تحديات التنوع والاختلاف في المنظمات


يمان نعساني

على الرغم من فوائد التنوّع العديدة فإنّه يُوجِد تحدّيات للمديرين لا يمكن مجابهتها إلّا بقيادة وإدارة حكيمة. بعض أبرز التحدّيات في المنظّمات وفقًا للأبحاث هي ضعف التعلّق المؤسّساتيّ وسوء فهم المبادرات والبرامج التنوّعيّة.

التعلق الأقل بالمنظمة

على الرغم من جذب البرامج المتنوّعة للنساء والأقليّات فهي قد تمتلك تأثيرًا مضادًا على باقي العاملين من غير الأقليّات. عندما لا تتمّ إدارة التنوّع بكفاءة قد يشعر الموظّفون الذكور والبيض بالانعزال أو الاستهداف من برامج التنوّع المطبّقة في المنظّمة. طُبّقت دراسة على 151 مجموعة في العمل ضمن 3 منظّمات كبرى وتحرّت تأثير وجود تنوّع في العرق والجنس على معدّل التغيّب عن العمل والتعلّق النفسيّ به ومعدل الدوران الوظيفي.

تلعب ثلاثة عوامل دورًا مهمًّا في تعلّق الموظّف بمنظّمته. أظهرت نتائج الدراسة علاقة طرديّة بين التنوّع في مجموعة العمل وكلٍّ من التعلّق الأقلّ بالمنظمّة ومعدّل الدوران الوظيفي المرتفع وزيادة التغيّب لدى الموظّفين البيض. بعبارة أخرى، زيادة التنوّع في المنظّمة تؤدّي لرغبة الموظفّين البيض بمغادرتها. قد تدفع صعوبة إدارة المجموعات المتنوّعة المديرين إلى تجنّبها، لكنّهم إن تجنّبوها فسيخسرون فائدتها الإبداعيّة. بدلًا من ذلك يجب أن يفهم المديرون آليّات التواصل واتّخاذ القرار المتّبعة في مجموعاتهم وطلب آراء الموظّفين حولها.

التحدّيات القانونيّة للتنوّع

النظام القانونيّ مصمّم ليحارب التمييز. سيناقش هذا المقال عدّة طرق لذلك ومنها التمييز المضادّ والمضايقات والتمييز في مكان العمل وضدّ ذوي الاتّجاه والموجّه ضد الجنسيّات والحوامل والعرق واللون والدين والجنس وغيرها.

التمييز المضاد أو العكسي

كما أظهرت نتائج البحوث التي ذكرناها آنفًا، فإنه يشيع التمييز ضدّ النساء والأقليّات العرقيّة والإثنيّة. يُستخدم مصطلح التمييز المضادّ لوصف حالة يرى فيها مجموعات الأغلبيّة أنّهم يتعرّضون للتمييز بناءً على عرقهم أو جنسهم. هذا الشكل من التمييز غير شائع لكنه يظهر عندما يرى العرق الغالب أنّ أشخاصًا من الفئة المحميّة من الأقليّات تُعطى أفضليّةً في العمل أو فرصًا أكبر للتعلّم بسبب كونهم أقليّة أو إناث، بغض النظر عن مؤهلاتهم واستحقاقهم لهذه الفرص.

أظهر بحث أُجري في تسعينيّات القرن الماضي أنّه خلال فترة السنوات ما بين 1990 و1994 رُفِعت ستّ دعاوٍ فيدراليّة ضد التمييز المضادّ فحسب. وفقط 100 من أصل 3,000 دعوى مرفوعة ضد التمييز كانت بسبب التمييز المضاد. طبّقت مؤسّسة روبرت وود جونسون (Robert Wood Johnson Foundation) مع معهد هارفرد تشان للصحّة العامّة (Harvard T.H. Chan School of Public Health) إحصائيّة مثيرة للاهتمام تُظهر أنّ أكثر من نصف الأمريكيّين البيض يعتقدون أنّ البيض يتعرّضون للتمييز، في حين يعتقد 19% أنّهم تعرّضوا للتحيّز والتمييز بسبب لون بشرتهم عند التوظيف.

قد ينبع سوء الفهم هذا جزئيًّا من إعادة التوازن في فرص العمل، بعد أن كانت راجحة لكفّة البيض فيما مضى. يعتقد الأفراد من فئات الأغلبية (الذكور والبيض) أنّهم يحصلون على فرص أقل في حين أنّ الحقيقة هي أنّ الفرص باتت توزّع بشكلٍ عادل على كل الفئات. في الواقع لا تزال غالبية القوى العاملة في الشركات من الرجال والبيض. الفارق الوحيد هو حماية التشريعات للموظّفين من التميّيز وتحسين الوصول المتكافئ لفرص التعليم، ما خلق فرصًا جديدة لأفراد الأقليّات لم تكن موجودةً من قبل.

التمييز في مكان العمل

يحدث التمييز في مكان العمل عندما تتمّ معاملة موظّف أو متقدّم للعمل معاملةً ظالمة بسبب انتمائه لأحد المجموعات المذكورة سابقًا. قد يتعرّض الشخص للتمييز بسبب وضعه العائليّ، على سبيل المثال قد يتعرّض شخص ما للتمييز فقط بسبب كونه زوج\زوجة لأحد الأفراد غير المرغوبين من قبل الشركة. كما قد يحدث التمييز بين شخصين ينتميان لنفس الفئة، فمثلًا عندما يميّز شخص ما ضد شخص آخر بناءً على جنسيّته الأصليّة الّتي ينتميان إليها كلاهما.

شُكِّلت هيئة تكافؤ الفرص (Equal Employment Opportunity Commission ،EEOC) عبر القسم السابع من قانون الحقوق المدنيّة الصادر عام 1964 في الولايات المتّحدة، ويهدف بشكل أساسيّ لحظر التمييز في مكان العمل حسب العرق والجنس والجنسيّة والدين والحمل. تعزّزهيئة EEOC من تطبيق القانون كما تصدر توجيهات حول كيفيّة معاملة الموظّفين. تمتلك الهيئة أيضًأ سلطة إجراء تحقيقات حول ادّعاءات التمييز في مكان العمل ومحاولة حلّها أو رفع دعاوى قضائيّة عند اللزوم.

كلّ أشكال التمييز في مكان العمل محظورة حسب قوانين مختلّفة تصونها هيئة تكافؤ الفرص، والّتي تعُدُّ المضايقات، وخاصةً المضايقة الجنسيّة، شكلًا من أشكال التمييز، كما تنصّ على وجوب تساوي الأجور بين الجنسين.

بند تساوي الأجور مُغطّى ضمن قانون تساوي الأجور لعام 1963 في الولايات المتّحدة وهو تعديل لقانون معايير العمل العادلة الصادر عام 1938. يخضع كل العاملين لهذا القانون نظريًّا، والذي كان محاولة لمواجهة عدم تساوي الأجور بين الذكور والإناث. لكن على الرغم من مرور أكثر من 50 عامًا على صدور هذا القانون لا تزال النساء تجني 80 سنتًا لقاء كلّ دولار يجنيه الذكور مقابل العمل والمجهود ذاتهُ (أي أنّهن يحصلن على أجر أقلّ بنسبة 20%).

المضايقة

المضايقة هي أيّ تصرّف غير مرغوب مبنيّ على توجّهات وانطباعات سلبية مثل الجنس والعرق والجنسيّة والاحتياجات الخاصّة وغيرها. وهو شكل من التمييز في مكان العمل ويعد ذلك انتهاكًأ لبعض القوانين في بعض البلدان مثل الولايات المتحدة كما في القسم السابع من قانون الحقوق المدنيّة الصادر عام 1964 ، وقانون التمييز على أساس العمر في العمل لعام 1967 ولقانون الأمريكيّين ذوي الاحتياجات لعام 1990.

تعبّر المضايقة الجنسيّة عن مضايقة قائمة على جنس الشخص، وقد تكون هذه المضايقات عبارة عن مبادرات جنسيّة غير مرغوبة أو طلب خدمات جنسيّة أو إيحاءات جنسيّة أو غيرها. على الرغم من كون الجنسين معرّضين لهذا النوع من المضايقات، إلا أن الموظفات النساء هم الأكثر عرضة لذلك.

التمييز على أساس العمر

يشير التمييز على أساس العمر إلى معاملة أحد الموظّفين أو المتقدّمين على أنّهم أقلّ كفاءةً بسبب عمرهم. يحظر قانون التمييز على أساس العمر (ADEA) التمييز ضد الأفراد الأكبر من 40 عامًا. كما يمنع هذا القانون المضايقات القائمة على العمر، مثل الإيحاءات المهينة أو تأسيس بيئة عمل معادية.

التمييز ضد ذوي الاحتياجات الخاصّة

ذوي الاحتياجات الخاصّة هم أشخاص يمتلكون إعاقةً جسديّة أو عقليّة تحدّ من واحد -أو أكثر- من نشاطاتهم الحياتيّة. يحدث التمييز ضدّ ذوي الاحتياجات الخاصّة عندما تتمّ معاملة موظّف أو متقدّم مشمول بقانون الأمريكيّين ذوي الاحتياجات (ADA) بشكل غير متكافئ بسبب إعاقتهم. قانون (ADA) هو قانون حقوق مدنيّة يحظر التمييز في العمل والخدمات العامّة والمرافق العامّة والمواصلات ضدّ ذوي الاحتياجات. المشمولون ضمن هذا القانون هم أشخاص قادرون على قيام مهامهم الأساسيّة في وظائفهم مع أو بدون مساعدات منطقيّة. تظهر البحوث أنّ توفير هذا النوع من المساعدات للموظّفين يكلّف الشركة القليل (أقلّ من 100$) أو قد لا يكلّفها شيئًا.

التمييز على أساس الجنسية الأصلية

يتضمّن التمييز حسب الجنسيّة الأصليّة المعاملة غير المكافئة لشخص ما بسبب جنسيته أو لهجته أو إثنيّته أو مظهره. تحظر تشريعات هيئة (EEOC) تطبيق أساليب أو سياسات توظيف إن كانت تؤثّر سلبًا على الأشخاص من أصلٍ معيّن. على سيل المثال تُمنع الشركات من تطبيق سياسة استخدام لغة واحدة إلا في حالة كان ذلك ضروريًّا لتأمين كفاءة العمل. كما يُمنع للمديرين أن يشترطوا في معايير التوظيف موظّفين طليقين في لغة معيّنة ما لم تكن أساسيّة في صلب مهامهم. تمنع هيئة (EEOC) الشركات من حصر توظيفهم على المواظنين الأمريكيّين أو المقيمين ما لم يكن العمل مُطالبًا قانونيًّا بذلك.

التمييز ضد الحوامل

يشمل التمييز ضدّ الحوامل معاملة الموظّفة أو المتقدّمة معاملةً ظالمة بسبب حملها أو ولادتها أو ظروفها الصحيّة المتعلّقة بذلك. يحظر قانون التمييز ضدّ الحوامل (PDA) أيّ إجراءات تمييزيّة متعلّقة بالحمل مثل: التوظيف والطرد والتعويضات والتدريبات والمهام والتأمينات وغيرها. بالإضافة قد يضطر المدراء لإجراء بعض التعديلات على مكان العمل لملائمة وضع الحوامل وذلك استجابة لقانون (ADA) المذكور سابقًا.

أجاز قانون الإجازة العائليّة والطبّيّة (FMLA) للأهالي الجدد أخذ إجازة غير مدفوعة الأجر لمدّة 12 أسبوعًا (أو مدفوعة الأجر إن استحقّها الموظّف) للاعتناء بالمولود الجديد.

التمييز حسب العرق/اللون

يتضمّن التمييز حسب العرق/اللون معاملة الموظّفين أو المتقدّمين معاملة ظالمة بسبب عرقهم أو بسبب صفات فيزيائيّة متعلّقة بعرقهم، مثل لون البشرة أو الشعر أو غيرها.

حيث يُمنع تطبيق بعض سياسات العمل إن كانت تؤثّر سلبًا على الأشخاص من عرق معيّن، كما هو الحال في التمييز حسب الجنسيّة الأصليّة. على سبيل المثال فإنّ بعض السياسات التي تخصّ طريقة تصفيف الشعر المطلوبة من الموظّفين قد تكون ظالمة لذوي الأصول الإفريقيّة، وبالتالي يُحظر تطبيقها ما لم يكن تطبيقها أساسيّا للعمل.

التمييز الديني

يحدث التمييز الدينيّ عند معاملة الموظّفين أو المتقدّمين معاملة ظالمة بسبب معتقداتهم الدينيّة. يحمي القانون في العديد من الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة جميع المعتقدات الدينيّة في إطار العمل. حيث يجب على المديرين اتّخاذ إجراءات منطقيّة وعادلة فيما يخص معتقدات الموظّفين الدينيّة، مثل مرونة ساعات العمل أو تعديل بعض السلوكيّات في العمل. يضمن القانون حق الموظّفين بأن يتبعوا شعائرهم الدينية فيما يخصّ اللباس والشعر، ما لم يتعارض ذلك مع عملهم. يحمي القانون الموظّفين من إجبارهم على ممارسة أو عدم ممارسة شعائر دينيّة معيّنة ضمن إطار عملهم.

التمييز على أساس الجنس

يحدث التمييز على أساس الجنس عند معاملة الموظّفين أو المتقدّمين معاملة ظالمة بسبب جنسهم. كما يحمي قانون هيئة (EEOC) العاملين من المضايقات ومن السياسات الجائرة.

أشكال أخرى من التمييز

بعيدًا عن تعاريف هيئة (EEOC) وصف الباحثون في الإدارة والتنوّع أشكالًا أخرى للتمييز تتكرّر ضدّ فئات معيّنة دون غيرها. يستخدم مصطلح تمييز الوصول لوصف حالات حرمان فئات معيّنة من فرص التوظيف بسبب جنسهم أو عمرهم أو عرقهم أو غيرها من العوامل. يصف مصطلح تمييز المعاملة التعامل المختلف مع الموظّفين بعد توظيفهم سواء كان ذلك في المهام الموكلة لهم أو في المكافآت. كما وصف الباحثون أيضًا شكلًا من التمييز أسموه التمييز الشخصي أو الباطني وهو تمييز غير علنيّ ومخفي (لا واعي) إلا أنه يشكل خطرًا على هيكلية المؤسسة لأنه قد يحفّز المشاكل بين الموظفين وبين الموظفين العملاء وبين عناصر الشركة الأخرى. يشكّل هذا النوع من التمييز تحدّيًا خاصًّا لصعوبة تحديده. على سبيل المثال، أظهرت دراسة ركّزت على التمييز وخدمة العملاء أنّ الزبائن السمينين معرّضون أكثر لحوادث التمييز من الزبائن معتدلي الوزن. خصّص العاملون في خدمة الزبائن وقتًا أقلّ للزبائن الأسمن في حين أبلغ باقي الزبائن عن تعامل أفضل من قبل الموظّفين عند سؤال الباحثين لهم (تضمّنت الأسئلة ابتسامة الموظّف وتواصله البصريّ ودرجة الوديّة معهم).

نظريات التنوع الأساسية

تركّز العديد من نظريّات إدارة قوى العمل المتنوّعة على تفاعلات الأفراد (مثل التنميط وتقسيم خواص الآخرين) مع الأشخاص المغايرين. تحاول وجهات النظر المختلفة شرح كيف يكون التنوّع مفيدًا أو مضرًّا لإنتاجيّة المنظّمة.

  • تقترح النظرية المعرفيّة التنوّعيّة Cognitive Diversity Hypothesis أنّ المناظير المتعدّدة الناجمة من الاختلافات الثقافيّة ضمن المنظّمة توجد حلول إبداعية للمشكلات.
  • تقترح نظريّة تجاذب المتشابهين Similarity Attraction Paradigm ونظريّة الهويّة الاجتماعيّة Social Identity Theory أنّ تفضيل الأفراد للتفاعل مع المتشابهين معهم قد يجعل آثار التنوّع سلبيّة على المجموعة وعلى إنتاجيّتها.
  • يشرح نموذج التثبيط-التبرير Justification Suppression Model الظروف الّتي تجعل الأشخاص يتصرّفون وفقًا لأحكامهم المسبقة.

النظرية المعرفيّة التنوعية

تظهر بعض البحوث أنّه لا علاقة بين التنوّع وأداء المجموعة. في حين تُظهر أبحاث أخرى وجود هذه العلاقة وتؤكّدها، بمعنى آخر أظهر نتائج بعض البحوث وجود علاقة سلبيّة (تنوّع أكثر يعطي أداء أقل، تنوّع أقلّ يعطي أداء أكثر) وبعضها الآخر أظهرت علاقة إيجابيّة.

قد ترجع النتائج المختلفة لاختلاف تأثيرات التنوّع على أعضاء المجموعة. تدرس النظرية المعرفيّة التنوّعيّة الاختلافات بين أعضاء المجموعات تبعًا للخبرة والتجربة والمنظور. يؤكّد العديد من العلماء أن أسس التنوّع مثل العرق والجنس والعمر وغيرها تؤثّر تأثيرًا إيجابيًّا على الأداء، بسبب مشاركة أعضاء الفريق والعي والخبرات المختلفة النابعة من خلفيّاتهم الديموغرافيّة المتنوّعة.

يدعم أحد الأبحاث وجود علاقة بين أداء الفريق والتنوّع في المهام وهو ما ينعكس على مزايا غير محسوسة، مثل قدراتهم وأدائهم الوظيفيّ ومستواهم التعليميّ. على أيّة حال أنتجت العلاقة بين أداء الفريق والتنوّع الديموغرافيّ نتائج متباينة في مختلف الحالات. على سبيل المثال درس واتسون وزملاؤه الفوارق بين أداء المجموعات المتباينة (المجموعات التي تضمّنت تنوّعًا عرقيًا وجنسيًّا وديموغرافيًّا في أعضائها) والمجموعات المتماثلة (لم تشتمل على عنصر التنوّع بين أعضائها)، حيث خُصّصت مهمّة تحليليّة لهذه المجموعات ودُرس أداؤهم مع مرور الوقت بناءً على 4 معايير هي: مدى الأفكار المقدّمة - عدد المشاكل المُكتشفة في الحالة المدروسة - عدد البدائل المُقترَحة - وجودة الحلّ. احتساب الأداء العامّ كان على أساس معدّل المعايير الأربعة. قيست المعايير في ثلاث فترات متباينة (1: بعد 5 أسابيع - 2: بعد 9 أسابيع - 3: بعد 13 أسبوع - 4: بعد 17 أسبوع).

كان الأداء العامّ للمجموعات المتماثلة أفضل خلال د الفترة الأولى والثانية، بينما كان أداء المجموعات متقاربًا في الفترات الثالثة والرابعة. لكنّ المجموعات المتباينة تفوقّت في مدى الحلول وابتكار عدد بدائل أكبر. يقترح هذا البحث استفادة المجموعات المتباينة من تنوّع أكبر في الحلول المطروحة عند حل المشكلة بالرغم من كون نتائج المجموعات المتماثلة أفضل في بادئ الأمر. وبناءً على النظرية المعرفيّة التنوّعيّة تنبع هذه الفوائد من اختلاف الثقافات الّذي يوجد وجهات نظر مختلفة.

من جهة أخرى احتاجت المجموعة المتباينة لوقت أطول حتى استطاع أفرادها العمل معًا بكفاءة، وذلك بسبب كونهم غرباء عن بعضهم وهذا ما يجعل المجموعات المتماثلة أفضل أداءً على المدى القصير، هذه الفكرة تتعلّق بنظريّة تجاذب المتشابهين (المطروحة في الفقرة القادمة). أظهرت دراسات أخرى تعاونًا أفضل لدى المجموعات المتنوّعة من المجموعات المتماثلة عند أداء مهام تتطلّب مهارات الإبداع والمبادرة واتّخاذ القرارات، حيث تكون المجموعات المتماثلة أكثر فعاليّة، في حين تكون المجموعات المتنوّعة أكثر تأثيرًا.

نظرية تجاذب المتشابهين

تشرح النظرية المعرفيّة التنوّعيّة الفائدة الناجمة عن التنوّع على إنتاجيّة المنظّمات. في حين تشرح نظريّة تجاذب المتشابهين التأثيرات السلبية.

أظهرت بعض الأبحاث أن الأفراد في بيئات العمل المتنوعة يصبحون أقلّ تعلّقًا وأكثر تغيّبًا عن العمل وأميل للاستقالة. يوجد كذلك دليل على أنّ التنوّع يوجد صراعًا ومعدّل دوران وظيفي أعلى للموظّفين. نظرّية تجاذب المتشابهين هي واحدة من النظريّات الأساسيّة الّتي تحاول شرح سبب هذه الظواهر. تشير هذه النظريّة إلى أن هنالك انجذابًا بين الأفراد لبعضهم عند تشابه سلوكهم وطبائعهم.

السلوك والمعتقدات هما عناصر مشتركة شائعة في تفاعل الأشخاص مع بعضهم، فقد تعبّر خصائص مثل العرق والعمر والجنس والحالة الاجتماعية عن خصائص أعمق لدى الأشخاص. على سبيل المثال، أظهرت العديد من الدراسات المطبّقة على سلوك الأشخاص المتقدّمين لعمل أنّ الأفراد ينجذبون أكثر للشركات الّتي تعكس هويّتهم في حملاتها التوظيفيّة. وأظهرت دراسة أن الشركات الّتي تظهر بصورة متنوّعة تجذب الأقليّات والنساء أكثر من البيض والرجال. حتّى أن الباحثين عن عمل والمولودين في بلد خارجيّ انجذبوا انجذابًا أكبر للمنظّمات الّتي تُظهر موظّفين أجانب في إعلاناتها التوظيفيّة.

النظرية المعرفية الاجتماعية

تبحث النظريّة المعرفيّة الاجتماعيّة أيضًا عن الآثار السلبيّة للتنوع في المجموعات أو المؤسّسات. تقترح هذه النظريّة استخدام الأشخاص عمليّة التصنيف لتبسيط المعلومات الضخمة وتسهيل التعامل معها. تسمح لنا هذه التصنيفات بتجزئة البيانات بسهولة وسرعة. يتمّ تصنيف الأشخاص عادةً وفقًا للعرق والجنس والعمر. لذا عادةً تحدث معالجة تلقائيّة في أدمغتنا عند لقائنا لشخص بصفات معيّنة، بحيث نستطيع تصنيفها مباشرةً وحينها تظهر اعتقادات وأحكام مسبقة جاهزة عن طبيعة هذا الشخص. كما أنه قد يتعرّض الشخص للتصنيف حتى لو لم تتمّ رؤيته. على سبيل المثال قد يصنّف مسؤول التوظيف المتقدّمين للعمل على أساس جنسهم أو عرقهم عند استعراضه للسيَر الذاتيّة المقدّمة، لأنّ أسماءهم قد تعّبر عن ذلك.

تنتمي القوالب الجاهزة أو النمطية (Stereotypes) لهذه التصنيفات وهي التعميم المفرط للصفات على فئات معيّنة. هذه القوالب الجاهزة تكون هي أساس الأحكام المسبقة ومنشأ ظاهرة التمييز. في سياق العمل من غير القانونيّ أن يعمل الإداريُّ على التصنيف والتنميط ووضع القوالب الجاهزة في قرارات التوظيف، سواءً كان هذا قانونيًّا أم لا فهو يتعارض مع نهج التنوّع الذي تتبنّاه القوانين والشركات المُعاصرة.

نظرية الهوية الاجتماعية

تحاول نظريّة الهوية الاجتماعيّة أيضًا تفسير النتائج السلبيّة للتنوّع. تقترح هذه النظريّة أنَنا نصنّف الأفراد حالما نلتقيهم إلى مجموعة-مماثلة (in group) (أفراد ينتمون لنفس فئتنا) ومجموعة-مغايرة (out-group) (أفراد ينتمون لفئة مختلفة). فنحن نرى الأشخاص المنتمين للمجموعات المغايرة على أنّهم يمتلكون صفات مشتركة وسلوكيات متشابهة (أي ننسبهم لقوالب جاهزة).

يفترض العلماء أنّ سبب حدوث هذا المنظور هو وجود فارق واختلاف بين تفاعلاتنا مع أفراد مجموعتنا المماثلة مقارنةً مع تفاعلاتنا مع أفراد مجموعاتنا المغايرة. فهناك غالبًا تفضيل للمجموعة المماثلة وأحيانًا انتقاص للمجموعة المغايرة، ومع ذلك فقد لا يفضل أفراد بعض الأقليّات الأفراد الآخرين في مجموعاتهم. قد يكون سبب حدوث ذلك هو التعرّض الطويل للفكر المنتشر عن إيجابيّات ومقدرات الرجال أو البيض وسلبيّات النساء والأقليّات في العمل. عندما يحدث التفضيل للمجموعة المماثلة يتمّ توظيف أفراد من الأغلبيّة وترقيتهم ومكافأتهم على حساب الأقليّات وذلك غالبًا بشكل مخالف للقانون.

نظرية المخطط

تشرح نظريّة المخطّط كيف يخزّن الأفراد المعلومات حول الآخرين بناءً على خصائصهم الديموغرافيّة. تُخزّن المعلومات والمعرفة على شكل أنماط وعلاقات متداخلة في أذهاننا، بحيث تولّد مخطّطات تُستخدم لتقييم الذات أو الآخرين، وبناءً على تلك المعرفة المسبقة والأحكام النمطيّة المبنيّة على الاعتقاد والميول الفكرية تجاه خصائص الآخرين، بناءً على ذلك يصنّف الأفراد الناس والأحداث والأشياء من حولهم إلى فئات معيّنة. حتّى أنّ هذه التصنيفات تُستخدم لتقييم الأشخاص الجدد واتّخاذ القرارات حول كيفية التعامل معهم.

بناءً على هذه النظريّة، يشكّل الموظّفون مخطّطات ذهنيّة عن زملائهم وفقًا لعمرهم وجنسهم وعرقهم وصفاتهم الأخرى. كما يشكّلون مخطّطات عن سياسات المنظّمة والقادة وبيئة العمل. تأثير هذه المخطّطات قد يكون سلبيًّا أو إيجابيًّا وسيؤثّر على سلوك وتصرّفات الموظّفين تجاه بعضهم البعض.

نموذج التثبيط-التبرير

يشرح نموذج التثبيط-التبرير الظروف الّتي تدفع الأشخاص المتحيّزين (الذين يميلون لإطلاق الأحكام المسبقة على الآخرين دون معرفتهم أولًا) للتصرّف وفقًا لأحكامهم المسبّقة. توصف هذه العمليّة بأنّها مؤلّفة من خطوتين، بحيث يكون الأشخاص فيها متحيّزين إلى مجموعة أو فئة معيّنة ولكنّهم في نفس الوقت يشعرون بمشاعر متضاربة تجاه ذلك تدفعهم لإخفاء تحيّزهم بدلًا من التصرّف على أساسه. تقترح النظريّات أن كلّ الأشخاص لديهم أحكام مسبقة بطريقة أو بأخرى وأنّهم يكتسبونها منذ سنّ مبكّرة وأنّهم يعانون في التخلّص منها عند الكبر. تُحَفَّز الأحكام المسبقة هذه عادةً من قبل المقرّبين كما يستخدم الأفراد وسائل مختلفة لتبريرها.

سيحاول أغلب الأشخاص تثبيط أيّ مظاهر للتحيّز لديهم، قد يكون سبب ذلك عامل داخلي، مثل التعاطف والشفقة والمعتقدات الخاصّة. وقد يكون السبب أيضًا عاملًا اجتماعيًّا، حيث أنّ إظهار التحيّز وعلنيّة إطلاق الأحكام المسبقة غير مقبولة في المجتمع وغير قانونيّة حتّى في بعض الحالات.

يبحث الأشخاص المتحيّزون أحيانًا عن طرق لتبرير معتقداتهم هذه. أظهرت الدراسات أنّ الأفراد أكثر احتمالًا لسلوك المُتحيّز إن كانوا مُتعبين جسديًّا أو نفسيًّا أو إن استطاعوا القيام بذلك دون أن تُكشف هويّتهم أو إن كانت القواعد المجتمعيّة ضعيفة وتتغاضى عن مثل هذه الأفعال.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Diversity in Organizations) من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن