مدخل إلى التسويق أهم الاتجاهات الاجتماعية المؤثرة على عملية التسويق


علاء أيمن

تناولنا في المقال السابق أبرز العوامل الخارجيّة المؤثرة على عمليّة التسويق، فذكرنا تأثير المنافسين، والعوامل السياسيّة والاقتصاديّة والقانونيّة المختلفة، وفي هذا المقال سوف نستكمل ما بدأناه، ونستعرض تأثير العوامل الاجتماعيّة، والثقافيّة على عمليّة التسويق.

تتضمن البيئة الاجتماعية جميع العوامل، والاتجاهات المرتبطة بجماعة من الناس، وتشمل عددهم، وصفاتهم، وسلوكهم، وتوقعات النمو لديهم؛ ولأن الأسواق الاستهلاكية تنطوي على حاجات، ومشاكل محددة، تؤثِّر البيئة الاجتماعية على الأسواق بطرق مختلفة، فقد تؤدي الاتجاهات الاجتماعية إلى زيادة حجم أسواق، وتراجع أخرى، وربما تساعد حتى على فتح أسواق جديدة. وسوف نناقش فيما يأتي اثنين من أهم مكونات البيئة الاجتماعية، وهما: البيئة السكانية، والبيئة الثقافية.

التغيرات السكانية (الديموغرافية)

ترتبط المعتقدات، والقيّم، والتقاليد، بسمات ثقافة معيّنة، ولكن السمات السكانية تتعلق بالصفات الظاهرية للأفراد في تلك الثقافة، فهي تشمل الصفات البدنية، مثل الجنس، والعرق، والعمر، والطول، والصفات الاقتصادية، مثل الدخل، والمدخرات، وصافي الثروة، والصفات العائلية، مثل: الحالة الاجتماعية، وعدد الأطفال، وأعمارهم، بالإضافة إلى الصفات المتعلقة بالعمل، والتعليم، ومكان السكن، ومع ذلك، تتصف الصفات السكانية بالتغيّر المستمر، إذ لم يعد هناك وجود للحدود التقليدية المرتبطة بالثقافة، والأسرة، والعمل، والأجور، والطبقة الاجتماعية.

مع ذلك، ما زال على المسوّقين فهم الزبائن بصورة دقيقة، فعلى سبيل المثال: يستطيع المسوّقون ملاحظة اتجاهات قديمة، وأخرى جديدة في الثقافة الأمريكية خلال القرن الماضي، فرغم استمرار سير المجتمع نحو الشيخوخة، إلا أن معدل المواليد في السنوات الأخيرة كان أكبر من المتوقع، وكذلك كانت الهجرة، ولكنها واجهت ردود فعل حادّة، وفيما يلي سوف نتناول بعض التغيّرات السكانية في الولايات المتحدة، وكيفية تأثيرها على التسويق.

  • الأسر تتقدم في العمر، وتنمو ببطء: يتجاوز أكثر من نصف الأسر الأمريكية سن الخامسة والأربعين، أما معدل نمو الأسر فهو 1% فقط، بينما وصل خلال الثمانينات إلى 2% تقريبًا؛ لذلك يجب على المسوّقين التخطيط للتواصل مع عدد كبير من الأسر ذات الفئة العمرية المتوسطة، والتي تتميز بوجود مستهلكين على قدر من الخبرة والوعي، ويهتم هؤلاء المستهلكون بمنتجات منزليّة عالية الجودة، وخصوصًا منتجات الرعاية الصحيّة.

  • اختفاء الأسرة التقليدية: تتكون غالبية الأسر الأمريكية من فردين متزوجين فقط، فيما تمثل الأسر التي تتكون من شخص واحد فقط ربع الأسر، في المقابل، تمتلك ثلث الأسر أطفالًا دون الثامنة عشرة، مع ذلك، تسيطر الأسر التي تتكون من فردين متزوجين على سوق المنتجات الكماليّة، إذ تتمتع هذه الأسر بدخل مرتفع نسبيًا. ويمكن القول إن نمو الأسرة غير التقليدية، وتراجع نمو الأسرة التي تتكون من فردين متزوجين، يعني المزيد من تجزئة السوق المجزّء أصلًا. وتُعد ظاهرة "الجيل الوسط" إحدى الظواهر التي تعبّر عن تغيّر في بنية الأسرة التقليدية، وتشير هذه الظاهرة إلى ازدياد عدد الأفراد البالغين، الذين يعتنون بوالدين متقدمين في السن، في الوقت ذاته، الذي يربون فيه أطفالهم، وطبقًا لدراسة صادرة عن الرابطة الوطنية لرعاية كبار السن، وجمعية المتقاعدين الأمريكين، فهناك أكثر من 9 ملايين أمريكي في هذا الوضع، وتتراوح أعمار 40% منهم بين سن 35 و49 عامًا. إن هذا الوضع يترك ضغطًا شديدًا على الأفراد، إذ يشير بيث ويلوجين ماكلويد، مؤلف كتاب "رعاية كبار السن: رحلة الحُب والفقد" "فجأة تجد نفسك تحت ضغط الموازنة بين زوجتك، وأبنائك، وعملك، ووالديك المسنين."

  • ازدياد التعليم: إن معظم البالغين في الولايات المتحدة ما زالوا يفتقرون إلى شهادة جامعية (حوالي 67%) ولكن هذه النسبة في تراجع مستمر، فقد بات الأمريكيون يقبلون بصورة متزايدة على التعليم الجامعي، والمهني. إن ازدياد عدد العمال المؤهلين يعني ظهور طبقة من الزبائن الذين يتمتعون بالمعرفة، والذكاء، أي أنهم بحاجة إلى المزيد من المعلومات حول مزايا المنتجات، وفوائدها قبل شرائها.

  • ازدياد الوظائف غير البدنية: ما زالت الوظائف التي لا تتطلب قوة بدنيّة تواصل نموها، ومن المتوقع أن يتركز نمو الأعمال خلال السنوات العشرة القادمة في قطاع الخدمات، وخصوصًا قطاعي الرعاية الصحيّة، والخدمات الاجتماعية، ولأن تقديم الخدمات لا يتطلب استثمارًا كبيرًا، موازنة بإنتاج البضائع الاستهلاكية، فمن المتوقع أن نشهد نموًا كبيرًا في الأعمال الصغيرة، والأنشطة الريادية، والمبادرات الفردية، أضف إلى ذلك أن ارتفاع تكلفة الموظفين من شأنه أن يزيد من حجم الإقبال على الأيدي العاملة المؤقتة، والمتعاقدين المستقلين، لذلك يجب على مديري التسويق أن يراعوا خشية هؤلاء العاملين من المخاطرة، وذلك بسبب غياب شبكة الأمان التي تصاحب العمل في الشركات بالعادة، مثل: خطط التقاعد، والتأمين الصحي، وفي هذه الحال، قد يستطيع المسوقون تخفيف المخاطرة من خلال تقديم ضمانات معيّنة، مثل إمكانية استرداد الزبائن لأموالهم، كما يجب على المسوّقين الاستعداد للتعامل مع زبائن أكثر وعيًا، وذلك نتيجة ازدياد توجه المستهلكين نحو العمل في الأعمال المستقلة، والصغيرة.

  • نمو أسرع من المتوقع: يعيش في الولايات المتحدة حوالي 272 مليون نسمة، أي أن التعداد السكاني قد ازداد بـ 19 مليون منذ عام 1990، وهي زيادة ناتجة عن طفرة غير متوقعة في عدد المواليد، فقد بلغ عدد المواليد في الولايات المتحدة بين يناير 1990 وديسمبر 1994 حوالي 20.4 مليون مولودٍ، وهي أعلى زيادة خلال فترة خمس سنوات منذ طفرة المواليد الشهيرة بين عامي 1960 و1964، كما أنها تزيد بمعدل 6% عن أواخر الثمانينات، كذلك شهدت الولايات المتحدة أعلى زيادة في أعداد المهاجرين خلال فترة خمس سنوات، منذ مطلع القرن العشرين، فقد بلغ عدد المهاجرين 4.6 مليون مهاجرٍ، أي بمعدل زيادة 31% عن السنوات الخمس السابقة، وقد أدى تدفق مليون مهاجر جديد إلى الولايات المتحدة في كل عام إلى ازدياد التنوّع في السوق الاستهلاكي بصورة كبيرة، وخصوصًا بين فئة الشباب.

  • نمو الأقليات: يُعد البِيض أعلى الفئات العرقية نموًا في الولايات المتحدة خلال التسعينات، في حين جاء ذوو الأصول اللاتينية في المرتبة الثانية، فقد ازداد عدد اللاتينيين في الولايات المتحدة من 22 مليونًا في عام 1990 إلى 35 مليونًا في عام 2000، ويمثل هذا الرقم ضعف نمو الأمريكيين الأفارقة، والآسيويين. وإذا واصلت جميع الأقليات نموها بالمعدل الحالي، فسوف يصبح عدد اللاتينيين في الولايات المتحدة أكبر من عدد الأمريكيين الأفارقة خلال عشر سنوات فقط، ويُعد هذا الاتجاه مهمًا للغاية بالنسبة إلى المسوّقين الذين يستهدفون مناطق جغرافية بعينها، وذلك لأن اللاتينيين، والآسيوين، يميلون إلى التمركز الجغرافي في مناطق محددة أكثر من الأمريكيين الأفارقة.

  • وصول جيل طفرة المواليد إلى منتصف العمر: يتجاوز أكثر من نصف الأمريكيين سن 35 عامًا، أما أكبر الأفراد في طفرة المواليد فقد أصبح في سن 55، وتُعد الفئة العمرية بين 41-50 عامًا أكثر فئة عمرية نموًا، في ظل استيعابها لجيل طفرة المواليد، وقد وصلت هذه الفئة العمرية إلى ذروتها في عام 2000، ثم بدأت بالتراجع، أما أسرع الفئات العمرية نموًا فهي الفئة التي تتراوح بين 45-54 عامًا، وهي المرحلة التي يصل فيها الدخل، والإنفاق إلى ذروته. إن ذوي الفئة العمرية المتوسطة هم أقل الفئات العمرية عرضة لتغيير سكناهم، وبالتالي فإن النمو السريع، والدخل المرتفع، والاستقرار النسبي سوف يزيد التوجه نحو الإنفاق على الكماليات بصورة كبيرة، وخصوصًا على الأثاث، والتعليم، والتأمين.

  • الانتقال إلى الجنوب: يعيش أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة (54%) في أكبر عشر ولايات أمريكية، كما أن أكثر من نصف النمو بين عامي 1990 و1999 قد تركّز في هذه الولايات العشرة، لقد كانت نيويورك خلال الخمسينات أكبر ولاية من ناحية التعداد السكاني، ولكن ولاية تكساس قد نجحت بفضل النمو السكّاني السريع خلال التسعينات في إزاحة نيويورك إلى المرتبة الثالثة، ولعل أهم أسباب النمو السريع في الولايات الجنوبية؛ هو تدفق المهاجرين الجُدد، فقد شهدت الولايات المتحدة وصول حوالي أربعة ملايين لاجئ بين عامي 1990 و1995، فيما استقر أكثر من نصفهم في ولايات كاليفورنيا، وتكساس، وفلوريدا.

  • سحق الطبقة الوسطى: طبقًا لمكتب تعداد الولايات المتحدة، فقد تراجع إجمالي دخل الطبقة المتوسطة -والتي تشكل 60% من الأسر- من 52% في عام 1973 إلى 49% بعد 25 عامًا، في الوقت نفسه، ازداد دخل أعلى 20% من الأسر (التي يبلغ متوسط دخلها 98.600 دولار) من 44% إلى 48%، أي أن القوة الشرائية لأعلى 20% من الأسر، قد أصبحت مساوية للقوة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة، التي تشكّل 60% من الأسر.

المجموعات السكانية (الديموغرافية)

بالإضافة إلى فهم الاتجاهات الديموغرافية العامّة، يجب على مديري التسويق التعرّف على المجموعات السكانية، التي قد تتحول إلى شرائح تسويقية مهمة، وذلك بسبب حجمها الكبير، وسماتها الاقتصادية، والاجتماعية المتشابهة، وقيمها المشتركة، وسوف نناقش فيما يأتي ثلاث مجموعات سكانية عمريّة، قد تُعد شرائح تسويقية كبيرة، وهي: جيل طفرة المواليد، والجيل إكس، وطفرة المواليد الصغيرة.

طفرة المواليد

وقعت طفرة المواليد في الولايات المتحدة بين عامي 1946 و1964، وقد شهدت هذه الفترة ولادة 76.4 مليون مولودٍ. واليوم، ما زال حوالي 70 مليونًا من هذا الجيل على قيد الحياة، وهم يمثلون ربع السكّان، وبفضل هذا العدد الكبير، والقوة الشرائية المتزايدة، يحظى هذا الجيل بتأثير كبير على المزيج التسويقي للعديد من المنتجات، والخدمات، فعلى سبيل المثال: معظم نساء طفرة المواليد يعملن بدوام كامل، وهو ما يلقي بتداعياته على رعاية الأطفال، والاهتمام بالموضة، والسيارات، والسفر، والوجبات السريعة. ومع تقدّم هذا الجيل في السن، تتزايد المخاوف الصحية لديه، وبالتالي سوف يصبح أكثر اهتمامًا بمنتجات الرعاية الصحيّة.

الجيل إكس

يُعرف الجيل إكس -أيضًا- بـ "جيل الظل" وهو يتكون من المواليد بين عامي 1969 و1980. ويُوصف أفراد هذا الجيل بأنهم "كُسالى". تخيّل أن 45 مليون شخصًا يُوصفون باللامبالاة، والافتقار إلى الثقافة، أو الهدف في الحياة، أما من وجهة نظر المسوّقين، فيُقدر الدخل القابل للتصرف لدى أفراد هذا الجيل بـ 125 مليار دولار، أما في العصر الحالي، فقد بات الجيل إكس يعرف تمامًا ماذا يريد، أو لا يريد.

لسوء الحظ، كلّما تعرّف المسوّقون على هذا الجيل، قلّت إمكانية تصنيفه كشريحة تسويقية مستقلة، على سبيل المثال: يضم هذا الجيل بين 10 مليون طالب جامعي و15 مليون فرد متزوّج، وباختصار: يُعد هذا الجيل الأكثر تنوعًا في تاريخ الولايات المتحدة، ومع ذلك، تتشابه آراء هذا الجيل حول طبيعة المعيشة في الولايات المتحدة، مع آراء بقية السكّان، فعلى سبيل المثال: يعتقد 52% من هذا الجيل أن جودة الحياة في الولايات المتحدة جيّدة، بينما تصل هذه النسبة إلى 53% لدى عامّة السكان، في المقابل، يشعر 64% من هذا الجيل بالقلق حول الأمور المالية، موازنة بـ 58% من السكّان بصفة عامة.

في ظل تنوع الجيل إكس، هل يمكن لاستراتيجية تسويق متكاملة أن تستهدف هذه الفئة العمرية؟ إن مفتاح التسويق في هذه الحالة هو العثور على شرائح تسويقية فرعية ضمن هذه الفئة العمرية التي يبلغ تعدادها 45 مليون نسمة، فعلى سبيل المثال: يمكن اعتماد التعليم معيارًا للتصنيف، وخصوصًا أن من يحملون شهادة جامعية أكثر إجادة للحاسوب، وبالتالي توجد إمكانية للوصول إليهم من خلال الإنترنت، إن هذا الجيل يتسم بالتفاؤل، والميل نحو البساطة، وبالتالي فإن الرسائل التسويقية البسيطة مثل: العلاقات العامة، أو التسويق المرتبط بالقضية، قد يكون فعالًا في التواصل مع هذه الفئة.

جيل الألفية

يتكون جيل الألفية من أبناء جيل طفرة المواليد، الذين وُلدوا بين عامي 1975 و1995. وقد بلغ تعداد جيل الألفية بحلول عامه الأخير، أي عام 1995، حوالي 72 مليون نسمة تحت سن التاسعة عشرة. على الرغم من ذلك، تواصل نمو هذا الجيل حتى بعد عام 1995 من خلال الهجرة القادمة من الخارج.

ويحمل جيل الألفية مواقفهم الخاصة التي تشكلت بفعل التقنيات الحديثة، والتغيرات العالمية، فقد ساهمت النقاشات العالمية عبر الإنترنت، في صياغة نظرة هذا الجيل إلى العالم، كما أن مرض الإيدز قد ترك أثره على مواقف هذا الجيل من العلاقات، والزواج، والأسرة. أخيرًا، يمكن القول أن مواقف هذا الجيل قد تأثرت بالعديد من الأحداث الفارقة، مثل: أحداث العنف، التي تركت انطباعًا دائمًا على طريقة تفكيرهم، أما من وجهة نظر تسويقية، فقد أدت سرعة المعلومات، وتوفرها، إلى ظهور مستهلك في غاية الوعي.

الثقافة العامة والفرعية

جميعنا جزء من نسيج ثقافي يؤثر على سلوكنا، بما في ذلك سلوك الشراء لدينا، وتُعد الثقافة ملخصًا لجميع المعتقدات، والقيم، والتقاليد، التي تنظم سلوك الأفراد في مجتمع معيّن، فمن خلال الثقافة، نستطيع التفاعل مع العناصر البيئية، والحيوية، والنفسية، والتاريخية في بيئتنا المحيطة.

تساعد المعتقدات، والقيم على توجيه سلوك الأفراد، أما التقاليد فهي تمثل أنماطًا سلوكية مقبولة في المجتمع، ويمكن تعريف المعتقدات بأنها الآراء التي تعكس دراية الفرد بموضوع معيّن، وحجم معرفته به، أما القيم: فهي عبارات عامة، توجه السلوك، وتؤثر على كل من المعتقدات، والمواقف، فمثلًا: تُعد عبارة "الصدق أنجى" من الأمثلة على القيم، وتساعد القيم الأفراد على الاختيار بين البدائل المتعددة في حياتهم اليومية، وأما التقاليد، فهي: أنماط سلوكية ظاهريّة، مقبولة ثقافيًا في أوضاع معيّنة، وهي تختلف من دولة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وحتى من أسرة إلى أخرى، ففي المجتمعات العربية المسلمة مثلًا، يُعد التعامل بالربا حرامًا شرعًا، لذلك تنتشر المصارف الإسلامية التي لا تتعامل بالربا.

يُستعمل مصطلح "القيم الأساسية" للإشارة إلى أبرز القيم الثقافية التي تشكل هويّة مجتمع معيّن، فعلى سبيل المثال: إذا كانت ثقافة مجتمع معيّن، تميل إلى تقدير قِيم "الانتماء، وحسن الجوار" أكثر من قِيم "السرعة، والكفاءة"؛ فإن القليل من الأشخاص في هذه الثقافة قد يميلون إلى استعمال الصرّافات الآلية. إذًا ما هي القيم التي يقدرها الأمريكيون؟ من الواضح أن المفاهيم الجامعة مثل "أخلاق العمل البروتستانتية" لم تعد تعبّر عن المجتمع بأكمله.

إن تغيير القيم الأساسية يُعد أمرًا صعبًا للغاية، ويتطلب كثيرًا من الوقت، ولذلك بدلًا من محاولة تغييرها، إذ يجب على المسوّقين صياغة استراتيجيات تعكس هذه القيم، وتعبّر عنها.

في المقابل، تضم جميع الثقافات قيمًا ثانوية، وهي قيم ليست قويّة، أو سائدة للغاية في المجتمع، وبالتالي يستطيع المسوّقون التأثير عليها، وتجدر الإشارة -أيضًا- إلى أن القيم الثانوية تكون في الغالب موجودة لدى بعض الأشخاص دون غيرهم، وهو ما يجعلها أساسًا للثقافات الفرعية.

إن ظهور الثقافات الفرعية يمثل المسار الطبيعي للتطور في أيّ ثقافة، بينما يحمل جميع أفراد الثقافة -تقريبًا- القيم الأساسية ذاتها، لكن ذلك لا ينطبق على القيم الثانوية، التي تلعب دورًا أساسيًا في ظهور الثقافات الفرعيّة، وفيما يلي أبرز خمسة عوامل تساعد على ظهور الثقافات الفرعيّة:

  • الثقافة المادية: يشكّل الأفراد ذوو الدخل المتقارب ثقافة فرعيّة مستقلة، فالفقراء، والأغنياء، والطبقة المتوسطة، جميعهم من الأمثلة على الثقافات الفرعية المادية.
  • المؤسسات الاجتماعية: قد يشكل الأشخاص الذين يشاركون في مؤسسات اجتماعية معيّنة، ثقافات فرعية مستقلة، ويُعد مجتمع الجيش، والمتقاعدون، والآباء، والمتزوجون، من الأمثلة على هذه المؤسسات الاجتماعية.
  • المعتقدات: قد يمثل الأشخاص الذين يحملون معتقدات مشتركة، ثقافة فرعية مستقلة بذاتها، وقد تكون هذه المعتقدات دينية، أو سياسية، فعلى سبيل المثال: لا تستخدم طائفة "الأميش" المسيحية، العديد من أنواع المنتجات، بما في ذلك الكهرباء، والسيارات، أضف إلى ذلك وجود العديد من العوامل المرتبطة بالتوجهات السياسية للفرد، سواء كان ديموقراطيًا، أم جمهوريًا، أم مستقلًا، أم ليبراليًا، أم اشتراكيًا.
  • التوجهات الفنية: يشكّل الأشخاص ذوو التوجهات الفنية المتشابهة، ثقافة فرعيّة خاصة، وقد تشمل هذه التوجهات الرسم، والموسيقى، والرقص، والتمثيل، والفنون الشعبية.
  • اللغة: قد يشكل الأشخاص الذين يمتلكون لهجات، أو مفردات متشابهة، ثقافة فرعية، وفي الولايات المتحدة، يُعد الشماليون، والجنوبيون من الأمثلة على هذه الثقافات.

فهم الثقافات الأخرى حول العالم

ربما يُعد التكيّف مع الفروقات الثقافية من أصعب المهام التي تواجه المسوّقين، الذين يعملون في دول أجنبية، ولكن قبل الدخول في أي سوق أجنبي، يجب على الشركة أن تقرر إلى أي مدى قد تعدّل جهودها التسويقية؛ لتلائم هذا السوق. في الوضع الطبيعي، كلما كانت جهود الشركة موحدة، قلَّت المشاكل، وارتفعت الأرباح، ولكن، هل تخصيص الجهود التسويقية أمرٌ لا مفر منه في بعض الحالات؟ سوف نتناول هذه القضيّة بمزيد من التفصيل في فصل لاحق.

التنبؤ بالمستقبل

هناك -حصريًا- مئات الشركات التي تزعم أنها تستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن شركة روبر ستارتش (Roper Starch) تميزت على وجه خاص بخبرة تزيد عن 50 عامًا، وبسجل حافل من النجاحات، وقد تناولت الشركة في تقريرها لعام 2000 أربعة مفاهيم قد تساعد المسوّقين على فهم المستهلكين الأمريكيين في الألفية الجديدة:

السرعة/السكون: لقد باتت سرعة الحياة اليوم تفرض أهدافًا، واحتياجات جديدة، لم تكن موجودة من قبل، لذلك أصبح المسوّقون في وادي السليكون، يتحدثون عن ظاهرة جديدة يطلقون عليها "التقنية الفائقة، والمشاعر الفياضة"، وبحسب هذه الظاهرة، كلما أصبحت التقنيات جزءًا من حياة الناس، ازدادت حاجتهم إلى التواصل الشخصي، والعاطفي، ونحن بدورنا نعتقد أن هناك ظاهرة أخرى أكثر تأثيرًا، بدأت تتكشف في عصرنا الحالي، فمع ازدياد سرعة الحياة، أصبحت هناك حاجة متزايدة للشعور بالسكون والسلام. لقد أصبحت ازدواجية "السرعة/السكون" واضحة في السوق، فقد ظهرت شركات، وشخصيات على قدر عالٍ من الكفاءة، والسرعة في العمل، والإنجاز، مثل شركة إي تريد للتداول المالي الإلكتروني، ومدير شركة مايكروسوفت بيل جيتس، في المقابل، ظهرت -أيضًا- شركات توفر أجواءً مريحة تبعث على الاسترخاء لدى زبائنها، مثل: شركة بانانا ريبابلك، وكانيون رانش، كما ظهرت شخصيات تبعث على الشعور بالطمأنينة، والسلام مثل الزعيم الروحي، والمؤلف الشهير دالاي لاما. لقد بات الأمريكيون يعملون بجد أكثر من أي وقت مضى، وأصبح العمل يحتل مساحة واسعة من حياتهم، إذ يقول 39% من الأمريكيين أنهم يقضون وقت الترفيه في العمل، وبصفة عامة، يعتقد الأمريكيون أن العمل الجاد هو مفتاح التقدّم إلى الأمام، بينما تتيح لهم التقنيات الجديدة زيادة في الإنتاجية، وفي الوقت ذاته، فقد أصبحت هناك حاجة متزايدة للسكون، والسلام الداخلي، ويتفق معظم الأمريكيين، بأن أفضل أوقات الترفيه؛ هي الأوقات التي يقضونها منفردين، ومع ذلك، لم يعد هناك كثير من الوقت للراحة، والاسترخاء، والانتعاش، وهو ما يزيد الضغط والتوتّر. وفي الحقيقة، لا يبدو أن هناك حلًا لهذه المعادلة في الوقت القريب، ولكن البيانات تشير إلى أن المسوّقين يمتلكون فرصة نادرة لمساعدة الناس على الوصول إلى السرعة، والكفاءة، وكذلك السلام، والطمأنينة في الوقت ذاته.

الميل إلى الترابط: لم يكن ازدياد سرعة الحياة، السمة الوحيدة التي ظهرت على الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الجديد، فقد بات الأمريكيون -بفضل التقنيات الحديثة، والاقتصاد القوي- يسعون إلى زيادة الشعور بالترابط، وخصوصًا في مجال الاتصالات، والحاسوب، والعلاقات مع العائلة، والمجتمع، ولكن هذه العلاقات مختلفة عمّا كانت عليه في الماضي، فقد أصبحت تتسم بالحيوية، والتغيّر السريع، حيث إن البيانات تُظهِرُ صعود تقنية الاتصالات، وخصوصًا الاتصالات الخلوية، والحاسوب، والإنترنت، ويؤكد العديد من الأمريكيين، أن هذه التقنيات قد ساهمت في تحسين جودة الحياة، وسهلت التواصل مع الأصدقاء، والعائلة، وفي الحقيقة، فقد بلغ رضا الأمريكيين عن العديد من نواحي الحياة إلى مستويات غير مسبوقة، وفي السياق ذاته، فقد أصبح العديد من الأمريكيين يبحثون عن الترابط الروحاني، وهو ما اتضح جليًا في السوق من خلال ما بات يُعرف بـ "تسويق القضيّة" ورغبة الزبائن المتزايدة بألا تقتصر الشركات على الأساسيات مثل: توفير القيمة، والجودة، بل تتجاوز ذلك إلى التواصل مع الزبائن بأساليب جديدة، ومبتكرة.

التنوّع: لقد أصبح التنوّع جزءًا من هُوية الولايات المتحدة، فقد تضاعف عدد السكّان المولودين في الخارج، ثلاث مرّات خلال السنوات الثلاثين الماضية، وقد سجّل الأفارقة، واللاتينيون، وغيرهم من الأقليّات، معظم النمو السكّاني خلال العقد الماضي، ومن المتوقع أن يزدادوا نموًا -أيضًا- في العقد القادم، والنتيجة هي ظهور شرائح سكانية جديدة، وفريدة من نوعها، وتحوّل المجتمع الأمريكي إلى مجتمع متعدد الثقافات. لقد بات الأمريكيون أكثر تقديرًا للعادات، والتقاليد العرقيّة، أكثر مما كانوا عليه خلال العقدين الماضيين، وأصبحوا ينظرون إلى التنوّع العرقي على أنه أحد مصادر العظمة الأمريكية، إلى جانب العمل الجاد، والنظام الاقتصادي الحر، وقوة الدستور والحكومة. إن تعدد الثقافات يلقي بظلاله على أذواق السكّان في جميع المجالات؛ من الطعام، وحتى الموسيقى، ويُظهر تحليل شركة (Roper) أن الأمريكيين يحملون العديد من القيم، والمخاوف المشتركة، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقيّة، مع ذلك، تشير البيانات إلى وجود العديد من الفروقات التي يجب على المسوّقين فهمها لتحقيق النجاح.

التسويق بحسب مراحل الحياة: لطالما اعتمد المسوقون على المعايير السكانية التقليدية، في محاولة لفهم سلوك المستهلكين، أو توقعه، ولكن بحث شركة (Roper) يشير إلى أن مراحل الحياة قد تمثل معيارًا أفضل من التحليل السكاني التقليدي، في توقع سلوك المستهلكين، فعلى سبيل المثال: نفترض أن امرأتين في التاسعة والأربعين من العمر؛ الأولى عاطلة عن العمل، وقد غادر آخر أطفالها المنزل، والثانية على وشك الدخول في زواجها الثاني، والبدء بعمل جديد، فعلى الرغم من اشتراك المرأتين في الفئة العمرية ذاتها، إلا أنه لا يوجد كثير من القواسم المشتركة التي تجمع بينهما، ومع ذلك، يوجد كثير من القواسم المشتركة التي تجمع المرأة الثانية بفتاة شابة في التاسعة والعشرين من عمرها، وهي على وشك البدء بزواجها الأول، وعملها الأول، وذلك رغم فارق السن بينهما. ونستطيع القول: إن تصنيف الزبائن بحسب الأحداث التي يمرون بها في حياتهم، بدلًا من السمات السكانية التقليدية، قد يساعد على فهم السوق بشكل أفضل.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (External considerations in marketing) من كتاب Core Concepts of Marketing

اقرأ أيضًا





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن