الاختلافات الثقافية في المؤسسة


وهيبة مغربي

كيف تدير وتعمل مع أشخاص من ثقافات مختلفة؟

الموضوع الأخير الذي سنناقشه في هذا الفصل هو دور الثقافة والتنوع الثقافي في السلوك المؤسساتي. يمكن تحليل التنوع الثقافي بعدة طرق، على سبيل المثال، يمكننا مقارنة التنوع الثقافي ضمن البلد الواحد أو الشركة الواحدة أو مقارنة الثقافات ما بين البلدان أو الشركات. يعني ذلك أنّه يمكننا مثلًا النظر إلى داخل شركة معينة في أمريكا الشمالية ورؤية مَن مِن موظفيها من عرق آسيوي أو أفريقي أو لاتيني أو من الهنود الحمر …إلخ، وطبعًا لهؤلاء الأفراد خلفيات ثقافية مختلفة ومرجعيات وتقاليد مختلفة. أو يمكننا النظر بشكل أكثر شمولية وموازنة شركة أمريكية تقليدية مع شركة مكسيكية أو إيطالية أو صينية، والنظر أيضًا إلى الاختلافات الثقافية الكبيرة فيما بينها.

يمكننا أيضًا تحليل التنوع الثقافي بالنظر إلى أنماط السلوك المختلفة. على سبيل المثال، كثير ما يتساءل الأمريكيون لماذا ينحني رجال الأعمال اليابانيون أو الكوريون عند لقائهم دائمًا، فذلك يبدو غريبًا بالنسبة للبعض. وبالمثل يتساءل الكثير من الآسيويين عن سبب مصافحة الأمريكيين لبعضهم باستمرار، فهو سلوك غريب بالنسبة لهم. يشتكي الأمريكيون عادة من أن المدراء التنفيذيون اليابانيون كثيرًا ما يقولون "نعم" في حين أنّهم يعنون شيئًا آخر، في حين يدّعي اليابانيون أنّ الأمريكيين كثيرًا ما يقدّمون وعودًا عن أشياء يعلمون أنّهم غير قادرين على تحقيقها. تنجم الكثير من هذه الاختلافات عن نقص في فهم الثقافات المختلفة وكيف تؤثر على السلوك داخل وخارج مكان العمل. ومع تزايد اندماج الأسواق والاقتصاديات العالمية بشكل، أصبح من المهم أن نفهم أكثر الاختلافات الثقافية المؤثرة في عالمنا.

ما هي الثقافة

يمكن تعريف الثقافة بشكل مبسّط على أنّها: "برمجة العقل الجمعي التي تميز أفراد مجموعة من البشر عن مجموعة أخرى، والمجموعة التفاعلية من الخصائص المشتركة المؤثرة على استجابة مجموعة من البشر لبيئتها". وإن أردنا توخي الدقة في التعريف، فيمكننا القول بأن الثقافة هي "العقلية الجماعية للأشخاص"، وخصائصهم الفريدة. وعلى هذا النحو فالثقافة هي:

  • مشتركة بين جميع أو معظم أفراد المجتمع الواحد.
  • يحاول الأفراد الأكبر سنًا نقلها إلى الأفراد الأصغر سنًا في المجتمع.
  • ترسم رؤيتنا للعالم.

يمثل مفهوم الثقافة طريقة سهلة لفهم سلوك وتوجّه مجموعة من الأشخاص في بيئة اجتماعية واحدة، وإن كان ذلك على مستوى سطحي. لذلك نقول الثقافة الصينية أو الثقافة الأمريكية. وبالمقابل فإن ذلك لا يعني أنّ جميع أفراد حضارة معينة يتصرفون بنفس الطريقة تمامًا، على العكس، كل ثقافة تملك تنوعها الخاص، لكن يميل أفراد حضارة معينة إلى إظهار أنماط سلوكية متماثلة تعكس المكان والكيفية التي نشؤوا بها. إنّ معرفة أنماط سلوك ثقافة معينة سيساعدنا في التعامل مع أفرادها.

تؤثر الثقافة على مكان العمل لأنّها تؤثر على ما نفعله وعلى كيفية تصرفنا. كما يظهر في الشكل (2.4)، تؤثر المتغيرات الثقافية على قيمنا، والتي بدورها تؤثر على مواقفنا وفي نهاية المطاف على سلوكياتنا. على سبيل المثال، الثقافة التي تتميز بالعمل الجاد (مثل الثقافة الكورية التي ناقشناها أعلاه) ستظهر قيمة أو خُلق العمل الجاد. سينعكس خُلُق العمل هذا على شكل مواقف إيجابية تجاه العمل ومكان العمل، حيث سيكون بعتقاد الأشخاص أنّ العمل الجاد مفيد ومصدر للرضا- وقد يشعرون أنّهم ملتزمون تجاه صاحب عملهم ويشعرون بالخزي في حال لم يعملوا لساعات طويلة. سيؤدي هذا بدوره إلى مستويات عالية من العمل، وهذا السلوك سيعزز كذلك هذه الثقافة وقيمها، وهكذا دواليك.

Relationship of Culture to Values, Attitudes, and Behavior.png

الشكل (2.4): علاقة الثقافة بالقيم والمواقف والسلوك (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

لفهم كيف يعمل ذلك، يمكنك النظر إلى نتائج دراسة استقصائية عن السلوك الإداري قام بها باحث فرنسي يدعى أندريه لورنت Andre Laurent. سأل فيها مدراء عن مدى أهمية امتلاكهم لأجوبة دقيقة على أسئلة موظفيهم. تظهر النتائج، المعروضة في الشكل (2.5)، بوضوح كيف يمكن للثقافة التأثير على أدق السلوكيات والتصرّفات الإدارية الصغيرة. في بعض الدول، يتحتّم على المدير معرفة الإجابة (حتى عندما لا يعرفها فعليًا)، في حين في دول أخرى قد لا يُشكل معرفته أو عدم معرفته للإجابة فرقًا. لذلك إذا أردنا أن نفهم سبب قيام شخص ما بتصرف محدد في مكان العمل، علينا أن ندرك أنّ جزءًا من سلوكه على الأقل سيكون متأثرًا بخلفيته الثقافية.

Appropriate Managerial Behavior in Different Countries.png

الشكل (2.5): السلوك الإداري المناسب في دول مختلفة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

أبعاد الثقافة

هناك عدة طرق لتمييز الثقافات المختلفة عن بعضها البعض. حدّد كلوكون Kluckhohn وسترودتبيك Strodtbeck ستة أبعاد تساعد على فهم هذه الاختلافات، وهي:

  1. كيف يرى الأشخاص الإنسانية. هل الأشخاص في الأساس جيدون أم سيئون؟ هل يمكن الوثوق بمعظم الأشخاص أم لا؟ هل معظم الأشخاص صادقون؟ ما هي حقيقة الطبيعة البشرية؟
  2. كيف يرى الأشخاص الطبيعة. ما هي العلاقة الصحيحة بين البشر والطبيعة؟ هل يجب أن يكونوا على تناغم مع الطبيعة أم عليهم أن يحاولوا السيطرة عليها أو تسخيرها؟
  3. كيف يتعامل الأشخاص مع العلاقات الشخصية؟ هل ينحصر التركيز على الفردية أم العضوية في مجموعة؟ هل الفرد أكثر أو أقل أهمية من المجموعة؟ ما هو نظام الاختيار في المجتمع؟ هل يعتمد على الأقدمية أم على الثروة والسلطة؟
  4. كيف يرى الأشخاص النشاط والإنجازات؟ أيّهما أكثر أهمية: النشاط (الذهاب إلى مكان ما) أم البقاء ببساطة (في نفس المكان)؟
  5. كيف يرى الأشخاص الوقت. هل على الشخص التركيز على الماضي أم الحاضر أم المستقبل؟ يُقال عن بعض الحضارات أنّها تعيش في الماضي، في حين تتطلّع حضارات أخرى نحو المستقبل.
  6. كيف ينظر الأشخاص إلى مفهوم المكان. كيف ينبغي أن نستخدم المكان المادي في حياتنا؟ هل يجب أن نعيش معًا أم بشكل منفصل؟ هل يجب فصل الأشخاص المهمين عن الآخرين؟ هل يجب أن تقام الاجتماعات المهمة بشكل خاص أم علني؟

لفهم كيف يعمل ذلك، انظر إلى الشكل (2.7) والذي يميز ما بين أربع دول (المكسيك وألمانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية) وفقًا لهذه الأبعاد الستة. على الرغم من أنّ المرتبة الفعلية لكل من هذه الدول على هذه المقاييس قد لا يكون دقيقًا وواقعيًّا تمامًا، إلا أن هذه النتائج تسلّط الضوء على عدة نقاط أساسية لا بُد للإداريين أن ينتبهوا إليها أثناء عملهم. على سبيل المثال، على الرغم من أنّ الإداريين من الدول الأربعة قد يتشاركون آراء متشابهة عن طبيعة البشر (الجيد مقابل السيئ)، فإنّ هنالك اختلافات واضحة يمكن ملاحظتها في بعض النقاط والأوجه مثل علاقة الأشخاص مع الطبيعة والعلاقات الشخصية. ويمكن لذلك بدوره أن يؤثر على كيفية تعامل الإداريين في هذه الدول مع المفاوضات على العقود والحصول على تقنيات جديدة وإدارة الموظفين.

Japanese train station.png

الشكل (2.6) محطة قطار صينية. حدّد كلوكون وسترودتبيك ستة أبعاد تساعد على فهم هذه الاختلافات. إنّ اليابان بلد مزدحم السكان يتطلّب من الموظفين استخدام وسائل النقل العامة للذهاب والعودة من العمل، كيف تؤثر جغرافية اليابان على الثقافة اليابانية؟ (المصدر: elminium/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0

تساعدنا أبعاد كهذه على فهم وتوضيح النقاط التي قد يختلف فيها الأشخاص عن بعضهم البعض. يمكننا أن نقول على سبيل المثال أنّ معظم الأمريكيين ذوي نزعة فرديّة ويفضّلون النشاط وينظرون إلى الحاضر والمستقبل، ويمكننا أيضًا أن نقول أنّهم يقدّرون الخصوصية ويريدون التحكم ببيئتهم. وبالمقابل في ثقافات أخرى يكون جوهر المجتمع متعلّقًا بالماضي ويهتم بالمجموعة ولا تُشكل له الإنجازات عاملًا حاسمًا. نسمع في اليابان مقولة "إنّ الظفر الذي يبرز خارجًا يُقص" وهي تعكس الإيمان بالتجانس في الثقافة وأهمية العمل في المجموعة والروح الجماعية. في حين نسمع في الولايات المتحدة الأمريكية مقولات مثل "ابحث عن الرقم واحد" و"منزل الرجل قلعته" وهي تعكس إيمانًا بتفضيل الفرد على المجموعة. لا توجد ثقافة هي الأصح أو الأفضل، بل يجب أن يُنظر إلى كلا الثقافتين على أنها قوة داخل أفرادها تحفّز سلوكياتهم في مكان العمل. والجدير بالذكر أنه حتى داخل القوى العاملة الأمريكية، يجب أن نأخذ في الحسبان أنّ هناك ثقافات فرعية من الممكن أن تؤثر على السلوك أيضًا. على سبيل المثال، وجدت دراسة مؤخرًا أنّ الثقافة الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة تعطي أهمية كبيرة للمجموعات مقارنة مع الأفراد، وكنتيجة لذلك فإنها تتّبع نهجًا جماعيًا عند اتخاذ القرارات. مع تقدمنا في هذا النقاش، يجب أن نجعل هذه الاختلافات أساسًا أثناء محاولتنا لفهم السلوك في مكان العمل.

Cultural Differences among Managers in Four Countries.png

الشكل (2.7): الاختلافات الثقافية بين المدراء في أربعة دول (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

ترجمة -وبتصرف- للفصل Cultural Differences من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن