هل يجب عليك أن تتوقف عن الدراسة لتؤسس شركتك الناشئة؟


أحمد الخطيب

خضتُ عددًا من التجارب المثيرة في الأعوام القليلة الماضية التي شهدت تأسيسي لمنصة Buffer. واحدٌ من الأمور التي تثير تفكيري هو سؤال: هل يجب أن تتوقّف عن الدّراسة/ تترك الجامعة لتعمل على تأسيس شركتك الناشئة؟

university-startup.thumb.jpg.c5acddf04cf

لم أترُك الجامعة، لكن «ليو»، شريكي المؤسس، قد تركها بعد النجاحات التي حقَّقناها في Buffer؛ وقد تحدَّثت معه كثيرًا عن الأمر. أتحدَّث أيضًا مع العديد من مؤسسي الشركات الناشئة من طلبة الجامعات الذين يُفكِّرون في ترك الجامعة. لذا كان لزامًا عليَّ أن أخرج بإجابة عن السؤال.

الجامعة ميزة قوية

يقول مارك زوكربيرغ، مؤسس «فيس بوك» ومديره التنفيذي:

أن تكون في الجامعة فذلك يعني حصولك على فرصةً للقيام بأمور رائعة: ممارسة كل تلك الهوايات التي تريدها، وكتابة الكثير من الشيفرات البرمجية، وتجربة أشياء جديدة مختلفة. إنها تعطيك مرونةً يتعامل معها الكثير من الناس باعتبارها حقًا مكتسبًا.

أحد الأمور التي أدركتها بالنظر إلى الماضي هو قدر الفائدة التي تعود عليك من الالتحاق بالجامعة إذا أردت أن تؤسس شركة ناشئة. كان لديَّ العديد من المشاريع الجانبية في أثناء دراستي بجامعة «وارويك» البريطانية؛ ودرست أيضًا مادتين قمت فيهما بمشاريع يُمكنني وصفها الآن بأنها شركات ناشئة.

لا ضغوط

تُحررك الدراسة من كافة الضغوط التي قد تقع على كاهلك حين تُخطط لتأسيس شركة ناشئة. ونتيجة لذلك، يمكنك تجربة الكثير من الأمور المختلفة؛ يمكنك تعلَّم لغات جديدة؛ ويمكنك أن تُجرب مفاهيم مختلفة للشركات الناشئة مثل تنمية العميل أو الشركات الناشئة الليّنة lean startup. يمكنك الخروج إلى الطريق والتحدُّث إلى الناس عن المشاكل التي تواجههم، ثم تحاول حلَّها. يمكنك محاولة الحصول على أموالٍ نظير شيء صنعته دون ضغوطٍ تفرض عليك الحصول على مبلغٍ مُعيَّن من المال لتكسب قوت يومك. كل شيءٍ مُرتَّب سلفًا؛ لتتمكَّن من الاسترخاء والتجريب بُحريَّة.

العقول المتشابهة

من السهل نسبيًا أن تعثر على أشخاصٍ متشابهين في التفكير في الجامعة. ثمَّة عدد هائل من الطُلَّاب في أي جامعةٍ يضمن لك أن تجد أناسًا يشبهونك طالما توفَّرت لديك الرغبة في السعي إلى مقابلتهم والعمل معهم. أعلم أن عددًا لا يُحصى من الشراكات في تأسيس الشركات الناشئة قد بدأت في الجامعة. وهذا هو ما حدث مع Buffer؛ فأنا و«ليو» قد تقابلنا للمرة الأولى في جامعة «وارويك» في أثناء تنظيم حدثٍ لريادة الأعمال. فحاول أن تكون منفتحًا على مجتمع الجامعة واستفِد من وجودك في بيئة كهذه.

لا تخشَ التجارب

حين تكون طالبًا في الجامعة تراودك الكثير من الأفكار التي يُمكنك تجربتها في وقت فراغك. كل تلك الأفكار قد تصبح يومًا شركة ناشئة رائعة؛ ويمكنك حينها الإفادة من مفهوم التجربة بما أنَّك تكون متحررًا من الضغوط. أعتقد أنَّ المؤسس الشريك لشركة Yipit ومديرها التنفيذي Vinicius Vacanti قد قدَّم أفضل صياغة لهذه الفكرة:

أجمل شيء في التجارب هو أن دحض افتراضاتك لا يُعد فشلًا، بل يُنظَر إليه بمثابة تقدُّم.

يمكنك حقًا الإفادة من منهج «التجربة» هذا خلال دراستك الجامعية لتتعلَّم الكثير عن الشركات الناشئة في وقت قليل.

فترات وقت الفراغ

بين كل الطلبة الجامعيين شيءٌ مشتركٌ: إنهم يتمتعون بفترات مختلفة من وقت الفراغ على مدار العام، حين يقِل ضغط الفروض الجامعية. في تلك الأوقات يكون لديك فرصةٌ كبيرةٌ للعمل على مشروعٍ قد يُصبح يومًا قصة نجاح كبرى. ليس ثمَّة مثال على ذلك أفضل من «فيس بوك» حين كان في بداياته:

«كتبت النسخة الأولى من فيس بوك في يناير من عام 2004 وأطلقتُها في فبراير من العام نفسه. السبب الذي مكَّنني من إنهائها في يناير هو أن جامعة هارفارد كانت في عُطلة.»

نصيحتي لطُلاب الجامعة هو استغلال هذه الفترات بحكمة. ابدأ مشروعًا جديدًا في كلٍ منها؛ واستخدم دروسها المستفادة في العمل على مشاريع جديدة.

ترك الجامعة عادةً لا يكون مفاجئًا

استنادًا إلى قناعاتي، والمواقف التي مررت بها مع شريكي «ليو» في الفترة التي ترك فيها الدراسة الجامعية، أقول إنَّ حدسك سيتكفَّل بإخبارك بالوقت المناسب لترك الجامعة لصالحِ شركتك الناشئة. لذا، أعتقد أن أحد أكبر الأوهام هو أنَّه يجب عليك قطع كل صلةٍ تربطك بالجامعة فجأةً.

إليك الطريقة التي رأيت الأمر يحدث بها: يعمل المرء في كثيرٍ من المشاريع الجانبية في أثناء الدراسة الجامعية، وحين يبدأ واحد منها في إحراز بعض النجاح، يتعلَّم الكثير وتتطوَّر خبراته في فترة قليلة للغاية من الزمن. يرتبط هذا بشدةٍ بالمفهوم الذي طوَّره «بول جراهام» (Paul Graham) عن «ضغط حياتك»:

يمكنك التفكير في الشركات الناشئة باعتبارها وسيلة لضغط حياتك العملية في عدة سنوات. وبدلًا من العمل بوتيرة منخفضة لأربعين عامًا، ستعمل بأقصى طاقةٍ ممكنة لأربعة أعوام.

هذا هو ما يحدث بالضبط حين تبدأ واحدة من أفكار مشاريعك الناشئة في تحقيق النجاح. ثمَّة طريقة أخرى رائعة لوصف الأمر، بعبارات Marc Andreessen حين وصف نقطة الوصول إلى ملائمة المنتج للسوق:

يمكنك دائمًا أن تشعر بملائمة المنتج للسوق حين تتحقَّق. يشتري الزبائن المنتج حينها في لحظة وصوله إلى السوق، أو تنمو قاعدة المستخدمين بذات السرعة التي تُضيف بها المزيد من نقاط التوزيع.

أعتقد أنَّك حين تصل إلى هذه النقطة فستشعر أنَّ ترك الدراسة الجامعية قد يكون أكثر جدوى. المثير في الأمر أنَّه لا يتعيَّن عليك ترك الدراسة بطريقة مفاجئة حتى حين تصل إلى تلك النقطة؛ فيمكنك مثلًا أن تقطع الدراسة لفصلٍ أو عامٍ دراسي. لقد وصلنا الآن إلى نسبة عائدات متدفقة تقترب من مليون دولار أمريكي سنويًا في Buffer؛ ووصلنا إلى 370 ألف مستخدمٍ بفريقٍ مكوَّن من 7 أفراد؛ لكن «ليو» ما يزال طالبًا جامعيًا، نظريًا على الأقل. لم يترك «ليو» الجامعة رسميًا حتى الآن؛ ولا يجب عليك القيام بذلك على عجل. أعجبني وصف «مارك زوكربيرغ» تجربته بطريقة مشابهة:

«لدى هارفارد سياسة تُمكنك من الانقطاع عن الدراسة لأيَّة مدة تريد. فلِمَ لا ننقطع عن الجامعة لفصلٍ دراسيٍ ثم نحاول موازنة الأمر، وبناء الأدوات (tooling)، حتى نتمكَّن من العودة في الفصل الدراسي الثاني وتسيير العمل بشكلٍ أكثر استقلالية. أتى الفصل الدراسي الثاني ولم نكُن قد أنهينا بناء الأدوات أو الأتمتة/ التشغيل الآلي (automation) بعد؛ لذا دعنا ننقطع عن الجامعة لفصلٍ دراسيٍ إضافي. ثم جاءت اللحظة التي قرَّرنا فيها أن نترك الجامعة، لكننا كُنَّا قد وصلنا إلى ملايين المستخدمين بحلول ذلك الوقت.

استمر في الدراسة. استمر في البناء.

بكُل أسف، تسيير أعمال شركة ناشئة ليس بالأمر الهين. لقد جرَّبت ذلك بنفسي؛ فمررت بأعوام شاقة منذ قرَّرت أنّي أريد تأسيس شركتي الناشئة حتى تنتقل إلى أرض الواقع. مررت أيضًا بعدة تجارب فاشلة في الجامعة، لكنها كانت فرصًا للتعلُّم أكثر ممَّا كانت فشلًا؛ وكوني لا زلت طالبًا حينها كان يعني أنَّ الفشل لا يُهم إطلاقًا.

ثم عملت بعد تخرُّجي على تأسيس شركة ناشئة أخرى خلال عملي في وظيفة مطور ويب بالقطعة. يمكنني أن أؤكد لكم أن الالتزام بمحاولة إنجاح مشروع ناشئ يكون أصعب كثيرًا بمجرَّد تركك الدراسة الجامعية. أعتقد أنَّ الكثيرين لا ينجحون في تخطّي هذه النقلة نظرًا لصعوبتها. إن الحصول على وظيفة عادية براتب شهري ثابت أسهل كثيرًا من تأسيس شركة ناشئة.

ونتيجةً لذلك، فإن نصيحتي لكل من يُفكِّر في ترك الدراسة الجامعية هي أن يستمر في الدراسة، وأن ينتهز كل فرصةٍ لبناء مشاريع وشركات ناشئة بجانب الدراسة. وحين يُحقق أحدها نجاحًا، ستشعر بما شعر به من سبقوك؛ وستعرف متى يتوجَّب عليك الاستمرار في البناء وتحويل فكرتك إلى واقعٍ ملموس. وحتَّى يحدث ذلك، استمر في الدراسة واستمر في البناء. وحين يحدث ذلك، اترك الدراسة الجامعية تدريجيًا.

هل توازن بين قرار الاستمرار في الدراسة الجامعية وبين تركها للسعي إلى تأسيس شركتك الناشئة؟ هل تركت الجامعة؟ شاركنا أفكارك وتجربتك.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال: Thoughts on dropping out to do a startup لصاحبه Joel Gascoigne مؤسّس Buffer.



3 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


مقال رئع كنت افكر في ترك الجامعة لاني كنت اراها مضيعة للوقت امام مجال ريادة الاعمال لكن بعد قراءة المقال غيرت نظرتي السلبية للجامعة

تمّ تعديل بواسطة Lakhdar Benzahia

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية

أرى أن هذا المقال لا ينطبق على المنطقة العربية وذلك لعدة أسباب:
أولاً : اختلاف النظام التعليمي ، فالجامعة عندنا في الغالب ( تلقين) ولا تتبع نظاماً تعليمياً يرتقي بعقول الطلاب ويطور مهاراتهم .
ثانياً: أن الأمر مختلف حسب التخصص ، فلا أعتقد أن تأسيس شركةٍ تقنية أثناء دراستك بكلية الطب فكرة جيدة .
ثالثاً: ذكر المقال نقطة ( لا ضغوط ) ولكن المعروف في مجتمعاتنا أن الطالب الجامعي في الغالب سيحتاج للعمل ليغطي مصاريف الدراسة والمعيشة .
وعلى كل حال ، ومن وجهة نظري ، أرى أن ترك الجامعة من أجل تأسيس شركة ليس قراراً صائباً في الغالب، خصوصاً في ظل المتغيرات السياسية والإقليمية والتي تعصف باقتصاد الدول العربية ، فأرى أن هذه الخطوة ليست مأمونة المخاطر ، ومن الأفضل للشاب أن يبقى على أرض ثابته ، طالما كان بإمكانه التفوق في التخصص الذيي يدرس به ، وأن يوفق بينه وبين حياته العملية .

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن