أدوات الترجمة بمعونة الحاسوب (Cat tools): بوابة الترجمة العصرية


نادر حوري

لا يكاد يترك لنا التقدّم التقني الهائل في عصرنا الحالي مجالًا للاسترخاء، فكلُّ يومٍ يحمل معه تقنيّات جديدة واستراتيجيات إبداعية فريدة، ولكي تتمكّن من مواكبة المنافسة في سوق العمل يجب أن تكون قادرًا على التعامل مع البرامج الحاسوبيّة واستثمارها لتطوير مهاراتك. ولعلّ أبرز الأدوات التي دخلت مجال الترجمة بقوّة هي أدوات الترجمة باستخدام الحاسوب أو ما يُعرف باسم أدوات الكات (Computer Assisted Translation - CAT).

إن كنت مترجمًا تبحث في تطوير إمكانياتك وتحصيل فرص عمل أكبر ودخول سوق المنافسة بقوّة فإتقانك لأدوات CAT أمرٌ لا مفرّ منه. يجب أن تعلم أن سوق المنافسة قد أصبح مزدحمًا وأضحت الشركات وأصحاب المشاريع يضعون في مقدّمة بنود العمل إتقان أدوات CAT شرطًا لقبول المُترجم، لا تريد تفويت كلَّ تلك الفرص أليس كذلك؟

سنقدّم بين يديك سلسلة مبسّطة من المقالات عن أدوات CAT نشرح فيها كل ما تحتاج إلى معرفته عن هذه الأدوات وآليّة استخدامها، وسوف نستعرض مثالًا حيًّا عليها، برنامج memoQ الفريد بتفصيل وترتيب منظوم بحيث تتمكّن من بدء مشروع الترجمة الأوّل لك بمساعدة أدوات CAT خلال وقتٍ قصير.

سوف نستهل سلسلتنا بمقال تقديميّ نشرح فيه أساس عمل أدوات الترجمة بواسطة الحاسوب وضرورة المسارعة إلى إتقان أحدها وإضافته إلى قائمة الكفاءات الخاصّة بك.

أدوات CAT لوحة مشتركة بين الحاسوب والإنسان

أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب هي في الواقع برامج تحرير نصيّة بسيطة تعتمد على تخزين الجمل التي ترجمتها والمفردات التي أدخلتها سابقًا ومن ثم اقتراحها لك تلقائيًّا عند عملك على جملٍ مشابهة لها لاحقًا.

يعتمد مبدأ عمل برامج CAT على تقسيم الفقرات التي أنت بصدد ترجمتها إلى جمل مستقلة، وبعد ترجمتك لهذه الجمل يُخزّن البرنامج تلك العبارات لديه فيما يُعرف بذاكرة الترجمة (Translation memory أو TM). بالإضافة إلى إمكانيّة تخزين ترجمة المصطلحات والمفردات في قاعدة بيانات البرنامج ليقدّمها لك عند تكرارها في أعمالك اللاحقة.

عند ورود عبارات مشابهة لما ترجمته مُسبقًا سيقدّمها لك البرنامج مع توضيح نسبة تشابه هذه العبارة مع العبارات التي ترجمتها. يمكنك تخيّل الأمر وكأنك تجمع قطع لعبة Puzzle الخاصة بالأطفال، حيث ستجمع لك برامج CAT معظم القطع وعليك فقط وضع القطع المتبقيّة، تخيّل كم سيكون الأمر أسهل وفق هذه الاستراتيجية.

كلّما كانت قاعدة البيانات وذاكرة الترجمة التي تزوّدها للبرنامج غنيّة تمكّن البرنامج من مساعدتك أكثر. لنفترض على سبيل المثال أنك بصدد ترجمة 3 مقالات عن إدارة الأعمال، ستترجم المقال الأول وتزوّد البرنامج على سبيل المثال بـ50 جملة ومصطلح شائعين في هذا المجال.

ثم ستشرع بالعمل على المقال الثاني وتُلاحظ أن البرنامج قد قدّم لك 10% من محتوى المقال مُترجمًا وفق ما ترجمته أنت في العمل السابق؛ أي أن البرنامج لا يترجم آليًّا إطلاقًا بل يعتمد على الترجمات التي تدخلها أنت بنفسك. كل المفردات والجمل التي تترجمها تدخل قاعدة البيانات وتُخزّن في ذاكرة الترجمة، وهي المصدر الأساسي والوحيد الذي يقترح عبرها البرنامج ترجمةً للجمل المُتكرّرة ويقترحها لك.

بعد انتهائك من الترجمة ستضيف لذخيرة البرنامج 50 عبارة أخرى في مجال إدارة الأعمال. في المقال الأخير ستلاحظ أن 20% من العمل متشابه مع المقالين الأوّلين وقد قدّمه البرنامج لك مُترجمًا وجاهزًا، وما عليك سوى التأكد من السياق، بالطبع هذه الأرقام على سبيل المثال فقط. وهكذا كلما أثريت برامج CAT بترجمة إضافية ستجد أن عملك يصبح أكثر سلاسةً وأقل جُهدًا ووقتًا.

امتيازات تعلم برامج CAT

كما ذكرنا في مقدّمة مقالنا تعلّم أدوات CAT لم يعد أمرًا كماليًّا بل غدا مطلبًّا أساسيًّا في معظم عروض الترجمة الاحترافيّة، لماذا قد تتساءل؟ حسنًا الجواب وببساطة لأن الشركات والأفراد على حدّ سواء رأوا من خلال برامج CAT ميّزات جوهريّة غيّرت من مفاهيم ما هو مطلوب في العمل. يمكننا تلخيص أبرز مزايا برامج CAT في النقاط التالية:

  • توفير الوقت وتقليل الأخطاء: كما ذكرنا في مثالنا السابق، عندما يكون 20% من العمل لديك جاهزًا ومُترجمًا مُسبقًا، فهذا يعني أنك تجاوزت خُمس العمل وبدأت سباق الترجمة متقدّمًا بخطوتين. لن تضطر إلى إعادة ترجمة العديد من العبارات المتكررة، بالإضافة إلى الوقت الذي ستوفّره من البحث المتكرر في معاني الكلمات والاختصارات والمصطلحات التي مرّت معك مسبقًا وتصحيح الأخطاء الإملائية أو النحوية التي قد تسقُط منك سهوًا.
  • توحيد سياق الترجمة: إن كنت تعمل على مشروع كبير يتضمّن آلاف الكلمات فستواجه صعوبة في توحيد المصطلحات العلمية أو الرموز المعتمدة، إليك مثالّا على ذلك، منظمة "OHCHR" هل تعلم ما هي؟ هي "مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، قد تواجه هذا المصطلح خلال عملك الطويل على المشروع عشرات المرات وقد تطالع معناها للتأكد عدّة مرّات في عملك، فتارةً تترجمها "مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" وتارة "المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان" وأخرى "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان"، لذلك عند استخدامك لبرامج CAT يقدّم لك البرنامج ترجمة هذا المصطلح أوتوماتيكيًّا وبذلك توحّد الترجمة في كامل العمل مهما بلغ حجمه.
  • دخول مجال العمل بأسعار منافسة: بالطبع عندما يتقلّص مقدار العمل عليك فلديك إمكانية تقديم أسعار منافسة لعملائك. لنفترض أن هنالك ملفًّا بصدد ترجمته لأحد العملاء وبعد إدراج لذلك الملف في أحد برامج CAT وجدت أن 20% من العبارات موجودة مسبقًا في ذاكرة الترجمة لديك، بإمكانك عندها عرض سعر أقل 10% من العروض المنافسة على سبيل المثال وبذلك، ستكون ربحت منافسة السعر وحافظت على جودة العمل في الوقت نفسه.

برامج CAT التقليدية والسحابية

يمكن تقسيم برامج CAT إلى برامج على مستوى الأفراد وبرامج على مستوى المجموعات، على الرغم من أن كلا الصِنفين يشتركان في آلية العمل نفسها، إلا أنهما يختلفان في طبيعة العمل والأهداف المُزمع إنجازها وطريقة الإنجاز المُخطط لها.

  • برامج CAT التقليدية: وهي مناسبة لعمل الأفراد المستقلين أو لعمل الأفراد في المجموعة الواحدة ولكن ضمن مشاريع مختلفة. تكون قاعدة البيانات وذاكرة الترجمة خاصّة بالمترجم نفسه ولا يشترك بها مع الأفراد الآخرين، ولكن بإمكانه حفظ ذاكرة الترجمة واستخدامها في برامج CAT الأخرى، وأحد أبرز الأمثلة عنها هو برنامج omegaT المجاني.
  • برامج CAT السحابية: النوع الأكثر انتشارًا على مستوى المؤسسات، وهي تناسب طبيعة العمل ضمن مجموعة أو فريق واحد، بحيث يكون هنالك قاعدة بيانات مشتركة وذاكرة ترجمة واحد لكل الفريق وتكون مخزّنة سحابيًّا، وبإمكان أي عضو من الفريق الاستفادة من ذخيرة الترجمات للأعضاء الآخرين ومشاركة ترجمته معهم في نفس الوقت، بحيث يغدو العمل متناغمًا ومنظّمًّا أكثر، ويُعدُّ برنامج memoQ مثالًا على برامج CAT السحابية.

هل أحتاج إلى أكثر من برنامج CAT وكيف أختار الأفضل؟

بالطبع قد يجول في خاطرك هذا التساؤل، إذ يجب أن تعلم أن سوق العمل متنوّع جدًا، فعلى الرغم من أن آليّة عمل برامج CAT واحدة ولا تكاد تختلف عن بعضها سوى ببعض الميّزات الثانوية، تجد بعض الشركات تقتصر في بنود العمل لديها إتقان برنامج واحد على وجه التحديد.

لكن هل هذا يعني أن عليك أن تتقن وتعمل على كافّة برامج CAT المتوفّرة في السوق؟ بالطبع لا فهناك العشرات منها وليس من المنطقي أن تعمل عليها جميعها. ما عليك فعله هو إتقان أشهر برامج CAT في وقتنا الحالي، وستكون بذلك قد ضمن فرص عملٍ أكثر ومرونة أكبر في التعامل والتقدّم للشركات وأصحاب المشاريع.

ما هي أفضل برامج CAT في وقتنا الحالي؟ بالطبع ليس هناك جواب مطلق من جهة رسمية وإنما آراء وتقييمات الشركات والأفراد هي التي تحدّد أفضلها، ويمكننا حصر أبرز وأشهر برامج الترجمة السحابية في وقتنا الراهن بأربع برامج هي:

  • MemoQ: وهو من أفضل برامج CAT للأفراد والمؤسسات على حدٍّ سواء، وهو البرنامج الي اخترناه لنفصّل آليّة عمل برامج CAT. يشتمل برنامج memoQ على كل الميّزات التي قد يحتاج إليها أي مترجم، ابتداءً من الواجهة التفاعليّة المبسّطة إلى دعم العديد من صيغ الملفّات، مثل html وpdf وdoc وppt وغيرها، ووصولًا إلى ميّزة التدقيق الإملائي وإحصاء الجمل والمفردات.
  • SDL Trados Studio: وهو من البرامج المشهورة والتي سيطرت على سوق برمجيات CAT خلال العقدين الماضيين. يتميّز ببساطة العمل ويتضمّن ميّزات مشابه لنظيره memoQ.
  • Wordfast: ومن من البرامج المشهورة في أوساط المترجمين المستقلين، وقد كان إحدى الإضافات الموجودة في برنامج الوورد أوفيس، إلا أنه تحوّل إلى برنامج مستقل لاحقًا. يتميّز برنامج Wordfast ببساطته موازنةً بالبرامج السابقة، وهو مناسب أكثر لمشاريع الترجمة الفردية البسيطة.
  • Memsource: وهو برنامج سحابي، وقد طُوّر في جمهورية التشيك عام 2010، يتميّز بمرونة التعامل وواجهته التفاعلية المبسّطة والجذّابة.
  • omegaT: أحد أبرز برامج CAT المجانيّة. يقدّم طيفًا واسعًا من الأدوات والميّزات التي تنافس العديد من البرامج المدفوعة الأخرى. يعمل برنامج omegaT على أنظمة التشغيل الرئيسية MAC وLinux وWindows ويُقدّم واجهة تفاعلية بسيطة. على الرغم من افتقاره لبعض الأدوات المتقدّمة التي تمتلكها البرامج المدفوعة إلا أنه يمثّل خيارًا ممتازًا للمبتدئين الذين يريدون دخول عالم برامج CAT عدا عن أنه مجاني بالكامل ومفتوح المصدر.

أدوات CAT في العالم العربي

لسوء الحظ ليست هناك إحصائيات واضحة حول حجم ومقدار الطلب على أدوات CAT في عالمنا العربي، إلا أن قاعدة المترجمين الذين بدأوا يعتمدون على أدوات CAT في ازدياد مستمر. ولأخذ فكرة عن مدى الطلب على أدوات الترجمة الحاسوبية عالميًّا أجرت منصّة PROZ، وهي منصّة ترجمة عالميّة، دراسة استطلاعيّة لأكثر من 3000 مُترجم محترف بدوام كامل حول العالم، ووجدت أن:

  • 88% من هؤلاء المترجمين يستخدمون واحدًا على الأقل من برامج CAT.
  • أكثر من 76% من هؤلاء يستخدمون أكثر من برامج CAT في أعمالهم.
  • 68% من الأشخاص الـ12% الذي لا يستخدمون أدوات CAT حاليًّا قد استخدموها مسبقًا أو جربو استخدامها على الأقل، في حين 32% فقط لم يستخدمو هذه البرامج إطلاقًا.

أخيرًا وليس آخرًا

بعد هذا الاستعراض المُقتضب لبرامج CAT وأهم ميّزاتها وآليّة عملها سنتاول في مقالنا التالي من سلسلتنا برنامج memoQ مسلّطين الضوء على أهم ميّزاته وما يتقدّم به وما يفتقر إليه مقارنة ببرامج CAT الأخرى مع شرح نسخ البرنامج المتوفّرة وكيفية تنزيه النسخة المجانيّة منه.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن