نموذج عن السلوك التنظيمي والإدارة


وهيبة مغربي

ما هو دور العلوم السلوكيّة في الإدارة والمؤسسات أو المنظمات؟ أحد مسؤوليات المدراء الرئيسية –وربما أهمها- هو جعل المؤسسات تعمل بفعالية وكفاءة. لكن تحقيق الأداء الفعّال ليس بالمهمة السهلة، كما قال نادلر Nadler وتوشمان Tushman:

اقتباس

على الرغم من أن فهم سلوك فرد واحد يشكل بحد ذاته تحديًا، فإن فهم مجموعة مؤلفة من أفراد مختلفين وإدراك العلاقات المتعددة فيما بينهم وتنسيقها وتنظيمها هو أكثر تعقيدًا ويشكل تحدّيًا أكبر. فتخيّل التعقيد المرعب لمؤسسة كبيرة مكونة من آلاف الأفراد ومئات المجموعات مع علاقات لا تُعد ولا تُحصى فيما بينهم.

لكن على الرغم من هذه الصعوبة، على المؤسسات أن تُدار بشكلٍ أو بآخر. أكمل نادلر وتوشمان قائلين:

اقتباس

يُنجز عمل المؤسسة بشكل أساسي من خلال الأشخاص، سواءً بشكل فردي أو جماعي، بمفردهم أو مع استخدام التكنولوجيا. لذلك فإن إدارة السلوك التنظيمي هي متطلّب أساسي من متطلبات الإدارة – وهي مهمة تتضمن القدرة على فهم أنماط سلوك الأفراد والمجموعات والمؤسسات، لتوقع ما هي الاستجابات السلوكية التي ستثار وتنعكس نتيجة للأفعال الإدارية المختلفة، وأخيرًا استخدام هذا الفهم والتوقعات لضبط المؤسسة والتحكّم بأداء الأفراد فيها بشكل فعّال.

يُنجز العمل في المجتمع بشكل كبير من خلال المؤسسات، ودور الإدارة هو الحرص على تأدية المؤسسات لهذا العمل، وبدونها فإنّ عجلة تطوّر المجتمع ستتعثر وسرعان ما ستتوقف.

ما هو السلوك التنظيمي؟

دراسة سلوك الأشخاص داخل المؤسسات هو ما يشار إليه عادة على أنّه السلوك المؤسساتي، التركيز هنا هو على توظيف ما يمكننا تعلّمه من العلوم السلوكيّة والاجتماعية لنتمكن من فهم وتوقّع السلوك البشري ضمن بيئة العمل بشكل أفضل. ندرس هذا السلوك على ثلاث مستويات – الفرد والمجموعة، والمؤسسة ككل. في الحالات الثلاثة جميعها، نسعى إلى تعلّم المزيد عن الأسباب الكامنة والدوافع وراء نمط سلوك الأشخاص –فرديًا أو جماعيًا- داخل بيئة عمل المؤسسة. ما الذي يحفّز الأفراد؟ ما الذي يجعل بعض الموظفين قادة والآخرين لا؟ لماذا تميل المجموعات عادة إلى معارضة صاحب عملهم أو مديرهم؟ كيف تستجيب المؤسسات للتغيرات في بيئة العمل المحيطة بها؟ كيف يتواصل الأشخاص ويتخذون القرارات؟ تمثّل أسئلة كهذه صُلب وأساس فهم مجال السلوك التنظيمي وهي محور تركيزنا في هذا الكتاب.

يمكننا إلى حد كبير الاستفادة وتوظيف المفاهيم والاستراتيجيات التي توصّلت إلى العلوم السلوكية مثل علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانيّة الحضاريّة. يمكننا بالإضافة إلى ذلك، التعلّم من العلوم الاقتصاديّة والسياسيّة، فجميع هذه المجالات تتعرّض وتتطرّق إلى أوجه سلوكية مختلفة للعمل داخل المؤسسات. لكن ما يميّز مجال السلوك المؤسساتي عن المجالات السابقة هو تركيزه في تحليلاته واستراتيجياته بشكل خاص على المؤسسة (أكثر من تركيزه على الفرد) (انظر إلى الشكل 1.8). لذلك إذا أردنا دراسة وتحليل مشكلة مثل كيفية تحفيز الموظفين، يمكننا الاستفادة من النظريات الاقتصادية عن هيكلة الأجور في مكان العمل، ويمكننا كذلك الاستفادة من نظريات علم النفس عن الدوافع والحوافز النفسية كونها تتعلق بالعمل أيضًا،في حين يمكننا توظيف علم الاجتماع في تحليل الدوافع والعوامل الاجتماعية المحيطة بالفرد والتي قد تؤثّر على سلوكه، ويمكننا أيضًا استخدام الدراسات الأنثروبولوجيّة التي تُعنى بالتأثيرات الثقافية والحضارية على أداء الفرد. إنّ هذا التنوّع الكبير في مجالات العلوم التي تساهم في السلوك التنظيمي هو ما يجعل منه مجالًا تطبيقيًّا فريدًا من نوعه. من خلال تحليلاتنا، نهتم دائمًا بالتأثيرات الإدارية وبتأثيرات ما نتعلمه من العلوم السلوكية على جودة العمل وأداء المؤسسات، ليتمكن مديرو المستقبل من تطوير مؤسسات أكثر اعتمادًا على الأفراد وأكثر تنافسيّة في المستقبل.

Origins of Organizational Behavior.png

الشكل (1.8): أصول السلوك التنظيمي. (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0)

لتبسيط دراسة السلوك المؤسساتي، سنميّز ما بين نمطين من السلوك هما السلوك التنظيمي المصغّر والسلوك التنظيمي الشامل. يُعنى السلوك التنظيمي المصغر بشكل رئيسي بسلوك الأفراد والمجموعات، بينما يُعنى السلوك المؤسساتي الشامل (والذي يُسمّى أيضًا نظرية المؤسسة) بقضايا على مستوى المؤسسة ككل، مثل تصميم المؤسسة والعلاقات ما بين المؤسسة ومحيطها. على الرغم من أنّ تصنيفنا للسلوك في المؤسسات إلى مصغر وشامل سيكون مفيدًا لنا في دراسة وتحليل السلوك المؤسساتي، إلا أنه من المهم أن نتذكر دائمًا أنّنا لا بُد من أن نلقي نظرة شاملة إلى السلوك المؤسساتي وندمج هذين المنظورين معًا حتى تتسنى لنا فُرصة وضع استراتيجية شاملة للمؤسسة ككل، فمثلًا قضايا مثل طبيعة هيكلية المؤسسة وتصميمها يمكن أن يؤثر على سلوك الموظفين ومدى حماسهم واستعدادهم للعمل. لذلك، بإبقاء هذين المنظورين منفصلين نخسر معلومات قيّمة يمكنها مساعدتنا على فهم كيفية إدارة المؤسسات بشكل أفضل.

أسس ودعائم المؤسسات

إنّ فهم سلوك الأفراد في العمل هو أمر أساسي لإدارة المؤسسة بفعالية، ومن الواضح أنّ هناك العديد من العوامل التي تشترك لتحدّد طبيعة هذا السلوك وتأثيراته وتداعياته على المؤسسة. لفهم مصدر هذه العوامل وخصائصها من الضروري امتلاك نموذج واضح ينظّم ويبسّط المتغيرات التي تلعب دورًا في تحديد تلك العوامل، لذا نقدم نموذجًا مماثلًا مُنظّمًا من أجل أن يعمّق فهمنا خلال دراستنا لهذا الموضوع. يمكن أن يقسم هذا النموذج إلى قسمين (انظر إلى الشكل 1.10):

Model of Management and Organizational Behavior.png

الشكل (1.10): نموذج عن الإدارة والسلوك التنظيمي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

القسم الأول هو التعرّف بشكل مبسّط على مدخلات وُمخرجات المؤسسة. حيث تتلقى المؤسسات مدخلات من بيئة العمل الخارجية على شكل رأس مال، ومواد خام وعمال ودعم من المجتمع والحكومة وإلى ما هنالك. في حين تتمثّل مُخرجات المؤسسة بعدّة أمور بما في ذلك: (1) تحقيق أهداف المؤسسة – (2) أداء وفعالية المجموعة – (3) أداء الفرد وفعاليته. لذلك فإنّ المؤسسات والأفراد العاملين فيها مصالح جميع الأطراف المُشتركة والمعنية بالمؤسسة (من زبائن وموردين وأصحاب أسهم) هي بحالة من التقلّب والتقدّم المستمر، من استقبال المدخلات من المحيط وتحويلها وتسخيرها وتوظيفها ومن ثم إعادتها على شكل سلع وخدمات نهائية، وعائدات إلى أصحاب الأسهم ورواتب الموظفين، بمعنى آخر تكون بيئة المؤسسة بمثابة نظام ديناميكي يتقلّب بشكل دوري ومستمر.

القسم الثاني من النموذج هو المؤسسة ذاتها بأقسامها وأركانها. إنّ الطريقة الوحيدة لفهم تعقيد المؤسسات هو النظر إليها ببساطة على أنّها مجموعة من وحدات بناء تتضمن:

  • الأفراد والجماعات: المؤسسات هي مجموعات من الأفراد والجماعات التي تعمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة. يتمتّع أعضاؤها بخلفيات وتوجّهات وقدرات ومهارات متنوعة ودوافعوطموحات مختلفة. وضمن سياق المؤسسة، يجب عليهم التواصل واتخاذ القرارات وإظهار قدراتهم القيادية والتعامل مع السلطة وسياسات المؤسسة بشكل صحيح أثناء تنفيذهم للمهام الموكلة إليهم.

  • المهام والتكنولوجيا: بالإضافة إلى الاختلافات بين الأفراد والمجموعات، يجب أن ندرك كذلك وجود الاختلافات في تكنولوجيا وآلية العمل في المؤسسة. بمعنى آخر كيف يُنجز العمل فعليًا؟ تشمل التكنولوجيا الطبيعة الفعلية للوظائف والأدوات والتقنيات المستخدمة في التصنيع (مثل الروبوتات وأنظمة التشغيل).

  • تصميم المؤسسة: وضع هذه العوامل معًا – الأفراد والمجموعات والمهام- هو محور تصميم المؤسسة. بمعنى كيف يمكننا هيكلة المؤسسة بحيث تتمكن من تنسيق وضبط سلوك الموظفين بفعالية وكفاءة لتسهيل الأداء؟

  • العمليات والإجراءات التنظيميّة: بالإضافة إلى الأفراد والآليّات والهيكلية، هنالك عاملٌ مهم إضافي وهو مجموعة العمليات التنظيمية، مثل القيادة والتواصل واتخاذ القرارات والسلطة والسياسات وإلى ما هنالك. تحدّد هذه العمليات طبيعة ونوعية العلاقات بين الأفراد والمجموعات، وبالتالي تؤثر على أداء المؤسسة النهائي بشكل كبير.

  • الإدارة: وأخيرًا، العامل الأهم والذي يجمع كل وحدات البناء المؤسساتية السابقة تحت سقفٍ واحد ألا وهو طبيعة الإدارة. سنرى خلال هذا الكتاب أمثلة كثيرة عن كيف تحدد فعالية وبراعة الإدارة نجاح أو فشل المؤسسة، وسنأخذ وجهة نظر الإدارة كذلك خلال دراستنا للسلوك التنظيمي.

لقد مالت معظم الأوساط المؤسساتي إلى لتمييز ما بين مفهوم القيادة ومفهوم الإدارة. وعلى الرغم من أنّهما ليسا متطابقين، لكنهما بدون شك مترابطان ومكمّلان لبعضهما البعض، وأي محاولة للفصل بينهما ستولّد مشاكل إضافية بدلًا من حلّها، ومع تطوّر عالم إدارة الأعمال تغيّر مفهوم القيادة والإدارة . أدى ظهور مصطلح "عامل المعرفة" - وهم أشخاص تتضمن وظيفتهم التعامل مع المعلومات أو استخدامها- إلى إحداث اختلافات عميقة في الطريقة التي تنظّم بها المؤسسات، فلم تعد المهمة هي إدارة الأشخاص بل قيادتهم وأصبح الهدف الأساسي هو الاستفادة من نقاط المعرفة والخبرة والقوة لكل فرد وتوظيفها الهدف .

ستشكّل هذه المتغيرات الخمسة المكونات والدعائم الرئيسية لهذا الكتاب. وسنتطرّق إلى كل عُنصر من هذه العناصر بشكل متتابع ومتسلسل، بدءاً من سلوك الأفراد إلى سلوك المجموعات، انتهاءً بتصميم وهيكلية المؤسسة، وعلى هذا الأساس سنسلّط الضوء على العديد من العمليات التنظيمية المؤسساتية المهمة. أخيرًا، سنخطو خطوة إلى الأمام ونستشفُّ مُتطلبات المُستقبل المُحتملة ونستعرض أفضل الطُرق التي ستمكّن المؤسسات من النمو وتطوير قواها العاملة وقواعد المؤسسة المُستقبلية ككل، مستعينين بمُختلف النظريات والنتائج البحثية والعملية على أرض الواقع.

ترجمة -وبتصرف- للفصل A Model of Organizational Behavior and Management من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن