أيهما أفضل: عملاءٌ قليلون يدفعون أكثر أم عملاءٌ كثيرون يدفعون أقل؟


أحمد الخطيب

تحدَّث كلٌ من ساشا وجارود عن تجربتيهما مع التّسعير؛ إذ أوضحَ الأول فوائد بيع العديد من النُسَخ من كتابه الإلكتروني بسعرٍ منخفض، بينما أشار الثاني إلى مزايا الأسعار المرتفعة التي تجلب المزيد من العوائد مقابل سدد عدد الوحدات المُباعة.

price-vs-quantity.thumb.png.2ca33751992e

دار النقاش حول حسنات بيع المزيد من الوحدات (أي مضاعفة الانتشار) في مقابل بيع وحدات أغلى (أي مضاعفة الربحيَّة لكل وحدة). على كل مؤسِّس شركة ناشئة مواجهة هذا الخيار؛ لذا أودُّ التعمُّق فيه. لكي نوضِّح النقاش، لنستخدم نموذجًا أبسط:

تبيع كلٌ من الشركتين (أ) و(ب) مُنتَجات ذات عوائد شهرية دورية، وحقَّقت كلٌ منهما الشهر الماضي عوائد قدرها 10 آلاف دولار.

لدى الشركة (أ) 1000 عميلٍ يدفع كلٌ منهم 10 دولارات شهريًا.

لدى الشركة (ب) 10 عملاء يدفع كلٌ منهم 1000 دولارٍ شهريًا.

أيُّهما أفضل؟

إنَّه السؤالٌ الخطأ. لِمَ لا نقول: أي شركة منهما تُفضِّل أن تملك؟ أو: أي مشكلة أساسية يجب أن تعمل كل شركة على حلِّها؟ أو: تحت أي ظرف تكون كلٌ من هاتين الشركتين مثيرةً للاهتمام؟ أو: أي شركة منهما يمكنها الحصول على تمويلٍ أسهل؟

لنُركِّز على سؤالٍ واحدٍ فقط: أي شركة سيكون من الأسهل عليها الحصول على تمويل؟ قد أجد مَن يقول لي: مهلًا! هذا سؤال سيّء! لِمَ الهوس بالحصول على التمويل؟ ماذا لو لَم تكُن تريد بناء شركة ضخمة، أو ماذا لو أردتَ الاعتماد على نفسك في تمويل شركتك bootstrap. ألا تعلم أن الحصول على التمويل ليس مقياسًا للصواب أو للنجاح... إلخ.

أتِّفق مع ذلك، ولكن على الجميع أيضًا أن يتَّخذ قرارًا بشأن ما إذا كان يريد الحصول على تمويلٍ أم لا، ويتَّضح أن استكشاف ذلك السؤال سيؤدِّي إلى الإجابة على كافة الأسئلة الأخرى.

حجم السوق

لنفترض أن السوق الإجمالية التي يمكن توجيه المُنتَج لها صغيرة؛ في هذه الحالة لن تستمر الشركة (أ) في النُمُوِّ للأبد، لذا فإنَّ عوائدها محدودة، وهو وضعٌ سيءٌ. أمَّا الشركة (ب) فيمكنها الحصول على المزيد من المال من مجموعتها المحدودة من العُملاء، فهذا أفضل. إلَّا أنَّ المُستَثمرين بالطبع لا يُحِبُّون الأسواق الصغيرة.

لا تكون الشركة (ب) في سوقٍ كبيرةٍ بالضرورة سيئة، ولكن يكون للشركة (أ) المزيد من الإمكانيات. تُصبِح الشركات ذات نقاط السعر الصغيرة مع الوقت قادرةً على زيادة الأسعار والحصول على المال بطُرُقٍ أخرى من قطاعات متنوِّعة من المُستَهلِكين، ممَّا يعني أنَّ الشركة (أ) ستكون لها إمكانيات تحقيق عوائد أكبر.

الأمر الأهم على الأرجح أن الشركة (أ) تُثبت أنّ هناك سوقًا كبيرةً، فإذا كانت قد وجَدَت 1000 عميلٍ، فهناك 10 آلاف عميل، وربما 100 ألف عميل؛ أمَّا إذا كانت قد وجَدَت 10 عملاء فقط، ربما يكون هناك 10 آلاف عميل، ولكن لن يكون لديها دليل على ذلك؛ فسيُمثِّل الأمر مُخاطرةً أكبر.

مخاطر السوق

تموت شركات عادة لأنَّها لا تستطيع العثور على ما يكفي من العُملاء ليدفعوا لها، وتموت شركات بتلك الطريقة أكثر من تلك التي تموت بسبب سوء المُنتَج، أو عدم تمتُّعها بما يكفي من المميزات، أو عدم وجود مُصمِّم ضمن فريق العمل.

ثمَّة مليون عامل مُتغيِّر هنا، مثل: هل يمكنك تحديد مواقع عُملائك المُحتَملين؟ هل يمكنك جلبهم إلى موقعك الإلكترونيّ؟ هل يمكنك حَملهم على القراءة والنقر؟ هل يمكنك حَملهم على الاشتراك؟ هل يمكنك حَملهم على الموافقة على سعرك؟ يعني وجود مليون عامل مُتغيِّر أنَّ القيام بالأمر على نحوٍ صحيحٍ صعبٌ.

ولذا ينبهر المُستَثمر دائمًا بمثيلات الشركة (أ) التي حقَّقت تطوُّرًا لا يقبل الجدال في هذه الجبهة بعينها. من المفيد أن يكون لديك 1000 شخصٍ يدفع لك أي قَدْرٍ من المال مهما كان. إنَّ الحصول على 1000 عميلٍ دافعٍ أصعب كثيرًا من إضافة ثلاث مميزات جديدة، لأن الثانية مسألة وقتٍ ومال ، بينما الأولى خارجة عن سيطرتك.

ليس حَمل 10 أشخاص على أن يدفعوا لك -وإن كان مبلغًا كبيرًا- في الحقيقة بهذه الصعوبة. إذا كان لدى أحد المؤسِّسين قائمة بها بيانات العاملين في المجال -وهو أمر شائع للغاية- فسيكون من الصعب عدم العثور على 10 أشخاص. لا يُثبت ذلك أنَّ لديك طريقةً قابلة للتوسُّع والتكرار للعثور على عُملاء، ولا أنَّ هناك المزيد والمزيد من العُملاء المُحتَملين.

مخاطرة السوق هي المخاطرة الأكبر أمام معظم الشركات الناشئة. من الطرق المثيرة للاهتمام لتقليل تلك المخاطرة بناء شركةٍ مثل الشركة (ب)؛ إذ لا تحتاج لبيع الكثير لكي تُحقِّق أهدافك. إن هذا أمرٌ رائع لأن المخاطرة ستكون قليلة عندما يكون السقف منخفضًا. لا يُقصد بهذا أيَّة إهانة؛ في الحقيقة أعتقدُ أنَّ على المزيد من الشركات اتِّباع ذلك الأسلوب.

يداوي الوقت العديد من الجروح (ولكن ليس جميعها)

يمكنك أن تُعوِّل على نزعات trends مُحدَّدة على المقياس الزمني للسنين. فمتوسط تكلفة مُشتريات العميل تتراجع على سبيل المثال، لماذا؟ لأنَّك تُصبِح مُنظَّمًا وفقًا لمقاييس التسويق، لأنَّ حملاتك تتحسَّن، لأنَّ صفحات الهبوط Landing pages وحملات التسويق بالتقطير Drip Campaigns الخاصة بك تصبح أقوى، لأنَّ التسويق الشفهي تنتج عنه مبيعات «مجَّانية» وهكذا.

هناك نزعة أخرى وهي زيادة متوسط العوائد لكل عميل، لماذا؟ لأنَّ طبقات الأسعار الجديدة تُقسِّم العُملاء على نحوٍ أفضل، فالأسعار ترتفع كلَّما نَمَت السُمعة الجيِّدة؛ فيمكنك أن تُوفّر خدمات ومُنتَجات مُلحَقة، وتُحقِّق عوائد جديدة من خلال التطور التُجاري، وهكذا.

من الخطأ الاعتقاد بأنَّك ستجد دائمًا عوامل جديدة تستعين بها للنمو. تعلَق شركات عدة عند مُعدَّلٍ مُعيَّنٍ للنمو، وعلى الرغم من أنه نمو إيجابي إلَّا أنَّه يلتهم الكثير من المال أثناء زحفه البطيء نحو مرحلة إيجابية التدفُّق النقدي، ولا يُولِّد أرباحًا مثيرة للاهتمام بعد ذلك. بُمجرَّد أن يُصبح ذلك النوع من الشركات على الأقل مُربِحًا، يوفِّر الوظائف ويمكنه العثور على أحد العوامل الدافِعة للنمو يومًا ما، ولكن المُستَثمر بالطبع لن يكون مُهتمًّا بتلك النتيجة.

لنَعُد إذًا إلى شركتينا، أثبَتَت الشركة (أ) أنَّ النمو مُمكِن، وبالرّغم من وجود 1000 عميلٍ بميزانيةٍ محدودةٍ، سيكون هناك على الأرجح عوامل عديدة أخرى دافعة للنمو، وأحدها مُتاحٌ على أيَّة حال، وهو أكثر مما يمكنك أن تقوله عن الشركة (ب). إذًا، فالشركة (أ) تفوز في أحد الأبعاد التي لا تتحسَّن آليًا مع الوقت.

لذا، حتى إذا لم تكُن الشركة (أ) تُبلي حسنًا في بقية النواحي، لن يكون ذلك هامًا بذات القَدْر. لنفترض أنَّك تقول إن 10 دولارات شهريًا ليست مبلغًا مثيرًا للاهتمام. ربما تكون مُحقًّا، ولكن متوسط العوائد يزداد، فهذه لن تكون إذًا مشكلةً طويلة الأمد. لنفترض أنَّك اكتشفتَ أنَّ اكتساب عميلٍ جديد يدفع 10 دولارات شهريًا سيُكلِّفك 60 دولارًا، وهو مبلغ كبير قد لا يمكنك الاستمرار في دفعه، ولكنّ تلك التكلفة تتراجع مع الوقت، فهذه لن تكون إذًا مشكلةً طويلة الأمد.

يهتم المُستَثمِرون بالطبع بوضعك بعد عامين أكثر ممَّا يهتمون بوضعك الحالي، فهم يقلقون أكثر بشأن المشاكل التي لا تُحَلَّ تلقائيًّا مع الوقت.

القابلية للتغيير المِحوَري Pivotability

هناك إجماع حاليًا على أنَّه من الطبيعي، بل ومن الصحي، للشركات الناشئة في مراحلها المُبكِّرة أن تترقَّب تغييرًا محوريًا ذكيًا Pivot. عليها في الحقيقة أن تفعل ما هو أكثر من «الترقُّب»، عليها أن تسبِر السوق بنشاطٍ، ممَّا يعني إجراء محاورات مع العُملاء وغير العُملاء على حدٍ سواء، وحضور الفعاليات الخاصة بالمجال لإجراء محادثات حقيقيَّة (وليس تبادل الحديث بمزاحٍ على تويتر)، واستكشاف مقاييس موقعك الإلكتروني وتسويقك وخصائص مُنتَجَك وهكذا.

من أشهر الإجابات على سؤال «ما الذي جعلكم ناجحين؟» إجابة «قرَّرنا التوقُّف عن س والشّروع في العمل على ص». ومن ثَم فإن جمع البيانات عمَّا يحدث حقًّا، وعمَّا قد يدفع العُملاء من أجل الحصول عليه، وعن الثّغرات القيِّمة غير المُكتشفة بعد في السوق هو أفضل الأشياء التي يمكنك فعلها؛ والشركة التي تفعل ذلك جيدًا تزيد من فرصها في النجاح.

من الواضح أنَّ لدى الشركة (أ) المزيد من البيانات حول السوق؛ إذ تملك مئة ضِعف من العُملاء ممن يُمكن محاورتهم وتحليلهم. كما لديها على الأرجح عددًا كبيرًا من الزّيارات على موقعها، فيمكنها تقسيما إلى أقسامٍ فرعية وتجربة أربع أفكار في وقتٍ واحد.

من بين المبادئ التي نجدها في منهجية Lean Startup أنّ السرعة التي يمكن اختبار التجارب بها تتناسب طرديًا مع ما مقدار ما يُمكن تعلّمه، وستكون للشركة التي تستطيع فعل ذلك بشكل أسرع وأدّق أفضلية بالغة. أفترضُ أنَّ ذلك صحيح بغض النظر عمَّا إذا كانت الشركة ستحصل على استثمارٍ أم لا.

سلسلة من الحُجج المؤيِّدة للشركة (ب)

إذًا من الواضح أنَّ المُستَثمر سيُفضِّل بصورةٍ عامةٍ الشركة (أ) على الشركة (ب)، ولكن الشركة (ب) أفضل في عدة حالات، فلنُستعرضها.

إذا كانت تكلفة الدعم عالية، ستقضي الشركة (أ) على ربحيَّتها وتفوز الشركة (ب).

إذا كانت تكلفة اكتساب العملاء customer acquisition عشرة أضعاف العوائد الشهرية أو كانت العوائد الشهرية 100/1 ممَّا يُفتَرض أن تكون لاستمرار عمليات الشركة، لن تكون حُجة «أن الوضع سيتحسّن مع مرور الوقت» صالحة، لأنَّه على الرغم من تحسُّن الوضع على نحوٍ متزايد، إلَّا أنَّه من الصعب تفسير القِيَم الأُسِّية للتحسُّن.

إذا كانت التكلفة البشرية للتوسُّع في الشركة (أ) أعلى منها في الشركة (ب) ربما تكون الشركة (ب) في الحقيقة أكثر ربحيَّةً.

إذا كنتَ ستُبقِي على حجم الشركة صغيرًا، فسيكون دائمًا من الأرخص والأكثر متعةً أن تديرها مثل الشركة (ب)، ستُنفق مالًا أقل على التسويق والإعلانات واكتساب العُملاء، وتمضي وقتًا أقل في تدريب العُملاء، وسيكون لديك المزيد من الوقت لجعل العُملاء يحبُّونك للأبد، ومن ثَم سيكون هناك عمل أقلّ وحياة أكثر سعادةً في المُطلق. ستكون وظيفتك المُبهجة في تطوير المنتج هي مساعدة أشخاص قليلين لديهم احتياجات متشابهة بدلًا من محاولة إرضاء الاحتياجات المتفاوتة لآلاف الأشخاص الذين لا يمكنهم الاتِّفاق على أي شيء. كل شيء تقريبًا في الشركة (ب) أفضل.

إذا كانت السوق صغيرة، فسيكون من الصعب الحصول على أكثر من بضعة عُملاء، لذا ستكون بحاجةٍ إلى نموذج عمل يستخلص أكبر كمٍّ من المال من المجموعة المحدودة المُتاحة مثل الشركة (ب).

نموذج فريميوم Freemium لا يصلح للشركة (أ)

غالبًا ما أرى مؤسِّسين ومُستثمرين على حدٍ سواء يستخدمون العديد من الحُجج السابق ذكرها للتدليل على سبب كَون شركة لها 100 ألف مستخدمٍ أكثر قيمةً من شركةٍ لها 1000 عميلٍ دافعٍ، وأختلفُ معهم.

بينما قد يكون صحيحًا أنَّ للشركة ذات الأعداد الشاسعة من المُستخدِمين المجَّانيين إمكانيَّات، إلَّا أنَّ هناك الكثير جدًا من الأمثلة على شركات ناشئة ذات مُنتَجات رائعة، وتسويقٍ رائع، ونُمُوٍ ضخم، وقواعد عُملاء كبيرة، لم تستطِع تحويل ما يكفي من المُستخدِمين المجَّانيين إلى دافعين، وحتى بعد التحوُّل لم يدفعوا ما يكفي من المال.

بالطبع إذا كان ثمَّة مُعدَّل تحويل، يمكنك البدء بتطبيق المنطِق السابق ذكره من جديد، مثل أنَّ مُعدَّلات التحويل تزداد مع الوقت.. إلخ. إذًا فطالما كان العدد الكامل للدافعين مُهمّا ومُعدَّل النُمُوِّ كبيرًا، سيكون وضعك جيِّدًا، بل أفضل من جيِّد في حقيقة الأمر، إذ سيكون لديك المزيد من الأدوات التي يمكنك استخدامها لزيادة مُعدَّل التحوُّل وتقديم مُنتَجات مختلفة والتغيير المِحوَري.. إلخ.

أيُّهما يلائمك أكثر؟

أتمنَّى أن تجد التفاصيل المذكورة سابقًا كافيةً لتتَّخِذ قرارًا بشأن ما يلائمك. إذا كان بإمكاني اختصار الأمر في جملةٍ واحدةٍ ستكون: «إذا أردتَ الحصول على السعادة من شركةٍ صغيرة، اسعَ إلى تأسيس الشركة (ب). إذا أردتَ مضاعفة النُمُوِّ والتأثير والقيمة المالية، فاسعَ إلى تأسيس الشركة (أ)».
 

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Which is better: Many customers at low price-point or few at high price? لصاحبه جيسون كوهين



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن