Huda AlMashta

نحنُ نعمل في مجال كثيرًا ما يتم فيه الحكم على أفكارنا بالسوء. ويتم فيه زجرنا لإهمال عملٍ ما، حتّى وإن لم ندرك ذلك. كما نواجه باستمرار مواقف مهدّدة لذاتنا يمكنها أن تحوّل أيّ واحد منّا إلى زميل عملٍ قلقٍ وغير متعقّل.

يمكن للحدّ من تعرّضنا للمواقف التي تؤذي ذواتنا أن يكون نافعًا في منع القلق، لكن في بعض الأحيان يكون هذا الأمر خارجًا عن إرادتنا. وللأسف، عندما نعجز عن السيطرة على التهديدات، فإننا سنلحق الضرر تاليًا بثقتنا بأنفسنا. وبالرغم من أنّ التقدير الذاتي الشخصي والمهني قد يكونان ضعيفين، إلّا أنّه بمقدورنا تعزيزهما وتقويتهما مقدمًا.

اضطراب العميل، نقطة البداية

لقد شعرت بالخجل عندما قام الطرف الفنّي لأحد العملاء بسرد كلّ الأمور التي لم تعجبه في الموقع الذي قمتُ ببنائه للتو. لم تكن القائمة قصيرة، ولا بنّاءة. وعندما حان دوره لتقديم اقتراحاته، اتخذتُ موقفًا عدائيًا وصرّحت بآرائي حول أفكاره وكم كانت مريعة ومستحيلة. عند انتهاء المكالمة الهاتفية، كان كلّ منّا متوتّرًا، وظلّ السؤال البائس يتردّد في ذهني: ما الذي حدث للتو؟

اكتشفتُ في اليوم التالي أن الموقع الذي قمتُ ببنائه كان يُفترض أساسًا أن يكون مبادرة داخلية، يتم التعامل معها من قبل الموظف الفنّي الذي وبّخني. باختصار، لقد جُرح اعتداده بنفسه، وفي نهاية المكالمة الهاتفية، حصل ذلك لي أيضًا، مما أساء إلى كلينا. وبالنتيجة، كانت المكالمة الهاتفية عبارة عن موقف مضطرب مُخزٍ.

هناك بضعة أمور لم تجرِ بشكل سليم في تلك المكالمة. أوّلها أنّ الطرف الفنّي شعر بالتهديد من الموقع. لكنّ تاريخي مع هذا الشخص يبيّن لي أنّه شعر بالتهديد من معظم الأفكار التي طرحناها عليه، لذلك كان علينا أن نفكّر أين نضع الحد للقبول بآرائه وموافقته عليها. كان ينبغي لنا أن نوظّف استراتيجية طويلة الأمد لتقوية تلك العلاقة من خلال موافقته في مرّات أخرى سابقة. وأخيرًا، هناك بعض الأمور التي كان بإمكاني فعلها لحماية نفسي من اللاعقلانية والاضطراب عندما اتخذت المحادثة المنحى السيئ.

خلاصة الكلام أنّ كلّ شيء في هذا السيناريو قد سار بشكل خاطئ. وهذا الموقف سيء بالنسبة لي، لكنّه جيّد بالنسبة لك، لأنّه يعني أنّ بإمكانك تعلّم الكثير من دراسته. لنعرف أكثر.

الاعتراف بتقدير الذات والقبول به لمنع القلق

يستجيب الجميع بدرجات متفاوتة للآراء والتصريحات الخارجية، فكيف يمكننا صياغة آرائنا لتجنّب التسبّب في قلقٍ لا مبرر له؟

عندما تلاحظ أنّ أحدهم يشعر فجأة بالقلق أو التوتّر حول أمرٍ ما، راجع بعناية ما حدث للتو. فعلى الأرجح أنّك قمتَ بإثارة تهديد ما. هل اقترحت فكرة جديدة؟ هل قمت بالإشارة إلى عيب ما في أفكارهم؟ (الأفكار مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتقدير الذات). ما كانت تلك الفكرة؟ لقد حدّدت لتوّك من أين ينبع تقدير الذات.

عادة ما يبني محترفو الويب تقدير الذات من الأشياء التي أكسبتهم الوظيفة في المقام الأول. وينطبق الشيء ذاته على المسوّقين وموظفي خدمة العملاء. إذ يعتزّ المسوّقون بأفكارهم الخاصة في حملة معيّنة، أو مهاراتهم التحليلية عند نقد حملة ما. أمّا موظفو خدمة العملاء فيقدّرون مهارتهم في التواصل وقدرتهم على قراءة الناس. لذا عندما يتم التشكيك بهذه المهارات سيتولّد القلق، والذي يمكن أن يؤدي بسرعة إلى موقف مضطرب.

تأمّل في ذلك المسوّق الذي لا يستطيع تقبّل أيّة فكرة إبداعية لأنّه يشعر بالحاجة إلى تنقيح أيّة واحدة تمرّ عليه. الإبداع هو مصدر تقدير هذا الشخص لذاته، لذا سيتولّد التهديد وينتج عنه القلق عند رفض تلك الأفكار دون فهمها وتقبّلها أولًا.

ماذا عن المطوّر الذي يرفض اقتراحات الناس، ويردّ أفكار الآخرين بوصفها مستحيلة أو غير عملية؟ إنّ حلّ المشكلات والمعرفة التقنية هي مصدر تقدير هذا الشخص لذاته، ويجب تعزيز هذا التقدير الذاتي من خلال الاعتراف بنقاط القوة هذه من أجل إحراز التقدّم في مناقشة مزايا الأفكار المذكورة.

جيّد، الآن أصبحنا نعرف مصدر تقدير الذات، كيف باستطاعتنا إذًا أن نعترف بهذه السمات لمنع الاضطراب؟

فكّر في المحادثة التي أجريتها مع الموظف الفني التابع للعميل. عندما بدأ الموظف بسرد كل الأمور التي لم تعجبه في موقعي، كان عليّ ملاحظة أنَ أفكاره الخاصة تم نقضها من خلال اقتراح أفكاري، والتي تم تمثيلها في الموقع الذي قمتُ بتصميمه وبنائه.

كان يجدر بي أن أطرح عليه أسئلة متعلّقة بخبرته مع العلامة التجارية للعميل وأهداف الشركة، عوضًا عن الاعتراض الفوري الذي ولّد المزيد من التهديد. كان بإمكاني طلب المساعدة والاعتراف بقدرته على حلّ المشكلات (مما يزيد الاعتداد بالنفس ويقلل التهديد) قبل أن أصّر من جديد على أفكاري الخاصة. لو اتبعتُ هذا النهج لسنحت لي فرصة جيَدة لتعلّم شيء عن العميل بالإضافة إلى تهدئة موظفه الفنّي.

إنّ مجرد الاعتراف بأفكار الآخرين وآرائهم يمكن أن ينجح في التصديق على مصادر الاعتداد بالنفس والتخفيف من القلق في مكان العمل.

ماذا إذا كان الاعتراف والقبول غير كافيين؟

في بعض الأحيان تسبب الضربة القاسية للذات عجزًا عاطفيًا (ربّما لشخص تقديره لذاته ضعيف بالفعل) لا يفلح معه استخدام أيّ قدرٍ من الاعتراف والقبول. وبالتالي سيتعسّر التعامل مع التقدير الذاتي الضعيف أو المتضرر، وقد يستحيل إصلاحه. في هذه الحالات لا يُمكن تحمّل أي مستوى من التهديد، ولا يكفي أيّ مستوى من رفع تقدير الذات.

لنعُد إلى مكالمتي مع الموظف الفنّي للعميل. ماذا لو بقِي غير راضٍ حتّى إعادة المشروع إليه؟ من الواضح أن هذا الحل ليس في صالح كلا الطرفين، الشركة التي احتاجت إلى هذا العمل، والعميل الذي قرر أنّ هذه الشركة هي الأنسب لتولّي العمل بدلًا من فريقهم الداخلي.

في مثل هذه المواقف، قد يكون من شبه المستحيل منع القلق أو تهدئته، لأنه من المحتمل أن تكون المشكلة أكبر من المكالمة الحالية. ومن الصعب تطبيق حلّ قصير الأمد على مشكلة طويلة الأمد. هناك أمران نستطيع القيام بهما في هذه الحالة: تقليل الضرر، وتوظيف استراتيجية طويلة الأمد لتقوية العلاقة.

يعني تقليل الضرر تجنّب مُثيرات المشكلة، والبدء بتفهّم مأزق الطرف الآخر قدر المُستطاع دون التضحية بالمشروع. إذا شعر الطرف الآخر بأنّ أفكاره منقوضة، فهذه علامة على شعوره بأن الآخرين لا يأخذون مساهمته على محمل الجِدّ (قد يكون هذا الأمر صحيحًا في الواقع، أو العكس، ولكن هذه هي كيفية شعورهم). هذا الموقف صعب على الجميع بدون استثناء، لذا حاول أن تتقبّل مساهماتهم باحترام وتُدرك متى يُصبح الطرف الآخر متزمّت حولها.

أمّا اتباع نهج استبدادي ومتسلّط فهو مناقض لما نسعى إليه. يزيد هذا النهج التهديد، ويمكن أن يؤدي إلى الكثير من السياسات الفظّة، حيث يبحث الناس عن الدعم لمشكلتهم من وراء ظهرك لأنهم يشعرون بأنّ كلّ أفكارهم التي طُرحت عليك تم إبطالها. في بعض المواقف تكون هذه هي الطريقة الوحيدة للمضي قدمًا، لكن هذه المواقف نادرة ومتباعدة فيما بينها، كما أنّها بغيضة ومزعجة. لا تسلك هذا الطريق إلّا إذا استنفدت جميع الخيارات الأخرى.

استخدام تقدير الذات لبناء علاقة طويلة الأمد

يتمحور جزء كبير من عملنا، كمحترفي ويب، على الفكرة، وكذلك موظفي التسويق الذين نتعامل معهم. ومن المحتمل أن يتفاعل أولئك الموظفين على نحوٍ جافٍ عندما يُهدَّد تقديرهم لذواتهم من خلال الأفكار المتعارضة والمتضمّنة نوعًا من التحدي، وبالعكس، سيتصرّفون بلباقة عندما يُعاملون باحترام ويُطلب منهم شرح أفكارهم والمشاركة بنقاط قوتهم. وبالرغم من أنّ طريقة التعامل مع الموقف تُحدّد حسب الحالة، إلّا أنّه يمكن تحقيق ذلك بشكل استباقي ببناء علاقة أفضل مع العملاء، زملاء العمل، والآخرين.

بمجرّد أن تحدّد مصدر التقدير الذاتي لشخص معيّن، ابدأ بالانصياع لهم في مجال العمل. عاملهم كخبراء في ذلك المجال (في معظم الحالات يكونون خبراء بالفعل في ذلك المجال). كن منفتحًا لآرائهم واقتراحاتهم، ومستعدًا لدمجها مع آرائك وأفكارك.

يمكن أن تستغرق هذه العملية وقتًا طويلًا، اعتمادًا على العجز العاطفي الذي يبدؤون به، وعلى مرونتك في الترحيب بأفكارهم. ولكن، بمرور الوقت، ستثمر جهودك العاطفية وسيبدؤون بالنظر إليك كحليف أو شريك، وهذا من أفضل ما يكون عليه الموقف.

يلعب التعمّد هنا دورًا أساسيًا. فلا يمكن أن تكون هذه العملية وليدة صدفة سعيدة، ولا يمكن أن تنجح بدون تخطيط واستراتيجية. وسيبدو جليًّا أن الطاقة العاطفية المطلوبة لهذه العملية تعني أنّه ليست باستطاعتك تنفيذها مع كلّ شخص تعمل معه. فكّر قليلًا وحدّد أيّ من علاقاتك العاطفية تتمتّع بأهمية استراتيجية أكبر، وأيّها يمكن أن تفيد أكثر من الثقة والاحترام الإضافيين. على الأرجح سيخطر القليل على بالك.

إنّ التعمّد في تحسين التقدير الذاتي لزملائك وعملائك لا يُيسّر العمل معهم فحسب، وإنّما سيخلق الإنصاف العلائقي الذي يمكن توظيفه لاحقًا لتعزيز الاحترام والتقدير، وتدعيم الولاء. تذكّر، كلّما قللت من تحدّي الأشياء في علاقة ما، زاد إقبال الطرف المقابل على الاستماع لك. وبالرغم من أنّ الأمر يستغرق وقتًا طويلًا، إلّا أنّه سيسهّل وظيفتك على المدى البعيد.

تحصين نفسك من القلق

أتمنى لو أن باستطاعتي القول أنني شخصيًا لم أكن بحاجة إلى النصيحة في هذا القسم، ولكنني فعلت، وفي أحيان كثيرة نحتاج جميعنا إليها. لنكن صريحين، جميعنا واجهنا ذلك العميل الغاضب في مرحلة ما، وهذا بالتأكيد ليس في صالح حياتنا المهنية. ولمنع القلق من التسرّب إليها، يمكننا تطبيق الأمرين الذَين طبقناهما على الآخرين: تقليل التهديد، ورفع التقدير الذاتي.

قد يبدو تقليل التهديد الصادر من الآخرين أمرًا مستحيلًا للوهلة الأولى. فليس بمقدورنا أن نطلب من الآخرين أن يكونوا ألطف تجاه ذواتنا. ولكن يمكننا أن نتخذ خطوات كبيرة في طريق تقليل التهديد المحسوس عن طريق النظر من منظور مختلف قليلًا.

في المثال أعلاه، تصرّفتُ بطريقة فظّة لأنّ الطرف الفنّي للعميل وبّخني على الهاتف. لقد تحدّى كل أفكاري، وفعل كلّ ما باستطاعته لرفضها كلّيًا. ما لم أدركهُ حتّى وقت متأخر جدًا هو أنّه لم يكن غاضبًا منيّ أو ممتعضًا من أفكاري، بل كان غاضبًا بسبب المشكلة غير الواضحة. ربّما كان مستاءً فيما مضى من أحد فرق شركات التطوير غير الكفء. أو ربّما كانت لديه أمور تقلقه ولم يكترث لها فريق التسويق لشركته. في النهاية، لم أكن أعلم ما كانت المشكلة، لكنّني أدرك الآن أنّه ربّما كان ليكون غاضبًا بغض النظر عن الشخص الذي سيتحدّث معه.

اكتشفتُ أنّ غضب الأشخاص لا يكون بسببي دائمًا، فكثيرًا ما يكونون مغتاظين من المشكلة نفسها. إنّهم لا يتحدّون أفكاري لأنهم يشكّون بها، بل لأنّهم يريدون التيقّن من أنّهم الحلّ الأفضل للمشكلة. عندما نظرت إلى الأمر بهذه الطريقة، سهُل عليّ تجنّب التصرّف بشكل عدواني، فنحن لا نعمل أحدنا ضدّ الآخر، وإنّما نعمل معًا ضدّ المشكلة.

ليس من السهل التصدّي لذلك الجدال الذي يُثار عندما يبدأ الناس بالاعتراض على أفكار بعضهم، لكن إرغام نفسك على القيام بذلك عادةً ما يكون عونًا كبيرًا في حلّ المشكلة دون تصعيدها إلى موقف مضطرب.

يمكن أيضًا لامتلاك نظرة سليمة إلى ذاتك وقدراتك أن يحميك من القلق. إذ أنّه من المهم أن تكون لديك صورة ذاتية مستقلّة عن كلّ ما يحدث حولك. لكن، هناك فرقٌ واحد كبير بين التقدير الذاتي السليم والكبرياء السقيم، وهو المقارنة الاجتماعية. التقدير الذاتي السليم هو معرفة أنّك ماهر في شيء ما، والقبول بذلك، بينما الكبرياء السقيم هو الظن بأنّك أفضل من الآخرين كلّهم.

كونك أفضل من أحدهم لا يضعك في موقف قوي في الحقيقة. فمقارنة نفسك مع هدف متحرَك، والذي قد يكون متقدّمًا عليك، عادة ما ينتج عنها محاولة عرقلة الهدف حتى تتمكّن من التفوّق عليه، إمّا بقهر ذلك الشخص، أو بملء نفسك بالثقة الكاذبة بقدراتك. وهذا ليس بالشيء الحسن.

إذا تحوّلت المناقشة حول كيفيّة حلّ مشكلةٍ ما إلى معركة آراء ثنائية فيها منتصر وخاسر، لن يكون النصر حليف أيّ من الطرفين، لأن المشكلة الأساسية هي التي ستُصبح خاسرة. لا يهم أن تهزم الطرف الآخر على حساب الحل. اسعَ إلى أن تكون حالًّا للمشاكل بدلًا من أن تكون المنتصر. ففي عالم الويب، لا تحمل الفكرة أيّ معنى ما لم تكن حلًّا لمشاكل العالم الحقيقي. لذا يجدُر بك دائمًا أن تتخلّى عن بعض أفكارك، أو حتّى كلّها، إن كان ذلك يعني تحسين الحلّ.

تمييز جذور القلق

غالبًا ما ينتج اضطراب مكان العمل والقلق الكامن تحت سطحه، بعيدًا عن كونها أحداثًا عشوائية وغير متوقّعة، من خوف وانعدامِ أمانٍ مكبوتين عميقًا. ويعني تجنّب كارثة الاضطراب والتوتّر التعامل مع قضايا أساسية مثل تقدير الذات. قد يصعب الإبحار في هذه المياه، والأصعب هو مواجهة المدّ والجزر وبناء علاقات أكثر سعادة تفوق فيها الفوائدُ التكاليفَ.

ترجمة-وبتصرّف-للمقال Managing Ego لصاحبه: Brandon Gregory

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ Freepik





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن