مبادئ الإدارة المنافسة والاستراتيجية والميزة التنافسية بين الشركات


هيفاء علي

كيف تكون المنافسة بين الشركات في بيئة العمل؟ وما المقصود بأنَّ شركة ما تمتلك ميزة تنافسية لا يمتلكها منافسوها؟ وما هي الاستراتيجيات العامة التي يمكن أن تطبِّقها الشركة لكي تتفوَّق على منافسيها؟

بعد أن أصبح لديك إدراك أكبر لبيئة عمل الشركات، ستتعرَّف على التفاصيل المرتبطة بطريقة عملها. الهدف الأساسي من عملية إنشاء الشركات هو تحقيق الأرباح من خلال توفير مجموعة من السلع والخدمات في الأسواق بأسعار تفُوق التكاليف التي تكبَّدتها في إنشاء تلك السلع والخدمات. نادرًا ما يحتوي قطاع أعمال معيَّن على شركة واحدة فقط؛ بل يحتوي في الواقع على العديد من الشركات التي تتنافس فيما بينها، وعادةً ما تكون المنافسة عنصرًا أساسيًا في أي سوق، وهذا يشير إلى أنَّ الشركات يجب عليها إيجاد طرق واستراتيجيات تدفع عبرها الزبائن إلى شراء منتجاتها بدلًا من شراء منتجات المنافسين. إنَّ الاستراتيجية هي عملية وضع الخطط وتنفيذ الإجراءات التي من شأنها أن تؤدِّي إلى نجاح الشركة في التغلُّب على المنافسين.

تعدُّ الأدوات التحليلية التي سنوضِّحها في هذا المقال جزءًا من عملية التخطيط الاستراتيجي. لن ينجح المديرون في التخطيط للمنافسة في أحد قطاعات الأعمال إلَّا إذا فهموا جيِّدًا طبيعة البيئة التنافسية، ومن غير المحتمل أيضًا أن تنجح أي شركة تخطِّط لإطلاق منتج جديد إذا لم يكن لديها الموارد والإمكانيات اللازمة لتصنيعه.

المنافسة

يتمحور نموذج القوى الخمسة لبورتر حول التنافس أو المنافسة؛ ففي أي قطاع من قطاعات الأعمال هناك العديد من الشركات التي تتنافس فيما بينها من أجل جذب الزبائن، وذلك من خلال تقديم منتجات ذات جودة أعلى أو ثمن أقل مقارنة بالمنافسين. تستخدم الشركات تحليل PESTEL لفهم رغبات المستهلكين واحتياجاتهم، وتستخدم أيضًا تحليل VRIO لتقييم مواردها وإمكانياتها لكي تتمكّن من تحديد سُبل تقديم منتجات وخدمات تلبِّي رغبات المستهلكين وذات جودة وأسعار أفضل من تلك التي يقدِّمها المنافسون.

يمكننا أن نصف شركة ما بأنَّها تمتلك ميزة تنافسية عندما تنجح هذه الشركة في جذب عدد أكبر من الزبائن، أو تحقيق أرباح أكثر، أو تحقيق أرباح وعوائد أكبر للمساهمين مقارنة بالشركات المنافسة لها. تتمكَّن الشركة من تحقيق ميزة تنافسية من خلال قدرتها على إضافة قيمة إلى منتجاتها وخدماتها أو تقليل تكاليفها بفعالية أكبر من منافسيها الذين ينتمون إلى نفس قطاع الأعمال.

الاستراتيجيات التنافسية العامة على مستوى وحدات الأعمال

هناك عدة مستويات للاستراتيجيات (سنتحدَّث عنها في مقالات لاحقة)، ومن هذه المستويات مستوى وحدات الأعمال. قد تكون وحدة العمل عبارة عن الشركة بحدّ ذاتها إن كانت شركة صغيرة، أو وحدة تابعة لشركة كبيرة، وتتمحور أنشطتها في الأساس حول نوع واحد من المنتجات أو الخدمات. استراتيجية وحدات الأعمال (business-level strategy) هي الأسلوب العام الذي تحدِّده الشركة لتنظيم أنشطتها حتى تتمكَّن من مواجهة المنافسين في قطاع الأعمال الذي تنتمي إليه. حدَّد مايكل بورتر (البروفيسور بجامعة هارفارد الذي وضع نموذج القوى التنافسية الخمسة) ثلاث استراتيجيات عامة على مستوى الأعمال تُلخِّص الطرق الأساسية للمنافسة في الأسواق، وقد وصف بورتر هذه الاستراتيجيات بأنَّها استراتيجيات "عامة" لأنَّ هذه الطرق يمكن أن تستخدمها أي شركة بغض النظر عن قطاع الأعمال الذي تنتمي إليه.

استراتيجية قيادة التكلفة

تقدِّم الشركات التي تتبنَّى استراتيجية قيادة التكلفة منتجاتها أو خدماتها للزبائن بأسعار أقل من أسعار المنافسين، ولكي تنجح في تحقيق هذه الميزة التنافسية وتتغلَّب على منافسيها الذين ينتمون إلى نفس قطاع الأعمال، فإنَّها تسعى إلى تخفيض التكاليف والتحكُّم بها خلال جميع أنشطة سلسلة القيمة التي تؤدِّيها. على سبيل المثال، تحرص هذه الشركات على التعامل مع المورِّدين الذي يبيعون القطع واللوازم بأقل الأسعار، وإجراء عمليات التصنيع في أسواق العمالة الرخيصة، وأتمتة عملياتها حتى تحقِّق أقصى قدر من الكفاءة.

يتوجَّب على الشركات التي تتبنَّى استراتيجية قيادة التكلفة أن تنفق أقل قدر ممكن من الأموال على عمليات إنتاج المنتجات أو تقديم الخدمات حتى تتمكَّن من تحقيق الأرباح عندما تبيع هذه المنتجات أو الخدمات بأقل الأسعار. تعدُّ شركة وول مارت الشركة الرائدة في استخدام استراتيجية قيادة التكلفة، إذ تقدِّم مجموعة كبيرة من المنتجات بأسعار أقل من أسعار المنافسين، ويعود ذلك إلى أنَّها لا تنفق أموالها على المخازن أو المتاجر الفاخرة وتتفاوض مع المورِّدين لكي تحصل على السلع بأسعار منخفضة، كما أنَّها تدفع أجورًا منخفضة نسبيًا للموظفين الذين يعملون لديها.

استراتيجية التميز

من المعلوم أنَّ المنتجات أو الخدمات المتوفِّرة في الأسواق لا تُباع جميعها بأسعار منخفضة. إنَّ استراتيجية التميُّز هي نقيض استراتيجية قيادة التكلفة تمامًا؛ فعلى الرغم من أنَّ معظم الشركات لا ترغب في إنفاق مقدار كبير من المال في عمليات الإنتاج، إلا أنَّ هنالك بعض الشركات التي تتبنَّى استراتيجية التميُّز وتسعى إلى تقديم منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة لكي تتمكَّن من جذب الزبائن المستعدِّين لدفع سعر أعلى، لذلك فإنَّها تحاول في كل خطوة من خطوات سلسلة القيمة زيادة الجودة والمزايا والجاذبية الشاملة المرتبطة بمنتجاتها وخدماتها، ومن الجهود التي قد تبذلها لتحقيق ذلك: تركيز عمليات البحث والتطوير على الابتكار، تقديم خدمات ممتازة للزبائن، تعزيز قيمة العلامة التجارية للشركة عن طريق التسويق.

إذا بذلت الشركات التي تتبنَّى استراتيجية التميُّز هذه الجهود، فسوف تتمكَّن من النجاح وتحقيق الأرباح على الرغم من أن تكاليف الإنتاج التي تتكبَّدها أعلى من تكاليف الإنتاج الخاصة بالشركات الأخرى المُنافسة. تعدُّ شركة ستاربكس المتخصِّصة في إعداد القهوة من الأمثلة الجيِّدة على الشركات التي تتبنَّى هذه الاستراتيجية، إذ إنَّ زبائن هذه الشركة على استعداد لدفع أسعار مرتفعة مقابل الحصول على فنجان من القهوة التي تقدِّمها بسبب إعجابهم بالأجواء المميّزة التي توفِّرها مقاهي ستاربكس وخدمتها الممتازة للزبائن وجودة منتجاتها وعلامتها التجارية المعروفة.

يفترض بورتر أنَّ بإمكان الشركات النجاح عن طريق استخدام استراتيجية قيادة التكلفة أو استراتيجية التميُّز، ولكنَّه يشير إلى أنَّ محاولة الدمج بين هاتين الاستراتيجيتين قد يعيق سير عمل الشركات ولن يكون في صالحها.

استراتيجية التركيز

الاستراتيجية التنافسية الثالثة التي حدَّدها بورتر هي استراتيجية التركيز، وهي تختلف قليلًا عن الاستراتيجيتين السابقتين. يجب على الشركات التي تتبنَّى هذه الاستراتيجية اختيار إحدى تلك الاستراتيجيتين لتنظيم أنشطتها، وهذا يعني أنَّها سوف تسعى لتخفيض التكاليف أو إضافة قيمة مميزة، ولكنَّ الأمر المختلف في هذه الحالة هو أنَّ الشركات التي تختار استخدام استراتيجية التركيز سوف تركِّز جهود التسويق والبيع على أسواق أصغر من الأسواق التي تستهدفها الشركات التي تتبنَّى استراتيجية قيادة التكلفة أو استراتيجية التميُّز.

إنَّ الشركة التي تستخدم استراتيجية التركيز القائمة على التميُّز مثلًا ستسعى إلى أن يكون لمنتجها أو خدمتها قيمة مضافة تستحوذ على اهتمام عدد قليل من الزبائن بدرجة كبيرة؛ إمَّا لأنَّ المنتج مناسب للاستخدام لغرض معين أو لأنَه منتج فاخر لا يستطيع دفع ثمنه إلَّا فئة قليلة. على سبيل المثال، تبيع شركة Flux أربطة مخصَّصة لألواح التزلج على الجليد حسب الطلب، وتستخدم استراتيجية التركيز القائمة على التميُّز لأنَّها تصنع منتجًا مُخصَّصًا يستحوذ على اهتمام مجموعة الزبائن المستعدّين لدفع أسعار مرتفعة مقابل الحصول على معدات تزلج على الجليد عالية الجودة وذات مواصفات معينة.

Snowboard-bindings.jpg

أربطة ألواح التزلج على الجليد باهظة الثمن التي توفِّرها شركة Flux مثال على أحد المنتجات التي يمكن أن تقدِّمها الشركات التي تتبنَّى استراتيجية التركيز، إذ إنَّ هذه الأربطة هي المنتج الوحيد الذي تبيعه شركة Flux (مصدر الصورة: حساب Ted and dani Percival/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC BY 2.0))

المجموعات الاستراتيجية

عندما يُجري المديرون تحليلًا للبيئة التنافسية لشركاتهم ويدرسوا حدة المنافسة في السوق، فإنَّهم بالتأكيد لن يواجهوا مجموعة لا حصر لها من الشركات المنافسة؛ فعلى الرغم من وجود ملايين الشركات ذات الأحجام المختلفة حول أنحاء العالم، إلَّا أنَّ الشركة الواحدة عادةً ما يكون منافسوها الرئيسيون هم الشركات التي تقدِّم مثل منتجاتها أو خدماتها وتستخدم نفس الاستراتيجية التنافسية العامة التي تتبنَّاها.

ينبغي على المديرين أن يعرفوا من هي الشركات الأخرى التي تقع ضمن مجموعتهم الاستراتيجية، إذ يكون التنافس أشدّ بين الشركات التي تقع ضمن مجموعة استراتيجية واحدة، وسينتج عن الإجراءات التي تتخذها إحدى هذه الشركات ردود فعل من الشركات الأخرى المنتمية إلى المجموعة ذاتها من أجل الحفاظ على حصصهم السوقية في قطاع الأعمال. يبيِّن الشكل التالي أسماء عدد من الشركات التي تنتمي إلى قطاع البيع بالتجزئة، ونلاحظ أنَّه على الرغم من أنَّ جميع هذه الشركات تنتمي إلى قطاع الأعمال ذاته، إلَّا أنَّه ليس هناك منافسة مباشِرة بين الشركات التي تقع ضمن مجموعات استراتيجية مختلفة (كل مربَّع يمثل مجموعة).

Strategic-Groups-Retail.jpg

المجموعات الاستراتيجية في قطاع البيع بالتجزئة (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0))

على الرغم من إمكانية حدوث منافسة جزئية بين الشركات التي تقع ضمن مجموعات استراتيجية مختلفة (يمكن شراء محفظة تحمل العلامة التجارية Kate Spade من أحد متاجر شركة Nordstrom مثلًا)، إلَّا أنَّ المنافسة الأشد تحدث بين الشركات التي تقع ضمن نفس المجموعة الاستراتيجية. على سبيل المثال، على الرغم من أنَّ كلًّا من شركتي وول مارت و نيمان ماركوس تقدِّمان مجموعة متنوعة وكبيرة من المنتجات، إلَّا أنَّ الشركتين لا تخدمان نفس فئات الزبائن، ولن يعاني مديروها من الأرق ليلًا وهم يتساءلون عن الخطوة التالية التي قد تُقدم إدارة الشركة الأخرى عليها.

في المقابل، فإنَّ مديري شركة وول مارت سيساورهم القلق بشأن أنواع أو أسعار المنتجات التي تبيعها شركة تارجت المُنافسة لهم في المجموعة الاستراتيجية نفسها؛ فمثلًا إذا كان هناك خصومات على منظِّفات الغسيل التي تُباع في متاجر شركة تارجت، فقد يقلِّل ذلك من إقبال الزبائن على شرائها من متاجر شركة وول مارت، وقد يكون رد فعل مديري شركة وول مارت على ذلك هو تخفيض أسعار منظِّفات الغسيل التي تبيعها في متاجرها.

التموضع الاستراتيجي

يتوجَّب على المدير الذي أجرى جميع التحليلات التي ذكرناها سابقًا في مقالاتنا اتخاذ بعض القرارات المتعلِّقة بالشركة بناءً على جميع المعلومات التي كشفتها عملية التحليل. يُطلق على القرارات التي تُتَّخذ بشأن الشركة فيما يتعلَّق بكيفية تقديم الخدمات للزبائن ومواجهة المنافسين بعمليّة التموضع الاستراتيجي (strategic positioning). يُحدَّد موضع الشركة من خلال الإلمام الشامل بعناصر بيئتها التنافسية، ويتضمَّن ذلك معرفة موارد الشركة وإمكانياتها وفهم أوضاع السوق وقطاع الأعمال الذي تنتمي إليه وإدراك العوامل المرتبطة بالبيئة العامة.

ينبغي على الشركة حتى تصل إلى مكانة أو موضع استراتيجي معين أن تختار استراتيجية تنافسية عامة تتوافق مع إمكانياتها المتاحة ويتوجَّب عليها أن تتخذ الإجراءات التي تساهم في تفوُّقها على مواضع المنافسين، وينبغي علي الشركة أيضًا تحديد الزبائن الذين ستقدِّم خدماتها ومنتجاتها إليهم والقدرة المالية لهؤلاء الزبائن، بالإضافة إلى تحديد الأسواق المحلية أو الإقليمية أو العالمية التي سوف تستهدفها.

والأهم من ذلك، ينبغي أن يكون الموضع الاستراتيجي للشركة مميزًا بحيث لا يكون بإمكان المنافسين محاكاته وبلوغه بسرعة وسهولة. تستطيع الشركة امتلاك ميزة تنافسية إذا تمكَّنت من جذب عدد أكبر من الزبائن أو تحقيق أرباح أكثر مقارنةً بالشركات المنافسة لها، ولن يحدث هذا إلَّا إذا تمكّنت الشركة من تنظيم أنشطتها بكفاءة وتقديم منتجات أو خدمات أفضل لزبائنها من تلك التي يُقدِّمها المنافسون.

ترجمة -وبتصرف- للفصلين Competition, Strategy, and Competitive Advantage و Strategic Positioning من كتاب Principles of Management





تفاعل الأعضاء


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، شكرا جزيلا على هذا المقال.

من فضلك هل يمكن توضيح هذه الفكرة:

يفترض "بورتر" أن الدمج بين إستراتيجية قيادة التكلفة وإستراتيجية التميز يعيق عمل الشركات وليس في صالحها.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

المقصود هو أنَّه من الأفضل أن تختار الشركة استخدام واحدة فقط من هاتين الاستراتيجيتن، وذلك لأنَّ الشركة ستواجه العديد من التحديات إذا حاولت تقديم منتج منخفض الثمن ومتميز في الوقت نفسه، فالعلاقة بين جودة المنتج وانخفاض ثمنه عكسية في معظم الأحيان، إذ تتطلَّب عملية بناء منتج متميز ذي جودة عالية استخدام إمكانيات وموارد ذات تكلفة مرتفعة، الأمر الذي سيؤدي إلى خسارة الشركة لو قرَّرت أن تبيع المنتج المميز بثمن منخفض.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية

شكرا على الرد.

ولكن في نظري أنا ، إذا انتهجت الشركة السياسة الأولى فإنها تحصل عاى هامش ربح أكبر مقارنة مع الشركات المنافسة وهذا يساعدها على طرح منتجات متميزة بتكلفة أقل وبأسعار تنافسية مع الشركات التي تنتهج السياسة الثانية فقط أي التميز. 

شكرا.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن