التعامل مع الاختلاف: التنوع وأثره على الشركات


يمان نعساني

من المهم أن يتعلّم المديرون كيفيّة التعامل مع الاختلافات الثقافيّة وسلوكيّات العمل الفرديّة، وذلك بسبب سيطرت العولمة وازدياد التنوّع العرقي في بيئات العمل المؤسساتية. ومع ازدياد تنوع القوى العاملة تظهر فرص جديدة وتحدّيات جديدة للمديرين في بيئة العمل. من هذه الفرص امتلاك الشركة أسبقيّة أمام الشركات الأخرى عند استيعابها للتغيّرات في سوق العمل. في حين تتضمّن التحدّيات التمكّن من إدارة التنوّع السلوكي الكبير للعاملين ومراعاة اختلاف القيم والمعتقدات بكفاءة، كما يشكّل التعامل مع المشاكل تعاملًا سليمًا تحدّيًا آخر يواجه المديرين.

حصد ميزات التنوع

يحدّد شرح الحالة الّي قدمه كلّ من تايلور كوس (Taylor Cox) وستايسي بلايك Stacy Blake كيف يمكن للشركات أن تكسب ميّزة تنافسيّة عبر تبنّي منهجيّة التنوّع في بيئة العمل المؤسساتية. يمكن للشركات أن تحصل على 6 فرص عند سعيها لتأسيس سياسة تقدّر التنوّع، وهذه الفرص الست هي: أفضليّة في التكلفة واستغلال أمثل للموارد وقدرة تسويقيّة أعلى ونظام مرن وتحسين الإبداعية وحلول أفضل للمشاكل (انظر الشكل 5.4).

Managing Cultural Diversity.png

الشكل 5.4 إدارة التنوّع الثقافيّ (حقوق الصورة: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

أفضلية التكلفة

يحمي القانون الفيدراليّ في الولايات المتحدة العرق والجنس والدين، وغيرها من المعايير الاجتماعية، من العديد من أشكال التمييز في بيئات العمل المختلفة (سنتحدّث عن هذه النقطة في عناوين لاحقة من مقالاتنا). قد تنخفض احتماليّة تعرّض الشركة لدعاوى قضائيّة ضد التمييز إن امتلكت سياسات وإجراءات تشجّع على التناغم وتقبّل التنوّع في بيئة العمل وتحمي الموظّفات النساء والموظّفين من الأقليّات والمتقدّمين للعمل من التمييز والعنصرية والأحكام المسبقة. عرّفت الباحثتان Cox وBlake هذه المنهجيّة على أنها فرصة للمنظّمات لتخفيض النفقات المحتملة مثل تعويضات الدعاوى القضائيّة التي تتكبّدها الشركات التي لا تملك مثل هذه السياسات.

كما تمتلك أنّ الشركات الّتي تتقبّل التنوّع ضمن سياساتها معدّلات دوران وظيفيّ أقل عند موظّفييها من الأقليّات. تكلفة الدوران الوظيفيّ (أي تبديل الموظفين باستمرار داخل الشركة) باهظة مع مرور الوقت، ويمكن للشركات تجنّب ذلك عند احتفاظها بموظّفيها من الأقليّات وموظفاتها النساء. بالرغم من ذلك فقد أظهرت بعض الدراسات أنّ الشركات الّتي تقدّر التنوّع لديها معدل دوران وظيفيّ أعلى لدى الموظّفين البيض والذكور مقارنة بالشركات الأقلّ تنوّعًا. يعزو بعض الخبراء ذلك إلى ضعف إدراك هذه الشركات لكيفي إدارة التنوّع بكفاءة. كما تظهر بعض الأبحاث انجذاب البيض ذوي الهويّة العرقيّة القوية إلى المنظمّات المتنوّعة بشكل مشابه لغيرهم من العرقيّات.

استغلال الموارد

رأس المال البشريّ هو مورد مهمّ للمنظّمات تكتسبه من خلال معرفة ومهارة وقدرات موظّفيها. تجذب المنظّمات الّتي تقدّر التنوّع المزيد من طالبي العمل من الأقليّات ذوي الخبرات المميزة. تظهر الدراسات أنّ النساء والأقليّات يملكون دافعًا أكبر عند البحث عن عمل وانجذابًا أكبر للمنظّمات الّتي تروّج لبيئة عمل متنوعة في حملاتهم التوظيفيّة مقارنةً مع المنظّمات الّتي لا تفعل ذلك. جذب الأقليّات المميّزة يزيد من كمّ المواهب الّتي تستطيع الشركة الاختيار منها عند التوظيف، وبالتالي يُتيح فُرصة تعيين موظّفين مناسبين، وهذا يُكسب الشركة ميّزة تنافسيّة.

التسويق

عندما توظّف شركة أشخاصًا من خلفيّات مختلفة تكسب منظورًا أوسع عن تفضيلات المستهلكين من ثقافات مختلفة. يمكن للمنظّمات اكتساب معلومات مفيدة اقتراحات بنّاءة من الأسواق المختلفة عن منتجاتها وخدماتها. أيضًا تحسّن الشركات الّتي تقدّر التنوّع من سمعتها في السوق الّذي تخدمه، ما يجلب المزيد من المستهلكين.

النظام المرن

يتعلّم الموظّفون التفاعل بشكل أفضل مع من يختلفون عنهم بالمعتقد أو القيم أو الدين عند وضعهم في بيئة متنوّعة ثقافيًّا. تؤكّد الباحثتان Cox وBlake على أنّ القدرة على التفاعل مع الأشخاص المغايرين تنمّي مرونة الوعي، وهي القدرة على التفكير حول الأشياء من منظور مختلف وتبنّي وجهات نظر فريدة. عندما يمتلك الموظّفون مرونة الوعي هذه تتطوّر مرونة النظام على مستوى المنظّمة بأكملها. يتعلّم الموظّفون من بعضهم تقبّل الآراء والأفكار الأخرى، ما يسمح بالتواصل بحريّة أكبر، ويغدو التفاعل بين الأفراد أكثر فاعليةً.

الإبداع وحل المشاكل

تُنتج الفرق ذات الخلفيات الثقافية المتنوعة وجهات نظر متعدّدة قد تقود لأفكار فريدة ومُبتكرة في الشركات. تؤدّي وجهات النظر المختلفة لخيارات أوسع عند مناقشة مشكلة أو قضيّة ما.

تختلف خبرة الحياة من شخص لآخر، كما قد تتعلّق خبرة الأفراد بعرقهم أو سنّهم أو جنسهم. يزدهر الإبداع عند مشاركة هذه التجارب. لا تنتج الفرق المتنوّعة بدائل أكثر فحسب، بل تولّد طيفًا أوسع من وجهات النظر التي يمكن استخدامها لمقاربة وحلِّ القضيّة أو المشكلة داخل الشركة. إحدى الطرق الّتي يمكن للفرق المتنوّعة من خلالها أن تحسّن المقدرة على حلّ المشاكل هي منع ظاهرة تُعرف بظاهرة التفكير الجماعيّ، وهو خلل في اتّخاذ القرار يحصل في المجموعات ذات الكيان الواحد (اللون الواحد) نتيجة لضغط الأقران ورغبة أعضاء المجموعة بالحصول على القبول والإجماع. تمنع المجموعات المتنوّعة من حصول هذا بسبب اختلاف الخلفيّات بين الأعضاء، ما يسمح بمناقشة أكبر للأسباب والتوقّعات المناسبة لحل القضايا المؤسساتية المختلفة.

توجيه برامج التنوّع بما يخدم الأهداف الاستراتيجية ورسالة المنظمة

يساعد التنوّع المنظّمات على تحسين الأداء عندما يكون موجّهًا لاسترتيجيّة عمل معيّنة، على سبيل المثال عندما تستخدم الشركات فرق إدارة متنوّعة موجهّة عبر استراتيجيّة مؤسّساتيّة تركّز على الإبداع، فسوف تزداد إنتاجيّة الشركات بشكل ملحوظ.

من جهة أخرى يمتلك التنوّع أثرًا صغيرًا على الإنتاجيّة إن لم يكن موجّهًا بسياسة معيّنة. تتضمّن هذه السياسة التزام الشركة بالإبداع ودعم الأفكار الجديدة. بعبارةٍ أخرى، يمكن للمديرين استغلال وجهات النظر المختلفة الناتجة عن الفرق المتنوّعة عبر استخدامها على أنها اقتراحات إبداعية تضفي نوعًا من التنوّع للمضي قدمًا بسياسة المنظّمةالعامة.

استغلال أدوات الموارد البشريّة بشكل استراتيجيّ

يجب أن يتمكّن قسم الموارد البشريّة من دمج الموظّفين على مستوى ديناميكيّ وذلك لتوجيه التنوّع بما يخدم سياسة المنظّمة. يمكن لاستخدام منهجيّة استراتيجيّة في إدارة موارد بشريّة أن يساهم في دمج التنوّع بنجاح مع قيم المنظّمة وأهدافها. إدارة الموارد البشريّة الاستراتيجيّة (Strategic Human Resources Management) هو نظام من النشاطات الموجّه لدمج الموظّفين بما يساهم في تحقيق ميّزة تنافسيّة تستفيد منها المنظّمة.

تندمج ممارسات SHRM مع رسالة وسياسة المنظّمة ومع نشاطات الموارد البشريّة بمجالات أكثر فعاليّة. يوفّر هذا مجموعة من الموارد المتاحة لاحتياجات محدّدة ضمن المنظّمة. كما أنّ دمج الموارد البشريّة مع عمليّة التخطيط الاستراتيجيّ بدلًا من خدماتها التقليديّة يحسّن من التواصل وتبادل المعلومات والتناغم بين صنّاع القرار، الأمر الذي يحسّن من أداء المؤسسة ككل.

استُخدمت النظرة المعتمدة على الموارد في الشركة لدعم فكرة التنوّع، بسبب توضيحها لمقدرة البيئة المتنوّعة على اكتساب ميّزة تنافسيّة مستدامة للمنظّمات. بناءً على هذه النظرة يمكن اكتساب ميّزة تنافسيّة عند امتلاك الشركة لموارد نادرة وقيّمة وغير مستدامة وصعبة التقليد. تعتقد مقاربة (SHRM) أن رأس المال البشريّ -المعرفة والمهارات والقدرات الحاليّة والممكنة للعاملين- أساسيّ في نجاح كلّ شركة واستدامتها وبقائها.

إن كان عنصر التنوّع في المؤسسة قليلًا في الشركة فسينخفض احتمال وصول الموظفين من الأقليّات إلى مواضع القيادة. أحد الاستثناءات هي شركة (Northern Trust) لإدارة الاستثمارات (الموضوعة حديثًا على قائمة فوربز 2018 لأفضل الشركات التي وظّفت التنوّع توظيفًا مميّزًا). 38% من مسؤولي هذه الشركة التنفيذيّين هنّ من النساء، وهو أمر مذهل لأنّ هذه النسبة تساوي نسبة النساء طالبات برنامج الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) على مدى السنوات الخمس المنصرمة. كما أنّ تِلك النسبة في شركات S&P 500 (وهو مؤشّر أسهم يشمل عددًا من الشركات الأمريكيّة الرائدة) هي فقط 27%. بالإضافة إلى ذلك شكّل السود 23% من مجلس إدارة هذه الشركة، ما يوضح أيضًا التزامها بالتنوّع. تساعد هذه الدرجة الكبيرة من التنوّع شركة (Northern Trust) في جذب المتقدّمين من النساء والأقليّات، الأمر الذي يزيد من الخيارات المطروحة والمواهب المتاحة لهم لتوظيفها.

قد تنتهز الشركات الفرص الّتي يوجدها تنوّع الآراء من العاملين المتنوّعين من أجل حلّ مشكلة أو إيجاد فكرة جديدة. على سبيل المثال يتشارك أشخاص من ثقافات آسيويّة وأمريكيّة جنوبيّة في جلسات جماعيّة، يتشاركون الحوار مع الآخرين حول المهام المختلفة. على نحوٍ مماثل، يعمل السود والهيسبانيّيون باجتماعيّة أكبر من البيض ممّن يميلون للاستقلايّة الفرديّة. يفيد العمل الجماعي المتناغم في زيادة تفاهم الفريق ويحسّن أداءه. كما يتعلّم الموظّفون طرقًا جديدة لأداء مهامهم.

يجب أن تمتلك الشركة سياسات موارد بشريّة مميّزة وفريدة من أجل أن تحصل على ميّزة تنافسيّة في سوق العمل. كما سنرى لاحقًا في مقالاتنا، قد تمتلك الشركة أحد ثلاثة محاور حول تنوّع مكان العمل. يؤدّي محور التعلّم والاندماج إلى رفع إنتاجيّة الموظّفين والمنظّمة، لكنّه ليس من السهل طبعًا على المدير إدارة بيئة عمل متنوّعة وتجنّب عقباتها. قد تساهم العوامل التاريخيّة والتعاون بين الوحدات في تمكين المنظّمة من الاستفادة من عنصر التنوّع في بيئة عملها.

يمكن إنتاج ودمج أفضل السلوكيّات الّتي تستهدف حل المشاكل انطلاقًا من الاختلافات الثقافيّة بين الموظّفين. لكن أحيانًا يكون مصدر السلوكيّات مجهولًا لأنها تنتج عن التبادل والتعاون بين الأقسام المختلفة (على سبيل المثال تعاون قسمي التسويق والموارد البشريّة لتطوير فكر توظيفيّ جديد) ما يجعل استنساخ هذه العمليّة في نفس الشركة أمرًا صعبًا، ناهيك عن تقليدها من قبل شركة أخرى.

التنوع والأداء المؤسساتي

تشير الأبحاث حول تأثير التنوّع في المنظّمات على نجاحها، تشير إلى نتائج متضاربة. تظهر بعض الدراسات وجود علاقة إيجابيّة بينهما، في حين تظهر دراسات أخرى عكس ذلك، أمّا البعض الآخر فينفي وجود علاقة بينهما من الأصل. يعتقد بعض الباحثين أن العلاقة قد ترجع لمتغيّرات أخرى لم تكن بالحسبان بالرغم من عدم ثبوتيّة نتائج الأبحاث بخصوص هذه العلاقة.

من منظور الموارد يظهر (Richard) وزملاؤه أنّ المؤسّسات المصرفيّة المتنوّعة عرقيًّا التي تركّز على المبادرة شهدت أداءً أفضل من نظيراتها الأقل تنوّعًا. تقترح هذه النتائج أنّه من الواجب على الشركات إدارة مرونة وإبداع ونظام حلّ المشكلات المؤسساتية الخاصّة بها بفعاليّة من أجل تحقيق أفضل استثمار للتنوّع العرقي في بيئة عملها. تظهر دراسات أخرى أن ضمّ النساء في مواقع قياديّة يزيد من مبادرة الإدارة، ما يحسّن من أدائها.

ترجمة -وبتصرف- للفصل Diversity and Its Impact on Companies من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن