التعلم والتعزيز ضمن المؤسسة


وهيبة مغربي

وصلنا الآن في سلسلة مقالاتنا الفريدة عن السلوك التنظيمي في المؤسسات إلى جانب أساسي لا يقل أهمية عن المواضيع السابقة، ألا وهو مفهوم التعليم والتعزيز ضمن بيئة المؤسسة. سنعرّج في مقالاتنا التالية إلى العديد من المواضيع الفريدة بدءًا من كيف تقدّم المؤسسات المناسبة في الوقت المناسب وصولًا إلى الآلية المناسبة لتدريب الموظفين على مهارات عمل جديدة، وانتهاءً بكيفية تقليل السلوك غير المرغوب للموظفين وتعزيز السلوك المرغوب.

استكشاف المهن الإدارية

طريقة غوغل لبناء ثقافة التعلم المستمر

غوغل ماهرة في عدّة جوانب ومنها جذب أفضل المواهب، والحفاظ على رضا الموظفين، وتشجيع الإبداع.

وفقًا لجمعية التطوير والتدريب الأمريكيّة (ATD)، يكون دخل الشركات التي تقدّم برامج تدريب شاملة لموظفيها أعلى من الشركات التي لا توّفر تدريبات رسميّة بنسبة 218% لكل موظف، بالإضافة إلى حصولها على هامش أرباح أعلى بكثير. إنّ الاستثمار في الأشخاص وتعزيز بيئة التعلّم الذاتي هي الخطة الصحيحة للشركات التي تتطلّع إلى الحفاظ على انضباط سلوك موظفيها وتدريبهم وتطويرهم لاكتساب مهارات جديدة.

ليس من الضروري إنفاق ملايين الدولارات لإنشاء ثقافة تشجّع على التعلّم.

تتّبع غوغل المبادئ البسيطة التي تعطي موظفيها غاية ًومسارًا مهنيًا واضحًا. إذ توفّر المعلومات المهمة وذات الصلة لموظفيها، وتعلم أنّه حتى يكون بإمكانها الاستفادة من هذه المعلومات بأكبر قدر، فيجب أن تكون وثيقة الصلة ومعروضة بالنسق المناسب وفي الوقت المناسب. كما وتعمل غوغل أيضًا على أرشفة المعلومات المهمة، مما يمّكن الموظفين من الوصول إليها في أي وقت. أي تعمل غوغل على فتح الأبواب وإلغاء الحواجز عوضًا عن بنائها وعرقلة عملية تعلّم وتطوّر الموظفين.

ثانيًا، تعتمد غوغل تقنية تسميها "الأسئلة الغبية". من الممكن أن يبدو هذا تكتيكًا سخيفًا، لكن تشجيع الموظفين على مشاركة أسئلتهم وآرائهم يتيح تبادل المعلومات والتعلم على جميع المستويات. وتوظّف غوغل أيضًا قيم الاحتفاء بالفشل، والذي يسمح للموظفين بالتعلّم من أخطائهم وإخفاقاتهم، ليتمكّنوا بعدها من الانتقال إلى المشروع التالي بذخيرة جيّدة من المعلومات االجديدة لمكتسبة، ليصبحوا أفضل في كلّ مرة.

وأخيرًا، تضع غوغل خططًا رسمية من أجل "التعلم غير الرسمي والمستمر"، مثل السماح للموظفين بمتابعة اهتماماتهم الخاصة واستخدام أدوات التدريب والدعم المختلفة والتي توفرها. إنّ استخدام هذه الأساليب يزرع ثقافة التعلّم في الشركة بكفة مستوياتها. وتحتل غوغل موقع الصدارة في هذا المسعى، لكن يمكن للشركات الأخرى أيضًا تعلّم أساليب غوغل للمضي قُدمًا ووضع موظّفيهم على المسار الصحيح كذلك.

المصادر:

Ault, Nicole, “Don’t Trust Anyone Over 21,” The Wall Street Journal, August 22, 2018,https://www.wsj.com/articles/dont-trust-anyoneover-21-1534977740?mod=searchresults&page=1&pos=1; and Gutierrez, Karla, “Mind-blowing Statistics that Prove the Value of Employee Training and Development, Shift, August 22, 2017, https://www.shiftelearning.com/blog/statistics-value-of-employee-training-and-development.

أحد مسؤوليات الإداريين الرئيسية هي تطوير ومكافأة موظّفيهم. إذا أراد الإداريون زيادة تأثير المكافآت المتاحة (والمحدودة في معظم الأحيان) إلى الحد الأقصى، فإنّ امتلاكهم معرفة دقيقة بأساليب التعزيز هو أمرٌ ضروري لتحقيق ذلك. سنكرّس في الفصل لتطوير فهم دقيق ومفصّل لعمليات التعلّم في المؤسسات، وسنبدأ بالنظر إلى نماذج التعلّم الأساسيّة.

نماذج التعلم الأساسية

  • كيف يمكن أن تقدّم المؤسسات المكافآت المناسبة في الوقت المناسب؟

يمكن تعريف التعلّم -بشكل يتوافق مع موضوعنا- على أنّه تغيّر دائم في السلوك يحدث نتيجة للتجربة والخبرة. يُقال مثلًا عن شخص ما أنّه تعلّم شيئًا ما عندما يبدي تغيّرًا سلوكيًّا جديدًا مع مرور الوقت. إنّ عدّة جوانب من هذا التعريف جديرة بالملاحظة، أولًا، يتضمّن التعلّم حدوث تغيّر في موقف أو سلوك ما، لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التغيّر تحسّنًا، فمن الممكن أن يتضمّن مثلًا اكتساب عادات سيئة أو تعصّب نحو أمرٍ ما. ليحدث التعلّم، يجب أن يكون التغيّر الواقع دائم نسبيًا، لذا فإنّ التغيّرات التي تحدث في السلوك نتيجة تعبٍ أو تأقلمٍ مؤقت مع وضعٍ فريد لا تعدّ أمثلة عن التعلّم. ثانيًا، يشتمل التعلّم عادةً على نوع من الممارسة أو الخبرة. على سبيل المثال، لا يعدّ التغيّر الذي ينجم عن النضج الجسدي تعلّمًا بحدّ ذاته، كما هو الحال عندما يطوّر طفل قوته البدنية ليمشي. ثالثًا، يجب تعزيز الممارسة أو الخبرة مع الوقت ليحدث التعلّم. عندما لا يتبَع التعزيز الممارسة أو الخبرة، فإنّ السلوك سيتلاشى أو يختفي في النهاية (يزول). أخيرًا، التعلّم هو عملية استنتاجية، أي لا يمكننا رؤية التعلم بشكل مباشر، بل يجب علينا استنتاج حدوث التعلم من خلال مراقبة التغيّرات الظاهرة في السلوك.

يمكننا فهم عملية التعلّم بشكل أفضل من خلال النظر إلى المراحل الأربعة لتطوّر الأبحاث المتعلّقة بعملية التعلّم (انظر إلى الشكل 4.2). يعود بدء الاهتمام العلمي بالتعلم إلى تجارب بافلوف المبكرة (Pavlov) وتجارب أخرى في بداية القرن، حيث كان التركيز فيها على علاقة المنبه-الاستجابة والمحدّدات والعوامل البيئيّة المحيطة المؤثرة في السلوكيات المُلاحظة. تبع ذلك اكتشاف قانون التأثير، وتجارب الإشراط الإجرائي (experiments in operant conditioning) وأخيرًا تشكيل نظرية التعلم الإجتماعي.

The Development of Modern Behavioral Learning Theory.png

الشكل (4.2): تطوّر نظرية التعلّم السلوكي الحديثة (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

الإشراط الكلاسيكي (Classical conditioning)

الإشراط (أو التشريط) الكلاسيكي هو العملية التي تُطَوّر من خلالها رابطة منبه-استجابة ما بين منبه مشروط واستجابة مشروطة، من خلال الربط المتكرر ما بين منبه مشروط ومنبه غير مشروط، هذه العملية مبيّنة في الشكل (4.3). يوضّح المثال الكلاسيكي لتجارب بافلوف هذه العملية. كان بافلوف في البداية مهتمًا بدراسة العمليات الهضمية لدى الكلاب، لكنّه لاحظ أنّ الكلاب بدأت بإفراز اللعاب بمجرد حدوث الإشارة الأولى لقدوم الطعام. على أساس هذا الاكتشاف حوّل انتباهه إلى إمكانية تدريب الحيوانات على رسم علاقة ما بين عوامل غير مرتبطة سابقًا. باستخدام الكلاب تحديدًا كهدف، درس إلى أي حد يمكنها أن تتعلم ربط رنين الجرس بفعل إفراز اللعاب. بدأت التجربة بعلاقات منبه-استجابة غير مُتعلّمة وغير مشروطة، فعندما قُدّم للكلب اللحم (منبه غير مشروط)، أفرز الكلب اللعاب (استجابة غير مشروطة)، ولم تكن أي عملية تعلّم ضرورية هنا كون هذه العلاقة تمثّل عملية فيزيولوجية طبيعيّة.

Classical versus Operant Conditioning.png

الشكل (4.3) الإشراط الكلاسيكي مقابل الإشراط الاستثابي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

بعد ذلك، قرن بافلوف المنبه غير المشروط (اللحم) بمنبه حيادي (رنين الجرس). لا يُتوقّع في الحالة الطبيعيّة أن يُحرّض رنين الجرس بحد ذاته الإلعاب لدى الكلب، لكن مع مرور الوقت تطوّرت لدى الكلب رابطة مُتعلَّمة ما بين الجرس واللحم (أي أن سماع صوت الجرس يعني قدوم الطعام)، أدّت في نهاية المطاف إلى تكوّن رابطة منبه-استجابة ما بين المنبه المشروط (الجرس) والاستجابة (الإلعاب) بدون وجود المنبه الغير مشروط (اللحم). وكانت هذه التجربة بمثابة الدليل على ظاهرة التعلّم كعملية فيزيولوجية حقيقية للمخلوقات، وأنّ هذا التعلّم نتج عن تكيّف الكلب على ربط شيئين غير مرتبطين عادة، الجرس واللحم.

على الرغم من إمكانية الاستشهاد على تجارب بافلوف كدليل على وجود الإشراط الكلاسيكي، إلا أنه من الضروري أن نسأل من منظور السلوك المؤسساتي، كيف ترتبط هذه العملية بالأشخاص في العمل؟ قدّم آيفنسافيش (Ivancevich) وشيلاغي (Szilagy) ووالاس (Wallace) مثالًا عن الإشراط الكلاسيكي في العمل:

أحد الأمثلة عن الإشراط الكلاسيكي في بيئة العمل، هو تعلّم طيار كيفية استخدام نظام إنذار مثبّت حديثًا. السلوك الواجب تعلّمه في هذه الحالة هو الاستجابة لضوء الإنذار الذي يشير إلى أنّ الطائرة انخفضت تحت الارتفاع الحرج على مسار انحدار معيّن. الاستجابة المناسبة هي زيادة ارتفاع الطائرة. يعرف الطيّار مُسبقًا كيفية الاستجابة بشكل مناسب لتحذير المدرّب عبر زيادة ارتفاع الطائرة (يمكننا في هذه الحالة القول أنّ تحذير المدرب هو المنبه الغير مشروط والإجراء التصحيحي عبر زيادة الارتفاع هو الاستجابة الغير مشروطة). تتألف الدورة التعليمية (الشرطية) هنا من تحذير المدرب للطيار ليزيد ارتفاع الطائرة في كل مرّة يضيء فيها ضوء الإنذار. من خلال الإقتران المتكرّر لضوء الإنذار وتحذير المدرب، يتعلّم الطيار في نهاية المطاف ضبط ارتفاع الطائرة استجابةً لضوء الإنذار رغم عدم وجود المدرب. مرّة أخرى، الوحدة المُتعلّمة هنا هي رابطة منبه-استجابة جديدة، أو بالأحرى عادة تكيفية جديدة.

على الرغم من امتلاك الإشراط الكلاسيكي تطبيقات وتأثير واضح في مكان العمل، خاصة في مجال التدريب والتطوير، إلا أنه انتُقد لأنه يفسّر جزء محدود فقط من عملية التعلّم البشري الكلية. ناقش الطبيب النفسي ب. ف. سكينر(B. F. Skinner) أنّ الإشراط الكلاسيكي يّركز على السلوكيات الاستجابية أو الانعكاسية، ما يعني أنّه يركّز تركيزًا كبيرًا على الاستجابات اللا إرادية التي تنتج عن منبّه. لا يمكن تفسير عمليات التعلّم الأكثر تعقيدًا من خلال الإشراط الكلاسيكي لوحده فقط، وفي سبيل وضع تفسير بديل، اقترح سكينر وآخرون نموذج الإشراط الاستثابي للتعلّم (أو ما يُعرف بالتشريط الاجرائي.)

الإشراط الاستثابي (Operant Conditioning)

ينصب التركيز الرئيسي للإشراط الاستثابي على تأثير التعزيزات أو المكافآت على السلوكيات المرغوبة. من أوائل علماء النفس الذين درسوا مثل هذه العمليات كان ج. ب. واطسون (J. B. Watson)، وهو أحد معاصري بافلوف، والذي ناقش أنّ السلوك يتأثّر إلى حد كبير بالمكافآت التي يتلّقاها المرء نتيجة لأفعاله. 4 تتجلى هذه الفكرة بشكل واضح في قانون التأثير لثورندايك (Thorndike's law of effect)، والذي ينص على أنّه من بين الاستجابات العديدة والناتجة عن نفس الموقف أو المؤثر، سيكون احتمال حدوث الاستجابات التي تشتمل في نتائجها على الرضا (منبه مُعزِّز مثل المكافأة)، أكبرمن تلك التي تتضمّن عدم الراحة (منبه مثبّط مثل العقاب).

بعبارة أخرى، يفترض هذا القانون أنّ السلوك المؤدي إلى نتائج إيجابية أو ممتعة يميل إلى أن يُكرّر، في حين أنّ السلوك المؤدي إلى نتائج سلبية أو عقاب يميل إلى أن يُتجنَّب. وبهذه الطريقة يتعلّم الأفراد الاستجابات المناسبة والمقبولة في بيئتهم. على سبيل المثال، إذا وضعنا خصومات وعقوبات مادية على كل تأخير يبديه الموظف، فمن المتوقع أن يتعلّم هذا الموظف الوصول باكرًا ليحصل على كامل راتبه.

أحد نماذج التعلم الاستثاري موضّح في الشكل (4.2)، هناك ثلاث مفاهيم مهمّة في هذا النموذج:

الدافع: حالة من عدم التوازن الداخلي، وهو حاجة محسوسة. يُعتقد عمومًا أنّ الدافع يزداد مع شدّة الحرمان. ويجب أن يكون الدافع أو الرغبة بالتعلم موجودًا لتحدث عملية التعلّم. على سبيل المثال، عدم قدرتك حاليًا على شراء منزل أفضل من اللذي تملكه سيؤدي غالبًا إلى توليد دافع لاكتساب المزيد من المال لشراء المنزل الذي ترغب به. ولكن في حال كنت تعيش في شقة جميلة ومريحة فإن الدافع من أجل تطوير العمل واكتساب مال إضافي لشراء شقّة أفضل سيختفي.

العادة. هي الرابطة ما بين المنبه والاستجابة الناجمة عن الخبرة. على سبيل المثال، إذا تعلّم شخص مع مرور الوقت أنّ تناول الطعام يرضي شعور الجوع، ستتطور رابطة منبه-استجابة (جوع-طعام) قوية. وهكذا فإن العادات تحدّد السلوكيات ومسارات الأفعال التي نختارها.

التعزيز أو المكافأة. يمثّل هذا المفهوم ردود الأفعال التي يتلقّاها الفرد نتيجة لفعل ما. على سبيل المثال، إذا مُنحت -كمندوب مبيعات- مكافأة مالية لارتفاع مبيعاتك وخططت لاستخدام هذا المال لشراء المنزل الذي لطالما رغبت به، سيؤدي هذا إلى تعزيز السلوكيات التي تعتقد أنّها أدّت إلى زيادة المبيعات، مثل الابتسام للزبائن وتكرار أسماءهم خلال العرض وما إلى ذلك.

ينشّط منبه ما حافز الفرد من خلال تأثيره على الدافع والعادة. كلّما كان الدافع والعادة أقوى (رابطة منبه-استجابة)، كان الحافز للتصرّف بطريقة معيّنة أكبر. يحدث أمران نتيجة لهذا السلوك، أولًا، يتلّقى الفرد رد فعل تقلّل من الدافع الأصلي. ثانيًا، يعزّز الفرد إيمانه بصحّة رابطة منبه-استجابة التي لديه إلى الحد الذي اثبتت فيه نجاحها. يعني ذلك، إذا كانت استجابة الفرد للمنبه تُشبع دافعه أو حاجته، فإنّ الفرد سيؤمن بقوة أكبر بملاءمة وفعاليّة علاقة المنبه-الاستجابة تلك، وسيستجيب بنفس الطريقة في ظل ظروف مماثلة.

سنوضّح هذه النقطة في المثال التالي: في محاولات حديثة لتدريب العاطلين عن العمل تم تأسيس نظام دفع يومي عوضًا عن أنظمة الدفع الأسبوعية أو الشهرية. إنّ السبب الرئيسي لذلك هو أنّ العاملين، الذين لا يملكون تاريخًا إيجابيًا في العمل، يمكنهم أن يروا بسرعة أكبر العلاقة ما بين العمل وتلقّي الأجر، وتتطور على إثر ذلك رابطة منبه-استجابة بسرعة أكبر، وذلك بسبب تواتر وتكرار التعزيز أو المكافأة.

الإشراط الاستثابي مقابل الإشراط الكلاسيكي

يمكن تمييز الإشراط الاستثابي عن الإشراط الكلاسيكي بطريقتين: أولًا، يختلف النهجان في سبب جوهر حدوث التغيّرات في السلوك. في الإشراط الكلاسيكي، يُعتقد أنّ التغيّرات في السلوك تنجم عن التغيّرات الطارئة على المنبه، أي الانتقال من منبه غير مشروط إلى منبّه مشروط. في الإشراط الاستثابي من الناحية الأخرى، يُعتقد أنّ التغيّرات في السلوك تنجم عن عواقب سلوك سابق، إذ عندما لا يُكافئ سلوك معيّن أو يُعاقب، لا نتوقّعه أن يتكرّر.

ثانيًا، يختلف النهجان بدور المكافآت وتواترها. في الإشراط الكلاسيكي، يُعطي المنبه الغير مشروط -والذي يلعب دور المكافأة- في كلّ تجربة. بالمقابل، تُعطى المكافأة في الإشراط الاستثابي فقط عندما يختار الأفراد الاستجابة الصحيحة. يعني ذلك أنّه في الإشراط الاستثابي يجب أن يعمل الأفراد بطريقة صحيحة في بيئتهم قبل أن يتلقّوا مكافأة، أي أن الاستجابة هي الوسيلة للحصول على المكافأة المطلوبة.

نظرية التعلم الاجتماعي

نموذج التعلّم الأخير الذي علينا دراسته هو نظرية التعلّم الاجتماعي لألبرت باندورا (Albert Bandura). تُعرّف نظرية التعلم الاجتماعي على أنّها عملية قولبة السلوك، من خلال التفاعل المتبادل ما بين إدراك الشخص وسلوكه وبيئته المحيطة. يحدث ذلك من خلال عملية يسمّيها باندورا الحتمية التبادلية (reciprocal determinism). يعني هذا المفهوم أنّ الأشخاص يتحكمّون ببيئتهم (مثلًا بالاستقالة من العمل)، بقدر ما تتحكّم البيئة بالأشخاص (مثلًا بالاستغناء عنهم). وبالتالي يُنظر إلى التعلّم على أنه عملية تفاعلية يتمتّع فيها المتعلّم ببعض التحكّم على الأقل.

تشترك نظرية التعلم الاجتماعي مع الإشراط الاستثابي في العديد من الأوجه الأساسية. على سبيل المثال، يناقش كل من سكينر وباندورا أنّ السلوك يُتحكّم به عن طريق منبهات البيئة وعواقبها بشكل جزئي، ويستخدم باندورا السلوك الملاحظ كوحدة أساسيّة للتحليل (عوضًا عن المواقف والمشاعر …إلخ). لكن وعلى عكس الإشراط الاستثابي، تفترض نظرية التعلم الاجتماعي أنّ العمليات الإدراكية أو العقلية تؤثر على استجابتنا لمنبهات البيئة المحيطة بنا.

تشتمل نظرية التعلم الاجتماعي على أربعة عناصر أساسية: الانتباه - الاحتفاظ - التوليد - الحوافز. قبل أن يستطيع شخص ما تعلّم شيء، يجب عليه أن يلاحظ أو ينتبه إلى الشيء الذي يجب أن يتعلّمه. على سبيل المثال، إذا كنت طالبًا فلن تتعلم الكثير في أيّ درسٍ إن لم تهتم بالمعلومات التي يطرحها المعلّم. الاحتفاظ هو العملية التي يُحتفظ من خلالها ما لاحظته أو تعلّمته في ذاكرتك. يتضمن التوليد ترجمة ما سُجّل في عقلك إلى أفعال وسلوكيات ظاهرة. من الواضح أنّه كلّما كان مستوى الانتباه أعلى والاحتفاظ أكبر، كان توليد ما تُعلّم أفضل. واخيرًا، يمكن أن تؤثّر الحوافز على العمليات الثلاثة جميعها. على سبيل المثال، إذا كوفئت على انتباهك إلى أمر (مثلًا بمديح)، ستُولي انتباهًا أكبر إلى ذلك الأمر مستقبلًا. إذا كُوفئت مثلًا على تذكّر ما درسته (مثلًا بعلامات جيدة)، فستميل إلى تذكّر وحفظ معلومات أكثر. وإذا كوفئت على إعادة توليد ما تعلّمته (مثلًا بترقية لتحفيزك مرؤوسيك بفعالية)، ستوّلد ذلك السلوك مجدًدًا بوتيرة وجودة أفضل.

مركز هذه النظرية هو مفهوم التعلّم غير المباشر. التعلّم غير المباشر هو التعلّم الذي يحدث من خلال تقليد أشخاص آخرين. أي أنّنا نراقب ونحلّل ما يفعله شخص آخر والنتائج المترتّبة عليه، ونتيجة لذلك نتعلّم بدون الحاجة إلى تجربة الظاهرة مباشرة. أي إذا رأينا موظف زميل عوقب أو فُصل من العمل لإخلاله بالنظام في مكان العمل، سنتعلّم ألّا نقوم بذلك. إذا رأينا أنّ الهدايا في الشرق الأوسط تُعطى باليد اليمنى، من الممكن أن نعطي الهدايا بهذه الطريقة نحن أيضًا.

نموذج عن عمليات التعلّم الاجتماعي موضّح في الشكل (4.4). كما نلاحظ، تتفاعل ثلاث عوامل (الشخص - البيئة - السلوك) من خلال عمليات مثل التعلّم غير المباشر والتمثيل الرمزي والتحكّم الذاتي لتثمر سلوكيات مُتعلّمة فعليّة.

A Basic Model of Social Learning.png

الشكل (4.4): نموذج عن التعلّم الاجتماعي (حقوق النشر لجامعة رايس Rice ، OpenStax، تحت الرخصة CC BY-NC-SA 4.0).

المؤثرات الرئيسية على التعلّم. على أساس هذا العمل، يمكننا تحديد عدّة عوامل عامّة يمكنها تعزيز عمليات التعلّم. إنّ رغبة الفرد بالتعلّم وخلفيته المعرفية عن الموضوع ومدة فترة التعلّم هي بعض عناصر بيئة التعلّم. حدّد فيلي (Filley) وهاوس )House) وكير (Kerr) خمسة مؤثرات أساسيّة على فعالية التعلّم. 8

تشير الأبحاث العلمية لمُشتقّة من آداب العلوم السلوكية وعلم النفس إلى أنّ فعالية التعلّم تزداد بشكل كبير عند وجود دافع قوي للتعلّم لدى الأفراد. نرى في بعض الأحيان طلّابًا يعملون ليلًا ونهارًا لإكمال ورقة بحثية أو دراسةٍ ما تثير اهتمامهم، في حين أنّ كتابة ورقة بحثيّة غير مثيرة للاهتمام من الممكّن أن تُؤجّل إلى آخر دقيقة ممكنة. يتحقق أقصى قدر من نقل المعرفة عندما يُحفّز الطالب أو الموظف للتعلّم من خلال دافع قوي للمعرفة أو إنجاز العمل.

أثبتت أدلة أيضًا أنّه يمكننا تسهيل عملية التعلّم من خلال تزويد الأفراد بملاحظات عن أدائهم. تلعب استعراض النتائج والأخطاء (التغذية الراجعة) دورًا في تحقيق التوازن المعرفي، إذ تُظهر للأفراد النقاط التي كانوا فيها على صواب أو خطأ، وتزوّدهم بالمنظور الصحيح للتحسّن. يمكن أن تلعب التغذية الراجعة والملاحظات دورًا إيجابيًّا مهمًا يمكنه أن يعزز رغبة الفرد أو استعداده للتعلّم. إنّ الطلاب الذين يُخبرهم أساتذتهم كيف كان أداؤهم في امتحان وما الذي يمكنهم تحسينه في المرّة القادمة سيحاولون قصار جُهدهم في الدراسة وتجاوز تِلك الأخطاء في المستقبل.

في العديد من الحالات، يمكن للتعلّم المُسبق أن يزيد من القدرة على تعلّم مواد أو مهام جديدة من خلال توفير الخلفية أو المواد الأساسيّة اللازمة. في الرياضيات مثلًا، يصبح تعلّم عملية الضرب أسهل بعد إتقان عملية الجمع. تميل الآثارالمفيدة للتعلّم المسبق (على التعلّم الحالي) إلى أن تكون أكبر عندما تُظهر المهام السابقة والمهام الحالية روابط منبه-استجابة متشابهة. على سبيل المثال، معظم رواد الفضاء المُختارون لبرامج الفضاء يمتلكون سنوات من الخبرة السابقة في مجال الطائرات، إذ يُفترض أن تسهّل خبراتهم ومهاراتهم السابقة تعلّم قيادة المركبات الفضائية عالية التقنية والمشابهة نوعًا ما للطائرات التقليدية.

تتعلّق العوامل الأخرى المؤثرة على التعلّم فيما إذا كانت المواد المراد تعلّمها مقدّمة بشكل كامل أو جزئي (التعلم الكامل مقابل الجزئي). تقترح الأدلّة المتوفرة أنّه عندما تتكوّن مهمة من عدّة واجبات مختلفة وغير مرتبطة، يكون التعلّم الجزئي هو الأكثر فاعليّة، وكل مهمة يجب أن تُتعلّم وتُنجر بشكل منفصل. لكن في حال كانت المهمة تتألف من عدّة واجبات متكاملة ومرتبطة ببعضها بعضًا (كتعلّم مكونات آلة صغيرة)، يكون التعلّم الكامل هو الأنسب، لأنّ ذلك يضمن عدم تجاهل العلاقة الرئيسية بين الأجزاء وتسلسلها المناسب كذلك.

Stop sign in Quebec.png

الشكل (4.5): إشارة توقف في كيبيك. هل ستؤدي معرفتك السابقة إلى توقفك توقفًا كاملًا أثناء قيادتك في كيبيك؟ (المصدر: Joe Schlabotnik/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0))

يركّز المؤثر الرئيسي الأخير على التعلّم على إيجابيات وسلبيات جلسات التدريب المركّزة في مقابل المتفرقّة. تشير الأبحاث إلى أنّ توزيع الممارسة -فترات تعلّم قصيرة في فترات زمنيّة محدّدة- أكثر فاعلية في تعلّم المهارات الحركية أو العملية من تعلّم المهارات اللفظية أو المعرفية. 10 كما أنّ الممارسة الموّزعة تسهّل كذلك تعلّم المواد شديدة الصعوبة أو الضخمة أو الشاقّة. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ تأثير الممارسة المركّزة يكون أفضل عندما يتطلّب الأمر نظرة ثاقبة وشاملة لإنجاز المهمّة. ويبدو أنّ الجهود المركّزة خلال فترات زمنية قصيرة يوفّر نهجًا تفاعليًا أفضل لحل المشاكل.

على رغم من أنّ هناك اتفاق عام على أنّ هذه المؤثرات مهمّة (وتحت سيطرة الإدارة في الكثير من الحالات)، إلّا أنّها لا يمكن أن تنوب عن نقص أو عدم كفاءة نظام التعزيز في المؤسسة. يُعرف التعزيز في الواقع على أنّه مفتاح التعلّم الفعّال. إذا كان الإداريون مهتمين باستنباط السلوكيّات المرغوبة من موظفيهم، فإنّ معرفة أساليب التعزيز هو أمرٌ ضروري.

التوسع حول العالم

تعلّم كيف تكون فعّالًا في دول الخارج

تعلّمت شركة جينيرال موتورز (General Motors) أنّه لا ينفع أن يتعلّم مديروها من خلال التجربة فقط كيفية العمل بفعاليّة أثناء وجودهم في دول أجنبيّة. نهضت وتحسّنت نُظم إدارة مهام المبعوثين خارجيًا إلى مناطق صعبة بفضل تجارب ريتشارد بنينغتون (Richard Pennington)، وهو رئيس جينيرال موتورز للتجارة العالمية في مناطق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. يعلم بنينغتون من خلال تجربته أنّ بعض الأعمال يمكن أن تسير بسلالة وبعضها الآخر قد يُعرقل كثيرًا أثناء العمل في الخارج، وتعلّم العديد من الدروس من نقل الموظفين إلى أماكن مثل أوزباكستان. أصبح ذلك مهمًا عندما بدأت الشركة بعملية جديدة لتصنيع المحركات في العاصمة تاشكينت، بالإضافة إلى وجود معمل في أنديجان.

كانت أهداف الشركة هي نفسها كما في معظم مشاريع التنقّل العالمية: وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح والوقت الصحيح وبالتكلفة الصحيحة. كان النهج العام هو اعمل-خطّط -نفّذ -وتحقق. حثّ بنينغتون المبتعثين إلى عدم الإفراط بالاعتماد على الانترنت، والذهاب ورؤية العمل بأنفسهم إذا أمكن ذلك، ويقول: « لا شيء يضاهي الذهاب إلى موقع العمل بنفسك، خاصّة الأماكن الصعبة». يؤكّد بنينغتون كذلك على أهمية اختيار المورّدين في أرض الواقع بعناية، حتى وإن كان لديك بالفعل شبكة من المورّدين. العلاقات القويّة على أرض الواقع في البلد المضيف لها أهميّة كبيرة وأساسية في تسيير العمل بسلاسة. وفي الأماكن الصعبة، من المهم أن تتعاون مع كل من الموظفين المحليين في الموارد البشرية والمالية والقسم القانوني، إذ إنّ تسليم المدفوعات في الوقت المناسب هو أمر بالغ الأهميّة. كما أن تقديم تدريبات ثقافية ولغويّة له نفس القدر من الأهميّة كذلك.

تتضمن برامج التدريب هذه مجموعة واسعة من طرق التعليم. يمكن نقل المعلومات الواقعية من خلال المحاضرات والمواد المطبوعة. وتُعلّم المواد الأكثر دقّة من خلال لعب الأدوار ودراسات الحالة والمحاكاة.

تقترح الأبحاث المتعلّقة بتدريبات التبادل الثقافي أنّه كلّما كان عدد المشاركين أكبر في التدريب، كلما تعلّموا أكثر، وأنّه كلّما مارسوا أو عملوا على محاكاة السلوكيات الجديدة التي يحتاجونها لإتقان البيئة الأجنبية الجديدة، كلما كانوا أكثر فاعليّة في المواقف الواقعيّة.

كانت نتائج جنيرال موتورز رائعة. إذ أظهرت معظم الشركات التي لا تقدّم تدريبات التبادل الثقافي لموظفيها المبتعثين خارجًا معدلات فشل وصلت إلى حوالي 25%، ويكلّف كل فشل منها الشركة 150000$ بالمتوسط، بينما معدل الفشل في جنيرال موتورز لم يتجاوز 1%. في حالة جنيرال موتورز، امتدّ التدريب كذلك ليشمل عائلات الإداريين، ممّا ساعد أزواجهم وأولادهم على تقبّل المهمة الخارجية بسرعة أكبر.

المصدر:

F. Furnie, “International assignments: Managing change and complexity,” Relocate Global, September 23, 2015, https://www.relocatemagazine.com/articles/4697international-assignmentsmanaging-change-and-complexity; J. Lublin. “Companies Use Cross-Cultural Training to Help Their Employees Adjust Abroad.” Wall Street Journal, August 4, 2004 p. B1.

ترجمة -وبتصرف- للفصل Basic Models of Learning من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن