السّذاجة الصِّحِيَّة، أو متى ستكون سذاجتك وقلّة معرفتك مُفيدة لك كرائد أعمال


نزيهة بلقاسم

أُحِبّ كثيرا النّظر إلى الماضي حينَ كنتُ على وشك ولوجِ عالمِ الشركات الناشئة وأجدُ أنَّ هناك أسطورةً يعتقدها الكثيرون من القادمين لهذا العالم كما أنّها في رأيي السّبب الرئيسي وراء عدم إقدامهم حتّى على المحاولة. تقول الأسطورة أنّه عليك الإلمام بجميع الأمور وأنّه يتوجب عليك لِزامًا أنْ تقوم بها بشكلٍ مثالي.

entrepreneur_(1).thumb.jpg.2b39004fcef63

 

ليس من المفاجئ أنْ يُفكّرَ أحدهم بهذا الشكل لأن رؤية الشركات الناشئة الناجحة تدفع بالمرء للتّخيل بأنّ أصحابها قد قاموا بكل الأمور بشكلٍ صحيح لكنني أعتقد أن الحقيقة بعيدة عن هذا التّخَيُّل كما بدأت أعتقد أنّه من المفيد والصّحي للمشروع أن تتمتَّع بقدر كافٍ من السَّذاجة عند الشّروع فيه.

مغالطة ترقّب النّمو الهائل scale anticipation fallacy

أحد أبرز أمثِلة ما أعتقد أنه يقع على عاتق  "السذاجة الصّحيّة" هو تجنُّبُ الوقوع في ما أسميته "ترقّب النّمو الهائل"ومَكْمَنَ الخطأ هنا هو الاعتقاد أنه لبناء ما قد يَنمو لِيَشْمَلَ مليون مُسْتَعْمِلٍ عليه أن يُبْنى من البداية ليستوعب هذا الرقم حتَّى ينجح.

عندما بدأت شركتي الأخيرة كانت لي جداول غير مُعدّة بشكل أمثل في قاعدة البيانات الخاصة بي، كنت أقوم بعمليات بحث عديدة في قواعد البيانات للحصول على البيانات التي كنت أدور في حلقاتها. ليس هذا وحسب، بل كنت أقوم بعمليات بحث queries  زائدة للحصول على البيانات التي أحتاجها. فلم تكن لديّ أدنى فكرة عن ما قد يعنيه مُصطلح Index في عالم قواعد البيانات وبالتالي قمت بكل ما لا يُنصح بالقيام به. ومع ذلك، في البداية لم يكن هذا الأمر بالغَ الأهميّة لأنّه لم يكن لديَّ أيُّ مُستخدِمين. مع مرور الوقت واجهتني عقبات "سعِدتُ بلقائها" كما أن الخَادوم في برنامجي كافح قليلا ولم يكن لديّ أيّةُ مشكلةٍ لتحسين الأمور بالطريقة التي تلائمني. من خلال تجربتي وصلت لنتيجة أن عدم اهتمامي للجوانب المُتعلّقة بالنّمو الهائل لمشروعي قد ساعدني للوصول إلى هذه المرحلة أين أصبح التّفكير في هذا النّمو مُهمّا. في المقابل أجِدُني أتساءَلُ إنْ أنَا اهتممت بهذا الأمر (النّمو الهائل لمشروعيscalability)  سابقا هل كنت سأصل إلى المرحلة أين يصبح هذا الأخير مهمّا حقَّا؟

أنت لا تعلَمُ ما لسْتَ تَعْلَمُهْ

أكبر التحديّات التيّ قد تواجهك عند بداية مشروعك المصَّغر أنك تعيش في عالمٍ مُسْتَقْبَلُهُ غامضٌ وغَيْرُ مَضْمُونٍ بتاتًا فأنت في مواجهة المَجْهُول. لقد أَثَرْتُ هذه النقطة سابقًا وأعتقدُ أنَّ الحلَّ يَكْمُنُ في الكفاحِ للحصول على المعرفة، المعلومة والتَّعلم من ردود الأفعال.

على كلِّ حال، أجدُ أنّ إِمْعَانِي التفكير في محاولاتي السابقة لبناءِ مشاريعٍ ناشئةٍ حتَّى يومِنَا هذا يُمَكِنُنِي من القول أنّ أحد أسباب نيْلي هذا القِسط من النَّجاح هو أنّي لم أدرك تمامًا المِقدار اللَّازِم عَلَيَّ أَنْ أتعلّمَهُ لأنجح. هذا هو نوع السّذاجةِ الذّي أعْتقِدُه شيئًا جيّدًا بل سأذهب بعيدا باعتقادي هذا لدرجةِ القول أنّني خائفٌ من أنّه في المُستقبل  سأكون على اطّلاع لأيِّ مدى ستكون الأمور صعبة.

لقد تكلّمَ ستيف بلانك في هذا الصدد في مقالته "يافع جدّا ليعلم أن الأمر لا يمكن إنجازه" وأعجبني تحديدا قوله:

" إذا كان قدماء المؤسِّسين استراتيجيين بحق، سَيُوظِّفون مهندسين في العشرينات أو الثلاثينات بحيثُ لا يدرون أنَّ تنفيذ ما يُطلبُ منهم أمرٌ مستحيل"

كن فخورا بسذاجتك ولْتَخَفْ مِنْ معرفتك الواسعة

مغالطةُ ترقّب النّمو الهائل هي واحدٌ من الأمثلة التّي تَدُلُّ على سذاجتي التي اتضح فيما بعد أنها ميزةٌ فالأمر المهم عند إنشاء المشاريع المصّغرة ليس مدى سوء تعليماتك البرمجية أو أي شيء آخر بل كل ما يهم هو أن تخرج لِلْعَلَنِ بشيء يُريدُه النَّاس.

لقد اخترتُ محاولة بدء مشروع جديد فور التخرج من الجامعة عِوَضَ هَدْرِ الوقت في أمور أخرى وقد كان مُضِيُّ عامين ارتكبتُ فيهما الكثير مِنَ الأخطاءِ صعبًا عليَّ لكنَّنِي تحصلتُ أخيرا على قليلٍ من النجاح.

ومع ذلك، فإنّ الشّيء الرّئيسيَّ الذّي تعلّمتُهُ ليس "كيفية إنجاز المهمَّات بِمثاليَّة" بل أن التَّوازن المطلوب هو أن أقوم بالأمور بطريقة جيدة كفاية في الوقت الحاضر. البعض قد يطلق على هذا مبدأ 20/80 أو مبدأ باريتو.

أعتقد أنّنّي لو أمضيت وقتا في مجال آخر لكنت جلبت المهارات التي تعلمتها في محاولة بدء مشروع مصغر سنوات من اليوم ولربّما حاولت القيام بكل شيء بمثالية وهذا ما سيكون غلطة كبيرة. أعتقد أن التّشبّث بعقل المبتدإ أمر هام للغاية وكما قال ستيف جوبز:

 "ابق جائعا، ابق فضوليا".

ما رأيك حول تأثير السّذاجة في بناء المشاريع المصّغرة؟

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Healthy naivety لصاحبه جويل غاسكوين (مؤسس Buffer).



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء


استمتعت بالترجمة كثيراً. ما أجمل العربية، شكراً لك.

تمّ تعديل بواسطة AN

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن