًّا. كان الإدراك هو السبب الرئيسي وراء تراجع مبيعات السيارة الأمريكية الجديدة، وليس ذلك فحسب بل إن طلاء سيارات بيرزم كان من بين الأسوأ تصميمًا على الإطلاق، وهذا في الواقع ما زاد الأمر سوءًا. خسرت جنرال موتورز نتيجة لذلك 80 مليون دولار على بريزم في عامها الأول من المبيعات. في حين تزايد وارتفع الطلب على سيارات تويوتا كورولا. المفارقة النهائية هنا أنّه لا يوجد سيارتين متشابهتين أكثر من بريزم وكورولا، فهما مبنيتان في نفس خط التجميع بواسطة نفس العمال وفقًا لمواصفات التصميم نفسها، إنّهما في الواقع السيارة نفسها، والفرق الوحيد كان في كيفية نظر المستهلكين إلى السيارتين - ومن الواضح أنّ هذه التصورات كانت مختلفة جذريًا. تغيرت التصورات مع مرور الوقت، ورغم أنّه لم يكن هناك أمرٌ فريد من نوعه في سيارة بريزم، لكنها بِيعت جيدًا واستمرت في العمل حتى بدايات عام 2000. كانت سيارة بريزم أساسًا لسيارة بونتياك فيبي، والتي اعتمدت على خطة عمل كورولا أيضًا، وهذه إحدى التعاونات القليلة التي نجحت نجاحًا جيدًا. المصدر: C. Eitreim, “10 Odd Automotive Brand Collaborations (And 15 That Worked),” Car Culture, January 19, 2019; R. Hof, “This Team-Up Has It All—Except Sales,” Business Week, August 14, 1989, p. 35; C. Eitreim, “15 GM Cars With The Worst Factory Paint Jobs (And 5 That'll Last Forever),” Motor Hub, November 8, 2018. الإدراك الاجتماعي في المؤسسات ركّزنا حتى هذه النقطة على دراسة العمليات الإدراكيّة الأساسيّة — كيف نرى الأشياء وكيف نستجيب إلى المنبهات. وبناءً على هذه المناقشة نحن الآن على استعداد لدراسة حالة خاصة من العملية الإدراكية ألا وهو الإدراك الاجتماعي وذلك لتأثيره الكبير في مكان العمل. يتضمن الإدراك الاجتماعي مجمل العمليات والمراحل التي ندرك من خلالها الآخرين ونستشّفهم. 5 التركيز الأساسي في دراسة الإدراك الاجتماعي يصبّ في كيف نفسّر الآخرين، وكيف نصنّفهم، وكيف نشكّل انطباعات عنهم. من الواضح أنّ الإدراك الاجتماعي أكثر تعقيدًا بكثير من إدراك الأشياء غير الحية مثل الطاولات والكراسي والعلامات والمباني. وهذا صحيح لسببين بسيطين، أولًا من الواضح أنّ الأشخاص أكثر تعقيدًا وديناميكيّةً من الطاولات والكراسي. وبالتالي يجب إيلاء المزيد من الاهتمام الدقيق عند محاولة فهمهم حتى لا تفوتنا أي تفاصيل مهمة. ثانيًا، إن الإدراك الدقيق والصحيح للآخرين عادةً ما يكون أكثر أهمية بالنسبة لنا شخصيًا من تصوراتنا عن الأشياء غير الحية، فعواقب سوء فهم الأشخاص كبيرة. إذ إنّ الفشل في إدراك مكان مكتب ما بدقة في غرفة كبيرة قد يعني أننا يمكن أن نصطدم به عن طريق الخطأ، أما الفشل في إدراك المنصب الإداري الدقيق لشخص ما وما يترتّب عليه من احترامٍ وتقدير، قد يقودك إلى مخاطبته بطريقة غير لائقة باسمه الأول مثلًا أو باستخدام اللغة العامية في حضوره، وبالتالي هذا قد يقلّص من بفرص ترقيتك إذا كان لهذا الشخص علاقة بمثل هذه القرارات. ولذلك فإنّ الإدراك الاجتماعي في مكان العمل يستحق عناية وانتباهًا خاصًّا. سنركّز الآن على المؤثرات الرئيسية الثلاثة على الإدراك الاجتماعي والمتمثّلة في خصائص كل من (1) الشخص المُدرَك، (2) الموقف، و (3) الشخص المُدرِك. تمثّل هذه المؤثرات عند جمعها أبعاد البيئة التي نرى فيها الآخرين. من المهم أن يفهم طلاب الإدارة الطريقة التي يتفاعلون بها مع من حولهم(انظر الشكل 3.4). الشكل (3.4): المؤثرات الرئيسية على الإدراك الاجتماعي في المؤسسات (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). إنّ الطريقة التي نُقيّم بها في المواقف الاجتماعية المختلفة تتأثر بشكل كبير بخصائصنا الشخصية الفريدة، أي أن ما يحدّد انطباعات الأشخاص عنا هو كيف نبدو، نتحدث، ونشير. ويوجد على وجه التحديد أربع فئات أساسية تندرج تحتها الخصائص الشخصية وهي: (1) المظهر الجسدي - (2) التواصل اللفظي - (3) التواصل غير اللفظي - (4) الصفات المنسوبة. المظهر الجسدي. تؤثر مجموعة متنوعة من السمات الجسدية على صورتنا العامة وانطباعنا لدى الآخرين، وتتضمن العديد من الخصائص الديموغرافية الواضحة مثل العمر والجنس والعرق والطول والوزن. وجدت دراسة أجرتها مسون (Mason) أنّ معظم الأشخاص يتفقون على السمات الجسدية للقائد المثالي (أي ما ينبغي أن يبدو عليه القادة) على الرغم من أن هذه الصفات لم تكن موجودةً حقًّا لدى جميع الإداريين والقادة. ومع ذلك فإننا عندما نرى شخصًا يبدو حازمًا، متوجّهًا نحو هدف، واثقًا ومعبّرًا، فغالبًا ما نستنتج أنّ هذا الشخص قائد بالفطرة. 6 مثال آخر على التأثير القوي للمظهر البدني على الإدراك هو الملابس. إذ يُعتقد عمومًا أنّ الأشخاص الذين يرتدون بدلات رسميّة هم من المحترفين، بينما يُفترض أنّ الأشخاص الذين يرتدون ملابس عاديّة هم من الموظفين الأقل مستوى. التواصل اللفظي وغير اللفظي. إنّ ما نقوله للآخرين - وكيف نقوله - يمكن أن يؤثّر على انطباعات الآخرين عنّا. يمكن ملاحظة العديد من جوانب التواصل اللفظي، أولًا، يمكن أن تؤثر دقّة وطريقة استخدام الشخص لللغة على انطباعتنا حول مستواه الثقافي أو التعليمي، فمثلًا تقدّم اللهجة أدلّة حول الخلفية الجغرافية والاجتماعية للشخص. وتوفّر نغمة الصوت المستخدمة أدلة حول الحالة الذهنية للمتكلم. وأخيرًا فإن المواضيع التي يختار الناس التحدث عنها كذلك تولّد تصوّرًا ع توجّههم وخلفيّتهم العلمية والاجتماعية. تتأثر الانطباعات المأخوذة أيضًا بالتواصل غير اللفظي بمعنى كيف يتصرف الأشخاص. فغالبًا ما تكون تعبيرات الوجه بمثابة أدلة تفيدنا في تكوين انطباعات عن الآخرين، فيُعتقد أن الأشخاص المبتسمون دائمًا لديهم مواقف إيجابية. فقد ظهر مؤخرًا مجال علمي كامل من حول لغة الجسد، وهي الطريقة التي يُعبّر من خلالها الأشخاص عن مشاعرهم الداخليّة دون وعي من خلال الأفعال الجسدية: الجلوس بشكل مستقيم أو الاسترخاء مثلًا، وكذلك النظر إلى أعين الناس مباشرة مقابل النظر بعيدًا. توفر هذه الأشكال من السلوك التعبيري معلومات مفيدة للمدرك فيما يتعلق بأخلاق الآخرين وفيما إذا كانوا ودودين، ومدى ثقتهم بأنفسهم، وعمّا إذا كانوا اجتماعيين. الصفات المنسوبة. نحن نسند غالبًا صفاتٍ معينة إلى شخص ما قبل أو في بداية اللقاء؛ ويمكن أن تؤثر هذه الصفات على كيفية تعاملنا وإدراكنا لذلك الشخص. توجد ثلاث سمات رئيسيّة منسوبة وهي: المكانة الاجتماعيّة والوظيفة والخصائص الشخصية. على سبيل المثال سيسند معظمنا مكانة اجتماعية عالية إلى شخص ما عندما يخبرنا أنّه مسؤول تنفيذي، أو أنّ لديه أكبر سجل مبيعات، أو أنّه حقق بطريقة أو بأخرى شهرة أو ثروة غير عادية. أظهرت الأبحاث أنّ الأفراد يشكّلون انطباعات مسبقة على الأشخاص الذين يعتقدون أنّهم في مكانة اجتماعية عالية أو منخفضة، حتى لو تصرف هؤلاء الأشخاص بطريقة طبيعية سويّة. فعلى سبيل المثال يُنظر إلى الأشخاص ذوي المكانة العالية على أنّهم يتحكّمون تحكّمًا أكبر بسلوكهم وأنّهم ذوي ثقة عالية بالنفس وكفاءة؛ ويُمنحون تأثيرًا وحيّزًا أكبر في قرارات المجموعة من الأشخاص ذوي المكانة الأدنى، ويُفضَّل عمومًا الأشخاص ذوي المكانة العالية على الأشخاص ذوي المكانة المنخفضة. تلعب طبيعة المهن أيضًا دورًا مهمًا في نظرتنا للأشخاص. إن قُدّم لنا أشخاص على أنّهم مندوبي مبيعات، أو محاسبين، أو سائقي شاحنات، أو علماء باحثون فإنه ولا شعوريًّا يتشكّل في أذهاننا تصوّر مسبق لكل منهم وذلك قبل أي لقاءات مباشرة معهم. وفي الواقع، قد تحدد هذه الصور ما إذا كان يمكن أن يكون هناك لقاء حتى. خصائص الموقف إنّ المؤثر الرئيسي الثاني في كيفية إدراكنا للآخرين هو الموقف الذي تحدث فيه العملية الإدراكية. يمكن التعرف على اثنين من المؤثرات الظرفية: (1) المؤسسة ومكانة الموظف فيها، و (2) موقع الحدث ذاته. الدور التنظيمي. يمكن لمكانة الموظف في التسلسل الهرمي التنظيمي للشركة أن يؤثر أيضًا على تصوراته وطريقة إدراكه. تؤكّد دراسة كلاسيكية قام بها "ديربورن وسيمون" هذه النقطة، إذ طُلب من الإداريين التنفيذيين من مختلف الإدارات (المحاسبة ، المبيعات ، الإنتاج) قراءة حالة مفصّلة وحقيقية حول شركة للمعادن. حيث طُلب من كل مسؤول تنفيذي بعد ذلك تحديد المشكلة الرئيسية في هذه الشركة والتي ينبغي على الرئيس الجديد معالجتها. أظهرت النتائج بوضوح أنّ تصورات الإداريين التنفيذيين حول أهم المشكلات في الشركة تأثرت بطبيعة الإدارات التي يعملون فيها أو التي يتخصصون بها. إذ رأى مديرو أقسام المبيعات أنّ المشكلة الأكبر تكمن في المبيعات، في حين أشار مديرو الإنتاج إلى مشكلات في الإنتاج. ورأى مديرو العلاقات التجارية والعلاقات العامة أنّ المشكلة الأساسية تكمن في الموارد البشرية. هذا الاختلاف في الإدراك وتقييم المشكلات لا يقتصر فقط على الاختلافات في طبيعة الوظيفة الإدارية (المستوى الإداري الأفقي) فقط بل يمكن أيضًا ملاحظة الاختلافات الإدراكية عندما نتحرك عموديًا إلى أعلى أو أسفل التسلسل الهرمي. يمكننا ملاحظة هذا الاختلاف بشكل واضح بين الإداريين والنقابيين، إذ يرى الإداريون أنّ الأرباح والإنتاج والمبيعات هي المجالات الحيوية الأساسية التي تهم الشركة، في حين يوجّه النقابيون تركيزًا أكبر إلى الأجور وظروف العمل والأمن الوظيفي. تتأثر وجهات نظرنا عن الإداريين والعاملين بشكل واضح بواسطة المجموعة التي ننتمي إليها. يمكن للمواقع التي نشغلها في المؤسسات أن تؤثر بسهولة على كيفية رؤيتنا لمكان العمل وأولئك الموجودين فيه. فلننظر على سبيل المقال إلى نتائج دراسة كلاسيكية اُجريت عن الاختلافات الإدراكية بين الرؤساء والمرؤوسين، حيث سُئل كلا الفريقين كم مرة قدم المشرف أشكالًا مختلفة من التقدير للموظفين. توضح النتائج في الجدول 3.1 اختلافات واضحة استنادًا إلى موقع الشخص في التسلسل الهرمي التنظيمي في المؤسسة. اختلاف وجهات النظر بين الرؤساء والمرؤوسين تكرار إعطاء الرؤساء أنواعًا مختلفة من تقدير الأداء الجيد نوع التقدير رؤيته من منظور الرؤساء رؤيته من منظور المرؤوسين إعطاء الصلاحيات 52% 14% إعطاء المزيد من المسؤوليات 48 10 التزكية والمدح 82 13 إشادة صادقة 80 14 التدريب لعمل أفضل 64 9 إعطاء عمل ممتع أكثر 51 5 table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } الجدول (3.1) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). موقع الحدث. تتأثر طريقة تفسير الأحداث أيضًا بمكان الحدث. فقد تكون السلوكيات المناسبة في المنزل غير ملائمة في المكتب، مثل خلع الحذاء. وتختلف السلوكيات المقبولة من بلد إلى آخر. قد يكون الحزم مثلًا سمة مرغوبة لمندوب المبيعات في الولايات المتحدة، ولكن قد يُنظر إليه على أنّ سوء أخلاق أو فظاظة في اليابان أو الصين. وبالتالي، نستنتج أنّ السياق الذي يحدث فيه النشاط الإدراكي مهم للغاية. خصائص المدرك المؤثر الرئيسي الثالث على الإدراك الاجتماعي هو شخصية ووجهة نظر المُدرك. يمكن أن تؤثر الخصائص والصفات المتعددة التي تنفرد بها شخصياتنا على كيفية رؤيتنا للآخرين. وهي تشمل (1) مفهوم الذات، (2) الهيكل المعرفي، (3) الاستجابة الملحوظة، و (4) تجربة الفرد السابقة وخبرته في التعامل مع الأفراد. مفهوم الذات. يملك مفهومنا الذاتي تأثيرًا كبيرًا على كيفية إدراكنا للآخرين. ويتجلى هذا التأثير بعدة طرق، أولًا، نكون أكثر قدرة على إدراك الآخرين بدقة عندما نفهم أنفسنا (أي قدرتنا على وصف خصائصنا وميولنا الشخصية بدقة). ثانيًا، عندما نقبل أنفسنا على ما نحن عليه من صفات وعادات (أي أن لدينا صورة إيجابية عن الذات) فإنه سيكون تقبّلنا لصفات للآخرين على ما هي عليه أسهل وأسرع. أظهرت الدراسات أننا إذا قبلنا أنفسنا كما نحن، ستتّسع نظرتنا للآخرين وسنواجههم بتجهّم ونقدٍ أقل لصفاتهم. وعلى العكس غالبًا ما يجد الأشخاص الأقل أمانًا وثقةً بالنفس أخطاءً وانتقاداتٍ أكثر في الآخرين. ثالثًا، تؤثر خصائصنا الشخصية على الخصائص التي نلاحظها في الآخرين. على سبيل المثال، يميل الأشخاص ذوو الميول القيادية إلى رؤية الآخرين من منظور القوة، بينما يميل الأشخاص الذين يشعرون بالأمان إلى رؤية الآخرين وفق منظور هادئ وحيوي بدلًا من كونهم باردين وجامدين تجاههم. تؤكّد هذه النتائج من وجهة نظر الإدارة على مدى أهمية إدراك المسؤولين وفهمهم لأنفسهم؛ كما أنّها تنوّه إلى أهمية برامج التدريب للموارد البشرية، والتي تحظى بشعبية في العديد من المؤسسات اليوم. الهيكل المعرفي. وهو من العوامل الأخرى التي تؤثر أيضًا على كيفية رؤيتنا للأشخاص. يصف الأشخاص بعضهم البعض بطريقة مختلفة، إذ يستخدم البعض الخصائص المادية مثل الطول، بينما يستخدم البعض الآخر الخصائص المعنوية مثل الخداع أو القوة أو التواضع، كما أن هنالك أفراد آخرين لديهم هياكل معرفية أكثر تعقيدًا ويستخدمون سمات متعددة في أوصافهم للآخرين؛ وبالتالي يمكن وصف شخص بأنّه عدواني، صادق، ودود، يعمل بجد. (راجع مناقشة الفروق الفردية والثقافية حول التعقيد المعرفي). يبدو أن رؤيتنا للآخرين تزداد دقة كلما زاد تعقيدنا المعرفي ، أي كلما ازدادت قدرتنا على التمييز بين الأشخاص باستخدام معايير وأحكام متعددة ومتنوعة. إن الأشخاص الذين يميلون إلى إجراء تقييمات أكثر تعقيدًا للآخرين يميلون أيضًا إلى أن يكونوا أكثر إيجابية في تقييماتهم. لذلك فإنه يُبرز البحث في هذا المجال أهمية اختيار الإداريين الذين يظهرون درجات عالية من التعقيد المعرفي. يجب أن يشكّل هؤلاء الإداريين تصورات أكثر دقة عن نقاط القوة والضعف لدى مرؤوسيهم ويجب أن يكونوا قادرين على الاستفادة من نقاط قوتهم مع تجاهل أو العمل على التغلب على نقاط الضعف لديهم في الوقت نفسه. *ميول الاستجابة. تشير ميول الاستجابة إلى أنّ حساسيتنا للأشياء في البيئة تتأثر باحتياجاتنا أو رغباتنا الخاصة. يمكن أن تلعب ميول الاستجابة دورًا مهمًا في الإدراك الاجتماعي، لأنّنا ببساطة نميل إلى رؤية ما نريد رؤيته. على سبيل المثال، يميل المدير المسؤول عن التوظيف والذي لديه تحيّز ضد النساء أو الأقليات أو الأشخاص المعاقين إلى أن يكون سلبيًا تجاههم أثناء مقابلة التوظيف. يمكن أن يؤدي هذا النهج إلى سعي المدير للبحث عن سمات سلبية أخرى محتملة في المرشح لتأكيد تحيّزاته. يسمى تأثير التحيزات الإيجابية هذا تأثير الهالة Halo Effect، في حين يسمى تأثير التحيزات السلبية بتأثير القرن Horn Effect. من جهة أخرى فإن الخيار الأوسط والأصح يشمل المدير الذي يتبع نهجًا خاليًا من هذه التحيزات، والذي يكون أقل ميلًا للتأثر بالخصائص والعوامل الجانبية عند عرض المرشحين المحتملين للوظائف. تجربة الفرد السابقة. غالبًا ما تؤثر تجاربنا السابقة مع الآخرين على الطريقة التي ننظر بها إلى سلوكهم الحالي. عندما يتلقى موظف معيّن باستمرار تقييمات أداء ضعيفة، ومن ثم يبذل مجهودًا أكبر ويرفع من سويّة عمله، قد لا يُلاحظ هذا التحسّن في أدائه، وذلك لأنّ المشرف عليه يواصل التفكير فيه على أنّه ذو أداء ضعيف. وبالمثل فإنّ الموظفين الذين يبدأون حياتهم المهنية بعدة نجاحات ويطورون سمعتهم كأفراد سريعي الإنجاز وقد يستمرون في الارتقاء في المراتب الإدارية في المؤسسة بعد فترة طويلة على الرغم من توقف إنجازاتهم أو حتى تدني أدائهم. يجب احترام تأثير التجربة السابقة على التصورات الحالية ودراسته من قبل طلاب الإدارة. فعندما يقدّم الفرد ذو السلوك المنخفض سابقًا أداءًا أفضل، من المهم أن يتم الاعتراف بهذا التحسن في وقت مبكر ومكافأته بطريقة صحيحة. لأنه في حال حدث العكس (ولم يتلق الموظف الذي حسّن من أدائه) فقد يستسلم الموظف ويشعر أنّه لن يُحدث أي شيء أو مجهود إضافي يفعله أي فرق. تحدّد هذه العوامل معًا الانطباعات التي نشكّلها عن الآخرين (انظر إلى الشكل 3.4)، ومن خلال هذه الانطباعات نتخذ قرارات واعية وغير واعية حول الطريقة والأسلوب الذي نعتزم التصرف به تجاه الأشخاص. وبالمقابل يؤثر سلوكنا تجاه الآخرين بدوره على الطريقة التي ينظرون من خلالها إلينا. وبالتالي من الواضح أنّه من المهم للمدراء فهم العملية الإدراكية ككل والعوامل التي تسهم فيها وتؤثر فيها، وإنّ الفهم الأفضل لأنفسنا والاهتمام الدقيق بالآخرين يؤدي إلى تصورات وأحكام أكثر دقة وبالتالي قرارات وتصرّفات صحيحة تجاه الآخرين. ترجمة -وبتصرف- للفصل The Perceptual Process من كتاب Organizational Behavior
  7. كيف تدير وتعمل مع أشخاص من ثقافات مختلفة؟ الموضوع الأخير الذي سنناقشه في هذا الفصل هو دور الثقافة والتنوع الثقافي في السلوك المؤسساتي. يمكن تحليل التنوع الثقافي بعدة طرق، على سبيل المثال، يمكننا مقارنة التنوع الثقافي ضمن البلد الواحد أو الشركة الواحدة أو مقارنة الثقافات ما بين البلدان أو الشركات. يعني ذلك أنّه يمكننا مثلًا النظر إلى داخل شركة معينة في أمريكا الشمالية ورؤية مَن مِن موظفيها من عرق آسيوي أو أفريقي أو لاتيني أو من الهنود الحمر …إلخ، وطبعًا لهؤلاء الأفراد خلفيات ثقافية مختلفة ومرجعيات وتقاليد مختلفة. أو يمكننا النظر بشكل أكثر شمولية وموازنة شركة أمريكية تقليدية مع شركة مكسيكية أو إيطالية أو صينية، والنظر أيضًا إلى الاختلافات الثقافية الكبيرة فيما بينها. يمكننا أيضًا تحليل التنوع الثقافي بالنظر إلى أنماط السلوك المختلفة. على سبيل المثال، كثير ما يتساءل الأمريكيون لماذا ينحني رجال الأعمال اليابانيون أو الكوريون عند لقائهم دائمًا، فذلك يبدو غريبًا بالنسبة للبعض. وبالمثل يتساءل الكثير من الآسيويين عن سبب مصافحة الأمريكيين لبعضهم باستمرار، فهو سلوك غريب بالنسبة لهم. يشتكي الأمريكيون عادة من أن المدراء التنفيذيون اليابانيون كثيرًا ما يقولون "نعم" في حين أنّهم يعنون شيئًا آخر، في حين يدّعي اليابانيون أنّ الأمريكيين كثيرًا ما يقدّمون وعودًا عن أشياء يعلمون أنّهم غير قادرين على تحقيقها. تنجم الكثير من هذه الاختلافات عن نقص في فهم الثقافات المختلفة وكيف تؤثر على السلوك داخل وخارج مكان العمل. ومع تزايد اندماج الأسواق والاقتصاديات العالمية بشكل، أصبح من المهم أن نفهم أكثر الاختلافات الثقافية المؤثرة في عالمنا. ما هي الثقافة يمكن تعريف الثقافة بشكل مبسّط على أنّها: "برمجة العقل الجمعي التي تميز أفراد مجموعة من البشر عن مجموعة أخرى، والمجموعة التفاعلية من الخصائص المشتركة المؤثرة على استجابة مجموعة من البشر لبيئتها". وإن أردنا توخي الدقة في التعريف، فيمكننا القول بأن الثقافة هي "العقلية الجماعية للأشخاص"، وخصائصهم الفريدة. وعلى هذا النحو فالثقافة هي: مشتركة بين جميع أو معظم أفراد المجتمع الواحد. يحاول الأفراد الأكبر سنًا نقلها إلى الأفراد الأصغر سنًا في المجتمع. ترسم رؤيتنا للعالم. يمثل مفهوم الثقافة طريقة سهلة لفهم سلوك وتوجّه مجموعة من الأشخاص في بيئة اجتماعية واحدة، وإن كان ذلك على مستوى سطحي. لذلك نقول الثقافة الصينية أو الثقافة الأمريكية. وبالمقابل فإن ذلك لا يعني أنّ جميع أفراد حضارة معينة يتصرفون بنفس الطريقة تمامًا، على العكس، كل ثقافة تملك تنوعها الخاص، لكن يميل أفراد حضارة معينة إلى إظهار أنماط سلوكية متماثلة تعكس المكان والكيفية التي نشؤوا بها. إنّ معرفة أنماط سلوك ثقافة معينة سيساعدنا في التعامل مع أفرادها. تؤثر الثقافة على مكان العمل لأنّها تؤثر على ما نفعله وعلى كيفية تصرفنا. كما يظهر في الشكل (2.4)، تؤثر المتغيرات الثقافية على قيمنا، والتي بدورها تؤثر على مواقفنا وفي نهاية المطاف على سلوكياتنا. على سبيل المثال، الثقافة التي تتميز بالعمل الجاد (مثل الثقافة الكورية التي ناقشناها أعلاه) ستظهر قيمة أو خُلق العمل الجاد. سينعكس خُلُق العمل هذا على شكل مواقف إيجابية تجاه العمل ومكان العمل، حيث سيكون بعتقاد الأشخاص أنّ العمل الجاد مفيد ومصدر للرضا- وقد يشعرون أنّهم ملتزمون تجاه صاحب عملهم ويشعرون بالخزي في حال لم يعملوا لساعات طويلة. سيؤدي هذا بدوره إلى مستويات عالية من العمل، وهذا السلوك سيعزز كذلك هذه الثقافة وقيمها، وهكذا دواليك. الشكل (2.4): علاقة الثقافة بالقيم والمواقف والسلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). لفهم كيف يعمل ذلك، يمكنك النظر إلى نتائج دراسة استقصائية عن السلوك الإداري قام بها باحث فرنسي يدعى أندريه لورنت Andre Laurent. سأل فيها مدراء عن مدى أهمية امتلاكهم لأجوبة دقيقة على أسئلة موظفيهم. تظهر النتائج، المعروضة في الشكل (2.5)، بوضوح كيف يمكن للثقافة التأثير على أدق السلوكيات والتصرّفات الإدارية الصغيرة. في بعض الدول، يتحتّم على المدير معرفة الإجابة (حتى عندما لا يعرفها فعليًا)، في حين في دول أخرى قد لا يُشكل معرفته أو عدم معرفته للإجابة فرقًا. لذلك إذا أردنا أن نفهم سبب قيام شخص ما بتصرف محدد في مكان العمل، علينا أن ندرك أنّ جزءًا من سلوكه على الأقل سيكون متأثرًا بخلفيته الثقافية. الشكل (2.5): السلوك الإداري المناسب في دول مختلفة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). أبعاد الثقافة هناك عدة طرق لتمييز الثقافات المختلفة عن بعضها البعض. حدّد كلوكون Kluckhohn وسترودتبيك Strodtbeck ستة أبعاد تساعد على فهم هذه الاختلافات، وهي: كيف يرى الأشخاص الإنسانية. هل الأشخاص في الأساس جيدون أم سيئون؟ هل يمكن الوثوق بمعظم الأشخاص أم لا؟ هل معظم الأشخاص صادقون؟ ما هي حقيقة الطبيعة البشرية؟ كيف يرى الأشخاص الطبيعة. ما هي العلاقة الصحيحة بين البشر والطبيعة؟ هل يجب أن يكونوا على تناغم مع الطبيعة أم عليهم أن يحاولوا السيطرة عليها أو تسخيرها؟ كيف يتعامل الأشخاص مع العلاقات الشخصية؟ هل ينحصر التركيز على الفردية أم العضوية في مجموعة؟ هل الفرد أكثر أو أقل أهمية من المجموعة؟ ما هو نظام الاختيار في المجتمع؟ هل يعتمد على الأقدمية أم على الثروة والسلطة؟ كيف يرى الأشخاص النشاط والإنجازات؟ أيّهما أكثر أهمية: النشاط (الذهاب إلى مكان ما) أم البقاء ببساطة (في نفس المكان)؟ كيف يرى الأشخاص الوقت. هل على الشخص التركيز على الماضي أم الحاضر أم المستقبل؟ يُقال عن بعض الحضارات أنّها تعيش في الماضي، في حين تتطلّع حضارات أخرى نحو المستقبل. كيف ينظر الأشخاص إلى مفهوم المكان. كيف ينبغي أن نستخدم المكان المادي في حياتنا؟ هل يجب أن نعيش معًا أم بشكل منفصل؟ هل يجب فصل الأشخاص المهمين عن الآخرين؟ هل يجب أن تقام الاجتماعات المهمة بشكل خاص أم علني؟ لفهم كيف يعمل ذلك، انظر إلى الشكل (2.7) والذي يميز ما بين أربع دول (المكسيك وألمانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية) وفقًا لهذه الأبعاد الستة. على الرغم من أنّ المرتبة الفعلية لكل من هذه الدول على هذه المقاييس قد لا يكون دقيقًا وواقعيًّا تمامًا، إلا أن هذه النتائج تسلّط الضوء على عدة نقاط أساسية لا بُد للإداريين أن ينتبهوا إليها أثناء عملهم. على سبيل المثال، على الرغم من أنّ الإداريين من الدول الأربعة قد يتشاركون آراء متشابهة عن طبيعة البشر (الجيد مقابل السيئ)، فإنّ هنالك اختلافات واضحة يمكن ملاحظتها في بعض النقاط والأوجه مثل علاقة الأشخاص مع الطبيعة والعلاقات الشخصية. ويمكن لذلك بدوره أن يؤثر على كيفية تعامل الإداريين في هذه الدول مع المفاوضات على العقود والحصول على تقنيات جديدة وإدارة الموظفين. الشكل (2.6) محطة قطار صينية. حدّد كلوكون وسترودتبيك ستة أبعاد تساعد على فهم هذه الاختلافات. إنّ اليابان بلد مزدحم السكان يتطلّب من الموظفين استخدام وسائل النقل العامة للذهاب والعودة من العمل، كيف تؤثر جغرافية اليابان على الثقافة اليابانية؟ (المصدر: elminium/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0 تساعدنا أبعاد كهذه على فهم وتوضيح النقاط التي قد يختلف فيها الأشخاص عن بعضهم البعض. يمكننا أن نقول على سبيل المثال أنّ معظم الأمريكيين ذوي نزعة فرديّة ويفضّلون النشاط وينظرون إلى الحاضر والمستقبل، ويمكننا أيضًا أن نقول أنّهم يقدّرون الخصوصية ويريدون التحكم ببيئتهم. وبالمقابل في ثقافات أخرى يكون جوهر المجتمع متعلّقًا بالماضي ويهتم بالمجموعة ولا تُشكل له الإنجازات عاملًا حاسمًا. نسمع في اليابان مقولة "إنّ الظفر الذي يبرز خارجًا يُقص" وهي تعكس الإيمان بالتجانس في الثقافة وأهمية العمل في المجموعة والروح الجماعية. في حين نسمع في الولايات المتحدة الأمريكية مقولات مثل "ابحث عن الرقم واحد" و"منزل الرجل قلعته" وهي تعكس إيمانًا بتفضيل الفرد على المجموعة. لا توجد ثقافة هي الأصح أو الأفضل، بل يجب أن يُنظر إلى كلا الثقافتين على أنها قوة داخل أفرادها تحفّز سلوكياتهم في مكان العمل. والجدير بالذكر أنه حتى داخل القوى العاملة الأمريكية، يجب أن نأخذ في الحسبان أنّ هناك ثقافات فرعية من الممكن أن تؤثر على السلوك أيضًا. على سبيل المثال، وجدت دراسة مؤخرًا أنّ الثقافة الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة تعطي أهمية كبيرة للمجموعات مقارنة مع الأفراد، وكنتيجة لذلك فإنها تتّبع نهجًا جماعيًا عند اتخاذ القرارات. مع تقدمنا في هذا النقاش، يجب أن نجعل هذه الاختلافات أساسًا أثناء محاولتنا لفهم السلوك في مكان العمل. الشكل (2.7): الاختلافات الثقافية بين المدراء في أربعة دول (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). ترجمة -وبتصرف- للفصل Cultural Differences من كتاب Organizational Behavior
  8. كيف يمكن للإداريين دفع موظفيهم إلى تقديم أفضل ما لديهم؟ تشدّد معظم النظريات الشخصية على أنّ شخصية الفرد لا تصبح كاملة إلّا إذا تفاعل مع الآخرين، فلا يحدث النمو والتطور من لا شيء. فشخصيات الفرد هي تعبير عن ثقافتنا، وثقافتنا ونظامنا المجتمعي هي مجموعة التعابير عن شخصيات الأفراد، لذلك فإنه من المهم في هذه الحالة فهم كيف يؤثر عمل المؤسسات على نمو وتطور شخصية الموظف. اقترح كريس أرغيريس Chris Argyris نموذجًا عن العلاقات ما بين الفرد والمؤسسة، أُطلق عليه اسم **نظرية التعارض الأساسي**، وتتألف من ثلاثة أقسام: ما يريده الأفراد من المؤسسات، وما تريده المؤسسات من الأفراد، وكيف يتم التنسيق والتوفيق بين هاتين المجموعتين المتعارضتين من الرغبات. بدأ أرغيريس بدراسة كيفية تغيّر الأفراد الطبيعيين أثناء نضوجهم. وعلى أساس أحد الأعمال السابقة، اقترح أنّه مع نمو الأفراد واقترابهم من النضوج الشخصي في العمل تحدث سبع تغيرات رئيسية في الاحتياجات والاهتمامات: يتطور الأشخاص من حالة الهمود والهدوء كأطفال إلى حالة من النشاط المتزايد عندما يصبحوا بالغين. يتطور الأشخاص من حالة الاعتمادية والإتّكالية على الآخرين إلى حالة من الاستقلال النسبي. يتطور الأشخاص من امتلاك بضعة طرق للتصرف فقط إلى امتلاك العديد من طرق التصرف المتنوعة. يتطور الأشخاص من امتلاك اهتمامات فارغة وعادية إلى امتلاك اهتمامات أقل لكن أكثر عمقًا. يتطور الأشخاص من امتلاك منظور قصير الأمد (مثلًا السلوك مُحدّد بأحداث حالية) إلى امتلاك منظور بعيد المدى (السلوك محدد بمزيج من أحداث ماضية وحالية ومستقبلية). يتطور الأشخاص من موضع المرؤوس إلى المُترأس (من طفل إلى أب أو من متدرب إلى مدير). يتطور الأشخاص من فهم ووعي قليل عن أنفسهم إلى فهم أكبر وتحكم أكبر بأنفسهم في سن البلوغ. على الرغم من أنّ أرغيريس يعي أنّ هذه التطورات قد تختلف ما بين الأفراد، فإنّ تغير الميول والصفات العامة من الطفولة إلى البلوغ يُعتقد أنّها مشتركة إلى حد ما. تاليًا، وجّه أرغيريس تركيزه نحو الخصائص المميزة لمؤسسات العمل التقليدية، وجادل أنّ المؤسسات في سعيها نحو الكفاءة والفعالية، أسست بيئة عمل ركّزت فيها على إنجاز العمل بشكل أكبر من إشباع أهداف ورغبات الموظفين الشخصية. من الأمثلة على ذلك زيادة تخصص المهام والتحكم والقوانين وأمور أخرى تهدف إلى الحصول على منتجات موّحدة وأشخاص موحدّين وقياسيين دون أي جانب إبداعي أو طابع شخصي. يرى أرغيريس أنّ المؤسسات في سعيها إلى هذا التوحيد والمنهجية أسست أوضاع عمل تتصف بالسمات التالية: يُسمح للموظفين بحد أدنى من التحكم بعملهم، وغالبًا ما يعطى التحكم للآلات. يُتوقّع منهم أن يكونوا ساكنين واعتماديين وتبعيّين. يسمح لهم فقط بأفق ابداعي ضيّق وقصير في عملهم. يُوضعون في وظائف تكرارية تتطلب مهارات وقدرات بالحد الأدنى. على أساس البنود الأربعة الأولى، سيكون من المتوقع أن يُنجز هؤلاء الأفراد العمل ويُساهموا في الإنتاج ولكن في ظروف ستُهيّؤ إلى الفشل النفسي وغياب الذات. لذلك، يجادل أرغيريس أن الكثير من الوظائف في مجتمعنا التكنولوجي مبنية بطريقة تعارض الاحتياجات الأساسية لنمو شخصية سليمة للفرد العامل فيها، وهذا التعارض ممثّل في الشكل (2.3). حجم هذا الصراع بين الشخصية والمؤسسة ناتج عن عوامل متعددة. إنّ هذا الصراع يبلغ ذروته في المؤسسة عندما يكون الموظفين فيها على مستوى عالي من النضج والإبداع الفكري، ولكن المؤسسة مهيكلة ومنظمة ومُمنهجة مع قواعد وإجراءات رسمية معقدة، والوظائف مجزأة ومسيطر عليها من قبل الآلات. وبالتالي يمكننا استنتاج أنّ التعارض الأقوى يحدث في المستويات الأدنى من المؤسسة لدى عمال خط الإنتاج الأول وموظفي المكاتب، بينما يميل الإداريون إلى امتلاك وظائف أقل اعتمادًا على الآلات وأقل عرضة للقواعد والإجراءات الرسمية. الشكل (2.3): التعارض الأساسي بين الموظفين والمؤسسات (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). حيثما توجد تعارضات قوية ما بين شخصيّات الأفراد والمؤسسات، أو بشكل أدق بين ما يريده الموظفين والمؤسسات من بعضهما البعض، يواجه الموظفين خيارات صعبة. من الممكن أن يختاروا مغادرة المؤسسة أو قد يعملون بجدٍّ لتسلق السلم الإداري والوصول إلى مستويات الإدارة العليا، ومن الممكن أيضًا أن يدافعوا عن مفاهيمهم الشخصية وأن يتأقلموا باستخدام آليات نفسية دفاعية. وأحد الاستجابات المحتملة الأخرى هي فصل أنفسهم نفسيًا عن المؤسسة (مثلًا فقدان الاهتمام بعملهم، تخفيض معاييرهم في العمل …إلخ)، وتركيزهم على المكافآت المادية المتاحة من المؤسسة عوضًا عن ذلك. من الممكن أيضًا أن يجدوا حلفاء لهم من زملائهم ينسجمون معهم، وربما يستمرون بالتكيف مع بعضهم البعض كمجموعة من خلال أنشطة سلبية معيّنة مثل تقييد الحصص والإضراب والتخريب. لسوء الحظ، على الرغم من أنّ أنشطة كهذه قد تساعد الموظفين على الشعور بأنّهم يتغلبون نوعًا ما على المؤسسة، فإنّها في الواقع لا تحسّن من الوضع الأساسي ولا تُسهم في معالجة سبب لمشكلة. لتحقيق ذلك يجب أن يدرس المرء طبيعة وبيئة العمل. تمثل الشخصية قوة كبيرة وعاملًا أساسيًّا في تحديد سلوك الأفراد في العمل، لذلك يجب أن تُفهم بشكلٍ جيّد من قبل الإداريين قبل تطبيقهم لأي تغيير كبير يهدف إلى تحسين فعالية مؤسساتهم. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } إدارة التغيير دمج أهداف الموظفين والمؤسسة في كاياك يرسم السيناريو أعلاه وبعدة طرق صورة قاتمة عن العلاقة ما بين الكثير من الموظفين ومديريهم، لكن يجب أن نذكر أنّ هناك العديد من الشركات التي تحاول تغيير هذه العلاقة السلبية وبناء شراكة ما بين الموظفين والشركة بحيث تحقق أهداف كلا الطرفين. لكن أثناء تحقيق ذلك تحرص هذه الشركات على أن تكون حذرة من خلال اختيار وتوظيف الأفراد الذين يمتلكون القدرة على التلائم مع ثقافة الشركة. أحد الحالات التي يمكن أن تؤخذ مثالًا هي شركة كاياك Kayak وهي شركة سفر على الإنترنت في ستامفورد ضمن ولاية كونيكتيكت الأمريكية. تسعى الشركة إلى تحقيق رضا عملائها انطلاقًا من ثقافتها وموظفيها. كان هدف أحد مؤسسيها المشاركين بول انكليش Paul English والمدير السابق لقسم التكنولوجيا توليد سير مستمر من الأفكار الجديدة والفريدة وإحاطة نفسه بأفراد وموظفين مبدعين لتنشيط حيّز الإبداع والإبتكار وتعزيز الإلهام. لا تختار كاياك موظفيها على أساس مهاراتهم التقنية، وإنّما تعتمد فلسفتها على اختيار الموظفين الأكثر ذكاءً بين نُظرائهم. كما تُشجّع موظّفيها باستمرار على طرح أفكارهم واختبارها، وتعمل على تحقيق توازن بين العمل والحياة تضع فيه موظفيها اولًا، والذي بدوره يؤدي إلى بيئة عمل إنتاجية وإبداعية. إنّ قدرة كاياك على اتخاذ القرارات السريعة والمُبتكرة ناتج عن تشجيعها لموظفيها على تجربة أفكارهم. يفتخر المدير التنفيذي الحالي لقسم التكنولوجيا جيورغوس زكريا Giorgos Zacharia بقدرتهم على الحفاظ على النظام والالتزام بالمواعيد، قائلًا: "يمكن أن يأتي أي فرد في الفريق بفكرة وأن يصنع نموذجًا أوليًّا لها ثم نرى رأي المستخدم والعميل بها، إذا نجحت فذلك رائع! لكن لا يوجد تصميم ثابت، فالعملية حيوية ومُتغيّرة بشكل كبير ونرى ذلك كنقطة قوة لنا." إنّ كاياك من خلال تشجيعها ومكافأتها للمخاطرة أصبحت قادرة على اتخاذ القرارات بسرعة والنهوض من حالات الفشل بسرعة ومن ثم الالتفاف وإيجاد فكرة أكثر ابداعية أفضل من سابقتها. تأمل الشركة بشكل عام أن تقدم لموظفيها بيئة عمل تسمح لهم بالنمو والازدهار الشخصي والشعور بالرضا. بالمختصر، تهدف الشركة إلى تقليل احتمال حدوث تعارض ما بين أهداف الموظفين الشخصية وأهداف الشركة. المصدر: Hawkes, Jocelyn, “KAYAK on Creating a Culture of Innovation,” Fast Company, April 4, 2012. (https://www.fastcompany.com/1827003/kayak-creating-culture-innovation); Hickey, Matt, “How KAYAK Converts Employee Well-Being Into Customer satisfaction,” Forbes, October 4, 2015. https://www.forbes.com/sites/matthickey/2015/10/07/how-kayak-converts-employee-well-being-intocustomer-satisfaction/#6c97f519b7a4. الشخصية واختيار الموظفين شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا باستخدام اختبارات التقييم ما قبل التوظيف. هناك عدة افتراضات ومعايير مهمة عند استخدام اختبارات الشخصية كوسيلة لاختيار الموظفينالمُرشحين: (1) يملك الأفراد شخصيات وسمات مختلفة، (2) تؤثر هذه الاختلافات على سلوكهم وأدائهم، (3) تحتاج الوظائف المختلفة متطلبات مختلفة. وبالتالي، يمكن يمكن استخدام هذه التقييمات لاختيار الأفراد الملائمين لسياسة الشركة ككل ولمطابقة شخصيات وصفات هؤلاء الأفراد مع الوظائف المناسبة لهم. لكن ينبغي على الإداريين توخي الحذر عند استخدام أدوات الاختيار هذه، حيث يجب مثلًا من الناحية القانونية أن تستوفي هذه الاختبارات قوانين عدم التمييز المنصوص عليها في المبادئ التوجيهية الموحدة للجنة تكافؤ فرص العمل Equal Employment Opportunity Commission أثناء إجراءات اختيار الموظفين. على وجه التحديد، في عام 1971 حكمت المحكمة العليا (على شركة Griggs v. Duke Power) كالتالي: "إنّ النية الصافية وعدم وجود رغبة للتمييز لاتبرئكم.. تعمل آليات الاختبار لديكم عمل طواحين الهواء بالنسبة للأقليات ولا علاقة لها بقياس القدرة والمتطلّبات الوظيفية". يحوي هذا الحكم حالتين يمكن أن ينطبق عليهما وجود التمييز في عمليات الاختيار. أولًا، تشمل "المعاملة المتباينة" التمييز ضد الأفراد على أساس العرق واللون والجنس والدين أو الأصل القومي. ثانيًا، يتضمّن "التأثير المتباين" التأثير السلبي لعمليات الاختيار (وكذلك الممارسات الأخرى) على الأقليات بغض النظر عما إذا كان مقصودًا أن يكون لها تأثير سلبي أم لا. بالتالي، على الرغم من أنّ إختبارات الشخصية يمكن أن تكون وسيلة مهمة لاختيار الموظفين المرشّحين ومطابقتهم مع الوظائف المناسبة، إلّا أنه يجب توخي الحذر لضمان أن الصفات والأداء الذي يُقيّم أثناء الاختبار تنبأ بالفعل بجودة الأداء الوظيفي وكفاءة الفرد دون تحيّز أو تمييز. القيم والأخلاقيات الشخصية ما هو دور السلوك الأخلاقي في الإدارة؟ أحد العوامل التي فاجأت الكثير من أصحاب الأعمال هو الازدياد المفزع لاتهامات عن سلوكيات غير أخلاقية في الكثير من الشركات في يومنا هذا. نسمع باستمرار عن تزايد التلاعبات بسوق الأوراق المالية وتجاهل للمخاطر البيئية والرشاوى والعمولات. لنفهم هذه السلوكيات، يجب علينا دراسة دور القيم والأخلاقيات الشخصية في مكان العمل، وسنبدأ أولًا بمفهوم القيم. خصائص القيم يمكن تعريف القيم على أنّها "اعتقاد ثابت بأنّ سلوكًا معيّنًا أو وضعًا معيّنًا مفضّل شخصيًا أو اجتماعيًا على سلوك آخر." "23" بمعنى آخر، تمثل القيم حكمًا فرديًا على أمور معينة على أنّها "جيدة" أو "سيئة"، "مهمة" أو "غير مهمة" وهكذا. تلعب القيم على هذا النحو دورًا مفيدًا في توفير إرشادات أو معايير لاختيار السلوك الشخصي وتقييم سلوك الآخرين. تميل القيم التي يمتلكها الأشخاص إلى أن تكون ثابتة مع مرور الوقت. يكمن السبب وراء ذلك في الطريقة التي اكتُسِبت القيم من خلالها في بادئ الأمر. عندما نتعلم قيمة لأول مرة (عادة في سن صغير) نُلقّن على أنّ سلوك كهذا وسلوك كهذا هو دائمًا جيد أو دائمًا سيء. على سبيل المثال، من الممكن أن نتعلم بأنّ الكذب أو السرقة هما دائمًا سلوك غير مقبول، في حين قد يتعلّم بعض الأشخاص أنّ سلوك كهذا مقبول في بعض الحالات ولكن ليس في حالات أخرى. لذلك، تميل نوعية القيم المتعلمة إلى أن تكون مغروسة في نظام معتقداتنا، لكننا لا نعني بذلك أن القيم لا يمكن أن تتغير مع مرور الوقت. مع تقدمنا في العمر، نواجه باستمرار مواقف جديدة وغالبًا ما تكون مواقف معقّدة ومتضاربة. من الضروري في الكثير من الأحيان أن نوازن المزايا النسبية لكل منها ونحتار مسار سلوكنا اتجاهها. خذ على سبيل المثال موظف يمتلك اعتقاد راسخ بالعمل المجتهد لكنه يتعرّض للضغط من قبل زملائه حتى لا يتفوّق على باقي المجموعة في أدائه، ماذا سيفعل في هذه الحالة؟ حدّد روكيش Rokeach نوعين أساسيين من القيم: آلية ونهائية. "24" تمثّل القيم الآلية القيم المتعلقة بكيفية تعاملنا مع مواقف ومواضع معيّنة، هل نؤمن مثلًا بالطموح أو النظافة أو الأمانة أو الطاعة؟ ما العوامل التي توجّه سلوكك اليومي؟ من الجهة الاخرى، القيم النهائية هي الأهداف التي نطمح إليها من هذه المواقف، يشمل ذلك الحياة المريحة، أو الإحساس بالإنجاز، أو المساواة بين جميع الأشخاص وإلى ما هنالك. كلا المجموعتين من القيم لها تأثير كبير على السلوك اليومي في العمل. دور القيم والأخلاقيات في المؤسسات تمثل القيم الشخصية قوة مهمة وعاملًا مؤثرًا أساسيًّا في السلوك المؤسساتي لأسباب عديدة. هناك ثلاث غايات أو أهداف في الواقع يحققها وجود القيم الشخصية في المؤسسات: (1) توّفر القيم معايير للسلوك تحدد المسار الصحيح للأفعال والنشاطات المختلفة، (2) تعمل القيم كمرشد في اتخاذ القرارات وحل النزاعات، (3) تؤثر القيم أيضًا على تحفيز الموظفين وعلى دوافعهم المختلفة. فلنناقش كل من هذه الأدوار على حدا. معايير للسلوك. أولًا، تساعدنا القيم على تحديد المعايير المناسبة للسلوك، وتضع حدودًا لسلوكنا داخل وخارج المؤسسة. نشير في هذه المواقف إلى ما يسمى السلوك الأخلاقي أو الأخلاقيات. يتعيّن على موظفي المؤسسة في جميع المستويات اتخاذ قرارات متعلقة بتحديد ما هو صواب أو خطأ، وما هو مناسب أو غير مناسب بالنسبة لهم. على سبيل المثال، هل ستخفي معلومات عن منتج خطير أو رديء من صنع شركتك أم ستشعر أنّك مضطر إلى إخبار شخص ما؟ كيف ستتصرف حيال سرقة بسيطة قام بها المشرف عليك أو زميلك في المكتب؟ في الواقع يتأثر السلوك الأخلاقي إلى حد ما بالقيم والأعراف المجتمعية، فهي تخبرنا أنّه من الخطأ الانخراط في بعض السلوكيات دون أخرى مثلًا. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يحدّد الأفراد لأنفسهم في كثير من الأحيان ما هو مناسب وما هو غير مناسب. خاصة عندما يجد الأشخاص أنفسهم في "مناطق رمادية"، وهي مواقف تكون فيها المعايير الأخلاقية والتصرّف الصحيح غامضًا أو غير واضح. ففي كثيرٍ من المواقف يكون تصرّف ما غير صحيح أو غير قانوني بينما قد يكون في موقف آخر صحيحًا تمامًا، علاوة على ذلك، يمكن لزملاء أو أصدقاء الشخص أن يخالفوه الرأي بما هو مناسب. يتعيّن على الأشخاص في حالات كهذه تحديد معايير السلوك الخاصة بهم. منظور حضارتين مختلفتين حول الحديث الصريح يوكيكو تانابي هي طالبة تبادل أجنبي من طوكيو من اليابان، كانت متحمسة وقلقة في نفس الوقت من تكوين صداقات جديدة خلال دراستها لمدة عام كامل في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد دورة مكثفة في اللغة الإنجليزية لمدة شهر خلال الصيف بدأت دراستها في جامعة كاليفورنيا. كانت يوكيكو في نفس صف علم النفس مع جين ماك ويليامز. رغم شخصية يوكيكو الخجولة نوعًا ما، إلّا أن الأمر لم يستغرق طويلًا قبل أن تبدأ الاثنتان بالتحدث معًا قبل وبعد الصف وبالدراسة سويًا. في أحد المرات خلال الفصل سأل البروفيسور عن متطوعين ليكونوا جزءًا من تجربة عن الشخصيات ومهارة حل المشكلات، وعرض البروفيسور أيضًا علامات إضافية مقابل المشاركة في التجربة وطلب من الطلاب المهتمين بالأمر البقاء بعد الصف لمناقشة تفاصيل أكثر عن المشروع. بعد انتهاء الصف، سألت جين يوكيكو عمّا إذا كانت ترغب بالبقاء ومعرفة المزيد عن المشروع والعلامات الإضافية. ترددت يوكيكو ثم قالت أنّها ليست متأكدة، أجابت جين أنّ الاستماع للشرح سيتطلب دقائق قليلة فقط، فذهبت الشابتان إلى مقدمة الصف مع 20 طلاب آخرين لسماع المزيد من التفاصيل. يتضمن المشروع ببساطة ملء استبيان عن معالم الشخصية ثم محاولة حل ثلاث مشكلات قصيرة، والذي سيتطلب ككل ما يقارب الساعة ويساوي 5% علامات إضافية. اعتقدت جين أنّ الفكرة رائعة وسألت يوكيكو عمّا إذا كانت ترغب في المشاركة، أجابت يوكيكو أنّها غير متأكدة، أجابت جين أنّ بإمكانهما الذهاب معًا وأنّ ذلك سيكون ممتعًا وأنّ ال5% من العلامات الإضافية ستكون مكافأة جيدة، لم تجب يوكيكو على ذلك بشيء، فقامت جين بتسجيل اسم كل منهما للمشروع واقترحت أن يلتقيا في ساحة الكلية قبل 10 دقائق من موعد التجربة. لكن في يوم التجربة لم تأتي يوكيكو، واكتشفت جين لاحقًا أنّ يوكيكو لم تكن ترغب بالمشاركة، فسألتها جين "لماذا لم تقولي ذلك ببساطة؟"، أجابت يوكيكو: "لأنّي لم أرغب في إحراجك أمام جميع أصدقائك الآخرين بقول لا". المصدر: حادثة حصلت مع الكاتب، مع تغيير الأسماء. قواعد ومبادئ في اتخاذ القرارات وحل النزاعات. بالإضافة إلى البنود السابقة التي ذكرناها في أهمية القيم، تعمل القيم كمرشد عند اتخاذ القرارات ومحاولة حل النزاعات. إنّ الإداريين الذين يقدّرون النزاهة الشخصية والأخلاق والقيم هم أقل عرضة لاتخاذ قرارات يعلمون أنّها قد تؤذي جهةً أو أشخاصًا آخرين. وفي نفس السياق، تؤثر القيم أيضًا على الطريقة التي يتعامل فيها الشخص مع النزاعات والخلافات. على سبيل المثال، إذا سألك مديرك عن رأيك حول تقرير كتبه ولم يعجبك مضمونه، هل ستعبر عن رأيك بصراحة أم ستكون مهذبًا وتجامله؟ أحد التطورات المثيرة للاهتمام في مجال القيم واتخاذ القرارات هو اختبارات النزاهة والأمانة. إنّ هذه الاختبارات مصممة لقياس مستوى نزاهة وأمانة الفرد وذلك اعتمادًا على فكرة أنّ سلوك الفرد النزيه أو غير النزيه وقرارته تنبع من القيم الأساسية للشخص. تستخدم اليوم أكثر من 5000 شركة هذه الاختبارات، بعضها يستخدم أسئلة مباشرة والبعض الآخر يستخدم الأسئلة بطريقة غير مباشرة ومموهة. على الرغم من أن موثوقية هذه الاختبارات تُعدُّ جيّدةً بمعظم المقاييس، إلا أن صلاحيتها (إلى أي مدى يمكنها التنبؤ بالسلوك الغير نزيه على نحو صحيح) ما زالت موضع للنقاش. مع ذلك، ونظرًا لكونها لا تكلف الكثير وأقل تطفلًا من اختبارات كشف الكذب، فإنّ اختبارات النزاهة أصبحت تُستخدم بشكلٍ متزايد لتقييم الموظفين المرشحين لوظيفة معيّنة. التأثر على الحافز. تؤثر القيم على تحفيز الموظفين من خلال تحديد المكافآت أو النتائج المرجوة. يُعرض مثلًا على الموظفين في الكثير من الأحيان العمل لوقت إضافي وفرصة كسب المزيد من المال على حساب وقت فراغهم ووقتهم مع عائلاتهم. أيًّا منهما تختار؟ هل سترغب بالعمل بجهد أكبر لتترقى إلى رتبة أعلى ووظيفة غالبًا ما ستكون أكثر إرهاقًا أم ستفضّل الاسترخاء وتقبّل مسار مهني أبطأ وربما أقل مردودًا؟ يواجه المدراء والموظفون أسئلة مهمة كهذه يوميًا. من أبرز القيم المرتبطة بالعمل هو مفهوم أخلاقيات العمل. يمكن تعريف أخلاقيات العمل بشكل مبسّط على أنّها قوة التزام الفرد وتفانيه نحو العمل الجاد والمجتهد، سواء على أنه غايةٌ في حد ذاته أو وسيلةٌ للوصول إلى مكافآت مستقبلية. كُتب مؤخرًا الكثير عن الوضع النسبي لأخلاقيات العمل في أمريكا الشمالية، وأُشير مرارًا وتكرارًا إلى أنّ أحد أسباب المشاكل التي تواجهها الشركات في الولايات المتحدة على مستوى السوق العالمية يكمن في أخلاقيات عملها المتواضعة. لا يعني هذا أنّ الأمريكيين لا يعملون بجد، بل يعني ببساطة أنّ الآخرين (خصوصًا في آسيا الشرقية) يعملون بجهد وجد أكبر. هناك عدة طرائق لتقييم هذه الاختلافات، لكن ربما الطريقة الأبسط هي النظر إلى متوسط عدد ساعات العمل الفعلية في دول مختلفة في آسيا وأوروبا الغربية. بالنظر إلى الجدول (2.3) ستتفاجئ أنّه على الرغم من أنّ الموظف الأمريكي العادي يعمل 1789 ساعة في السنة (ويأخذ وسطيًا 19.5 يوم إجازة)، فإنّ الموظف في كوريا الجنوبية يعمل 2070 ساعة في السنة (ويأخذ 4.5 يوم إجازة فقط)! "26" في حين يعمل الموظف الياباني 1742 ساعة في السنة ويأخذ 9.6 يوم إجازة. وبالمقابل يعمل الموظف في أوروبا الغربية ساعات أقل ويأخذ أيام إجازة أكثر. على الرغم من أنّ الأمريكيين يعملون عدد ساعات أطول من الأوروبين، إلّا أنّهم يتخلّفون كثيرًا عن دول شرق آسيا. متوسط عدد ساعات العمل وعدد أيام الإجازات المأخوذة لكل موظف البلد متوسط عدد ساعات العمل في السنة عدد أيام الإجازات المأخوذة فعليًا كوريا الجنوبية 2070 4.5 الولايات المتحدة الأمريكية 1789 19.5 دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 1763 اليابان 1742 9.6 المملكة المتحدة البريطانية 1676 22.5 ألمانيا 1288 30.2 فرنسا 1472 25 المصدر: مقتبس من OECD Stat، "متوسط عدد ساعات العمل الفعلية لكل عامل سنويًا"، حُصل عليه في 20 يوليو 2018، Average annual hours actually worked per worker; and Richard M. Steers, Yoo Keun Shin, and Gerardo R. Ungson, The Chaebol: Korea’s New Industrial Might (Philadelphia: Ballinger, 1989). table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } الجدول (2.3) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). مثال عن دولة تحاول تخفيض عدد ساعات العمل ما الذي تفعله دولة عندما يكون شعبها متحفز تحفّزًا زائدًا؟ خذ على سبيل المثال اليابان. على أثر ثراء اليابان الحديث ونجاحها في السوق الدولية، بدأت العديد من الشركات –والحكومة- تشعر بالقلق حيال إذا ما كان الموظف الياباني يعمل بجهد زائد وأنّ عليه الإبطاء، فقد يكون هذا الاندفاع الزائد على حساب صحّتهم ومصالحهم الأخرى. لذلك بدأت وزارة العمل اليابانية حملة لتقصير أسبوع العمل وتشجيع المزيد من الموظفين اليابانيين على أخذ إجازات أطول، والجهود مركّزة بشكل خاص على الموظفين متوسطي العمر والأكبر سنًا، لأنّ قدرتهم على التحمل البدني أقل من زملائهم الأصغر سنًا. بدأت العديد من الشركات باتباع هذا النهج وبدأت بتقصير أسبوع العمل. لكن هذه المهمة ليست سهلة سيّما في مجتمع ينظر فيه الموظفون إلى سلوك كهذا على أنّه فعل ينمُّ عن عدم الولاء اتجاه الشركة، أي أنّ ذلك يتطلب تغييرًا جذريًا في مواقف وسلوك الموظفين. في نفس الوقت كان الأمر مختلفًا لدى الموظفين الشباب، حيث بدأت الشقوق تظهر في أخلاقيات العمل اليابانية الفريدة لديهم. إذ بدأ الموظفون الشباب بالتعبير عن الإحباط المتزايد بسبب الوظائف المملة والمهام الروتينية، ويبدو أنّ الرضا الوظيفي لديهم أصبح في أدنى مستوياته على الإطلاق. وما انفك الموظفون اليابانيون الشباب يأخذون استراحات غداء أطول وأصبحو يتطلعون إلى نهاية أسبوع العمل وإلى عطلة نهاية الأسبوع القادمة. سواءً أكان ذلك نتيجة للثراء المتزايد في مجتمع متغير أو ببساط نتيجة لظهور جيل جديد، فإنّ الأمور بدأت بالتغير –لكن ببطء- في الشرق. ترجمة -وبتصرف- للفصلين Personality and Organization: A Basic Conflict و Personal Values and Ethics من كتاب Organizational Behavior
  9. كيف يتعامل المديرون والموظفون مع الاختلافات الفردية بينهم في مكان العمل؟ يتعلّق المتغير الفردي الثاني بمفهوم الشخصية. كثيرًا ما نسمع الأفراد يستخدمون (ويسيئون استخدام) مصطلح الشخصية، على سبيل المثال نسمع كثيرًا أن فلانًا لديه شخصية "لطيفة". سندرس هذا المصطلح من وجهة نظر نفسية من حيث صلته بالسلوك والأداء في مكان العمل، وللقيام بذلك سنبدأ بتعريف أكثر دقة لمصطلح الشخصية. تعريف الشخصية يمكن تعريف الشخصية بعدة طرق، يقدّم سيلفاتور مادي (Salvatore Maddi) أحد أكثر تعاريف الشخصية دقّة ضمن أهداف التحليل المؤسساتي، وهو كالتالي: تجدر الإشارة إلى وجود عدة جوانب لهذا التعريف. أولًا، تُفهَم الشخصية بالشكل الأفضل عند النظر إليها بأنَّها مجموعة من الصفات المتفاعلة مع بعضها بعضًا، ومن المهم أن يُنظر إلى الشخص ككل عند فهم هذه الظاهرة وتأثيراتها على السلوك الناتج. ثانيًا، إنّ الأبعاد المختلفة للشخصية ثابتة نسبيًا عبر الزمن، رغم أنّ بعض التغيرات قد تحدث (خاصة التطورية)، إلا أننا نادرًا ما نرى تغيرات كبيرة في شخصية الفرد الطبيعي. ثالثًا، تركّز دراسة الشخصية على كل من التشابهات والاختلافات ما بين الأشخاص. من المهم أن يدرك الإدارييون ذلك أثناء محاولتهم لتحسين أداء ورفاهية الموظفين. المؤثرات على تطوّر الشخصية ركّزت الأبحاث السابقة المتعلّقة بتطور الشخصية على تحديد فيما إذا كانت الوراثة أو البيئة المحيطة تحدّد شخصية الفرد وتؤثّر بها.في وقتنا الحالي أصبح عدد قليل من الباحثين مهتمين بهذه القضية، وذلك لأن معظم علماء النفس المعاصرون يعتقدون الآن أنّ هذا النقاش لا جدوى منه. كما لاحظ كلوكون (Kluckhuhn) و موراي (Murray) منذ فترة طويلة: "نادرًا ما يمكن الفصل ما بين مجموعات الجينات الشخصية داخل الفرد ما إن تبدأ البيئة عملها. الأسئلة المعنية بالأمر هي: (1) ما هي العناصر الوراثية المختلفة التي ستتفعّل كنتيجة لسلسلة معينة من الأحداث الحياتية في بيئة ماديّة واجتماعية وثقافية معينة؟ (2) ما هي الحدود التي يرسمها النظام الجيني لتطور هذه الشخصية؟." "9" بمعنى آخر، إذا نُظر إلى الشخص ككل، فإنّ البحث عن العوامل المؤثرة على السمات الشخصية يُركّز على كل من الوراثة والبيئة وعلى التفاعل ما بينهما مع مرور الوقت. في هذا الصدد، يمكن تقسيم العوامل المؤثّرة في السمات الشخصية إلى خمس فئات رئيسية: الفيزيولوجية – الثقافية – الأسرية والاجتماعية – الدور أو المكانة– الظروف المحيطة. المحددات الفيزيولوجية. تشمل عوامل مثل الطول والصحة والجنس والتي غالبًا ما تكون بمثابة قيود على النمو والتطور الشخصي. على سبيل المثال، يميل طويلو القامة إلى أن يكونوا أكثر سيطرة وثقة بالنفس من الأقصر قامة. عملت الصور النمطية التقليدية لأدوار كلا الجنسين إلى توجيه الذكور والإناث إلى أنماط تطورية شخصية مختلفة، على سبيل المثال، يكون معظم الذكور أكثر حزمًا والإناث أكثر حياديّة وهدوءًا. المحددات الثقافية (الحضارية). نتيجة لدور الثقافة الرئيسي في بقاء المجتمع، هناك تركيز كبير على غرس القواعد والقيم الثقافية في الأطفال أثناء نموهم. على سبيل المثال، في المجتمعات الرأسمالية، حيث تحظى المسؤولية الفردية بتقدير كبير، يوجّه التركيز نحو تطوير أشخاص مستقلين ومعتمدين على أنفسهم وموجّهين نحو تحقيق الإنجازات، بينما ينصب التركيز في المجتمعات الاشتراكية على تطوير أشخاص متعاونين يعطون الأولوية للجماعة (ويعملون كمجموعة) ويضعون مصلحة المجتمع ككل قبل احتياجاتهم الفردية الشخصية. تؤثر المحددات الثقافية على السمات الفردية، كما لاحظ موسن (Mussen): المحددات الأسرية والاجتماعية. تُعد العوامل الأسرية والاجتماعية الأكثر تأثيرًا على التطور الشخصي. على سبيل المثال، وُجد أنّ الأطفال الذين كبروا في منزل ديمقراطي يميلون ليكونوا أكثر استقرارًا وأقل ميلًا إلى الجدل وأكثر نجاحًا على الصعيد الاجتماعي، وأكثر تأثرًا بالثناء واللوم من الأطفال الذين كبروا بمنازل استبدادية. "11" تساهم عائلة الفرد وأقرانه بشكل كبير في عملية التنشئة الاجتماعية، وتؤثر على كيفية تفكير الفرد وسلوكه من خلال نظام معقد من المكافآت والعقوبات والأخلاق الاجتماعية. محددات الدور. يُكلَّف الأشخاص بأدوار مختلفة في مراحل مبكرة جدًا من الحياة نتيجة لعوامل مثل الجنس والعرق والخلفية الاجتماعية والاقتصادية. ومع تقدمنا في العمر، تبدأ عوامل أخرى مثل العمر والمهنة بالتأثير على الأدوار التي يُتوقّع أن نؤديها. تحدُّ هذه العوامل عادة من نمونا وتطورنا الشخصي كأفراد وتتحكم بشكل كبير بأنماط السلوك المقبولة لدى الأفراد والبيئة المحيطة بهم. المحددات الظرفية. أخيرًا، يمكن للتطور الشخصي أن يتأثر بمحددات ظرفية. هذه العوامل هي غالبًا غير متوقعة، مثل طلاق أو وفاة في العائلة. على سبيل المثال، درّس جيمس أبغلين (James Abegglen) عشرين مديرًا تنفيذيًا ناجحًا من الذكور الذين عاشوا طفولتهم ضمن طبقة فقيرة، واكتشف أنّه في ثلاث أرباع من الحالات عانى هؤلاء الإداريون من بعض أشكال الصدمة النفسية الحادة تجاه آبائهم، الذين إما ماتوا أو أصيبوا بأمراض خطيرة أو تعرّضوا لأزمات مالية كبيرة. افترض أبغلين أن ارتباط وتأثر شخصية الأبناء السلبي بمعاناة آبائهم تمثّلت لديهم بدوافع كبيرة نحو الإنجاز والنجاح في مستقبلهم. "12" الشخصية والسلوك في العمل كيف يمكن للمؤسسات تعزيز بيئة عمل تتيح للموظفين فرصة للتطور والنمو والإبداع؟ إنّ النظريات المتعلقة بالشخصية والمعتمدة على السمات هي الأكثر استخدامًا وتوظيفًا من قبل الباحثين في علوم سلوك الموظفين ضمن المؤسسات، وهناك عدة أسباب لذلك. بادئ ذي بدء، تركّز النظريات المعتمدة على السمات إلى حد كبير على البالغين الأصحاء الطبيعيين، على عكس نظريات التحليل النفسي والنظريات الشخصية الأخرى والتي تركّز إلى حد كبير على السلوك غير الطبيعي. تحدّد نظريات السمات عدّة صفات وجوانب تصف الأفراد. أصّر ألبورت (Allport) على أنّ فهمنا للسلوك الفردي لا يمكن أن يتقدّم إلّا عن طريق تقسيم أنماط السلوك إلى سلسلة من العناصر (السمات). "13" وقال في إحدى المرات: "الأمر الوحيد الذي يمكنك القيام به حيال شخصية عامّة -أي لا تعرف سماتها أو طبائعها- هو إرسال الزهور إليها". وبالتالي عند دراسة الأشخاص في العمل يمكن أن نناقش مثلًا إخلاص الموظف واستقراره العاطفي أو تعقيده المعرفي. تشكّل هذه السمات عند تجميعها معًا لوحةً شاملةً توفر نظرة شاملة إلى الأفراد. السبب الثالث لشعبية نظريات السمات عند دراسة السلوك المؤسساتي هو أنّ السمات المحدّدة يمكن قياسها وتميل إلى أن تبقى ثابتة مع مرور الوقت. كما أنّ الموازنة بين الموظفين باستخدام هذه الصفات الملموسة -عوضًا عن نظريات التحليل النفسي الغامضة أو نظريات الذات المجرّدة والمتقلّبة- سيكون أكثر سهولة ودقّة وتقبّلًا في الوقت نفسه. يتنوع عدد السمات التي سيُظهرها الأفراد -تحت الدراسة الشخصية السلوكية- وفقًا للنظرية التي نستخدمها، ضمن بحث شامل يمكن تحديد أكثر من 17000 سمة شخصية. وطبعًا هذا العدد ضخم إلى درجة تجعل أي تحليل منطقي لتأثيرات الشخصية في مكان العمل ضمن المؤسسة أمرًا مستحيلًا، ولنتمكن من فهم طبيعة سمات الفرد وسلوكه في المؤسسة من الضروري أن نركّز على عدد صغير من المتغيرات الشخصية (السمات) التي تملك تأثيرًا مباشرًا على السلوك في العمل. إذا قمنا بذلك يمكن أن نحدد ستة سمات مهمة وحسّاسة في أي مؤسسة، وسنلاحظ أنّ بعض هذه السمات (مثل تقدير الذات أو مركز التحكم) تتعلق بالكيفية التي نرى فيها أنفسنا، في حين تتعلق سمات أخرى (مثل الانطوائية-الانفتاح أو الموثوقية) بالكيفية التي نتعامل بها مع الآخرين. علاوة على ذلك، تتأثر هذه السمات إلى حد كبير بتطور شخصية الفرد، وتؤثر بدورها على التصرفات والسلوكيات الفعلية في العمل كما يظهر في الشكل (2.2). الشكل (2.2): علاقة الشخصية بالتصرفات والسلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). تقدير الذات أحد السمات التي برزت مؤخرًا كأحد العوامل الرئيسية في تحديد السلوك في العمل وفعالية الأفراد هي تقدير الموظف لذاته. يمكن تعريف تقدير الذات على أنَّه رأي أو اعتقاد أو نظرة الفرد تجاه نفسه وتجاه قيمته. كيف نرى أنفسنا أفرادًا؟ هل نثق بأنفسنا؟ هل نعتقد أنّنا ناجحون؟ جذّابون؟ هل نستحق احترام الآخرين أو صداقتهم؟ أظهرت البحوث أنّ تقدير الذات المرتفع لدى الأطفال في عمر المدرسة يعزز من إصرارهم واستقلاليتهم وإبداعهم. حيث يجد الأشخاص ذوي تقدير الذات العالي سهولة أكبر في تقديم وتلقي الخبرات والتأثير والتأثر إيجابيًّا في الآخرين ، ويضعون أهدافًا أعلى لتحقيقها على الصعيد الشخصي، ويبذلون طاقة أكبر للوصول إلى الأهداف المحددة لهم. علاوة على ذلك، غالبًا ما يبحث الأفراد ذوي تقدير الذات المرتفع عن وظائف أعلى مكانة اجتماعية ويكونون على استعداد تام للمخاطرة بشكل أكبر أثناء بحثهم عن العمل. على سبيل المثال، وجدت أحد الدراسات أنّ الطلاب الذين يتمتعون بتقدير أعلى للذات كانوا أكثر قَبولًا في الجامعات، وتلقوا عروض عمل أكثر وكانوا أكثر رضا بعملهم من الطلاب ذوي تقدير الذات المنخفض. "14" وبالتالي، يمكن أن تؤثر السمات الشخصية كهذه السمة على وظيفتك وعلى حياتك المهنية قبل أن تبدأ حتى بالعمل!. مركز التحكم يشير مصطلح مركز التحكم إلى ميل الأفراد إلى نسب الأحداث المؤثرة في حياتهم إما إلى أفعالهم أو إلى قوى خارجية، وهو مقياس للمدى الذي تعتقد فيه أنّك تتحكم بمصيرك. يميل الأشخاص ذوي مركز التحكم الداخلي لنسب نجاحاتهم وإخفاقاتهم إلى قدراتهم وجهودهم الشخصية، وبالتالي سيبني طالبٌ ما يتمتّع بمركز تحكّم نفسي داخليمثلًا الفضل في نجاحه في اختبار إلى نفسه، وكذلك سيتقبل اللوم في حال الفشل. على النقيض من ذلك، يميل الأشخاص ذوي مركز التحكم الخارجي إلى نسب ما يحدث لهم إلى شخص أو جهة أخرى خارجية، ولا ينسبون لأنفسهم الفضل أو اللوم، وبالتالي النجاح في اختبار سيُعزى إلى أنّه كان سهلًا، والفشل فيه سيُبرَّر بأنّ الاختبار لم يكن عادلًا. في حال أردت تحديد مركز التحكم الخاص بك يمكنك ملء التقييم الذاتي الموجود في آخر الفصل، وهو نسخة مختصرة عن المقياس الأصلي الذي طوّره روتر، ارجع إلى الملحق عند انتهائك لتتمكن من احتساب ومعرفة نتيجتك. تشير الدراسات الحديثة المتعلّقة بمركز التحكم إلى أنّ الأشخاص ذوي مركز التحكم الداخلي: (1) يظهرون حافزًا أكبر للعمل (2) يضعون في حسبانهم أنّ الجهد المبذول سيؤدي فعلًا إلى أداء وظيفي أكبر(3) يقدمون أداءً أفضل في المهام التي تتطلب التعلم أو إيجاد حل لمشكلة (4) يتلقون عادة رواتب وزيادات أعلى (5) يطوّرون قلقًا -ناجمًا عن العمل- بشكل أقل من ذوي مركز التحكم الخارجي. "15" يؤثّر مفهوم مركز التحكم بتطبيقات عديدة في مجال الإدارة، على سبيل المثال، تخيّل ما يمكن أن يحدث إذا وضعت شخص داخلي التحكم تحت إشراف صارم أو شخص خارجي التحكم تحت إشراف متهاون، لن تكون النتائج إيجابية غالبًا. أو ما النتيجة التي سنحصل عليها في حال جمعنا بين فردين بمركز تحكم داخلي وخارجي في نفس الفريق ووفق خطة عمل تعتمد على تقييم الأجر بناءً على جودة العمل؟ أيٌّ من الفردين سيكون أدائه أفضل؟ ومن سيكون أفضل في حال كانت خطة العمل والأجر يعتمد على كميّة العمل المُنجز؟ الانطوائية والانفتاحية وهو البعد الثالث من الشخصية الذي يجب أن يؤخذ في الحسبان والذي يرتكز إلى أي مدى يميل الشخص إلى أن يكون خجولًا منغلقًا على نفسه أو اجتماعيًا منفتحًا. يميل الانطوائيون (الانطوائية Introversion) إلى تركيز طاقاتهم داخليًا ويمتلكون حساسية أكبر تجاه مشاعر الآخرين، بينما يوجّه المنفتحون (الانفتاح Extraversion ) انتباهًا أكبر نحو الأشخاص والأشياء والأحداث. تقترح الأبحاث أنّ كلا النوعين من الأشخاص لديه دور ليساهم به في المؤسسات. "16" يميل المنفتحون غالبًا إلى النجاح في أدوار إدارة الخط الأول والتي تتطلب مهارات اجتماعية سطحية فقط، والمهام الميدانية مثل مندوبي المبيعات. في حين يميل الانطوائيين إلى النجاح في المناصب التي تتطلب انعكاسًا وتحليلًا وحساسية أكبر لصفات ومشاعر الأفراد الآخرين، وتوجد مناصب كهذه في أقسام متنوعة في المؤسسات، مثل الإجراءات المحاسبية وإدارة شؤون العاملين. ومع الطبيعة المعقدة للمؤسسات المعاصرة فإنّنا بحاجة إلى كلا النوعين من الأفراد لضمان وجود بيئة عمل متوازنة داخل المؤسسة. الاستبدادية (السلطوية) والقطعيَّة (الدوغماتية) تشير السلطوية (Authoritarianism) إلى توجه وتعصّب الفرد لمبدأ السلطة. بشكل أكثر تحديدًا، يتميز التوجه السلطوي عمومًا باعتقاد سائد بأنّه من الصواب والملائم وجود اختلافات واضحة في المكانة الاجتماعية والسلطة بين الأشخاص."17" وفقًا لتي دبليو أدورنو T. W. Adorno، إنّ الشخص ذو السلطوية العالية هو في العادة: (1) مُلّح ومتحكم بالأشخاص الذين يترأسهم، (2) منقاد ومُتذلل تجاه رؤسائه، (3) جامد فكريًّا، (4) يخاف من التغير الاجتماعي، (5) يسيطر التمييز والُحكم المُسبق ويؤثّر بشكل كبير على إدارته للأفراد، (6) عديم الثقة، (7) عدواني تجاه الآراء المخالفة له. من الجهة الأخرى، يعتقد الأشخاص غير السلطويين أنه ينبغي تقليل الاختلافات في المكانة الاجتماعية والسلطة إلى الحد الأدنى في المؤسسة وعدم إظهار التفاوت السلطوي على شكل الإدارة الاستبدادية، وأنّ التغير الاجتماعي يمكن أن يكون بنّاءً، وأنّه يجب على الناس أن يكونوا أكثر تقبّلًا للآخرين وأقل إطلاقًا للأحكام. إنّ نتائج هذه الاختلافات بين الصنفين السابقين في مكان العمل يمكن أن تكون متفاوتة جدًّا. أظهرت الأبحاث على سبيل المثال أنّ الموظفين السلطويين يقدّمون أداء أفضل تحت الإشراف والرقابة الصارمة، في حين يقدّم غير السلطويين أداءً أفضل تحت الإشراف التشاركي، أي الإدارة التي تتبنى روح الفريق كأساسٍ في عملها."18" هل يمكنك التفكير بنتائج أخرى قد تنتج عن هذه الاختلافات؟ صفة أخرى مرتبطة بالسلطوية هي القطعية أو الدوغماتية (Dogmatism)، والتي تشير إلى أسلوب إدراكي خاص يتميز بالأفق المغلق وانعدام المرونة الفكرية."19" ولهذا البعد بشكل خاص آثار عميقة وكبيرة على عملية اتخاذ القرارات الإدارية، إذ وجد أنّ الإداريين القطعيين يميلون إلى اتخاذ القرارات بسرعة، اعتمادًا على معلومات محدودة فقط وعلى ثقتهم العالية بصحة قرارتهم."20" هل تعرف مديرين أو أساتذة يميلون ليكونوا دوغمائيين؟ ما هو تأثير هذا السلوك على الأشخاص المحيطين بهم؟. الموثوقية أخيرًا، يمكن التمييز بين الأفراد وفقًا لاستقامة سلوكهم أو موثوقيتهم. الأفراد الذين يُنظر إليهم على أنّهم معتمدون على أنفسهم، وأصحاب مسؤولية وثابتون وموثوقون، يميل معظم من حولهم إلى تقييمهم على أنهم زملاء وأعضاء فريق مرغوب بهم ويساهمون ويعملون بثبات لتحقيق أهداف المجموعة."21" يُعير الإداريون في معظم الأحيان انتباهًا كبيرًا إلى موثوقية الموظفين المُتقدّمين للعمل في المؤسسة قبل اختيارهم. مع ذلك، يشتكي المديرون المعاصرون من أنّ الكثير من موظفي اليوم يفتقرون الإحساس بالمسؤولية الشخصية والضرورية لإنجاز العمل بفعالية وكفاءة وأمانة. لكن ما زال علينا تحديد فيما إذا كان غياب ذلك الإحساس ناجمًا عن افتقار شخصي لهذه المسؤولية أو عن غياب التحفيز الكافي من قبل الإداريين. من الواضح أنّ عناصر الشخصية التي ناقشناها تلعب دورًا كبيرًا في تحديد السلوك في العمل، سواء على مستوى موظفي خطوط الإنتاج الأولى أو على مستوى الإدارة التنفيذية. أحد الأمثلة الجيدة هو الأحداث التي أدت إلى انهيار واحدة من أقدم شركات العمارة الأمريكية، دقّق أثناء قرائتك للقصّة على أهمية ومدى تأثير شخصية وسلوك الأفراد على مستقبل المؤسسة. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } تغيّر الإدارة تصادم الشخصيات الإبداع في مواجهة الرتابة والتقليدية كان فيليب جونسون (Philip Johnson) في عمر الثمانية والستين بمثابة عميد العمارة الأمريكية وكان معروفًا بمساهمته في بناء معالم حضارية ومعمارية فريدة مثل مبنى At&T في نيويورك ومركز بينزويل Pennzoil Center في هيوستن، لكنّه أجبر على ترك شركته التي بناها، ليشاهدها بعد ذلك وهي تنهار وتفلس. في عام 1969، دعى جونسون جون بورغي John Burgee، والذي كان يبلغ حينها 35 عامًا فقط، ليكون شريكه الوحيد وليتولى الجانب الإداري من العمل في الشركة، ليسمح لنفسه بالتركيز على الجانب الإبداعي. قال جونسون "اخترت جون بورغي ليكون يديَ اليمنى، فكل مهندس معماري بحاجة إلى شخص مثل بورغي. وكلّما تولى مهام قيادية أكثر، أصبحت أسعد". كانت شخصية بورغي مثاليّة لمهمّة إدارة الشركة ومتابعة المشاريع المعمارية والإشراف عليها. مع جهوده الإدارية الكبيرة، شعر بورغي أنّ الفضل والازدهار كان يُنسب لاسم جونسون وكان فقط هو الذي يظهر في الإعلام. علّق بورغي قائلًا: "كان الأمر صعبًا علي دائمًا كوني أصغر سنًا وأقل شهرة". تمكن بورغي في النهاية من إقناع جونسون بتغيير اسم الشركة، بداية إلى (فيليب جونسون & جون بورغي للعمارة) ثم إلى (جونسون\بورغي للعمارة) ثم في النهاية إلى (جون بورغي للعمارة مع فيليب جونسون). على الرغم من أنّ جونسون أراد أن يكون مُشتركًا ومطّلعًا جميع جوانب العمل، إلا أن جونسون لم يكن مستعدًا للتخلي عن التحكم بالتصميم لبورغي. في عام 1988، أرسل بورغي لجونسون مذكّرة مؤلفة من أربع صفحات أدرج فيها مشاريع الشركة الأربع والعشرين، وحدّد فيها المشاريع التي يستطيع جونسون البدء بتصميمها، والتي عليه أن يتواصل مع عملائها، أو التي عليه العمل عليها مستقلًا في المنزل. كما أعطى بورغي جونسون تعليمات بألّا يعمل مع معماريين أصغر سنًا وألّا يقدّم لهم النصائح حول تصاميمهم. إنّ التصادم ما بين شخصية جونسون الإبداعية وشخصية بورغي المتحكّمة وصل إلى الذروة عندما طلب بورغي من جونسون مغادرة الشركة. لسوء الحظ، قلّل بورغي من حجم ردة فعل العملاء تجاه هذا التصرّف وخسر الكثير من العقود المهمة. مما أدى في النهاية إلى إعلان بورغي الإفلاس، واستمر جونسون بالعمل لوحده، بما فيه العمل على مشروع لـ Estée Lauder. المصدر: Michelle Pacelle, “Design Flaw.” Wall Street Journal, September 2, 1992, p. A1, A5. ترجمة -وبتصرف- للفصلين Personality: An Introduction و Personality and Work Behavior من كتاب Organizational Behavior
  10. سنتابع سلسلتنا الفريدة عن السلوك التنظيمي بمواضيع ذات أهمية بالغة في هيكلة المؤسسات هيكلة تنظيمية صحيحة. سنستعرض خلال مقالاتنا التالية كيف يختار الإداريون والمؤسسات الموظفين المناسبين لكل عمل، وآلية تنظيم فريق عمل ناجح يضم أفرادًا بمهارات وإمكانيات وحتى شخصيات مختلفة، وسنتطرّق أيضًا إلى طريقة التعامل مع الاختلافات الفردية في الشركة ودور السلوك الأخلاقي في الإدارة وتأثيره، وأخيرًا سنذكر بعض الخطوات المميزة للإدارة والعمل مع أشخاص من ثقافات مختلفة. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } استكشاف المهن الإدارية إعادة بناء ثقة العملاء تُعدُ المصارف أولى المؤسسات التي عرفتها البشرية و أنشأتها منذ القدم إحدى المؤسسات الموجودة منذ أجيال هي المصارف، لكن خسر الكثير من الأفراد الأشخاص إيمانهم بالنظام المصرفي، ومن يلومهم على ذلك؟ فقد خذلت البنوك الكبرى المستهلك بانتهاكات أمنية وفضائح لا تعد ولا تحصى. وأحد الأمثلة الصارخة شركة الخدمات المالية Wells Fargo & Co التي لا زالت تعمل على استرداد علامتها التجارية بعد إقدامها قبولها على إنشاء ما يقارب مليوني حساب لعملائها دون إذنهم. هذه المشكلة ليست جديدة، لكن بدأ النهج المتبّع لتعزيز عامل الثقة باتخاذ منحى منظور جديد، عن طريق مع بعض من التكيف السريع والبصيرة الإدارية. عملت المديرة التنفيذية للاتحاد الوطني للنقابات للاتحادات الائتمانية التنموية لتنمية المجتمع، كاثي ماهون (Cathie Mahon)، على إظهار التباينات ما بين الاتحادات الائتمانية والمصارف الكبرى. لطالما عملت النقابات الاتحادات الائتمانية بطريقة مختلفة عن المصارف الكبرى، وأحد الفروق الرئيسية هو أنّها غير ربحيّة في حين أنّ نظرائها من المصارف الكبرى هي مؤسسات ربحية، والذي يعني أيضًا أنّها تقدّم فوائد أكبر على الودائع نتيجة لحجمها. بدأت ماهون بالعمل على تعليم تمكين السكان ذوي الدخل المنخفض وتثقيفهم حول تفاصيل عن الموارد المالية وآلية عمل البنوك، وأحدث مساعيها هو تأمين منصة تدعى CU Impact والتي تُبقي العملاء على اطّلاع دائم تُطلع العملاء بشكل أفضل على أرصدتهم وتقدّم ميزات جديدة للدفع التلقائي، بالإضافة إلى توفير تقديم المزيد من المعلومات في أجهزة الصراف الآلي. إنّ التحسينات التي طرأت على موثوقية العملاء في نظام النقابات الاتحاد الائتمانية حافظت على انتمائه ووجوده في المجتمع، من خلال تأمين أنظمة موثوقة جديرة بالثقة وقوية وقادرة على إعادة بناء ثقة العملاء الإيمان بهم. استعداد ماهون لضمّ واستيعاب التكنولوجيا واختلافات العملاء والموظفين وهيكلة الشركة هو ما جعلها مفتاح النجاح لمستقبل عملهم. العوامل الفردية والثقافية المؤثرة على أداء الموظفين كيف يختار المديرون والمؤسسات الموظفين المناسبين لكل دور؟ كما يمكننا أن نرى من مثالنا عن كاثي ماهون، صفاتنا الشخصية أن تمتلك تأثيرًا كبيرًا على كل من سلوكنا الفردي وسلوك من حولنا، ولتحقيق النجاح في أي منصب إداري من المهم امتلاك المهارات والقدرات المناسبة لهذه الوظيفة، سيّما عند اختيار المديرين للموظفين. باختصار ، يمكن للاختلافات الشخصية والثقافية الفردية أن تلعب دورًا كبيرًا في كيفية تأدية الفرد لعمله، ويمكنها أن تؤثّر حتى على فرصة حصول الفرد على هذا العمل منذ الأساس، ولذلك سنبدأ هذا القسم بنظرة عامّة على الاختلافات الشخصية الفردية في مكان العمل. يمكن تحديد عدة عوامل تؤثر على سلوك وأداء الموظفين، اقترح أحد النماذج القديمة أنّ الأداء في العمل ينجم ويتأثر بشكل كبير بالقدرة والتحفيز. باستخدام هذا النموذج البسيط كدليل، يمكننا تقسيم نقاشنا عن العوامل الفردية المؤثرة على الأداء إلى مجموعتين: العوامل المؤثرة على قدرتنا على الاستجابة، والعوامل المؤثرة على رغبتنا بالاستجابة. تتضمن المجموعة الأولى عوامل مثل القدرات العقلية والجسدية، والميول الشخصية والقدرات الإدراكية، والقدرة على تحمل الضغوطات. تشمل المجموعة الثانية المتغيرات التي تتعلق بالدافع الشخصي للموظفين. سنستعرض في هذا القسم من الكتاب مناقشةً ومقارنةً مفصّلة بين المجموعتين السابقتين، بحيث تكون قاعدةً وأساسًا للتحليلات الأكثر تعقيدًا لأداء الشركات والتي سنتطرّق إليها لاحقًا في كتابنا. سنبدأ تحليلنا في هذا الفصل تحديدًا بإلقاء نظرة على الاختلافات الفردية، ويشمل ذلك مهارات وقدرات الموظفين، والخصال الشخصية وقيم العمل. سندرس كذلك المعالم العامة المفهوم الثقافة والتنوع الثقافي كونهما يؤثران على السلوك داخل المؤسسات وخارجها. ثم سنتطرّق إلى قيم وتوجّهات العمل المتنوّعة للموظفين، وسنراجع بعض تقنيات التعلم والتعزيز الأساسية. سنتعرف بعدها على النظريات الأساسية عن تحفيز الموظفين، بما في ذلك احتياجات الموظفين، وسندرس نماذج أكثر تعقيدًا عن التحفيز. وأخيرًا سنتحدث عن الأساليب المعاصرة لتحسين الأداء وأنظمة المكافئة في المؤسسات. تهدف تغطية جميع هذه المواضيع إلى تعريف القارئ على الجوانب البارزة من السلوك الفردي كونه يرتبط بالسلوك المؤسساتي وفعالية المؤسسة. قدرات ومهارات الموظفين كيف يبني أشخاص ذوو قدرات ومهارات وشخصيات مختلفة فرق عمل فعّالة؟ سنبدأ بنظرة على قدرات ومهارات الموظفين، والتي تمثّل بشكل عام الصفات والمهارات الجسدية والعقلية الثابتة مع مرور الوقت وتساعد على تحديد قدرة الموظف على الاستجابة. إنّ تحديدها مهم لفهم السلوك المؤسساتي لأنها تعطي مؤشرًا عن قدرة الموظف على القيامبعملٍ محدّد. على سبيل المثال، إذا كان كاتب على الآلة الكاتبة لا يملك البراعة الكافية لإتقان أساسيات الطباعة أو استخدام لوحة المفاتيح، فإنّ أداءه في العمل لن يكون جيدًا بالتأكيد، وكذلك الأمر في حالة مندوب المبيعات الذي يواجه صعوبة في إجراء العمليات الحسابية البسيطة، فإن عمله لن يسير على قدمٍ وساق. القدرات العقلية من الممكن تقسيم حديثنا عن القدرات والمهارات إلى قسمين: القدرات العقلية والقدرات الجسدية. القدرات العقلية هي قدرات الفرد الفكرية وإمكانيّاته الذهنية وترتبط بشكل وثيق بكيفية اتخاذ الشخص للقرارات وتحليله للمعلومات. من العوامل التي يمكن شملها هنا: الفهم اللفظي والاستنتاج الاستقرائي والذاكرة. يرد ملخص عنها في الجدول (2.1). table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } معالم القدرات العقلية الفهم اللفظي: القدرة على فهم معاني الكلمات وعلاقتها مع بعضها البعض. طلاقة الكلمات: القدرة على تسمية الأشياء أو استخدام الكلمات لتشكيل جمل للتعبير عن الأفكار. الكفاءة الحسابية: القدرة على إجراء العمليات الحسابية بسرعة وبشكل صحيح. الاستنتاج الاستقرائي: القدرة على اكتشاف قاعدة أو مبدأ وتطبيقها لحل مشكلة. الذاكرة: القدرة على تذكر قوائم من الكلمات والأرقام والتفاصيل المهمّة الأخرى. الكفاءة المكانية المرئية: القدرة على إدراك وتذكّر مواقع الأشياء الثابتة وعلاقتها مع الأشياء أو الأجسام الأخرى المجاورة لها في المكان أو الصورة نفسها. سرعة الإدراك الحسي: القدرة على فهم التفاصيل المرئية بسرعة ودقة. الجدول (2.1) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). أحد الجوانب الأساسية لقدرات العقلية من المنظور الإداري هو التعقيد المعرفي. يمثل التعقيد المعرفي قدرة الشخص على الحصول على معلومات متنوعة من البيئة المحيطة وفرزها وتنظيمها وتحويلها إلى بيانات ومُخرجات منطقية. يميل الأشخاص ذوي التعقيد المعرفي العالي إلى توظيف وربط المعلومات بشكل أفضل من الأشخاص ذوي التعقيد المعرفي المنخفض، بالإضافة إلى قدرتهم على رؤية وفهم العلاقات بين عناصر هذه المعلومات بشكل أدق. على سبيل المثال، إذا أوكل إلى مدير ما مهمة حل مشكلة معينة، هل سيكون قادرًا على تحليل جوانبها المختلفة وفهم كيفية ارتباط هذه الجوانب ببعضها بعضًا؟ يميل المدير ذو التعقيد المعرفي المنخفض إلى رؤية جانب أو جانبين بارزين فقط من المشكلة، في حين يستطيع المدير ذو التعقيد المعرفي العالي تحليل وتمحيص فروق وجوانب المشكلة المتنوّعة وارتباطها بالمشاكل الأخرى. يظهر الشخص ذو التعقيد المعرفي المنخفض عادة الصفات التالية: يميل إلى أن يكون قطعيًا وإلى اتّباع القوالب النمطية، حيث تحتاج الهياكل المعرفية المعتمدة على قواعد ثابتة بسيطة درجات أقل من التفكير. الصراع والتردّد الداخلي يكون في حدّه الأدنى من خلال اتّباع أنماط تفكير بسيطة، بمعنى آخر، عند توليد عدد أقل من الخيارات والعلاقات والاحتمالات الممكنة للمشكلة فإنه بالإمكان الانتهاء من العمل عليها في وقت سريع.. تأثير السلوك بالظروف والعوامل الخارجية، إذ تُساهم شخصية الفرد بشكلٍ أقل في نمط التعقيد المعرفي البسيط. تُحكم الظواهر والمواقف المتنوّعة بعدد قليل من القوانين والدوافع المنطقية، بالتالي يكون التمييز والفصل بين المواقف المختلفة أقل فعاليّة لديهم. من الجهة الأخرى، يتصف الشخص ذو التعقيد المعرفي العالي بما يلي: نظامه المعرفي أقل قطعية، يُنشئ العديد من العلاقات البديلة ويفكر فيها. تُحلَّل البيئة بطرق عديدة، وهناك تقسيم أقل للبيئة. يستخدم عمليات تفكير داخلية أكثر، حيث تلعب شخصيّته دورًا بارزًا في المواقف التي تتطلّب تفكيرًا مُختلفًا.. تركّز الأبحاث المتعلّقة بالتعقيد المعرفي على مجالين مهمين من وجهة نظرٍ إداريّة: أسلوب القيادة واتخاذ القرارات. في مجال القيادة، وُجد أنّ المديرين ذوو التعقيد المعرفي العالي هم أكثر قدرة على التعامل مع المواقف المعقدة، مثل التغيرات السريعة في بيئة العمل المحيطة. بالإضافة إلى ذلك، وجد أنّهم يميلون إلى استخدام الموارد والمعلومات المُتاحة بشكل أفضل عند حلّهم للمشكلة،بالإضافة إلى أنهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر مراعاةً وتشاورًا في أسلوبهم المتّبع لإدارة موظفيهم "4". في مجال صناعة القرار، تظهر النتائج أنّ الأفراد ذوي التعقيد المعرفي العالي: يبحثون عن المزيد من المعلومات قبل اتخاذ القرار يعالجون أو يستخدمون المعلومات بشكل أفضل أكثر قدرة على دمج وتجميع مصادر المعلومات المختلفة ينظرون إلى عدد أكبر من الحلول الممكنة للمشكلة يوظّفون استراتيجيات أكثر تعقيدًا ودقّةً في اتخاذ القرار من الأفراد ذوي التعقيد المعرفي المنخفض. القدرات الجسدية ترتبط المجموعة الثانية من المتغيرات بقدرات الفرد الجسدية، يشمل ذلك كلًّا من القدرات الجسدية الأساسية (مثل القوة) والقدرات الحركية (مثل البراعة اليدوية والتنسيق بين اليد والعين ومهارات التلاعب)، وهي مُلخّصة في الجدول (2.2). "6" أخذ كل من القدرات العقلية والجسدية في الحسبان يساعدنا على فهم سلوك الأشخاص في العمل وكيفية إدارتهم بالشكل الأفضل. تمييز هذه القدرات وإدراك أن الأشخاص يمتلكون قدرات مختلفة له تأثيرات واضحة على قرارات اختيار وتوظيف الأفراد، فهو يسلط الضوء على أهمية مطابقة الأشخاص مع الوظائف المناسبة. على سبيل المثال، تمتلك محطة وشركة فلوريدا لتوليد الطاقة الكهربائية (Florida Power) اختبار أداء وتقييم خاص للتوظيف يستغرق حتى 16 ساعة ومؤلف من 12 اختبار القدرات. على مدار بضع سنين بعد تطبيق هذا الاختبار تقدّم 640 شخص لوظائف في خط الإنتاج الأول، ووظِّف 259 منهم. نتيجةً لإختبارات الأداء الجديدة، تراجعت نسبة ترك العمل من 43% إلى 4.5%، ووفّر البرنامج 1 مليون دولار. بالإضافة إلى عملية الانتقاء المناسبة للوظائف، فإنّ معرفة متطلبات الوظيفة والاختلافات الفردية تلعب دورًا جوهريًّا في تقييم احتياجات التدريب والتطوير. تُعدُّ الموارد البشرية مفتاحًا أساسيًّا للإدارة الجيّدة، لذلك فإنّه من المهم أن يكون المديرون على دراية وإلمامٍ جيّدين بالسمات والخصائص الرئيسية لموظفيهم. معالم القدرات الجسدية القدرات الجسدية القوة الديناميكية، القدرة على استخدام القوة العضلية استخدامًا متكررًا أو مستمرًّا لمدة معينة من الزمن. قوة منطقة الجذع، القدرة على ممارسة القوة العضلية باستخدام عضلات البطن والظهر. القوة الثابتة، مقدار القوة التي يستطيع الفرد تطبيقها باستمرار على هدف خارجي. القوة الحرجة،مقدار القوة التي يستطيع الفرد تطبيقها في المواقف الحرجة أو المفاجئة. مدى المرونة، القدرة على تحريك الجذع وعضلات الظهر بحركات واسعة ومرنة. المرونة الحركية، القدرة على القيام بحركات ثني سريعة ومتكررة. تنسيق الحركي المتناغم للجسم ، القدرة على تنسيق حركات متزامنة في أجزاء مختلفة من الجسم. التوازن، القدرة على الحفاظ على التوازن على الرغم من وجود قوى خارجية معرقلة. قدرة تحمل مرتفعة، القدرة على مواصلة الجهد بأقصى ما يمكن، والتي تتعلّق بدرجة تكيف الجهاز القلبي الوعائي وقوّة تحمّله. القدرات الحركية دقة التحكم، القدرة على القيام بحركات عضلية دقيقة ومضبوطة بدرجة عالية لإنجاز عملٍ فنيّ دقيق. تنسيق الأطراف، القدرة على تنسيق الحركات المتزامنة بين اليدين والقدمين. توجيه الاستجابة، القدرة على الاستجابة بشكلٍ سريع وبصورة مناسبة لإشارات بصرية تشير إلى اتجاه معيّن. السيطرة على المعدل، القدرة على إجراء تعديلات حركية مستمرة على السرعة والاتجاه للحاق بهدف متحرك باستمرار. البراعة اليدوية، القدرة على القيام بحركات يدوية ماهرة ومضبوطة من أجل التعامل الدقيق والسريع مع الأشياء الكبيرة. براعة الأصابع، القدرة على القيام بحركات ماهرة ومضبوطة عند التعامل مع الأشياء الصغيرة. ثبات اليد والذراع، القدرة على القيام بحركات يدوية دقيقة وثابتة، سيّما في الأعمال التي يلعب فيها الثبات والهدوء دورًا مهمًّا للغاية، والسرعة والقوة غير مهمين نسبيًا. سرعة الاستجابة، سرعة استجابة الشخص لمنبه واحد باستجابة واحدة. التصويب، القدرة على القيام بحركات يديوية دقيقة ومضبوطة بدرجة عالية ، والتي تتطلب تنسيقًا جيّدًا مع العين. الجدول (2.1) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). ترجمة -وبتصرف- للفصلين Individual and Cultural Factors in Employee Performance و Employee Abilities and Skills من كتاب Organizational Behavior
  11. ما هو دور العلوم السلوكيّة في الإدارة والمؤسسات أو المنظمات؟ أحد مسؤوليات المدراء الرئيسية –وربما أهمها- هو جعل المؤسسات تعمل بفعالية وكفاءة. لكن تحقيق الأداء الفعّال ليس بالمهمة السهلة، كما قال نادلر Nadler وتوشمان Tushman: لكن على الرغم من هذه الصعوبة، على المؤسسات أن تُدار بشكلٍ أو بآخر. أكمل نادلر وتوشمان قائلين: يُنجز العمل في المجتمع بشكل كبير من خلال المؤسسات، ودور الإدارة هو الحرص على تأدية المؤسسات لهذا العمل، وبدونها فإنّ عجلة تطوّر المجتمع ستتعثر وسرعان ما ستتوقف. ما هو السلوك التنظيمي؟ دراسة سلوك الأشخاص داخل المؤسسات هو ما يشار إليه عادة على أنّه السلوك المؤسساتي، التركيز هنا هو على توظيف ما يمكننا تعلّمه من العلوم السلوكيّة والاجتماعية لنتمكن من فهم وتوقّع السلوك البشري ضمن بيئة العمل بشكل أفضل. ندرس هذا السلوك على ثلاث مستويات – الفرد والمجموعة، والمؤسسة ككل. في الحالات الثلاثة جميعها، نسعى إلى تعلّم المزيد عن الأسباب الكامنة والدوافع وراء نمط سلوك الأشخاص –فرديًا أو جماعيًا- داخل بيئة عمل المؤسسة. ما الذي يحفّز الأفراد؟ ما الذي يجعل بعض الموظفين قادة والآخرين لا؟ لماذا تميل المجموعات عادة إلى معارضة صاحب عملهم أو مديرهم؟ كيف تستجيب المؤسسات للتغيرات في بيئة العمل المحيطة بها؟ كيف يتواصل الأشخاص ويتخذون القرارات؟ تمثّل أسئلة كهذه صُلب وأساس فهم مجال السلوك التنظيمي وهي محور تركيزنا في هذا الكتاب. يمكننا إلى حد كبير الاستفادة وتوظيف المفاهيم والاستراتيجيات التي توصّلت إلى العلوم السلوكية مثل علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانيّة الحضاريّة. يمكننا بالإضافة إلى ذلك، التعلّم من العلوم الاقتصاديّة والسياسيّة، فجميع هذه المجالات تتعرّض وتتطرّق إلى أوجه سلوكية مختلفة للعمل داخل المؤسسات. لكن ما يميّز مجال السلوك المؤسساتي عن المجالات السابقة هو تركيزه في تحليلاته واستراتيجياته بشكل خاص على المؤسسة (أكثر من تركيزه على الفرد) (انظر إلى الشكل 1.8). لذلك إذا أردنا دراسة وتحليل مشكلة مثل كيفية تحفيز الموظفين، يمكننا الاستفادة من النظريات الاقتصادية عن هيكلة الأجور في مكان العمل، ويمكننا كذلك الاستفادة من نظريات علم النفس عن الدوافع والحوافز النفسية كونها تتعلق بالعمل أيضًا،في حين يمكننا توظيف علم الاجتماع في تحليل الدوافع والعوامل الاجتماعية المحيطة بالفرد والتي قد تؤثّر على سلوكه، ويمكننا أيضًا استخدام الدراسات الأنثروبولوجيّة التي تُعنى بالتأثيرات الثقافية والحضارية على أداء الفرد. إنّ هذا التنوّع الكبير في مجالات العلوم التي تساهم في السلوك التنظيمي هو ما يجعل منه مجالًا تطبيقيًّا فريدًا من نوعه. من خلال تحليلاتنا، نهتم دائمًا بالتأثيرات الإدارية وبتأثيرات ما نتعلمه من العلوم السلوكية على جودة العمل وأداء المؤسسات، ليتمكن مديرو المستقبل من تطوير مؤسسات أكثر اعتمادًا على الأفراد وأكثر تنافسيّة في المستقبل. الشكل (1.8): أصول السلوك التنظيمي. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0) لتبسيط دراسة السلوك المؤسساتي، سنميّز ما بين نمطين من السلوك هما السلوك التنظيمي المصغّر والسلوك التنظيمي الشامل. يُعنى السلوك التنظيمي المصغر بشكل رئيسي بسلوك الأفراد والمجموعات، بينما يُعنى السلوك المؤسساتي الشامل (والذي يُسمّى أيضًا نظرية المؤسسة) بقضايا على مستوى المؤسسة ككل، مثل تصميم المؤسسة والعلاقات ما بين المؤسسة ومحيطها. على الرغم من أنّ تصنيفنا للسلوك في المؤسسات إلى مصغر وشامل سيكون مفيدًا لنا في دراسة وتحليل السلوك المؤسساتي، إلا أنه من المهم أن نتذكر دائمًا أنّنا لا بُد من أن نلقي نظرة شاملة إلى السلوك المؤسساتي وندمج هذين المنظورين معًا حتى تتسنى لنا فُرصة وضع استراتيجية شاملة للمؤسسة ككل، فمثلًا قضايا مثل طبيعة هيكلية المؤسسة وتصميمها يمكن أن يؤثر على سلوك الموظفين ومدى حماسهم واستعدادهم للعمل. لذلك، بإبقاء هذين المنظورين منفصلين نخسر معلومات قيّمة يمكنها مساعدتنا على فهم كيفية إدارة المؤسسات بشكل أفضل. أسس ودعائم المؤسسات إنّ فهم سلوك الأفراد في العمل هو أمر أساسي لإدارة المؤسسة بفعالية، ومن الواضح أنّ هناك العديد من العوامل التي تشترك لتحدّد طبيعة هذا السلوك وتأثيراته وتداعياته على المؤسسة. لفهم مصدر هذه العوامل وخصائصها من الضروري امتلاك نموذج واضح ينظّم ويبسّط المتغيرات التي تلعب دورًا في تحديد تلك العوامل، لذا نقدم نموذجًا مماثلًا مُنظّمًا من أجل أن يعمّق فهمنا خلال دراستنا لهذا الموضوع. يمكن أن يقسم هذا النموذج إلى قسمين (انظر إلى الشكل 1.10): الشكل (1.10): نموذج عن الإدارة والسلوك التنظيمي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). القسم الأول هو التعرّف بشكل مبسّط على مدخلات وُمخرجات المؤسسة. حيث تتلقى المؤسسات مدخلات من بيئة العمل الخارجية على شكل رأس مال، ومواد خام وعمال ودعم من المجتمع والحكومة وإلى ما هنالك. في حين تتمثّل مُخرجات المؤسسة بعدّة أمور بما في ذلك: (1) تحقيق أهداف المؤسسة – (2) أداء وفعالية المجموعة – (3) أداء الفرد وفعاليته. لذلك فإنّ المؤسسات والأفراد العاملين فيها مصالح جميع الأطراف المُشتركة والمعنية بالمؤسسة (من زبائن وموردين وأصحاب أسهم) هي بحالة من التقلّب والتقدّم المستمر، من استقبال المدخلات من المحيط وتحويلها وتسخيرها وتوظيفها ومن ثم إعادتها على شكل سلع وخدمات نهائية، وعائدات إلى أصحاب الأسهم ورواتب الموظفين، بمعنى آخر تكون بيئة المؤسسة بمثابة نظام ديناميكي يتقلّب بشكل دوري ومستمر. القسم الثاني من النموذج هو المؤسسة ذاتها بأقسامها وأركانها. إنّ الطريقة الوحيدة لفهم تعقيد المؤسسات هو النظر إليها ببساطة على أنّها مجموعة من وحدات بناء تتضمن: الأفراد والجماعات: المؤسسات هي مجموعات من الأفراد والجماعات التي تعمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة. يتمتّع أعضاؤها بخلفيات وتوجّهات وقدرات ومهارات متنوعة ودوافعوطموحات مختلفة. وضمن سياق المؤسسة، يجب عليهم التواصل واتخاذ القرارات وإظهار قدراتهم القيادية والتعامل مع السلطة وسياسات المؤسسة بشكل صحيح أثناء تنفيذهم للمهام الموكلة إليهم. المهام والتكنولوجيا: بالإضافة إلى الاختلافات بين الأفراد والمجموعات، يجب أن ندرك كذلك وجود الاختلافات في تكنولوجيا وآلية العمل في المؤسسة. بمعنى آخر كيف يُنجز العمل فعليًا؟ تشمل التكنولوجيا الطبيعة الفعلية للوظائف والأدوات والتقنيات المستخدمة في التصنيع (مثل الروبوتات وأنظمة التشغيل). تصميم المؤسسة: وضع هذه العوامل معًا – الأفراد والمجموعات والمهام- هو محور تصميم المؤسسة. بمعنى كيف يمكننا هيكلة المؤسسة بحيث تتمكن من تنسيق وضبط سلوك الموظفين بفعالية وكفاءة لتسهيل الأداء؟ العمليات والإجراءات التنظيميّة: بالإضافة إلى الأفراد والآليّات والهيكلية، هنالك عاملٌ مهم إضافي وهو مجموعة العمليات التنظيمية، مثل القيادة والتواصل واتخاذ القرارات والسلطة والسياسات وإلى ما هنالك. تحدّد هذه العمليات طبيعة ونوعية العلاقات بين الأفراد والمجموعات، وبالتالي تؤثر على أداء المؤسسة النهائي بشكل كبير. الإدارة: وأخيرًا، العامل الأهم والذي يجمع كل وحدات البناء المؤسساتية السابقة تحت سقفٍ واحد ألا وهو طبيعة الإدارة. سنرى خلال هذا الكتاب أمثلة كثيرة عن كيف تحدد فعالية وبراعة الإدارة نجاح أو فشل المؤسسة، وسنأخذ وجهة نظر الإدارة كذلك خلال دراستنا للسلوك التنظيمي. لقد مالت معظم الأوساط المؤسساتي إلى لتمييز ما بين مفهوم القيادة ومفهوم الإدارة. وعلى الرغم من أنّهما ليسا متطابقين، لكنهما بدون شك مترابطان ومكمّلان لبعضهما البعض، وأي محاولة للفصل بينهما ستولّد مشاكل إضافية بدلًا من حلّها، ومع تطوّر عالم إدارة الأعمال تغيّر مفهوم القيادة والإدارة . أدى ظهور مصطلح "عامل المعرفة" - وهم أشخاص تتضمن وظيفتهم التعامل مع المعلومات أو استخدامها- إلى إحداث اختلافات عميقة في الطريقة التي تنظّم بها المؤسسات، فلم تعد المهمة هي إدارة الأشخاص بل قيادتهم وأصبح الهدف الأساسي هو الاستفادة من نقاط المعرفة والخبرة والقوة لكل فرد وتوظيفها الهدف . ستشكّل هذه المتغيرات الخمسة المكونات والدعائم الرئيسية لهذا الكتاب. وسنتطرّق إلى كل عُنصر من هذه العناصر بشكل متتابع ومتسلسل، بدءاً من سلوك الأفراد إلى سلوك المجموعات، انتهاءً بتصميم وهيكلية المؤسسة، وعلى هذا الأساس سنسلّط الضوء على العديد من العمليات التنظيمية المؤسساتية المهمة. أخيرًا، سنخطو خطوة إلى الأمام ونستشفُّ مُتطلبات المُستقبل المُحتملة ونستعرض أفضل الطُرق التي ستمكّن المؤسسات من النمو وتطوير قواها العاملة وقواعد المؤسسة المُستقبلية ككل، مستعينين بمُختلف النظريات والنتائج البحثية والعملية على أرض الواقع. ترجمة -وبتصرف- للفصل A Model of Organizational Behavior and Management من كتاب Organizational Behavior
  12. ما المتوقّع من المدير؟ إذا أرادت المؤسسات النجاح في تجاوز التحديات المُعاصرة، فعلى الإدارة قيادة الطريق. يمكن للشركات المعاصرة بوجود إدارة فعّالة إنجاز خطوات كبيرة نحو تنافسية أكبر في بيئة العمل والسوق العالميّة. ومن الناحية الأخرى، يمكن للإدارة غير الفعّالة أن تؤدي إلى ضعف في أداء المؤسسات وأحيانًا إلى الفشل المباشر. لذلك سوف سنسلّط الضوء في مقالنا هذا على طبيعة الإدارة، مع الإشارة إلى أنّه على الرغم من أنّ محور تركيزنا هو المديرون، فإنّ ما سنناقشه هو أيضًا ذو صلة بأفعال غير المديرين أيضًا. بناءً على هذه الدراسة، يجب علينا أن نكون قادرين على البدء بتحليل ما يستطيع المديرون تعلّمه من العلوم السلوكية لرفع مستوى فعاليتهم ضمن بيئة العمل التنافسية. ما هي الإدارة؟ عرّفت ماري باركر فوليت Mary Parker Follett الإدارة منذ عدة سنوات بأنّها: "فن إنجاز المهام بواسطة وبمساعدة الأفراد". حيث يعمل المدير على تنسيق ومراقبة عمل الأفراد ويوجّههم لإنجاز أهداف لم يكن ليتمكّن من الوصول إليها لوحده. توسّع هذا التعريف في يومنا هذا، وأصبحت تُعرّف الإدارة بشكل عام على أنّها عملية تخطيط وتنظيم وتوجيه وضبط أنشطة الموظفين بالترافق مع الموارد الأخرى لتحقيق أهداف المؤسسة. إذًا مهمة الإدارة بمعنى أوسع هي رفع مستوى فعالية المؤسسة وتسهيل بلوغها لأهدافها من خلال تنسيق الموارد المتوفرة واستخدامها بفعاليّة. بالاستناد إلى هذا التعريف، يتوضّح لنا أنّ مواضيع إدارة الأفراد أو المجموعات أو الأنظمة المؤسساتية هي ذات صلة بأي فرد عليه أن يعمل مع الآخرين لتحقيق أهداف مؤسسته. توجد الإدارة فعليًا في جميع المؤسسات التي تسعى وتضع نُصب أعينها تحقيق أهداف معيّنة، سواءً كانت عامة أم خاصة، كبيرة أم صغيرة، ربحيّة أم غير ربحيّة، اشتراكيّة أم رأسماليّة. إنّ ما يدل على تفوّق شركة أو مؤسسة بالنسبة للكثيرين هو نوعية وكفاءة المديرين القائمين عليها. مسؤوليات الإدارة من الأسئلة المهمة التي تُطرح حول المناصب الإدارية هي: ما هي مسؤوليات المديرين ضمن المؤسسات؟ وفقًا لتعريفنا، فإن وظيفة المدير هي أن يشارك في التخطيط والتنظيم والتوجيه والضبط لأنشطة وأعمال المؤسسة المختلفة. حدّد المديرون مسؤولياتهم ضمن تسعة بنود ومهام رئيسيّة من الأعمال، وتشمل: التخطيط بعيد المدى: يُعنى المديرون في المناصب التنفيذية في كثير من الحالات بالتخطيط والتطوير الاستراتيجي. الضبط: يقيّم المديرون الطريقة المُثلى لتوزيع واستخدام الموارد البشريّة والماليّة والماديّة بالشكل الأفضل، ويتّخذون الإجراءات المناسبة لذلك. تحرّي المحيط: يجب على المديرين أن يراقبوا التغيّرات في الوسط التجاري ومؤشرات السوق باستمرار، مثل عائدات الأسهم أو الاستثمارات، والمؤشرات الاقتصاديّة والحلقات التجاريّة وإلى ما هنالك. الإشراف: يجب على المديرين مراقبة وضبط عمل الأفراد المسؤولين عنهم باستمرار. التنسيق: يجب على المديرين في الكثير من الأحيان تنسيق عمل الآخرين سواء داخل مكان العمل أو خارجه. التسويق والعلاقات مع الزبائن: يُعنى بعض المديرين بالتواصل المباشر مع الزبائن والزبائن المحتملين. العلاقات مع المجتمع: يجب المحافظة على التواصل المستمر مع ممثلين من المجموعات المؤسساتية لمختلفة خارج الشركة، يشمل ذلك مجالس المدينة والوكالات الفيدراليّة، والمجموعات المدنيّة المحليّة والمزوّدين. الاستشارات الداخليّة: يوظّف بعض المديرون خبراتهم العملية لحل المشاكل الداخليّة كمستشارين داخليين لتغيير وتطوير المؤسسة. مراقبة المنتجات والخدمات: يُعنى المديرون بتخطيط وجدولة ومراقبة تصميم وتطوير وتصنيع وتوصيل منتجات وخدمات المؤسسة. كما سنرى لاحقًا قد لا يشارك جميع المديرون في جميع هذه الأنشطة، بل إنّه في معظم الأحيان يؤدي عدّة مديرون عدّة أدوار مختلفة ويتحمّلون مسؤوليات مختلفة وذلك تِبعًا لمواقعهم الإدارية ومناصبهم في هرم المؤسسة. سوف نبدأ استطلاعنا باستعراض الأنواع المُختلفة للمهام الإدارية. الاختلافات في العمل الإداري على الرغم من أنّ كل مدير قد يملك مجموعة متنوعة من المهام التي ذكرناها سابقًا، فإنّ مقدار الوقت الذي يُخصّصه لكل نشاط ومدى أهمية ذلك النشاط تتفاوت بشكل كبير بين منصبٍ إداري وآخر. هنالك منظورين أساسين للمدير هما: (1) مستوى المدير في هرم المؤسسة (2) طبيعة القسم أو الوظيفة المسؤول عنها. لنتحدث عن كل منهما باختصار: الإدارة وفقًا للمستوى الهرمي: يمكن تمييز ثلاث مستويات للإدارة بشكل عام: الإدارة التنفيذية، والإدارة المتوسطة، وإدارة الخط الأول (انظر إلى الشكل 1.6). المديرون التنفيذيون هم رأس الهرم ومسؤولون عن كامل المؤسسة، سيّما توجّهاتها الاستراتيجية. في حين يقع المديرون المتوسطون في منتصف الهرم الإداري وهم مسؤولون عن الأقسام الرئيسيّة في المؤسسة، وقد يشرفون على مدراء آخرين من المستوى الأقل. وأخيرًا، يشرف مديرو الخط الأول على الموظفين العاديين والأنشطة اليوميّة للأقسام المختلفة للمؤسسة. الشكل (1.6): مستويات هرم الإدارة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). يُظهر الشكل (1.7) الاختلاف بالمسؤوليات الإدارية وفقًا للمستويات الهرمية. ينصب تركيز المديرين التنفيذيين على القضايا المفاهيمية والفكرية، بينما يركّز مديرو الخط الأول جهودهم على القضايا التقنية. على سبيل المثال، يخصص مديرو المستوى الأعلى قسمًا أكبر من وقتهم على أنشطة مثل التخطيط بعيد المدى ومراقبة مؤشرات العمل والتنسيق والاستشارات الداخلية، بينما يخصص مديرو المستوى الأقل قسمًا أكبر من وقتهم على الإشراف، بما أنّ مسؤوليتهم هي إنجاز المهام من خلال الموظفين العاديين، في حين يقع المديرون المتوسطون في الوسط بالنسبة لهذه المسؤوليات السابقة. يمكننا تمييز ثلاثة أنواع من المهارات الإدارية:"8" المهارات التقنيّة. يجب أن يمتلك المديرون القدرة على استخدام الأدوات والعمليات والتقنيات الخاصة بمجال تخصّصهم. على سبيل المثال، يجب أن يمتلك المحاسب خبرة في مبادئ المحاسبة، بينما على مدير الإنتاج معرفة كيفية إدارة العمليات، فهذه المهارات تمثل آلية ونواة سير العمل المؤسسة. المهارات الاجتماعيّة. تتضمن القدرة على العمل مع الأشخاص وفهم آلية تحفيز الموظفين والمهام الجماعية، وتسمح هذه المهارات للمدير بأن يصبح مشاركًا وأن يقود مجموعته بفعاليّة وكفاءة. المهارات المفاهيمية. تمثّل هذه المهارات قدرة المدير على تنظيم وتحليل المعلومات والبيانات من أجل تحسين أداء المؤسسة، وتتضمن القدرة على استقراء المؤسسة وآلية عملها ككل وفهم كيفية تنظيم وتنسيق الأقسام المختلفة مع بعضها البعض لتعمل كوحدة متكاملة. وهذه المهارات جوهريّة وأساسية لتنسيق الأقسام والمفاصل المختلفة بفعالية ونجاح لتتمكن كامل بُنى المؤسسة من التعاون والتنسيق مع بعضها البعض. وكما يظهر في الشكل (1.7)، تتطلب كل مرحلة من هرم الإدارة مستويات مختلفة من هذه المهارات. بمعنى آخر، يتطلّب النجاح في المناصب الإدارية التنفيذيّة توظيف المهارات المفاهيمية بشكل كبير واستخدام أقل للمهارات التقنيّة في معظم (وليس كل) الحالات والمواقف. بينما يحتاج مديرو الخط الأول بشكل عام مهارات تقنية أكثر ومهارات مفاهيمية أقل، مع ملاحظة أنّ المهارات الاجتماعيّة تبقى مهمة للنجاح في كل مستويات الهرم. الشكل (1.7): الاختلافات في المهارات المطلوبة للإدارة الناجحة وفقًا للمستوى ضمن الهرم (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الإدارة وفقًا للقسم أو الوظيفة. بالإضافة إلى المستوى ضمن التسلسل الهرمي الإداري، تختلف المسؤوليات الإدارية أيضًا تبعًا لنوع القسم أو الوظيفة. حيث توجد اختلافات كثيرة في طبيعة العمل بين أقسام ضبط الجودة والتصنيع والتسويق والمحاسبة والمالية وإدارة الموارد البشرية، على سبيل المثال، ينصب تركيز مديرو قسم التصنيع على المنتجات والخدمات والضبط والإشراف، في حين يوجّه مديرو التسويق تركيزًا أقل نحو التخطيط والتنسيق والاستشارات، وتركيزًا أكبر نحو العلاقات مع العملاء والعلاقات الخارجية. يهتم مديرو أقسام المحاسبة والموارد البشرية بشكل أكبر بالتخطيط بعيد المدى، وبشكل أقل بمنتجات المؤسسة وعرض الخدمات. ومن جهةٍ أخرى يهتم مديرو المحاسبة والمالية كذلك بضبط ومراقبة مؤشرات الأداء، بينما يؤمّن وينظّم مديرو الموارد البشرية الاستشارات والتنسيق والعلاقات الخارجية. ومن هنا نرى مدى التنوّع الكبير في المسؤوليات الإدارية تِبعًا للقسم المسؤول عنه المدير. على مستوى فردي، إدراك ومعرفة أنّ معايير المهارات المفاهيمية والاجتماعية والتقنية تتغير مع الوقت وأنّ مجالات العمل المختلفة تتطلّب مستويات مختلفة من المسؤوليات الإدارية يمكن أن يخدم دورين مهمين. أولًا، إذا اخترت أن تصبح مديرًا، فإنّ معرفة أنّ معايير المهارات المطلوبة يتغير باستمرر تِبعًا للظروف يمكنه مساعدتك على تجنب الوقوع بالخطأ الشائع، وهو رغبة الموظفين الشباب غالبًا بالتفكير والتصرف كمدير تنفيذي ويميلون إلى استباق الأمور قبل أن يتقنوا كيفية الإشراف على خطوط الإنتاج الأولى حتى. ثانيًا، معرفة المزيج المختلف من المسؤوليات الإدارية وفقًا لمجال العمل يمكن أن يسهّل عليك اختيار المجال أو المجالات التي تناسب مهاراتك واهتماماتك بشكل أفضل. يمر معظم الإداريين في العديد من الشركات على مختلف الأقسام الإدارية أثناء ارتقائهم في مستويات الهرم، وبذلك يكتسبون منظورًا شاملًا عن المسؤوليات الإدارية للأقسام المختلفة. يجب عليهم خلال مهامهم اليومية التركيز على الأنشطة المناسبة لأقسامهم ومستوياتهم الإدارية، وإنّ معرفة أي نوع من الأنشطة يجب التركيز عليه هو أساس أي عمل الإداري. سنعود على كلّ حال إلى هذا الموضوع عند مناقشتنا لطبيعة الاختلافات الفردية في مقالات تالية في سلسلتنا. المدير في القرن الواحد والعشرين كما ناقشنا سابقًا فإن هنالك العديد من التغيرات والتحدّيات التي تواجه المؤسسات في القرن الواحد والعشرين، وهذا يستدعي تكيّف إداريي المستقبل مع التطوّرات وتغيير أساليبهم المتّبعة في عملهم إذا أرادوا النجاح في تجاوز التحديات الجديدة. في الواقع، حتى أن مسيرتهم المهنية وطبيعة الإدارة لديهم مستقبلًا ستبدو مختلفة نوعًا ما مختلفة عمّا هي عليه في عصرنا هذا. فكّر مليًّا بالمهارات الخمسة التي تنبّأت بها مجلة Fast Company والتي قالت أنّ مديري المستقبل الناجحين سيحتاجونها، مقارنة مع المديرين في عام 2000، وهي: القدرة على ابتكار حلول جديدة، والقدرة على التعامل مع الفوضى، وفهم التكنولوجيا، والذكاء العاطفي العالي، والقدرة على التعامل مع الأشخاص والتكنولوجيا في آن معًا وبنفس الكفاءة والفعالية. اتّخذت المسيرة المهنيّة للمدير التنفيذي خلال العقود الماضية صيغةً روتينية ثابتة حتى بدأت التغيّرات العصرية بالظهور وتِلك الصيغة الروتينية كانت على الشكل التالي: بدأ حياته في قسم الماليّة مع شهادة جامعيّة في المحاسبة، ثم شقّ طريقه صعودًا عبر مراتب الشركة من المراقب المالي لأحد الأقسام إلى إدارة ذلك القسم، ثم إلى أعلى منصب. تشير خلفيته العسكريّة على أنّه اعتاد على إعطاء الأوامر وعلى أن تُطاع أوامره. وأصبح مسؤول عن الأنشطة الخيريّة وغدا شخصًا مهمًا في مجتمعه، لكن أول مرة سافر فيها خارج البلاد في رحلة عمل كانت كرئيس تنفيذي. الحواسيب والتي أصبحت في كلّ مكان خلال حياته المهنيّة، تثير أعصابه. والآن قارن تِلك الصيغة مع توقعات ما سيبدو عليه المدير التنفيذي في القرن الواحد والعشرين: قد تكون شهادتها (أو شهادته) الجامعية في الأدب الفرنسي، ولكنها حصلت أيضًا على ماجستير في إدارة الأعمال و الهندسة. بدأت في قسم البحث وتم اختيارها بسرعة كرئيسة تنفيذيّة مُرشّحة. هي قادرة على التفكير بشكل مُختلف وإبداعي وعلى النجاح في سوق وبيئة عمل فوضويّة وغير مستقرة. تنقّلت من البحث إلى التسويق إلى المالية. قادرة على التعامل مع التكنولوجيا والأشخاص بأريحيّة مع درجة عاليّة من الذكاء العاطفي، وأثبتت كفائتها في البرازيل من خلال إنقاذ مشروع مشترك فاشل. تتحدث العديد من اللغات وعلى علاقة قوية مع وزراء تجارة من العديد من الدول. وعلى عكس طبيعة الإداريين السابقين، لا تتعامل بصرامة كأنها ضابط عسكري، وتتعاون مع خمسة أشخاص آخرين مساويين لها في مكتب الرئيس التنفيذي. من الواضح أنّ المستقبل واعد ويحمل الكثير من النجاح للمديرين المستعدين والمُجهّزين بشكل جيد لتجاوز التحديات، فكيف نخرج ونحصل على مثل هؤلاء الإداريين المُجهزين وذوي الكفاءة العالية؟ اقترحت أحد الدراسات أنّ مدير المستقبل عليه أن يكون قادر على ملء الأدوار الأربعة التالية: استراتيجي عالمي: يجب على مديري المستقبل فهم السوق العالمية والتفكير على مستوى عالمي، وعليهم أن يمتلكوا القدرة على اقتناص فرص العمل المميزة والتحرك بسرعة لاستثمارها. خبير في التكنولوجيا: يجب على مديري المستقبل أن يكونوا قادرين على استثمار التطوّراتالتكنولوجيات الحديثة بأقصى درجة، سواءً كانت في مجال التصنيع أو الاتصالات أو التسويق أو في أي مجالات أخرى. مدير فذّ يحوّل مواطن الضعف إلى قوة: سيتّفهم المدير التنفيذي الناجح في المستقبل كيفية تجاوز جميع الحدود لإنجاز العمل، وكيف يبني جسورًا مع أشخاص مهمين من خلفيات وتوجّهات متنوعة، وكيف يصنع تحالفات ومشاريع مشتركة ناجحة. مُحفّز: أخيرًا، يجب أن يفهم مدير الغد آلية عمل المجموعات وكيف ينصح ويرشد ويقود عمل الفرق والأفراد ليتمكنوا من تقديم أفضل ما لديهم. ستولي المؤسسات المستقبلية تركيزًا أكبر على الفرق والجهود الجماعيّة المنظّمة، والذي يتطلّب من المديرين فهم أساليب الإدارة التشاركيّة. مُحاوِر بارع: نستطيع أن نضيف إلى هذه القائمة الرباعية أيضًا أنّ مدير المستقبل عليه أن يكون محاورًا بارعًا، عليه أن يكون قادرًا على التواصل بشكل فعّال مع المجموعات المختلفة والتي تتسم بتنوّع الأفراد ووجهات النظر والتوجّهات، وكذلك مع الزبائن والمزوّدين والمجتمع وقادة الحكومات. يصعب معرفة فيما إذا كانت هذه التوقعات المستقبلية لمواصفات المدير الناجح دقيقة بشكل كامل، ولكن يكفي القول أنّ معظم المهتمين بعلوم المستقبل يتّفقون على أنّ عالم المؤسسات في القرن الواحد والعشرين سيكون قريبًا وشبيهًا إلى حدٍّ كبير بما وصفناه وتطرّقنا إليه سابقًا. فحوى الحديث أن على إداريي المستقبل أن يفهموا ويطوّروا هذه المهارات الأساسيّة إلى أقصى حد ممكن ليكونوا جاهزين لتحدّيات العقد القادم. ترجمة -وبتصرف- للفصل The Nature of Management من كتاب Organizational Behavior
  13. كيف يمكن تمييز وتجاوز التحدّيات التي تواجه المديرين في الألفيّة الجديدة؟ كثيرًا ما يُقال أنّ العُنصر الوحيد الثابت في الحياة هو التغيير نفسه، ولا يوجد ما تنطبق عليه تِلك القاعدة أكثر من مكان العمل. تواجه معظم الشركات تغيّرات وتحدّيات متنوعة بشكل مستمر والتي يكون لها تأثيرات عميقة على ديناميكيّة وأداء ومستقبل المؤسّسة، وستحدّد هذه التغيرات والتحدّيات في الواقع من سينجو ويزدهر ويستمر حتى الألفية القادمة، ومن سيتخلّف عن هذا الرُّكب ويعجز عن التأقلم والتكيّف مع هذه التحدّيات المُعاصرة. من بين هذه التحدّيات: تحدي المنافسة العالمية واجهت الكثير من الشركات الأمريكيّة حتى ثمانينات القرن الماضي القليل من المنافسة العالميّة، وكنتيجة لذلك كان الدافع للإبداع والحفاظ على التنافس والكفاءة العالية منخفضًا، والنتيجة أن أصبحت العديد من الشركات كسولة نوعًا ما وفقدت الاتصال والتواصل المستمر مع زبائنها ومواكبة تطلّعاتهم ومتطلّبات العصر المتغيّرة. تغيّر هذا الوضع على نحو مفاجئ مع ظهور الشركات الضخمة والمتطوّرة في كلٍّ من آسيا وأوروبا الغربية وتطويرهم لأنظمة تسويقيّة ومنتجات أكثر جودة، واستخواذها على جُزءٍ كبير من سوق الالكترونيات والسيارات والمعدّات الطبيّة والاتصالات وبناء السفن والعديد من المجالات الأخرى، وكنتيجة لذلك خسرت الكثير من الشركات الأمريكيّة قسمًا كبيرًا من نفوذها وأرباحها في السوق العالمية. أدّى تراجع الحواجز التجاريّة وعقد الاتفاقيات التجاريّة العالمية مثل اتفاقية التجارة الحرّة في أمريكا الشماليّة (نافتا NAFTA)، خلال تسعينيّات القرن الماضي وحتى بدايات الألفية الجديدة، إلى بحث الشركات عن سُبل تصنيع وأسلوب تجارة أقل تكلفة في دول أخرى (الدول التي توفّر اليد العاملة الرخيصة). أدّى ذلك إلى خفض التكاليف والقدرة على تقديم منتجات بأسعار أكثر تنافسيّة، لكنّه أدّى أيضًا إلى تراجع في الكثير المجالات الصناعية مثل إنتاج المعادن وتراجع في تصنيع المنتجات الالكترونية مثل هاتف الآيفون وانتقال مراكز اتصال الشركات من الولايات المتحدّة الأمريكيّة إلى الهند. إذا تمعنّا في سلوك الشركات خلال العقود الأولى من الألفية الجديدة، فبإمكاننا رؤية بعض أسباب هذا التغيّر. باختصار، خسرت العديد من الشركات في أمريكا الشماليّة مكانتها في السوق التنافسية الصناعيّة، أي خسرت قدرتها على التنافس بفعاليّة في السوق العالميّة، أو اختارت التوضّع في دول أجنبيّة كوسيلة لتوسيع نطاق وصولها ولتصبح أكثر تنافسيّة. تمعّن في الأمثلة التاليّة: أظهرت تقارير في العام الماضي أنّ الهند شهدت معدل نمو سنوي بمقدار 7.5% في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (Real Gross Domestic Product GDP)، بينما سجّلت الصين ارتفاعًا بمقدار 6.7%، ويمثّل ذلك مقياسًا لمدى تطوّر اقتصاديات الدول. وشهدت كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا ارتفاعًا يقارب 2%، وفي نفس الوقت سجلت الولايات المتحدة الأمريكيّة نموًا سنويًا بمقدار 3.8% (وكندا ارتفاعًا بمقدار 3%)، وهو الارتفاع الأكبر بعد التعافي البطيء من الأزمة المالية التي حصلت في عام 2009. في حين أنّ الطابع التقليدي للعمل والوظائف استمر في السيطرة على المجتمعات والبلدان النامية، فإنّ دولًا مثل الولايات المتحدة الأمريكيّة وكندا حوّلت اقتصادياتها من خلال دمج المزيد من التكنولوجيا والأتمتة، وكذلك تخصيص قسم من القوّة العاملة في قطاع الخدمات. من المتوقّع أنّ العقود القادمة ستحمل معها المزيد من المتطلّبات التي تستوجب وجود مهارات عملٍ مميّزة، الأمر الذي سيولّد تحدّيًا للعمال من أجل تطوير مهاراتهم باستمرار. وأخيرًا، تزايدت أعداد المنتجات التي اخترعت في الولايات المتحدة الأمريكيّة -والتي تُصنّع حاليًا بشكل رئيسي في دول أخرى- بشكل كبير. ساعدت التطوّرات التكنولوجية الولايات المتحدة الأمريكيّة على استعادة مكانتها الريادية في المراكز الأولى في الصناعة العالميّة. شهد السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا في انتشار القطاعات الصناعية الأمريكيّة الداخلية نتيجة لوجود أيدي عاملة أرخص في أسواق مثل الهند والصين، والذي دفع الشركات الأمريكية إلى بناء مصانعها هناك. و منذ عام 2010 تقدّمت الولايات المتحدة الأمريكيّة من المرتبة الرابعة إلى المرتبة الثانية ومن المتوقع أن تصبح الدولة الصناعية الرائدة بحلول عام 2020. والأسباب الرئيسيّة لذلك هي أنّ قدرات التصنيع المتقدّمة قد قلّلت عدد العمال المطلوبين على خطوط الإنتاج الأولى، كما أنّ وجود منتجات مصنّعة بالقرب من أسواقها الرئيسيّة يقلّل من تكاليف النقل والوقت اللازمين لتسويقها. بالنظر إلى عدّة مؤشرات للقدرة التنافسيّة النسبيّة للاقتصاديّات باستخدام سبعة مقاييس، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تقوم بأداء جيد. هذه المقاييس السبعة هي: المؤسسات والبنية التحتيّة و البيئة الاقتصاديّة العامّة، والصحة والتعليم الأساسي، والتعليم العالي والتدريب، وكفاءة سوق السلع وكفاءة سوق العمل. عند أخذ جميع هذه العوامل بالحسبان (انظر إلى الجدول 1.1)، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تندرج في مكان جيد جدًا وتمتلك معدّل نمو وازدهار مستقر. أحد التحدّيات التي تترافق مع والتطوّرات والمعايير العصرية هو أنّ على الموظفين أن يكونوا سريعي البديهة وأن يتمكنوا من التكيّف والتأقلم مع التطور ومع ظهور متطلبات متزايدة ومهارات جديدة، بالإضافة إلى حاجتهم إلى المواظبة على التعلّم والتدريب المستمر كأسلوب لإدارة حياتهم المهنيّة. مؤشر التنافسية العالمية التصنيف الدولة\الاقتصاد العلامة البعد عن الأفضل 1 سويسرا 5.9 0.00% 2 الولايات المتحدة الأمريكية 5.9 0.09% 3 سينغافورة 5.7 2.60% 4 هولندا 5.7 3.34% 5 ألمانيا 5.7 3.46% 6 هونغ كونغ SAR 5.5 5.56% 7 السويد 5.5 5.78% 8 المملكة المتحدة البريطانية 5.5 5.99% 9 اليابان 5.5 6.19% 10 فنلندا 5.5 6.29% المصدر: مقتبس من المنتدى الاقتصادي العالمي، "مؤشر التنافسية العالمية"، حُصل عليه في 19 يوليو 2018. حقوق النشر لجامعة رايسRice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4. ربما تحدي الإدارة الأكبر فيما يتعلّق باستمرارية المؤسسة هو كيف تصبح الشركة أكثر تنافسية. يتطلّب التنافس والارتقاء إلى مستوى عالمي فهمًا للأفراد والمجموعات وأنظمة المؤسّسة بأكملها. خلال هذا المقال سنرى أمثلة عن كيفية تعامل الشركات حول العالم مع تحدّيات المنافسة العالمية، وسيكون التركيز الأكبر على الممارسات الإدارية لشركات مختلفة كمعيار للمقارنة. تحدي التكنولوجيات الحديثة على الرغم من الاعتقاد الشائع أنّ "التقنيات والتكنلوجية المتقدمة" تنطبق وتُوظّف فقط في علوم الفضاء وصناعات الاتصالات السلكيّة واللاسلكيّة، فإنّ التقنيات المتقدّمة يمكن إيجادها في معظم الصناعات. على سبيل المثال، معظمنا على دراية بالنمو والتطوّر الهائل والمتسارع في عالم الحوسبة، إذا أصبح من الصعوبة بمكان للمؤسسات أن تواكب التطوّرات المتسارعة في مجال الأجهزة والبرمجيات ، واستبدال الحواسيب الشخصية بالهواتف النقّالة والتي أصبحت الآن أسرع وأقوى من سابقاتها. بالإضافة إلى ذلك ساهمت كلّ من الحوسبة السحابيّة وسهولة الوصول إلى بيانات والتطبيقات والبرمجيات المتطوّرة في تسهيل عمليّة تحويل البيانات إلى معلومات مفيدة ، دون أن نذكر سهولة الاستخدام والمرونة المتزايدة. أطلقت شركة إنتل Intel في تشرين الثاني من عام 1971 أول رقاقة الكترونيّة. يحتوي اليوم معالج إنتل الحديث Skylake على حوالي 1.75 مليار ترانزستور – يستطيع نصف مليون منها أن يتسع في ترانزستور واحد من وحدة المعالجة المركزية القديمة 4004 – وتستطيع تقديم قدرة حاسوبية أقوى ب400000 مرة. تستخدم المزيد والمزيد من الشركات أنظمة ومعدّات تعتمد على الحواسيب للتواصل، مثل البريد الالكتروني ومشاركة الملفات والمساعدات الشخصيّة الرقمية والهواتف المحمولة، وكنتيجة لذلك فإنّ الطريقة التي يتواصل عبرها الموظفون والمديرون لاتخاذ القرارات هي بتغيّر مستمر ودائم، وتزداد معها متطلبّات وجود موظفين ماهرين ومبدعين في عملهم ووظيفتهم. يمكننا أيضًا رؤية التغيرات التكنولوجية الكبير في الاستخدام المتزايد للروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي وأنظمة التصنيع المعتمدة على الحواسيب والتي غيّرت من طريقة وآليّة تصنيع العديد من المنتجات في يومنا هذا. لا تؤثر مثل هذه التغيرات على فعالية الإنتاج ونوعية المنتجات فقط، بل على طبيعة الوظائف أيضًا. في العديد من الصناعات، تناقصت أهمية وجود مشرفين على خطوط التصنيع الأولى ويجري استبدالهم بفرق عمل ذاتية الإدارة تأخذ على عاتقها تنظيم الإنتاج والنوعية وحتى تقييم الأداء. تتطلّب التغيّرات التكنولوجيّة المتزايدة في عصرنا مديرين قادرين على مواكبة هذه التطورّات ومحاولة التأقلم معها واستغلالها وتوظيفها في العمل بشكّل فعّال مع الاستمرار بالمحافظة على الموارد البشرية في المؤسسة وتطويرها. سنتطرّق فيما يلي إلى دور التكنولوجيا في الربط ما بين المؤسسة وهيكلية العمل ومدى تأثيرها في عمليّات التواصل واتخاذ القرارات والتوتر الناجم عن العمل داخل المؤسسة، وسنرى كيف تمكّنت بعض الشركات من التأقلم مع التغيّر التكنولوجي بنجاح بطريقة حققت الفائدة والمنفعة لجميع الأطراف المشاركة. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } تغير الإدارة محاولات شركة سيري Siri الدؤوبة لمواكبة المنافسة يعاني الكثير من المديرين التنفيذيين في الصمود والتقدّم في معركة التنافس المستمر في القطّاع التكنولوجي. هناك مفتاحان أساسيان للقيادة الناجحة لأي مؤسسة في ظل التطوّرات والمتغيّرات السريعة في عصرنا، الأول هو التخطيط المستمر والتقدّم خطوة إلى الأمام، والثاني هو القدر على الاستجابة السريعة والمباشرة للتغيّرات العصرية المفاجئة. عملت شركة أبل على تغيير الإدارة المسؤولة عن نظام المساعدة المعتمد على الذكاء الصناعي Siri للمرة الثالثة خلال السنة الماضية. وكانت هنالك جُملة من العوامل التي دفعت الشركة لهذا النهج المستمر في التغيير، منها التفوّق عليها بالأداء من قبل منافسيها مثل غوغل أسستنت Google Assistant وأليكسا Alexa التابعة لشركة أمازون. شهد هذان النظامان نموًا هائلًا خلال عام 2018، مع سيطرة كل من Amazon Echo و Google Home على 34% من المنافسة السوقية. انضم جون جياناندريا John Giannandrea، الرئيس السابق لقسم البحث والذكاء الصناعي في شركة غوغل، إلى فريق أبل الآن وأُعطي مهمة التقدّم على الطرف المنافس الذي جاء منه (Verge 2018). إن التحدي الذي سيواجهه جون لا يتعلّق فقط بوجود ثقافة وبيئة مؤسساتية جديدة عليه التأقلم معهما، بل عليه أيضًا الإبداع في إيجاد حل للمشاكل التي تواجه شركة آبل في هذا القسم وتسخير كامل قدراته وخبراته في هذا المجال وتطبيقها لتعزيز نجاح الذكاء الصناعي في آبل. تكمن المفاتيح الأساسية لنجاحه بمدى سرعته على التأقلم مع دوره الجديد والتعلّم والتكيّف وإحداث التغييرات أثناء رحلته لإعادة آبل إلى ساحة المنافسة في الذكاء الاصطناعي. السؤال الأول: ما هي التحديّات الأخرى التي قد يواجهها مدير تنفيذي جديد قادم من شركة منافسة؟ السؤال الثاني: ما هو كمُّ التغيير الذي يُعدُّ زائدًا عن حدّه؟ ما النقاط التي على آبل الحذر منها مع كل هذا التغيرات التي قد تطرأ مع التعيين الجديد في هذا المنصب؟ تحدي الجودة المرتفعة يتضمن التنافس في المجال الصناعيّي عدة عوامل مترابطة، بما في ذلك النوع المناسب من المنتجات، وفعالية التصنيع والتحكّم الفعّال بالتكاليف والاستثمار في البحث والتطوير وإلى ما هنالك، مع عدم تجاهل السعي إلى رفع مستوى جودة المنتجات والخدمات المعروضة في السوق بشكل متزامنٍ مع تطويرها وتسويقها. إدارة الجودة الشاملة Total Quality Management (تختصر إلى TQM) هو مصطلح يستخدم عادة لوصف الجهود الشاملة لتوجيه وتحسين جميع عناصر الجودة في منتجات الشركة. أسست BMW سمعتها ومازالت مستمرّة في ذلك بناءً على احترام زبائنها لمستوى جودتها العالي. ومعايير الجودة الممتاز هو ذاته السبب الذي ساهم في نجاح ورواج الكثير من المنتجات اليابانيّة في أمريكا الشمالية. ببساطة، إذا أرادت الشركات التنافس فإنّ جهودها يجب أن تُكرّس لضمان تحسين النوعية، ويمثّل ذلك تحدّيًا إداريًا إضافيًّا على عاتق قادة الشركات. كيف يمكن للمديرين جعل الموظفين مهتمين بالمنتجات التي يصنّعونها أو بالخدمات التي يقدّمونها؟ للإجابة عن هذه السؤال وتعميق فهمنا لهذه النقطة فإننا سنستعرض في هذا الكتاب كلًّا من مسألة ضبط الجودة (ما هي؟) وآليات تحسين جودة المنتج (كيف نحقّق ذلك؟). يشمل ضبط الجودة كذلك العديد من القضايا والتحديّات داخل المؤسسة. على سبيل المثال، كيف يمكن للمدراء جعل الأطراف، التي تكون في العادة مستقلة عن بعضها وتعمل بمعزل عن بعضها، أن تعمل معًا لبناء منتج أفضل؟ بمعنى آخر كيف يمكن دفع طاقم التصميم و مهندسي التصنيع والعمّال والمزوّدين – والزبائن المحتملين- إلى العمل معًا والتعاون لتطوير وتصنيع منتج متفوق ومتميّز؟ سنتطرّق لاحقًا في الكتاب إلى العديد من الأمثلة الواقعية حيث لعب فيها العمل الجماعي دورًا رئيسيًا في الارتقاء وتحسين نوعيّة المُنتج في المؤسسة. تحدي تحفيز الموظفين والالتزام أحد العقبات الرئيسيّة في السعي إلى المنافسة الصناعيّة هو العلاقة والخلافات التقليديّة الدائمة ما بين الإدارة والعمّال. نرى الكثير من الحالات في العديد من الشركات -وبغض النظر فيما إذا كانت ذات طابع تعاوني نقابي- حيث لا يجد فيها الموظف العادي أي سبب لزيادة الإنتاج أو لتحسين جودة الإنتاج الحالي. في الواقع يحدّ نظام المكافأة في الشركات من الأداء بدلًا من رفعه في معظم الأحيان، على الرغم من أنّه قد تشجّع المكافأت الموظفين على زيادة الكميّة إلا أن ذلك غالبًا ما يكون على حساب النوعيّة والجودة. بالإضافة إلى ذلك، ترى الشركات في أمريكا الشمالية في معظم الأحيان القوى العاملة على أنّها مجرّد نفقات متغيّرة (على عكس اليابان التي تُرى القوى العاملة فيها على أنّها نفقة ثابتة)، وتُسرّح العمال عند عدم وجود حاجة لهم في الأنشطة القادمة على المدى القريب. وكنتيجة لأسلوب الإدارة السلبي هذا ، يرى الموظفون سببًا ضئيلًا للالتزام أو الإخلاص لأصحاب العمل، وتكون معدلات ترك العمل والتغيّب مرتفعة في الكثير من الأحيان وبشكل غير مُبرَّر، مؤدية إلى المزيد من التراجع في فعالية وكفاءة أداء المؤسسة. إذا أرادت الشركات النجاح والازدهار في ظل المتغيّرات العصرية المُتسارعة فعلى المديرين اكتشاف طرق وأساليب جديدة وواعدة لتطوير وتحفيز الموظفين. حيث تمثّل الموارد البشرية أهم عناصر وركائز المؤسسة، وعدم قدرة القيادة والإدارة في المؤسسة على العناية بهذه الموارد وتطويرها باستمرار يؤدي إلى تراجع أداء الشركة وانهيارها في نهاية المطاف. يتضمّن جزء من حل هذه المشكلة معرفة وفهم طبيعة تفكير موظفي اليوم. يوضّح الشكل (1.2) الخصال والصفات المختلفة التي يجدها الموظفون مهمة في المديرين في العمل. بشكل عام، على الرغم من أنّ معظم الموظفين لديهم نظرة إيجابيّة إلى مديريهم في عملهم، لكن كما موضّح في الشكل (1.3) فإن فئة شباب الألفية الجديدة العاملة اليوم لا ترى أنّ مدة بقاءهم في عملهم الحالي ستستمر لمدة طويلة، ويتوقّعون الحصول على وظيفة أخرى قريبًا، بمعنى آخر لا يرون سببًا أو دافعًا للبقاء والاستمرار في وظائفهم الحالية. الشكل (1.2): كيف يرى الموظفون أصحاب عملهم. المصدر: مقتبس من Deloitte, عنوان "2016 Deloitte Millennial Survey", حُصل عليه في 18 يوليو 2018. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). الشكل (1.3): شباب الألفية الجديدة ومكان العمل. المصدر: مقتبس من Deloitte, عنوان "2016 Deloitte Millennial Survey", حُصل عليه في 18 يوليو 2018. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). تزداد هذه المشكلة صعوبة بسبب التغير المستمر في طبيعة لمهن. في الجدول (1.2)، يمكننا مشاهدة زيادة حادة وإقبال شديد على مهن الفنّيين وعمال الخدمات وعمال المبيعات، ويمكن أيضًا توقّع حدوث تزايد في المجالات الهندسيّة والمناصب الإدارية. تتطلّب هذه التغيرات نظرة جديدة إلى كيفية تحفيز هؤلاء الموظفين. على سبيل المثال، هل نقوم بتحفيز مهندس بنفس الطريقة التي نحفّز فيها مندوب مبيعات؟ كيف نحفّز المديرين التنفيذيين بالمقارنة مع مديري الأقسام؟ سنتحدث في هذا الكتاب عن هذه القضايا من خلال دراسة بعض الأساليب المميّزة لتحفيز الموظفين. يمتلك المديرون عدة طرق في متناول أيديهم لزيادة تحفيز وأداء الموظفين، ويعلم المدير الناجح كيف ومتى عليه استخدام كل منها. المهن الأسرع نموًا في الولايات المتحدة المهنة معدل النمو 2016-2026 متوسط الأجور 2017 عمال تركيب أجهزة الطاقة الشمسية 105% 39.490$ فنيّ الطواحين الهوائيّة 96% 53.580$ مساعدي الرعاية الصحيّة المنزلية 47% 23.210$ مساعدي الرعاية الشخصية 39% 23.110$ مساعدي الأطباء 37% 104.860$ ممرضين 36% 103.880$ أخصائي إحصاء 34% 84.060$ مساعد معالج فيزيائي 31% 57.440$ مطوري البرامج والتطبيقات 31% 101.790$ علماء رياضيات 30% 103.010$ معاون معالج فيزيائي 29% 25.730$ مُصلحي دراجات هوائيّة 29% 28.390$ مساعدين طبيّين 29% 32.480$ الجدول (1.2) (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0)). المصدر: “المهن الأسرع نموًا، ”Occupational Outlook Handbook, Bureau of Labor Statistics". تحدي إدارة تاريخيًّا، سيطر الذكور من العِرق الأبيض على الاقتصاد الأمريكي بمجمله وبسط حُكمه على جميع مفاصل العمل الرئيسية، فقد شغلوا الغالبيّة العظمى من المناصب الإداريّة والكثير من الحرف اليدوية الأكثر أهميّة. في حين شغلت النساء الوظائف المكتبية والأقل أجرًا، وغالبًا ما غادرن سوق العمل للاعتناء بعائلاتهن. وواجهت الأقليّات من كلا الجنسين حواجز كبيرة لدخول مستويات أعلى (وأعلى أجرًا) من سوق العمل. تغيّر هذا المفهوم والتوجّه بشكل كبير في عصرنا ولا يزال في تغيّر وتبدّل مستمر. وسيحمل القرن الواحد والعشرون معه تغيرات كبيرة في ديموغرافية القوى العاملة، وسنرى الكثير من التبدّلات في الجنس والعرق والعمر. الشكل (1.4): كيسر بيرمانينت Kaiser Permanente الحائزة على جائزة E Pluribus Unum Corporate Leadership، تركّز كيسر على القضاء على الفروقات العرقية والعنصرية في قطاع الرعاية الصحية، وكانت أعمالها في طليعة الجهود الرامية إلى إنشاء نُهجٍ مبتكرة وقابلة للتطوير تُلبي الاحتياجات الثقافية واللغوية للمرضى وتُحسّن بالتالي جودة ومحصلات الرعاية الصحية بشكل عام. إنّ تدريباتها الإدارية واختباراتها وعمليات إصدار الشهادات لموظفيها متعددي اللغات والعاملين كمترجمين في مجال الرعاية الصحية وكذلك الأطباء المتحدثين مع المرضى بلغات أخرى غير الانكليزية، ساهمت بشكل ٍ كبير في تحسين نوعية العناية المقدّمة للمريض والاستفادة من تنوّع القوى العاملة في المؤسسة في الوقت ذاته. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). على سبيل المثال، تشهد قطّاعات العمل المختلفة انخفاضًا واضحًا في نسبة العمال من الذكور البيض المولودين في أمريكا، حيث أصبح 15% فقط من الوافدين الجدد إلى القوى العاملة هم من الذكور البيض "6"، وبالمقابل فقد تزايدت نسب العالمين الغير بيض والمهاجرين من كلا الجنسين (انظر إلى الشكل 1.5). كما وازدادت أعداد النساء اللواتي يشغلن المناصب الإدارية في كل من القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى المزيد من الفرص التي أصبحت مُتاحة للأقلّيات. وعلى الرغم من ذلك يتوقّع البعض أنّ النقص الحالي في سوق القوى العاملة سيؤدي إلى احتفاظ الكثير من الشركات بعمالها القدامى لفترة أطول تتجاوز سن التقاعد المعتاد. بالإضافة إلى أنّ التوجّه بتوفير فرص عمل وأدوار لذوي الاحتياجات العقلية أو الجسديّة الخاصة في تزايد مستمر. على الرغم من أن الإقدام على مثل هذه التغييرات في ديمغرافية الموظفين وفُرص العمل قد توفّر فرصًا جديدة للشركات لكنّها في الوقت نفسه قد تولّد مشاكل تأقلم محتملة إذا لم تُدر بذكاء وبمعايير صحيحة. سندرس العديد من هذه القضايا عند مناقشتنا لتطوير الوظائف والموظفين. الشكل (1.5): الموظفون وفقًا للعرق والاثنية اللاتينية أو الإسبانية، 2016. ملاحظة: الأشخاص الذين صُنفت عُنصريّتهم إسبانية أو لاتينية قد يكونوا من أي عرق. قد لا يصل مجموع العينات إلى 100% بسبب التقريب. المصدر: مكتب الولايات المتحدة الأمريكية لإحصائيات العمال، مسح السكان الحاليين. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0). تحدي السلوك الأخلاقي مع تزايد الاهتمام والعناية بالجانب الأخلاقي في عصرنا يمكننا القول بأن المستقبل سيمنح معايير أخلاقية عالية في الصفقات التجارية ومكان العمل في المؤسسات. يرى الكثير من المديرين التنفيذيين وعلماء الاجتماع أن السلوك غير الأخلاقي المتزايد في عصرنا أصبح كالسرطان ينهش بنية المجتمع ضمن نطاق العمل وخارجه. هنالك قلق من أنّ الغرب يواجه أزمة أخلاقية تقلّل من قوته التنافسيّة، وتشمل هذه الأزمة قطاع العمل والحكومات والزبائن والموظفين على حدٍّ سواء. والذي يزيد من حدّة هذه المشكلة ويُفاقم تأثيراتها السلبية هي ظهور التصرّفات غير الأخلاقية في جميع المستويات داخل المؤسسة. على سبيل المثال، وجدت تقارير حديثة أنّ نسبة السرقات التي قام بها الموظفون والباعة فاقت لِلك التي قام بها زبائن البيع بالتجزئة. الأخلاقيات في الممارسة مؤسس Papa John's في أزمة إنّ الأقوال والأفعال التي تقوم بها كمدير وكقائد مهمة يكون لها وقع كبير أكثر مما يتخيّل الكثيرون . تعلّم جون شناتر John Schnatter، مؤسس ورئيس بيتزا بابا جونس Papa John’s Pizza، ذلك بالطريقة الصعبة. ففي أحد الأيام وأثناء جلسة تدريبية إعلاميّة (بثٍّ تجريبي) استخدم شناتر تعليقات ازدرائيّة وإهانات عنصرية، وتحوّل هذا البث التجريبي إلى كابوس بالنسبة لشناتر، على الرغم من أنّ الهدف من هذا البث كان مجرّد التدرّب على الحوار في اللقاءات الإعلامية. وكنتيجة لتلك التصرّفات والأقوال غير الأخلاقية التي صدرت منه، ومع اعتراف شناتر بخطأه، أُجبر على الاستقالة من منصبه كرئيس للشركة بعد أن طالب الفرع المحلي للرابطة الوطنية للنهوض بالأشخاص الملونين NAACP باستقالته. بالإضافة إلى ذلك، اتخذ مجلس الإدارة قرارًا بإقالته وإبعاده عن جميع الإعلانات والدعايات ومحلّات بيع البيتزا، كما وعلّقت الجمعية على أن شركة بابا جونس لا يمثّلها فردٌ واحد". بابا جونس هي شركة بيتزا مؤلفة من 120.000 موظف حول العالم (Forbes 2018). قفزت أسهم بابا جونس بعد الإعلان عن استقالة مديرها، مضيفة 50 مليون دولار إلى ثروة شناتر الصافية (CNN Money 2018). ظهرت قيمة الشركة الأخلاقية من خلال استنكارها لأفعال شناتر وإبعاده من منصبه، وهذا يشير إلى أنّه على الرغم من ارتكاب شناتر لخطأ كبير إلّا أن اعترافه بالخطأ واستقالته من منصبه، أظهر أن الالتزام بالحفاظ على المعايير الأخلاقيّة لا يزال قيمة مهمة وأساسيّة لكل من شناتر والشركة ككل أيضًا. السؤال الأول: هل تعتقدون أنّ أفعال مجلس الإدارة بإقالة مؤسسها على تصرّفه غير الأخلاقي كانت كافية لدعم سمعة بابا جونس؟ السؤال الثاني: ما هي الأفعال أو أنواع التدريب الأخرى التي على بابا جونس القيام بها مع موظّفيهم في الوضع الحالي من تشوه السمعة الأخلاقية للشركة ومؤسسها؟ بالإضافة إلى ذلك، نسمع جميعنا عن السلوك الغير أخلاقي والغير قانوني في وول ستريت Wall Street- مثل فضائح رواتب التقاعد التي يراهن فيها مديرون تنفيذيون سيئوا السمعة على مجازفات تجاريّة خطرة مستغلين بذلك الأموال المخصّصة لتقاعد الموظفين، وفضائح أخرى لشركات تعرّض عمّالها لظروف عمل خطرة بدون مبرر، دون أن نذكر فضائح التحيّزات الواضحة في ممارسات التوظيف والترقية في العديد من المؤسسات. على الرغم من أنّ هذه الممارسات تحدث بشكل مستمر وفي جميع أنحاء العالم، إلّا أنّ وجودها يذكّرنا بالتحدّيات التي نواجهها. لا تقتصر المشكلة على وجود التصرّفات غير الأخلاقية في المؤسسات فقط، بل إن المشكلة الأساسية والتي تشكّل تحدّيًا كبيرًا هي عدم وجود قاعدة واضحة وثابتة لمعايير السلوك الأخلاقي (فالأمر شبيه باللون الرمادي الذي لا يميل إلى أي من اللونين الأبيض أو الأسود)، فلا يوجد دائمًا حد واضح بين ما هو صحيح وما هو خطأ. على سبيل المثال، إذا كنت مندوب مبيعات لصالح شركة أمريكيّة في الخارج ويستخدم منافسوك الأجانب الرشوة لتسيير العمل، ماذا ستفعل؟ سلوك مماثل في الولايات المتحدة الأمريكيّة يُعد غير شرعي، لكنّه مقبول تمامًا في دول أخرى، فما هو التصرف الأخلاقي الصحيح هنا؟ وبشكل مماثل، تتعرض النساء في العديد من الدول إلى التمييز والعزل المنهجي عن فُرص العمل، وذلك بناءً على أنّ مكانهن الصحيح في المنزل. هذه الممارسة هي أيضًا غير قانونيّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، لكن إذا كنت تدير شركة أمريكية في أحد هذه الدول، هل ستوظف نساءً في مناصب مهمة؟ إذا فعلت ذلك قد تُعزل شركتك عن الوسط التجاري في ذلك المُتجمع وقد تخسر عملك. وإذا لم تفعل ذلك، فأنت تكون قد انتهكت ما يؤمن به معظم الأمريكيون على أنها الممارسات المهنيّة العادلة. يجب على المديرين الفاعلين معرفة كيفية التعامل مع القضايا الأخلاقيّة في حياتهم المهنيّة اليوميّة، لذلك سنخصّص أجزاءً من هذا الكتاب للتحدث عن دور الأخلاقيات في صناعة القرار، وممارسة السلطة، وتقييمات الأداء وأنظمة المكافأة وإلى ما هنالك. ترجمة -وبتصرف- للفصل The Changing Workplace من كتاب Organizational Behavior table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; }
  14. في مقدمة سلسلتنا الفريدة من المقالات عن السلوك التنظيمي سنستهلّ أولى مقالاتنا بعنوان فريد وجوهري وهو الإدارة والسلوك التنظيمي. سنستعرض في هذا المقال معنى العمل في السياق الاجتماعي وكيف يمكن التمييز وتجاوز التحدّيات التي تواجه الإداريين في الألفية الجديدة. .addional__paragraph { border: 3px solid #f7f6ea; margin: 20px 0 14px; position: relative; display: block; padding: 25px 30px; } استكشاف المهن الإدارية التحديات الإدارية في أبل Apple وجوجل Google عندما كانت أبل تطوّر نظام تشغيل الهواتف المحمولة iOS 10، تمكّنت مجموعة مؤلفة من 600 مهندس من معالجة وتطوير ونشر البرنامج الجديد خلال سنتين فقط. بالمقابل، تمكّن مهندسو ميكروسوفت Microsoft من تطوير وتنفيذ برمجة نظام تشغيل الحواسيب فيستا Vista، لكن تطلّب ذلك وقتًا أطول وجُهدًا أكبر، حيث احتاجت شركة مايكروسوفت إلى أكثر من 6000 مهندس للانتهاء من المشروع كاملًا، على الرغم من أن كلا مشروعي الشركتين كان بنفس الدرجة من الصعوبة، فما كان الفرق؟ وفقًا لدراسة أُجريت من قبل شركة الاستشارات الإداريّة بين وكامباني Bain & Company، فإنّ الشركات مثل أبل وغوغل ونتفليكس Netflix تمتلك إنتاجيّة أعلى بنسبة 40% من الشركات العاديّة. وقد يعتقد البعض أنّ ذلك عائد إلى بيئة التوظيف، حيث تجذب الشركات الكبيرة بشكل عام موظفين أكثر موهبة، سيّما مع الامتيازات والفوائد الكبيرة التي يتضمّنها العمل في تلك الشركات الضخمة، لكن ذلك ليس صحيحًا تمامًا. وجدت غوغل وأبل طريقة للإجابة عن أكثر الأسئلة جوهريّة في مجال الإدارة وهو: كيف يمكن الموازنة ما بين الإنتاجيّة والحفاظ على رضا والتزام الموظّفين؟ تمتلك شركات مثل غوغل تقريبًا نفس النسبة من "الموظّفين المميزين" الموجودة لدى الشركات الأخرى، لكن عوضًا عن توزيع ونشر هؤلاء الموظفين المميزين عبر أقسام الشركة، تعمل على تجميعهم معًا بشكل ديناميكي لتحقيق أكبر قدر من الانجازات في اليوم. وتركّز عملية التجميع هذه على جمع الموظفين المميزين في أكثر الأدوار أهمية في العمل، وهو ما يمثل مفتاح النجاح لكامل الشركة. هل سمعت المقولة "أنت قوي فقط بمقدار قوة أضعف نقاطك"؟ في حالة أبل لم يكن هناك أي نقاط ضعف، مما جعل إنتاجيتها الكليّة مرتفعة بشكل كبير جدًا. وعلى مستوى أكثر تعقيدًا، تُلحق التغيرات سريعة التواتر في مكان العمل والتكنولوجيا، بما في ذلك تنوّع الموظفين والسوق العالمية، آثار سلبية كبيرة على توقعات الموظفين، بشكل مماثل لما تسببه الضغوط العامة المرافقة لتأدية العمل. أبل هي أحد الأمثلة البارزة التي استطاعت بحنكة مديريها استغلال مواطن الضعف السابقة وتحويلها إلى نقاط قوة بالنسبة لها، ومع ذلك فإن تجربة آبل هي تجربة مثالية مقارنةً بالواقع الذي تشهده ادارة الاعمال والشركات حول العالم. يشهد المدراء المعاصرون تغيرات مستمرة في عالم التكنولوجيا والأسواق وحدّة المنافسة وديموغرافية القوى العاملة وتوقّعات الموظفين والمعايير الأخلاقيّة، تمثّل هذه التغيّرات لبَّ الصعوبات التي تكمن في كيفية إدارة الأشخاص بشكل فعّال. للوصول إلى أهداف الشركة، على كل مدير أن يكتشف كيفية تطوير قوّة عاملة تلبّي احتياجات اليوم والمحافظة عليها مع الاستعداد لتحدّيات الغد. وكنتيجة لذلك، يطرح الإداريون حاليًا أسئلة مثل: كيف يمكننا مواجهة المنافسة العالميّة؟ كيف يمكننا جعل هذه المؤسّسة أكثر فعاليّة؟ كيف يمكننا استخدام مواردنا البشريّة بشكل أفضل؟ كيف يمكننا بناء بيئة عمل أكثر إرضاءً ومكافأةً لجميع الموظفين؟ كيف يمكننا تحسين نوعية منتجاتنا؟ كيف يمكننا تحسين التواصل وعمليات اتخاذ القرار أثناء العمل؟ كيف يجب علينا تقييم ومكافأة الأداء؟ كيف يمكننا تطوير قادة الشركة المستقبليين؟ تستهدف هذه الأسئلة الأسلوب والطريقة الفعّالة في الإدارة. أي أنّها تطرح التساؤل التالي: ما الذي بإمكان المديرون فعله من أجل تحسين الأداء على مستوى كلٍّ من الأفراد والمؤسسات؟ تتطلّب الإدارة الفعّالة معرفة عميقة وإلمامًا كافيًا في كلٍّ من الإدارة الماليّة والتسويق وسلوك المستهلك والمحاسبة والرقابة وتقنيات التصنيع والإنتاج والأساليب الكميّة. بالإضافة إلى ذلك تتطلّب الإدارة الفعّالة معرفةً كافيةً بكيفية إدارة "مهارات الأفراد"، بمعنى أنّ على المدير الجيد أن يكون قادرًا على تحفيز موظّفيه، وقيادتهم وتوجيههم بمهارة، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، والتواصل بفعاليّة، وتنظيم العمل، والتعامل مع سياسات المؤسسة المختلفة، والعمل على تطوير مستوى وفعاليّة الموظفين والمؤسسةعلى حدٍّ سواء. وهذا ما سنتطرّق إليه في مقالنا هذا، حيث سنتدراس ونستعرض مبادئ العلوم السلوكيّة المختلفة التي بإمكانها مساعدة المديرين على تطوير كل من مهاراتهم وقدراتهم الذاتيّة ومهارات وقدرات الموظفين التابعين لهم أيضًا لتحسين أداء وفعاليّة المؤسّسة. تمهيدًا لذلك، سنلقي نظرة أوليّة مقتضبة على طبيعة العمل وطبيعة الإدارة، و سنناقش التحدّيات المعاصرة، ثم سنذكر نموذجًا عن السلوك التنظيمي والذي سيكون بمثابة الدليل خلال دراستنا للإدارة والسلوك التنظيمي. سنبدأ مقالنا هذا باستعراض مفهوم العمل. طبيعة العمل معنى العمل ما هو العمل؟ وما هو شعور الأشخاص تجاه عملهم؟ يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من منظورات وزوايا مختلفة. ربما سيكون أقصر الطُرق لمعرفة آراء وشعور الموظفين تجاه عملهم هو سؤالهم بكل بساطة، وهذا ما فعله كاتب من شيكاغو يدعى ستودس تيركل Studs Terkel تمامًا منذ عدّة سنوات. كيف كان شعور الأشخاص الذين قابلهم تجاه عملهم؟ إليكم بعض من المقتطفات من كتابه العمل (Working): عامل حديد أنا كائن على وشك الانقراض.. عامل. عملٌ يعتمد على العضلات بشكل كبير.. ارفع هذه، ضعها هنا، ارفع تِلك الأخرى، ضعها هاهنا.. ولا يمكننا يحقُ لنا حتى أن نفخر بعملنا الذي صنعناه بأيدينا، سيّما عندما تجول الخواطر في البال وتذكر كيف يشير صاحب أو رب العمل أو المنزل إلى المنزل -الذي وضعنا نحن كلَّ جُهدنا في بناء أساساته- وهو يتحدث مع من حوله عن كمِّ الجُهد الذي بذله لإعماره وينسب العمل لنفسه هو فخور بذلك. موظفة استقبال تغيّر رأيي عن موظّفات الاستقبال لأنني أصبحت واحدة منهن الآن. لسن عبارة عن امرأة مغفّلة تجلس خلف المنضدة الأماميّة لتلقّي المكالمات الهاتفيّة، بل عليهن أن يكنّ شيء آخر، لأنّني اعتقد أنّني شيء آخر حين بدأت بالعمل. كنت على ما يرام حتى كان هنالك حفلٌ صحفي، وكنّا في محادثة "شيّقة وذكيّة" إلى حد ما، إلى أن سألوني عن عملي. عندما أخبرتهم عن عملي كموظفة استقبال، استداروا وتركوني للبحث عن أشخاص آخرين ذي ألقاب وأعمال "أرقى"، فلم أكن شخصًا يُستحق التكلّم معه بالنسبة لهم. لم أُرفض بسبب ما قلته أو الطريقة التي تحدّثت بها، بل ببساطة بسبب طبيعة عملي. سائق شاحنة نظافة يسألني الناس عن عملي فأقول: "أقود سيارة القمامة لدى البلدية"، وليس لدي أي شيء يدعو إلى الخجل منه. أعمل ثماني ساعات وأتقاضى راتبًا جيدًا، وأشعر أنّني أجني المال وزوجتي سعيدة، وهذا هو المهم. فهي لا تنظر إلي بدونيّة، وأعتقد أنّ ذلك يكفيني حتى لا أعير انتباهي أو أكترث لأي رجل ذي ياقة قميص بيضاء ينظر إليّ بدونيّة. شرطي أنا إنسان وأرتكب الأخطاء كأي شخص آخر. إذا أردت روبوتًا للعمل فعليك ببناء واحدٍ إذن، وإذا أردت إنسانًا، فهذا ما أنا عليه. محاسب أقول في العادة أنّني أعمل كمحاسب. يتخيّل معظم الناس أنّه شخص يجلس بجانب أكوام من المال وأكمامه مرفوعة، ومستغرق في الكتابة والتسجيل، يضيف أشياءً تفاصيل مالية هنا ويُعدّل أخرى هناكمرتديًا نظاراته. أفترض أنّ الحاصل على شهادة في المحاسبة لديه مكانة اجتماعيّة، لكن لا تعني تِلك النظرة الكثير بالنسبة لي، ما يهمني هو هل أحبّ هذا العمل أم لا؟ سكرتيرة خسر المدير سكريترته بسبب ترقيتها، لذا طلبوا من مراقبة الدوام القديمة أن تصبح سكرتيرته الجديدة. اعتقدَت أنّها في مجدها، ولا مزيد من المشاكل ولا مزيد من المعاناة من الضائقة المادية، فهي الآن تقوم بعملين معًا. تُسرع وتركض هنا وهناك طوال الوقت وطوال اليوم، تبذل جُهدها وتخلص لعملها، لكن عندما طلبت من مديرها أن يخصّص لها حوافزًا ماديّة لقاء جُهدها المُضاعف، رفض ذلك، وتلك كانت جائزتها لكونها مخلصة ومطيعة. تُظهر أمثلة كهذه، وهناك الكثير والكثير مثلها، كيف ينظر بعض الموظفين إلى عملهم والمهام التي يقومون بها. وكما هو واضح من الأمثلة هناك بعض الأعمال التي تكون ذات قيمة اجتماعية أكبر من غيرها، وأن بعض الأفراد يقتنعون بعملهم -على بساطته- أكثر من غيرهم. يعيش بعض الأشخاص ليعملوا، بينما يعمل البعض الآخر ببساطة ليعيش. وفي جميع الحالات، يمتلك الأشخاص بشكل واضح مشاعر قويّة تجاه ما يقومون به في عملهم وتجاه الأشخاص الذين يعملون معهم. في دراستنا للسلوك ضمن المؤسّسات علينا تحليل ومعاينة ماذا يفعل الأفراد في عملهم وطبيعة تصرّفاتهم وما هي الأسباب والدوافع التي تولّد تلك التصرفات، وما هو شعورهم تجاه العمل الذي يقومون به. تمهيدًا لهذا التحليل علينا التفكير بالوحدة الأساسيّة في تحليل هذه الدراسة، وهي العمل نفسه. ما الذي تعنيه كلمة عمل؟ وما الأدوار والفوائد التي يقدّمها لمجتمعاتنا اليوم؟ للعمل عدة معاني وفق المفاهيم الاجتماعية في وقتنا الحاضر. نعتقد عادة أنّ العمل هو مجرّد وظيفة مدفوعة، وعبارة عن تقديم خدمات مقابل المال. على الرّغم من أنّ هذا التعريف قد يكون صحيحًا من الناحية النظرية، إلا أنه يفتقر إلى شرح الدافع والسبب وراء كون العمل ضرورةً في مجتمعنا. ربما سيكون للعمل معنى أكبر إذا ما عُرّف على أنّه نشاط يُنتج شيئًا ذا قيمة وفائدةً لأفراد المجتمع. يوّسع هذا التعريف نطاق العمل ويؤكّد على السياق الاجتماعي الذي يظهر من خلاله مفهوم العمل مقابل الأجر، ويوضّح هذا المفهوم أنّ للعمل هدف، وهو الإنتاجية والفائدة الاجتماعية. وبالطبع هذا لا يعني أنّ العمل سيكون بالضرورة مثير للاهتمام أو مجزي أو مرضي بالنسبة للأفراد العاملين، على العكس، نعلم أنّ الكثير من الوظائف مملّة ومتكرّرة ومرهقة، ومع ذلك فإنّ الأنشطة المُنجزة خلالها لها فائدة للمجتمع ككل. لذلك فإن أحد أهم التحدّيات التي تواجه الإدارة المُعاصرة هو اكتشاف طرق لتحويل الأعمال المُتعبة والمنفّرة -ولكن الضرورية للمُتجمع- إلى وظائف ذات معنى وأهداف نبيلة تثير حفائظ الأفراد وتشحذ هممهم وتولّد لديهم إحساسًا مستمرًّا بالرضا النفسي، مع استمرار مساهمتها بإنتاجيّة وفعاليّة المؤسّسة خلال عملهم. أدوار العمل نعلم أن أهمية العمل من وجهة نظر المؤسّسات، فمن دونه لن يوجد منتج أو خدمات لتقديمها وبالتالي لا أرباح وبالتالي لا مستقبل للمؤسسة، لكن ما سبب أهمية العمل بالنسبة للأفراد؟ وما الأدوار التي يخدمها في حياتهم؟ أولًا، يلعب العمل دورًا اقتصاديًّا واضحًا، حيث يحصل الأفراد مقابل عملهم على المردود المادي الضروري لدعم أنفسهم وعائلاتهم، لكن يعمل الأفراد لأسباب عديدة تتعدّى الضرورة الاقتصاديّة البسيطة. ثانيًا، يلعب العمل أيضًا عدّة أدوار اجتماعيّة، حيث يمثّل مكان العمل فرصةً سانحة لمقابلة أشخاص جدد وتكوين الصداقات وتطوير العلاقات الاجتماعية. في الواقع قد يقضي الكثير من الأشخاص مع زملائهم في العمل وقتًا أطول مما يقضونه في المنزل مع عائلاتهم. ثالثًا، يؤمّن العمل أيضًا نوعًا من المكانة الاجتماعيّة في المجتمع. إذ إن مهنة الشخص تٌحدد المكانة والطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الفرد وذلك وفقًا لمعايير الأهميّة والدرجات الاجتماعية المحدّدة من قبل كل مجتمع. على سبيل المثال، في الولايات المتحدّة الأمريكيّة، يحصل مدير شركة على مكانة اجتماعيّة أعلى من بواب في نفس الشركة. في الصين من ناحية أخرى، تُنسب مكانة كبيرة للفلاحين والأفراد من الطبقة العاملة، ولا يختلف المديرون بشكل كبير عن الأفراد والموظفين العاديين. في اليابان، يعتمد الأمر أولًا على دور الشركة التي تعمل لديها ومدى شهرتها في الأوساط المحلية والعالمية، ثم على منصبك فيها ثانيًا. من المهم أن نلاحظ هنا أنّ المكانة الاجتماعيّة المرتبطة بالعمل الذي نقوم به تتجاوز عادة حدود مؤسستنا، فمن الممكن أن يكون لمدير شركة أو رئيس جامعة مكانة اجتماعية عالية في المجتمع ككل بسبب منصبه المرموق في تِلك المؤسسة. وبالتالي يمكن للعمل الذي نقوم به أن يمثّل مصدرًا للتمايز الاجتماعي ومصدرًا للتكامل الاجتماعي في آن واحد. رابعًا، يمكن للعمل أن يكون مصدرًا مهمًا للهوية واحترام الذات وبالنسبة للبعض أيضًا يكون وسيلة وضرورةً لتحقيق الذات. حيث يؤمّن العمل إحساسًا بوجود هدف للأفراد ويُظهر قيمتهم أو مساهمتهم في المجتمع. كما قال المُفكّر فرويد منذ زمن طويل: يمكننا أن نرى بوضوح أنّ العمل يخدم عدة أهداف مفيدة من وجهة نظر الفرد. فهو يؤمّن درجة من الاكتفاء الاقتصادي الذاتي والتبادل الاجتماعي والمكانة الاجتماعية واحترام الذات والهوية. وبدون ذلك سيشعر الفرد غالبًا بالعجز وانعدام المعنى وبأنّه غير طبيعي، وهي حالة تسمى بالانعزال. بالإضافة إلى ذلك يرى الأفراد في العمل فُرصة جيّدة لإيجاد معنى أو مغزى للأنشطة اليومية التي ينجزونها ، هذا بالطبع إذا ما كان عملهم يشكّل تحدّيًا ويتطلّب منهم بذل جُهدٍ أو تسخير خبرة أو معرفة فيه، . وبالمقابل عندما لا يشعر الموظفون بضرورة بذل الجهد أو لا يبذلون جُهدًا كافيًا لإنجاز عملهم -نتيجة لكون العمل بسيطًا أو روتينيًّا أو لا يشتمل على مهام صعبة أو تتضمّن ما يكفي من التحدي- أو عندما لا يرون أي سبب لتكريس أنفسهم وطاقاتهم في عملهم، عندها ستتعرّض إنتاجية وفعالية المؤسسة للخطر. أثارت هذه الحقيقة قلقًا عامًا لدى المديرين فيما يتعلق بانخفاض الإنتاجية وقيمة العمل. في الواقع، دفع القلق المتزايد حول هذا الوضع الكثير من المديرين إلى اللجوء والاستعانة بمبادئ ومعايير العلوم السلوكيّة لمساعدتهم على حل الكثير من المشاكل المتعلّقة بالموظفين في العمل. ترجمة -وبتصرف- للفصل The Nature of Work من كتاب Organizational Behavior
  15. القسم الأول: أهلًا بالمدير الجديد! table { width: 100%; } thead { vertical-align: middle; text-align: center; } td, th { border: 1px solid #dddddd; text-align: right; padding: 8px; text-align: inherit; } tr:nth-child(even) { background-color: #dddddd; } قبل أن نبدأ إليك لمحة عمّا سنتحدّث عنه. بدأت للتو أحد أهم الأدوار في قطاع القوى العاملة، وتملك الآن أهم تأثير مباشر على الموظّفين، أساس كل مؤسسة. وسيتأثر نجاحهم وتطوّرهم بقيادتك، ولا شك أنّ ذلك قد يشكّل ضغطًا كبيرًا عليك. نميل في معظم الأحيان إلى التحدث عمّا يحتاجه الموظّفون من مدرائهم ليتألقّوا، وليس ما يحتاجه المدراء لمساعدتهم على تحقيق ذلك. لذلك أعددنا هذا الدليل الشامل للمدراء الجدد مثلك. لتتعلّم كيفية التحضير لدورك كبطل ولتكون القائد الذي حلمت دائمًا أن تكون مثله. أمامك فرصة مذهلة والكثير لتفعله، لكن كل ما عليك فعله الآن هو الاسترخاء وقراءة هذا الدليل. نظرة سريعة على القوى العاملة اليوم أثناء تحضيرك للدخول إلى قطاع القوى العاملة من منظور جديد، نود أن نطلعك قليلًا على وضعها الحالي. رغم تزايد عدد الشركات التي تبذل المزيد من الجهود لتحسين بيئة مكان العمل، كشفت شركة الاستشارات الإدارية والبحوث الإحصائية Gallup أنّ فقط 33% من الموظفين مندمجين في عملهم ومتحمسين لأداءه، مما يعني أنّ 67% من الموظفين غير مندمجين بحياتهم العملية اليومية. وفقًا لـ Gallup، فإنّ إدماج الموظفين خلال ال 16 سنة الماضية زاد بنسبة 7% فقط. وهي مشكلة كبيرة، لكن الخبر الجيد هو أنّ هناك طريقة لإصلاحها. ويبدأ ذلك بك. كما قالت ليندا هيل في كتابها Becoming The Boss: "يوجد عدد كبير من الكتب التي تتحدّث عن القادة الفعّالين والناجحين، لكن يشير عدد قليل منها إلى التحديّات التي تعيق تعلّم كيفية القيادة، خاصة بالنسبة للمدراء الجدد". لدينا نظرية ثؤثّر القيادة بشكل مباشر على مدى شعور الإندماج والإلتزام الذي يمتلكه الموظّف اتجّاه مؤسسته، سواء إيجابيًا أو سلبيًا. وفي الواقع يستقيل 75% من الموظفين بسبب مدرائهم. إذًا لماذا لا يولى اهتمام كافي بهذه الفترة الحرجة التي يبني فيها المدراء أساس مهاراتهم القياديّة؟ نؤمن بأنّ نقص الاهتمام بإعداد الموظفين لدورهم الجديد كمدير هو أحد أسباب ارتفاع مستويات المشاركة والاندماج بهذه الوتيرة البطيئة للغاية. الجانب الإيجابي من ذلك، هو أنّنا نعتقد أنّه إن قامت المؤسسات بتوفير الأدوات والدعم والموارد التي يحتاجها الموظفون للانتقال، فإنّنا يمكننا تغيير هذه النتائج. ويجب أن يبدأ التدريب على القيادة قبل البدء بالدور حتى. كيف أصبحت مديرًا؟ يوجد أكثر من طريقة لتصبح مديرًا، سواء تمت ترقيتك داخل شركتك أو عُيّنت مديرًا جديدًا في شركة جديدة، الأساس المشترك هو انّك في الحالتين في دقيقة كنت موظفًا عاديًا وفي الدقيقة التالية أصبحت مديرًا مع مجموعة من المسؤوليات والتحديات المختلفة تمامًا. فلنتعرّف معًا على شخص ما يدعي مريم، وهي كذلك مديرة جديدة مثلك تمامًا. كانت مريم مؤخّرًا الموظف النجم ضمن فريق التسويق في شركتها، وخلال السنتين الماضيتين أظهرت مجموعة قوية من المهارات والخبرة في مجالها ميّزتها عن باقي زملائها. خلال المراجعة السنويّة الثانية لمريم تمت ترقيتها لتصبح مديرة قسم التسويق في شركتها، ولسعادتها بالدور وبزيادة الأجر المصاحبة له قبلت به، وتستعد حاليًا للبدء بدورها الجديد. لماذا تمت ترقية مريم؟ يثق أصحاب الشركة بقدرة مريم على النجاح كمديرة لأنّها كانت موظّفة متميّزة. يبدو بعد سنتين من العمل الاستثنائي، أن الخطوة المنطقية التالية هي ترقيتها إلى مديرة. لكن يوجد خلل في ذلك يمكنك أن تصبح قائدًا عظيمًا فقط في حال بذلت جهدك لتحقيق ذلك: اسأل جميع الأسئلة التي تحتاجها فيما يتعلّق بطبيعة ومتطلّبات دورك. طوّر مهاراتك الاجتماعية وذكائك العاطفي. تأكد من أنّ هذه أفضل ترقية مناسبة لك. تأكد من أنّك ترغب بأن تقود فريقًا. المشكلة في الترقية الإدارة هي بحد ذاتها مهنة، وتتطلّب التحضير والتدريب والوقت لتُؤدّى بشكل صحيح. لمجرّد أنّ مريم كانت خبيرة في مجالها، هذا لا يعني أنها جاهزة لتصبح مديرة. يتطلّب أن تكون قائدًا مجموعة فريدة من المهارات، ولا يصلح ذلك للجميع خاصة لمن لا يملك الإرادة لتعلّم كيفية القيادة. مع ذلك وبسهولة عُرضت على مريم الترقيّة، مع زيادة في الراتب ومكتب وفريق. لكنّها أدركت بسرعة أنّها لا تعلم بشكل مؤكد ما الذي سيحدث لاحقًا. لديها فريق كامل يعتمد عليها لكن دون أي دليل عمّا يجب عليها فعله! مع خجلها من أن تطلب مساعدة أو توضيح، أصبحت مريم عالقة في حفرة. "هل تعلم كم من الصعب أن تكون أنت المدير عندما تكون خارجًا عن نطاق السيطرة! من الصعب التعبير عن ذلك. هو شعور مفاجئ… يشبه شعورك عندما يصبح لديك طفل. في يوم ما ليس لديك أي طفل، وفجأة في اليوم التالي أصبحت أمًّا أو أبًا، وعليك فجأة معرفة كيفية القيام بكل ما يتعلق بتربية هذا الطفل". مريم هي ليست الشخص الوحيد الذي يراوده هذا الشعور، وكذلك أنت. في استطلاعٍ قمنا بإجراءه وجدنا أنّ 53% من المدراء قالوا بأنّهم لم يراودهم الشعور بأنّ لديهم رؤية دقيقة عمّا يعنيه أن يكونوا مدراءً عندما بدأوا دورهم. لكن ليس على الأمر أن يكون بهذه الطريقة. سنقدّم إليك كل ما تحتاجه لتحضّر نفسك للنجاح منذ البداية. القسم الثاني: التحضير الآن بما أنّنا غطّينا الأساسيات، فلنبدأ بالتعّمق أكثر. 1. ما الذي يقوم به المدير؟ وفق معجم أوكسفورد المدير هو "شخص مسؤول عن التحكم أو إدارة مؤسسة أو مجموعة من الموظفين". لنكن صريحين، هذا التعريف لا يقدّم توضيحًا كافيًا. أن تكون مديرًا هو أمر معقّد، ومنصب يعتمد على العلاقات، وأيّ دور مرتبط بالطبيعة الإنسانيّة لا يمكن أن يتم اختصاره إلى تعريف واحد بسيط. الأمر الثابت على جميع الأصعدة هو أنّ دور المدير بشكل أساسي هو دعم وقيادة الأشخاص ليكونوا أفضل ما يمكن. لا يتعلّق الأمر بالسلطة أو التحكّم أو القوة، في الواقع إذا كنت في هذا المنصب من أجل المجد أو اللقب فإنّك لن تنجح في ذلك. "أن تكون مديرًا يعني أن تُخرج أفضل ما في الأشخاص، وهذا هو الأساس. هو دور غير أناني، ويضع الأشخاص أولًا ويحرّكه القلب، وهو يستحق كل ثانية من هذا التعقيد إذا كنت فيه من أجل الأسباب الصحيحة". لكلّ شركة توقّعات مختلفة، ولكلّ فريق مجموعة مختلفة من التحديّات، لكنّنا سنزوّدك ببعض من مسؤوليات المدير الرئيسيّة. "وفقًا لدراستنا، لم يتلقّ 40% من المدراء قائمة واضحة بالمسؤوليات عندما بدأوا". مسؤوليات المدير الرئيسيّة: تطوير ودعم وإرشاد وتشجيع ومكافأة الموظفين. التخطيط المستقبلي وتقييم المشاريع والمهام. تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح (بالمشاركة مع الموظفين). وضع الأهداف ومعايير الأداء. خلق بيئة عمل صحيّة من خلال تطبيق وصيانة أنظمة وسياسات العمل. التشبيك والعمل كحلقة وصل بين الموظفين والإدارة العليا. 2. الانتقال بسلاسة من موظف إلى مدير أهم ما عليك فهمه عن دورك هو أنّه تغيّر. هو ليس استمرار لدورك كموظف مستقل، ولا يعني "القيام بدورك الحالي بشكل أفضل". أن تكون مديرًا هو عمل جديد مختلف تمامًا. "أدركت فجأة أنّه يوجد الكثير من الأشياء التي لا أعرفها "، هي شكوى شائعة كما يقول مايكل واتكينس (Michael Watkins). سيكون لديك الكثير لتتعلّمه، لكن ذلك يجب أن يُقدّر نظرًا للفرصة العظيمة المتاحة أمامك. إنّ الانتقال من موظف مميّز إلى مدير يعني الانتقال: من متخصّص ومنفّذ. كانت مريم كموظفة مستقلّة غارقة في التفاصيل الدقيقة للعمل وخطوات إنتاجه المفصّلة. إلى عام وقائد أوركسترا أصبحت مريم كمديرة خارج عملية الإنتاج، وينصب تركيزها الآن نحو الصورة الأكبر بينما ترشد الموظفين للوصول إلى أهدافهم المهنيّة والشخصيّة. نصيحة سريعة: كيف تتخلّى عن التفاصيل: ركّز على "ما" يجب القيام به، و"متى" يجب الانتهاء منه، واترك تفاصيل "كيف" سيتم ذلك لكل شخص. أحد التحديّات التي قد تواجهها خلال هذا الانتقال هو وضع حد صارم لعاداتك القديمة كموظّف منفرد. قد تكون غريزتك الأولى هي القفز إلى العمل مع فريقك وإصلاح أو حتى إعادة ما قاموا به للوصول إلى النتائج المرجوّة، لكنّك ستدرك سريعًا أنّ ذلك غير مستدام. ما يعنيه أن تكون مديرًا هو أن ترشد فريقك للوصول إلى الأهداف ليتمكّنوا هم من القيام بذلك بشكل مستقل. يقول لويس بريدجمان مدير قسم تطوير البرمجيات في SAP:"أكبر فكرة خاطئة تلقّيتها عن دوري الجديد كانت من توصيف عملي. كنت سرعان ما اقترح نفسي كحل لكل مشكلة اعترضت طريقي. هل يواجه أحد ما صعوبة في تعلّم تقنية جديدة؟ يمكنني أنا تعليمه ذلك، هل تجاوز نطاق المشروع قدرة الفريق؟ يمكنني أنا الانضمام إليهم وموازنة المعادلة. لكنّني الآن يمكنني أن أقول أنّ عملي لم يعد تصحيح الأشياء، بل إرشادها وإدارتها". 3. انتقل إلى عقلية المدير يتطلّب الانتقال من "متخصّص" إلى "عام" تحوّلًا كبيرًا في تفكيرك وعقليتك. كان تركيزك كموظف منفرد ينصب على أدائك ونجاحك الفردي، أن تكون قائدًا هو دور يتطلّب منك أن تضع احتياجات وتطوّر الآخرين قبل احتياجاتك وتطوّرك. لم يعد الأمر يتعلّق بك، لكن ذلك هو جمال هذا العمل. مشاهدة نمو وتعلّم ونجاح الآخرين كنتيجة لقيادتك سيعطيك إحساسًا قويًّا بالنجاح أكبر من أي إحساس راودك كموظف منفرد. وسيقاس نجاحك الشخصي الآن بمقدار نجاح فريقك وتطوّر أفراده مهنيًا. **اعتنِ بنفسك: فعندما ينطلق جهاز الإنذار في الطائرة، تضع قناع الأوكسجين عليك أولًا قبل أن تبدأ بمساعدة الأشخاص المجاورين لك. يمكن للتأمّل مساعدتك على تخفيف التوتر وخلق المزيد من الوضوح داخلك.** عقليات المدير عقلية المدير الخدمي عقلية النمو عقلية الإنسان ركّز على احتياجات الآخرين قبل احتياجاتك الخاصة وتقبّل أنّ نجاحك هو نجاح الفريق. وهي مقاربة تبدأ من الأسفل إلى الأعلى، بدلًا من الطريقة التقليدية (من الأعلى إلى الأسفل). وفكّر بتقديم الإرشاد الداعم والمفيد عوضًا عن الأوامر. شجّع فريقك ليكون فضوليًا وليتعلّم باستمرار وليتجاوز حدوده. سيساعدهم ذلك على البقاء مندمجين ومبدعين وعلى تحقيق نتائج رائعة. أن تكون مديرًا لا يعني أن تكون إنسانٍا خارقًا، بل إنّه واحد من أكثر الأدوار التي تعتمد على كونك إنسانًا طبيعيًا. كن صادقًا مع فريقك واسمح لنفسك أن تكون هشًا أمامهم، فكلّما كنت حقيقيًا معهم، كانوا كذلك حقيقين أكثر معك. احتضن الاختلافات: تجنّب موازنة نقاط ضعف موظّفيك ونقاط قوتهم بنقاط ضعفك وقوتك الشخصيّة. لا تتدخّل: حدّد مواعيد تسليم واضحة، لكن اترك كيفية القيام بذلك لفريقك. اسألهم، لا تخبرهم: اطرح أسئلة أكثر من تقديم أجوبة لتساعد الموظفين على التعلّم. فكّر إلى الأمام: توقّع التحديّات والحواجز القادمة. اصغِ إلى حدثك: غرائزك غالبًا صحيحة. كن صبورًا مع نفسك: أنت جديد على هذا، لا تكن قاسيًا مع نفسك وحاول أن تستمتع. 4. لا تخجل واطلب المساعدة تُرقّي العديد من الشركات الموظفين إلى دور قيادي للأسف معتقدين أنّهم سيكتشفون ما عليهم فعله تلقائيًا لأنهم ببساطة كانوا رائعين في تأدية جميع المهام الأخرى، إنّ ذلك كالاعتقاد بأنّك لمجرّد قدرتك على قيادة دراجة هوائيّة لن تواجه مشكلة في قيادة دراجة ناريّة. نعم، يوجد القليل من الاستمراريّة لكن الأساس مختلف تمامًا ما بينهما. لذا ضع أي غرور أو خوف داخلك جانبًا وأطلب التوضّيحات والموارد التي تحتاجها لتبدأ بالشكل الصحيح. فكلّما فهمت وحضّرت لدورك بشكل أفضل وسلّحت نفسك بالمعدّات التي تحتاجها للانطلاق بسلاسة، زاد احتمال نجاحك ونجاح فريقك. ستشكر نفسك في المستقبل على ذلك. قائمة التحقق لتحضير المدراء الجدد قال 66% من المدراء في استطلاعنا أنّهم لم يتلقّوا أي تدريب أو إرشاد قبل البدء بدورهم كمدراء. اطلب مدرّب قيادة: لا تصبح قائدًا ناجحًا بشكل تلقائي دائمًا، فذلك يتطلّب عملًا. إذا أردت أن تدرّب فريقك بشكل صحيح، تحتاج أنت أيضًا إلى مدرب. جد موجّهًا من داخل الشركة: ابحث عن مدير آخر يمكنك الاستعانة به لمناقشة دورك وما عليك توقّعه وكيف ستتعامل مع التحديّات التي ستواجهك، فامتلاك شبكة داعمة هو مفتاح نجاحك. اطلب قائمة واضحة بالأدوار والمهام: استخدم هذا القالب واملأه مع مديرك والموارد البشرية ليصبح لديك توجّهًا واضحًا، ثم استعد لتقوم بذات الأمر مع كل فرد في فريقك. تعرّف على الوضع الحالي للفريق الذي ستديره: اعقد اجتماعات فرديّة مع موظفيك الجدد لتتعرف على التحديات التي يواجهها الجميع وأسلوب عملهم قبل أن تبدأ عملك فعليًا. إنّ استخدام أسلوب قيادة مختلف مع كل موظف بما يناسبه هو طريقة رائعة كذلك. القسم الثالث: الكشف عن الخرافات في الإدارة انسَ كل ما تعتقد أن تعرفه عن منصبك، سنوضّح لك أشيع المفاهيم الخاطئة عن الإدارة، حتى لا تبقى أي مفاجآت كبيرة أمامك. الخرافة الأولى: الاستقلالية مقابل الترابط كان لدى مريم اعتقاد خاطئ بأنّها كونها أصبحت مديرة سيعني ذلك امتلاك حرية واستقلالية ذاتية أكبر لتفعل ما تشعر بأنّه الأفضل للشركة. كان تركيزها منصبًّا على الامتيازات والسلطة التي تأتي مع اللقب، معتقدة أنّها وأخيرًا لن تصبح بعد الآن مجبرة على تنفيذ أوامر الآخرين الغير منطقية. أن تكون مديرًا يعني في الواقع أنّه أصبح لديك استقلالية ذاتية أقل مما كان لديك عندما كنت موظفًا منفردًا، لأنّ الآن لديك فريقًا ومديرًا أعلى منك كذلك، وهو ما يدعى ب "الساندويش". لم تعد مهمتك الآن القيام بعملك باستقلالية، إنّما مساعدة فريقك بالكامل على الوصول إلى أهدافهم، مع تحقيق توقّعات الإدارة العليا. فعليك أن تدير على كلا المستويين الآن، الأعلى والأدنى. هو عمل يتطلّب من مريم ارتداء قبعات عديدة، فهي لم تعد بعد الآن "تابعة"، بل أصبحت "تابعة ومساوية ومتفوّقة"، وما زال لديها مديرًا أعلى منها، وهي كذلك الآن مديرة. هو عمل يتطلّب الموازنة ما بين ثلاث "قبّعات" ويستغرق وقتًا لفهمه، لكن أول خطوة للتمكّن منه هو توقّعه وفهم أنّ طبيعة هذا العمل ليست فقط إعطاء الكلمة الأخيرة والموافقة فقط. وإيجاد الوقت للموازنة بين هذه المهام سيأتي مع الوقت والخبرة. الخرافة الثانية: التحكّم مقابل الالتزام الآن وبما أنّك فهمت أنّ أساس عملك هو إدارة وموازنة العلاقات، ستطّلع الآن على كيفية القيام بذلك بنجاح. كان لدى مريم مفهوم خاطئ أنّها الآن ستتحكم بموظفيها ببساطة لأنّها الآن المديرة. لكن الاعتقاد أنّ الموظفين سيستمعون لها لأنّ عليهم ذلك هو خرافة، وكذلك الاعتقاد أنّ نجاحها في هذا الدور يعني المحافظة على هذا التحكّم. النجاح هو ليس قيام موظفيك بما طُلب منهم لأنّ عليهم القيام ذلك، النجاح هو التزام موظفيك بمسار عمل لأنّهم يؤمنون بك، وأنّهم مقتنعون تمامًا برؤيتك وقدرتك كقائد. خلاصة القول هو أنّ النجاح يأتي من التواصل وليس من الأوامر، ومصداقيتك كقائد لها علاقة ضئيلة للغاية مع السلطة الرسمية المعطاة لك. 10 طرق لكسب احترام وثقة فريقك كن شفافًا مع الدوافع والأهداف. اظهر شخصيتك ونيتك للقيام بالأمر الصحيح لفريقك. ضع احتياجات الفريق قبل احتياجاتك الخاصة. ساعد الموظفين على النمو بالسماح لهم بالتجربة والتعلم والفشل دون خوف. ثق بموظفيك تلقائيًا، ولا تجعلهم يشعرون بأنّ عليهم كسب ثقتك. اسمح لنفسك أن تكون هشًّا أمامهم واعترف بأخطائك. استخدم كلمات شمولية مثل "نحن" لتظهر أنّك جزء من الفريق، وليس أعلى منه. اطلب الحصول على تعليقات وملاحظات، واعمل بسرعة على تغيير ما يلزم. كن على طبيعتك، يستجيب الأشخاص بشكل أفضل مع المصداقية. كن منفتحًا على التعلّم من فريقك، يمتلك كل شخص شيء ما لتتعّلمه منه. تدوم الانطباعات الأولى طويلًا، هدّأ فريقك بتواضع من خلال "سؤالهم" وليس ب"إخبارهم"، تعرّف على موظفيك واسمح لهم بالتعرف عليك، ووضّح لهم أنّك موجود لتكون جزء من الفريق وليس من أجلك. الخرافة الثالثة: المهارات التقنيّة مقابل المهارات الاجتماعيّة مريم متأكدة أنّ الأشخاص سيثقون بتوجيهاتها بسبب خبرتها، لأنّ المهارات والقدرات التقنيّة هي التي ستساعدها على إيجاد النجاح في دورها الجديد. إنّ مهاراتك الصلبة ستأتي الآن في المرتبة الثانية بعد مهاراتك اللينة. ما يهم أكثر هو قدرتك على مساعدة فريقك على بناء خبراتهم الشخصيّة وليس القيام بالعمل عنهم. يريد الموظفون التعلّم والنمو، لا أن يتم الحفاظ عليهم كما هم. بل إنّ التدخل واستخدام مهاراتك سيعده بعض الموظفون في الواقع نوع من الإدارة المصغرّة. بما أنّ أساس دورك الجديد يعتمد على العلاقات، فإنّ المهارات المطلوبة لتنجح كمدير هي مهارات تعتمد على الإنسان. لتكون فعّالًا عليك أن تكون منفتحًا على تعلّم المزيد عن نفسك ونقاط القوة والضعف العاطفية لديك. يتطلّب الأمر انضباطًا والتزامًا. إذا التزمت بالتعلّم الذاتي وتغذية ذكائك العاطفي، ستبني القدرة على مساعدة الآخرين على النجاح. حاول بناء قدرتك على التعاطف من خلال التمرن عبر المواقف اليوميّة. على سبيل المثال، فكّر بوجهة نظر مختلفة عن وجهة نظرك وتوصّل إلى دليل قوي يدعمها، حتى وإن لم تغيّر وجهة نظرك، فإنّ ذلك تدريب قيّم على التفكير النقدي. مجالات الذكاء العاطفي الخمسة وفق دانييل غولمان: الوعي الذاتي: معرفة وفهم مشاعرك. التنظيم الذاتي: إدارة عواطفك والقدرة على التفكير قبل التصرف. التحفيز الداخلي: وضع أهداف وتشجيع نفسك على تحقيقها. التعاطف: إدراك وفهم مشاعر الآخرين. المهارات الاجتماعية: بناء العلاقات والتعامل معها، والتعاون وإدارة النزاعات. الخرافة الرابعة: مركز المسرح مقابل ما وراء الكواليس اعتقدت مريم أنّها ستبقى في مركز الساحة تحت الأضواء، بل حتى بشكل أكبر كونها أصبحت المديرة، وتطلّعت لتتلقى تقديرًا أكثر من أي وقت سبق! النجاح الحقيقي للمدير هو في الخروج من تحت الأضواء والانتقال إلى خلف الكواليس! يعني ذلك إرشاد الفريق من المرتبة الأقل إلى الأعلى وتحويل التقدير الذي اعتاد على تلقيّه إلى الآخرين. ويسعد القائد العظيم بالسماح للآخرين بالتألّق ويدرك أنّ نجاحه هو انعكاس لإنجازات الفريق. نصيحة سريعة: كيف تظهر التقدير لموظّفيك: اظهر تقديرك عبر مشاريع أو حوافز محدّدة. اظهر تقديرك لهم علنًا لتبني جوًا إيجابيًا داخل الفريق. شجّع موظفيك على تقدير جهود بعضهم البعض لبناء العلاقات فيما بينهم. قدّم مدحك في أقرب وقت ممكن بعد الحدث الذي جعلهم يستحقّون هذا التقدير. كيف تقيس نجاح ما خلف الكواليس قد يكون غير ملموسًا في بعض الأحيان، لكنّه دائمًا سيكون عظيمًا. عامل الفضول: يقيس المدرّس نجاحه من خلال جودة أداء طلابه، ومن خلال الأسئلة التي يطرحونها في الصف ورغبتهم بتعلّم المزيد. وفي مكان العمل، رؤية موظّفيك يقومون بتجربة مبادرات جديدة وتحدّي الأفكار وطرح أسئلة من خارج الصندوق، هي علامة رائعة لنجاحك! فهذا يعني أنّك أزلت الخوف من مهامهم اليوميّة. ويزدهر الفضول والإبداع بشكل أفضل في البيئات التي يشعر فيها الأشخاص بالأمان ليحلموا أحلامًا كبيرة وليفشلوا دون خجل. روح التعاون: يقيس مدرب الرقص نجاحه بمدى تماسك أداء فريقه ككل وليس كأفراد. القوة الذهنية هي دائمًا أقوى عندما تكون جماعية، لذلك فإنّ الفريق الذي يدعم بعضه البعض ويعمل معًا بتناغم هو أكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل من الفريق الذي يعمل بانفراد. مساعدة الموظفين على خلق روابط فيما بينهم من خلال إنشاء ثقافة من الثقة والاحترام والشفافيّة سيضمن تحقيق النجاح. حاول عقد اجتماعات شهرية يمكن للموظفين خلالها مشاركة مشاعرهم عمّا تم تنفيذه بشكل جيد وعمّا يمكن تحسينه. أحسنت تمكّنت من إنهاء الدليل! يمكنك دائمًا العودة إليه متى ما احتجت ذلك، سنكون دائمًا هنا لمساعدتك. ترجمة -وبتصرف- للمقال: New Managers: The Complete Guide لصاحبته Alison Robins.