مدخل إلى التسويق كيف تؤثر البيئة المحيطة على التسويق العالمي؟


علاء أيمن

تطرقنا في المقال السابق إلى التسويق العالمي، وناقشنا تعريفه، وأهدافه، ومراحله، والأسباب التي قد تدفع الشركات إلى خوض غماره، أو النأي عنه، وفي هذا المقال سوف نناقش تأثير البيئة المحيطة على التسويق العالمي، بما في ذلك تأثير الثقافات، والمعتقدات الدينيّة، والعوامل السياسيّة، والماليّة، والتقنيّة المختلفة.

بيئة التسويق العالمي

تتكون بيئة التسويق العالمي من عدد من العوامل الاجتماعيّة، والثقافيّة، والسياسيّة، والقانونيّة، والتنافسيّة، والاقتصاديّة، والتقنيّة، ويجب على أي شركة أخذ جميع هذه العوامل في الحسبان، قبل الدخول إلى الأسواق العالميّة.

البيئة الثقافية والاجتماعية

تتكون البيئة الثقافيّة من الأنظمة الدينية، والأسريّة، والتعليميّة، والاجتماعية، التي تؤثر على النظام التسويقي، ويجب على المسوّقين الذين يرغبون بتسويق منتجاتهم في الخارج، الانتباه للثقافات الأجنبيّة ومراعاتها، ورغم أن الفروق الثقافيّة بين معظم الدول قد تبدو ضئيلة، إلا أن تجاهل هذه الفروق يُعد من أهم أسباب فشل البرامج التسويقيّة في الخارج، ويستعرض المربع الآتي بعض الفروقات الثقافيّة حول العالم.

إن هذه المهمة لا تبدو سهلة، إذ إن الثقافات قد تتشابه في بعض السمات، ولكن ذلك لا يعني أنها متشابهة في الحقيقة، وحتى اللغة، لا تضمن تفسير المعاني بالطريقة ذاتها، فعلى سبيل المثال: يستخدم الأمريكيون كلمة "cans" للدلالة على المعلبات، بينما يستخدم البريطانيون كلمة "tins". وتوجد العديد من الفروقات الثقافيّة التي قد تسبب مشاكل للمسوّقين عند تسويق منتجاتهم في الخارج، وتشمل هذه الفروقات: اللغة، واللون، والتقاليد، والقيم، والجماليات، والوقت، والأعراف التجاريّة، والدين، والعلاقات الاجتماعيّة، وسوف نناقش فيما يلي كل واحد من هذه العوامل.

أمثلة على سوء الفهم نتيجة اختلاف الثقافات

  • يسيء كثير من الأجانب التفريق بين الدّعوة الجادة، وغير الجادة، عند التعامل مع العرب، فرغم أن المضيف العربي قد يكرر الدّعوة ويصرّ عليها، إلا أن هذه الدعوة قد تكون من باب المجاملة، وهو ما يسبب كثيرًا من الارتباك، والإحراج لدى الطرفين.

  • في إيرلندا يُطلق على وجبة العشاء اسم وجبة الشاي.

  • في آسيا، عندما ينحني شخص تحيةً لك، فيجب أن تنحني بمقدار مماثل، أو أدنى من مقدار انحنائه.

  • الإيماء بالرأس في بلغاريا يعني "لا" وأمّا تحريك الرأس يمينًا ويسارًا فيعني "نعم".

  • يعبّر الرقم 7 عن الحظ السيء في كينيا، ولكنه يعبّر عن الحظ الجيد في التشيك، بينما يحمل دلالات سحريّة في بنين.

  • فشلت شركة بيبسودنت (Pepsodent) الأمريكية في ترويج معجون أسنانها في جنوب شرق آسيا، وذلك لأنها وعدت زبائنها بالحصول على أسنان بيضاء، في حين أن الأسنان السوداء والصفراء تُعد علامة على المكانة الاجتماعيّة في تلك الثقافة.

  • في ولاية كيوبيك الكنديّة، حاولت شركة متخصصة في تعليب الأسماك، ترويج منتجاتها من خلال إعلان يظهر امرأة ترتدي سروالًا قصيرًا وتلعب الجولف مع زوجها، فيما تخطط لتقديم الأسماك المعلبة على العشاء، ولكن هذا الإعلان مثّل انتهاكًا للكثير من الأعراف الثقافيّة هناك.

  • حاولت شركة ماكسويل هاوس الأمريكية، الترويج لنفسها في ألمانيا بوصفها "القهوة الأمريكية العريقة"، ولكنها وجدت أن الألمان غير مولعين أصلًا بالقهوة الأمريكية.

  • تحوّل شعار شركة جنرال موتورز "الهيكل من (شركة) فيشر" عند ترجمته إلى اللغة اليابانية إلى عبارة "الجثة من فيشر".

  • تحوّل شعار شركة هرتز لتأجير السيارات "هرتز تمنحك القيادة" عند ترجمته إلى الألمانية إلى عبارة "هرتز تجعلك سائقًا".

  • يبدو اسم شركة "فيليب موريس" في اللغة الكانتونيّة مشابهًا لعبارة شائعة تعني "حظًا أوفر".

  • تحمل الأشكال المثلثة دلالات سلبيّة في كل من هونج كونج، وكوريا، وتايوان.

  • ليس مقبولًا في تايلند لمس رأس شخص آخر، أو تمرير شيء من فوقه.

  • يحمل اللون الأحمر دلالات إيجابية في الدنمارك، ولكنه يعبّر عن السحر، والموت في العديد من الدول الإفريقيّة.

  • يبتسم الأمريكيون -عادةً- عندما يصافحون أحدًا، ولكن الألمان يتجنّبون الابتسام مع المعارف الجُدد، كما أن عبارة "Wie gehts?" التي تعني "ما الأخبار؟" تُعد طريقة غير رسمية للسؤال عن الأحوال بالألمانيّة، ولذلك يُنصح بتجنبها في اللقاء الأول.

  • إذا جاملت شخصًا صينيًا، أو مدحته، فإنه سوف يرفض ذلك، لأن الرفض في الحقيقة هو طريقة مؤدبة لقبول المديح، والمجاملات في الثقافة الصينيّة.

  • لا تستخدم كلمة "مرسي" ردًا على مجاملة من شخص فرنسي، فقد يظن أنك تهزأ به.

  • يلوّح الإيطاليون بالوداع بالطريقة ذاتها التي تستدعي بها شخصًا ما، أي بتحريك الكف، والأصابع إلى الأمام، والخلف.

  • يُعد تقديم الهدايا عند زيارة بيت شخص ما، أمرًا شائعًا في اليابان، ولكنه كان يُعد نوعًا من الرشوة في الاتحاد السوفيتي.

  • في البرازيل، والبرتغال، يحب رجال الأعمال استضافة الأجانب في بيوتهم. لذلك عندما يحين وقت المغادرة، فإن صاحب البيت قد يصر على بقائهم لوقت أطول، مع ذلك يجب على الأجانب الاعتذار، والمغادرة بطريقة مؤدبة.

اللغة

تنطوي الفروقات اللغويّة على أهميّة كبيرة للغاية، إذ يوجد حوالي 3,000 لغة في العالم، وهو الأمر الذي قد يسبب كثيرًا من المشاكل للمسوّقين، وخصوصًا فيما يتعلق بتصميم الحملات الإعلانيّة، وتغليف المنتجات، فقد يتحدث الناس في الدولة الواحدة بعدّة لغات، فعلى سبيل المثال: يجب أن يكون تغليف المنتجات في كندا باللغتين الإنجليزية، والفرنسيّة، أمّا في الهند فتوجد أكثر من 200 لغة محليّة، و الأمر ذاته ينطبق -تقريبًا- على الصين.1

الألوان

تحمل الألوان -أيضًا- معاني متباينة في الثقافات المختلفة، ففي اليابان -مثلًا- لا يصح استعمال اللونين الأبيض، والأسود في تغليف المنتجات، وذلك بسبب استخدامهما في طقوس العزاء، وبالمثل فإنه لا يصح استخدام اللون البنفسجي في الدول اللاتينية لأنه يعبّر عن الموت.

العادات والتقاليد

تحتوي كل ثقافة على مجموعة فريدة من المفردات اللغوية، والعادات، والمحرمات الخاصة بها، لذلك يجب على المسوّقين الإلمام بها حتى يتسنى لهم معرفة المقبول، والمرفوض في البرامج التسويقيّة.

تأمّل الأمثلة الآتية، وفكر في تأثيرها على برامج التسويق العالمي:

  • يُعد تبادل القبل بين الرجال مقبولًا في روسيا على سبيل التحيّة، ولكنه ليس كذلك في الولايات المتحدة.
  • يفضل الألمان الحصول على توابل السلطة في عُلبة، بينما يفضل الأمريكيون الحصول عليها في زجاجة.
  • يُعد تقديم الحليب، والشاي، والماء، والعصائر مع الوجبات، أمرًا شائعًا في الولايات المتحدة.

افتتحت شركة ماكدونالدز 20 مطعمًا في الهند، ولأن 80% من الهنود يدينون بالهندوسيّة، تستعمل شركة ماكدونالدز لحم الخراف والماعز، بديلًا عن لحم البقر في سندويشات الهمبورجر، كذلك نفذت الشركة قبل افتتاح مطاعمها بحثًا تسويقيًا مكثفًا، وبنت علاقات وطيدة مع أكبر موردي الدجاج في الهند. إن توجه ماكدونالدز نحو تسويق منتجاتها في الهند يرجع إلى التعداد السكّاني الكبير، إذ إن تعداد سكّان الهند كان يبلغ في ذلك الحين أكثر من 900 مليون نسمة، أي حوالي سُدس سكّان الأرض.

القيم

تنشأ قيم الفرد من معتقداته الأخلاقية، والدينيّة، أو يكتسبها من خلال التجربة، فعلى سبيل المثال: يعطي الأمريكيون أولوية كبيرة للرفاهيّة الماديّة، وبالتالي فهم أكثر ميلًا من غيرهم لشراء المنتجات التي تعكس المكانة الماديّة، والاجتماعيّة. في العالم الإسلامي، يُعد تناول لحم الخنزير، ومشتقاته محرّمًا في الشريعة الإسلامية، وهو ما يُجبر مطاعم الوجبات السريعة التي تعمل في الوطن العربي، مثل: ماكدونالدز، وبرجر كينج، على تعديل منتجاتهما بما يتلاءم مع ذلك، كما ينفق الأمريكيون مبالغ طائلة على الصابون، ومزيل العرق، وغسول الفم، وذلك بسبب الأهميّة الكبيرة للنظافة الشخصيّة في الثقافة الأمريكية، .2 وفي إيطاليا، لا يتصل مندوبو المبيعات على النساء إلا عندما يكون أزواجهن في المنزل.

الجماليات

يشير مصطلح الجماليات إلى قيم الجمال، والذوق الرفيع، التي تختلف من ثقافة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال: يعتقد الأمريكيون أن الفتيات السمراوات جذابات، ومفعمات بالحيوية والشباب، ولكن اليابانيين لا يرون ذلك.

الوقت

يُعد الأمريكيون الأكثر اهتمامًا بالوقت، موازنة بالثقافات الأخرى، فالالتزام بالمواعيد، سمة مهمة من سمات الشركات في الولايات المتحدة، ومع ذلك، يواجه مندوبو المبيعات مشكلة في تحديد المواعيد في الدول العربيّة، ودول أمريكا اللاتينية، إذ إن الناس في هذه الدول أقل التزامًا بقيود الوقت.

الأعراف التجارية

تختلف أعراف ممارسة التجارة من بلد إلى آخر، وفيما يأتي بعض الأمثلة على ذلك:

  • في فرنسا لا يميل تجار الجملة إلى ترويج المنتجات، وإنما يفضلون الاقتصار على تزويد تجار التجزئة بالمنتجات التي يحتاجونها.

  • في روسيا يتطلب إقرار أي خطة، موافقة عدد لا نهائي من اللجان، ولذلك فإن المفاوضات التجاريّة، قد تستمر لسنوات عديدة.

  • يفضل رجال الأعمال في أمريكا الجنوبية مناقشة الأعمال عن قُرب، وهو ما يدفع رجال الأعمال الأمريكيين إلى تجنّب التعامل معهم.

  • في اليابان أتقن رجال الأعمال فن الصمت خلال المفاوضات التجارية، ولكن الأمريكيين ليسوا مستعدين لهذا النوع من التفاوض، وبالتالي فإنهم يصابون بالذعر؛ لأنهم يعتقدون أن الأمور لم تسر على نحو جيّد، والنتيجة؛ أن الأمريكيين يفقدون صبرهم، ويسارعون إلى التوصل إلى الاتفاق، حتى لو تطلب ذلك تقديم تنازلات يندمون عليها في وقت لاحق.

المعتقدات الدينية

تؤثر معتقدات الفرد الدينية على أنماط الشراء لديه، وكذلك على قيمه كما أشرنا -سابقًا- ففي الولايات المتحدة، وغيرها من الدول المسيحية، تزداد المبيعات بشكل كبير خلال عيد الميلاد، في المقابل، فإن الأعياد في الأديان الأخرى قد لا تشهد إقبالًا على شراء المنتجات، كما أن النساء لا يشاركن في قرارات الشراء في الدول التي يمثل فيها الدين عائقًا دون التقدّم في مجال حقوق المرأة.3

تمتلك كل ثقافة بنية اجتماعية خاصّة بها، ولكن تحقيق التقدّم يصبح صعبًا، كلما ازدادت القيود الاجتماعيّة، فعلى سبيل المثال: قادت الأسرة المكونة من زوجين عاملين في الولايات المتحدة، إلى ظهور مستهلكين أكثر ثراءً ورفاهيّة، ولكن عمل المرأة خارج البيت ليس مقبولًا في العديد من الثقافات الأخرى.

التسويق المتكامل

التسويق الإلكتروني في أوروبا

ما زال التسويق الإلكتروني في أوروبا يواجه تحديات صعبة جدًا، فإطلاق موقع إلكتروني للتسويق الاستهلاكي، أو الصناعي، في أوروبا، أصعب بكثير منه في الولايات المتحدة، ومن بين التحديات العديدة التي تواجه المواقع الأوروبية بصفة عامة:

  • تطوير موقع بلغات متعددة.
  • تطوير موقع بعملات متعددة.
  • توفير خدمة الزبائن بلغات متعددة.
  • الشحن عبر الحدود في أوروبا.
  • معالجة ضريبة القيمة المضافة.
  • التكيّف مع القيود الحكوميّة الصارمة.
  • توظيف الأفراد في الأسواق التي تفتقر إلى الحوافز الاقتصاديّة.

البيئة السياسية، والقانونية

تختلف البيئة القانونيّة، والسياسيّة من دولة إلى أخرى، وفيما تسعى معظم الدول إلى الاعتماد على نفسها، وزيادة مكانتها في أعين الدول الأخرى، إلا أن هذه الروح الوطنيّة في العديد من الدول دفعتها إلى تبني سياسات مدمرة للشركات الأجنبيّة.

على سبيل المثال: يمكن للحكومات التدخل في البرامج التسويقية بالوسائل التالية:

  • عقود توريد وتقديم البضائع، والخدمات.
  • تسجيل العلامات التجاريّة، وحمايتها.
  • براءات الاختراع.
  • التواصل التسويقي.
  • التسعير.
  • أمان المنتج، وسهولة الوصول إليه، بالإضافة إلى القضايا البيئية.

الاستقرار السياسي

تزدهر الأنشطة التجارية -عادةً- عندما تكون البلاد مستقرة سياسيًا، ومع ذلك، تستطيع الشركات المتعددة الجنسيات ممارسة أعمالها، وتحقيق الأرباح، حتى لو لم تكن البلاد مستقرة من الناحيّة السياسيّة، إلا أن استراتيجيات التسويق لديها سوف تتأثر بالتأكيد، إذ تفضل معظم الشركات في هذه الحالة اللجوء إلى التصدير، بدلًا من استثمار مبالغ كبيرة في فروع أجنبيّة، وفي هذه الحالة، تقل الوظائف المتاحة، وينخفض مخزون السلع، وتُحول العملة بسرعة، وبالتالي فإن المستهلكين في هذه الدولة سوف يُضطرون لدفع مبالغ كبيرة مقابل منتجات ليست مرضيّة للغاية.

الظروف المالية

يمثل سعر صرف عملة دولة ما، قيمة تلك العملة مقارنة بعملة دولة أخرى، وتتدخل الحكومات -أحيانًا- لتحديد أسعار صرف العملة بعيدًا عن قوى العرض، والطلب، وأحيانًا تترك قوى العرض، والطلب لتتفاعل بحريّة، وإذا كان معدل صرف عملة الدولة منخفضًا، موازنةً بالدول الأخرى، فذلك يعني أن المستهلكين في تلك الدولة سوف يدفعون أسعارًا أعلى، مقابل البضائع المستوردة، ورغم أن مفهوم سعر صرف العملة يبدو بسيطًا نسبيًا، إلا أن أسعار صرف العملة تتقلب بصورة كبيرة، وهو ما يولد مخاطر كبيرة على المصدرين والمستوردين.

اتفاقات التجارة، والتكتلات التجارية

تحقق الشركات الأمريكيّة ثلث عائداتها من تسويق المنتجات إلى الخارج، وخصوصًا في آسيا، وأمريكا اللاتينية، وتعزز اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية نافتا صادرات الشركات الأمريكية، فهي تتيح لها بيع منتجاتها بأسعار منخفضة نسبيًا، وذلك بفضل تقليل الرسوم الجمركيّة.

وتمثل التكتلات التجارية الإقليمية مجموعة من الدول التي تتفق على تقليل القيود التجاريّة فيما بينها، وتُعد رابطة دول جنوب شرق آسيا، المعروفة اختصارًا باسم "أسيان" مثالًا على ذلك، وتتكون هذه الرابطة من عشر دول مستقرة، تشمل إندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، والفلبين، وتسمح اتفاقية التجارة الحرّة لدول هذه الرابطة بتبادل التجارة، والخدمات، والقوى العاملة، ورأس المال، دون أي معوقات، كما تسعى الرابطة إلى تحقيق التكامل في المواصلات، والبنية التحتية الخاصة بالطاقة بين دولها.

ولعل من أبرز نتائج الاتفاقات التجارية، مثل أسيان ونافتا، أنها أتاحت تسويق العديد من المنتجات التي كانت ممنوعة في السابق، بفعل قوانين محاربة الإغراق التجاري، وهي قوانين تستهدف منع المنتجات الاجنبيّة من الدخول إلى البلاد، وتقوم فكرة الإغراق التجاري على بيع الشركة لمنتجاتها في الخارج بأسعار منخفضة للغاية، وذلك بهدف سحق المنافسين المحليين، كما تهدف قوانين محاربة الإغراق إلى منع الشركات الكبرى من إغراق السوق بما يضر بالصناعة المحليّة، وفي عام 2007، كانت قوانين محاربة الإغراق التجاري سارية في حوالي 60 دولة، أمّا من يؤيدون الاتفاقات التجاريّة فيزعمون أن قوانين محاربة الإغراق تعاقب الشركات القادرة على المنافسة، وتكافئ الشركات غير القادرة عليها.

لقد دخلت جميع الدول -تقريبًا- في النصف الغربي من الكرة الأرضية في واحدة، أو أكثر من اتفاقات التجارة الإقليمية، وذلك بهدف تسهيل حركة التجارة، إمّا من خلال إقامة مناطق تجارة حرّة، أو اتحادات جمركيّة، أو أسواق موحدة، وتعمل مناطق التجارة الحرّة، والاتحادات الجمركيّة، على إلغاء القيود التجاريّة بين الدول الأعضاء، ولكنها تبقي هذه القيود على الدول غير المشاركة، أمّا السوق الموحدة؛ فهي على خلاف مناطق التجارة الحرّة، والاتحادات الجمركية، وتقوم على توفير سياسات ماليّة، ونقديّة متناغمة، ويمكن القول: إن الاتفاقات التجاريّة باتت تلعب دورًا متزايدًا في إزالة القيود التجاريّة، وهو ما يفتح فرصًا هائلة أمام الشركات العالميّة.

لقد كان متوقعًا أن يؤدي إنشاء السوق الأوروبية الموحدة في عام 1992 إلى تغيير شكل التسويق في جميع أنحاء العالم، فقد كانت هذه الخطوة تعني ولادة سوق أكبر من الولايات المتحدة، وكذلك استخدام عملة اليورو بدلًا من عملات الدول الأعضاء، وبفضل التقنية الجديدة، -مثل برامج المعالجة المتعددة اللغات- أصبح بإمكان الشركات غير الأوروبيّة استهداف الزبائن المحتملين في أي مكان في أوروبا، وبأي لغة، ومن خلال الحملة التسويقية ذاتها.

لقد كان التقدّم باتجاه توحيد السوق الأوروبية بطيئًا، حتى إن كثيرين قد شككوا في إمكانية تحقيقه، ومع ذلك، اتخذت 15 دولة أوروبية في 1 يناير 1999 خطوة مهمة نحو توحيد السوق الأوروبية، وذلك من خلال تبني اليورو عملةً مشتركة، وتضم هذه الدول 290 مليون نسمة، وتمثل سوقًا بقيمة 6.5 تريليون دولار، ولكن في ظل وجود 14 لغة مختلفة، وتباين العادات، والتقاليد، فإنه من المستبعد أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى "الولايات الأوروبية المتحدة".

الرسوم الجمركية

تشجع معظم الدول التجارة الحرّة من خلال دعوة الشركات الأجنبيّة إلى الاستثمار لديها، وكذلك حث الشركات المحليّة على الاستثمار في الخارج، وتتجنب هذه الحكومات فرض قيود صارمة على الاستيراد، أو التمييز ضد الشركات الأجنبيّة، ومع ذلك، تعارض بعض الحكومات التجارة الحرّة علنًا، فعلى سبيل المثال: تفضل العديد من الدول الشيوعية تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتفرض قيودًا شديدة على التجارة مع الدول غير الشيوعية.

وتُعد الرسوم الجمركيّة -وهي ضريبة مفروضة على البضائع المستوردة- واحدة من أكثر القيود التجاريّة شيوعًا، وتهدف هذه الرسوم إلى حماية الشركات المحليّة من المنافسة الخارجيّة، وذلك من خلال رفع أسعار السلع المستوردة، لكن لا تتفاجأ إذا عرفت أن الشركات الأمريكية التي تمتلك وجودًا قويًا في الدول الأجنبيّة، قد تؤيد فرض الرسوم الجمركيّة لمنع الشركات الأمريكيّة الأخرى من الدخول إلى تلك الأسواق.

المصادرة

تواجه جميع الشركات المتعددة الجنسيات خطر المصادرة، وهو أن تستحوذ الحكومة على ملكيّة مصانعها، وفي بعض الأحيان دون تعويض، ومع ذلك، فقد تضمنت العديد من حالات المصادرة تعويض الشركات المالكة، وقد كانت تلك التعويضات منصفة في معظم الأحيان، ويمكن القول: إن الشركات المتعددة الجنسيات، تقع تحت رحمة الحكومات الأجنبيّة، والتي تفتقر -أحيانًا- إلى الاستقرار، كما أنها قد تغيّر قوانينها في أي لحظة بما يلبي حاجاتها.

البيئة التقنية

يؤثر مدى التقدّم التقني في دولة ما، على رغبة الشركات في الاستثمار هناك، كما أنه يؤثر على نوع الممارسات التجاريّة الممكنة، لذلك يجب على المسوّقين مراعاة التقنيات المتوفرة في كل دولة، وفيما يأتي بعض المشاكل التقنيّة التي قد تواجه الشركات في عملها في الخارج:

  • ضرورة تدريب العمّال على استخدام المعدّات، لأنها غير مألوفة بالنسبة لهم.
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتوزيع بسبب أنظمة النقل الرديئة.
  • تباين معايير الصيانة من دولة إلى أخرى.
  • ضعف وسائل الإعلام، والتواصل على نحو يعوق الإعلان، والترويج.
  • الافتقار إلى منشآت معالجة البيانات، الأمر الذي يجعل عملية تخطيط استراتيجيات التسويق، وتنفيذها، وإدارتها، أمرًا في غاية الصعوبة.

البيئة الاقتصادية

يعبّر الوضع الاقتصادي في أي دولة عن قدرتها الحاليّة، والمحتملة على إنتاج البضائع، والخدمات، ولمعرفة الفرص الموجودة في السوق، فإنه لابدّ من تقييم حالة النمو الاقتصادي في تلك الدولة.

وتُقسم الدول بحسب حالة النمو الاقتصادي فيها إلى ثلاث فئات، وهي: دول صناعية، ودول ناميّة، ودول أقل نموًا، وتشمل الدول الصناعيّة بشكل عام الولايات المتحدة، واليابان، وكندا، وروسيا، وأستراليا، ومعظم دول أوروبا الغربيّة، ويتميز الاقتصاد في هذه الدول بانتشار الشركات الخاصة، والتركيز على المستهلكين، كما أنها تتسم بارتفاع معدلات التعليم، والدخل، والتقدّم التقني.

أمّا الدول النامية؛ فهي تلك الدول التي تشهد انتقالًا من اقتصاد الزراعة، وإنتاج المواد الخام، إلى الاقتصاد الصناعي، ويصاحب هذا الانتقال ارتفاع في مستوى التعليم، والدخل، والتقدّم التقني، وتندرج معظم دول أمريكا اللاتينية تحت هذه الفئة.

أخيرًا، الدول الأقل نموًا، وهي كثيرة، وتتصف بانخفاض معايير المعيشة، ومعدلات التعليم، والتراجع التقني.

تكثر الفرص التسويقية -عادةً- في الدول الصناعيّة، وذلك بفضل ارتفاع مستوى الدخل، وهو عامل ضروري في ظهور الأسواق، ومع ذلك، تمتلك هذه الدول قاعدة سكّانية مستقرة، وأسواقًا مشبعة تقريبًا، وفي المقابل، فإن القاعدة السكّانية في الدول النامية آخذة في النمو والزيادة، وبالتالي فإن إمكانية تحقيق النمو في هذه الدول أكبر على المدى البعيد، وأما الدول الأقل نموًا، فهي تبحث عن منتجات تشبع حاجاتها الأساسيّة، مثل الطعام، والملابس، والسكن، والرعاية الصحيّة، والتعليم، ويلعب المسوقون في هذه الدول دور المعلمين، إذ يجب عليهم التركيز في برامجهم التسويقية على تقديم المعلومات للجمهور، وبصفة عامة، كلما ازداد التطور الاقتصادي، تعقدت الجهود التسويقية.

البيئة التنافسية

إن الدخول إلى السوق العالمي يشبه الدخول إلى السوق المحلي، حيث أنه يتطلب استثمار الموارد المتاحة، من أجل الحصول على ميزة تنافسيّة في ذلك السوق، وتتبنى الشركات المحليّة في أغلب الأحيان استراتيجيّة تقليد الشركات الأخرى، والتي تكون ناجحة في بعض الأحيان، وتؤدي إلى تعزيز اقتصاد البلاد، ولكنها تفشل في أحيان أخرى، وتنتهي باستحواذ الشركات المتعددة الجنسيات على الشركات المحليّة.

لقد استطاع المسوّقون اليابانيون تطوير طريقة لإدارة تكاليف المنتجات، وقد منحتهم هذه الطريقة ميزة تنافسيّة على نظرائهم من الأمريكيين، إذ تعمد الشركات الأمريكية -بالعادة- إلى تصميم منتج جديد، ثم حساب التكاليف، فإذا كانت التكاليف المقدرة كبيرة للغاية، فإن المنتج يعود إلى مرحلة التخطيط مرة أخرى، أمّا في اليابان، فتبدأ الشركات عادةً بتحديد التكلفة، وذلك بناءً على السعر الذي تعتقد أن السوق مستعد لقَبوله، بعد ذلك، يعمل المصممون، والمهندسون في إطار هذه التكلفة المقدّرة، وتحد هذه الطريقة من قلق المديرين حول تكلفة المنتج، وتشجعهم على التركيز على الدور الذي يجب أن يلعبه المنتج في السوق. وباختصار، تقدّر الشركات اليابانية، مثل نيسان، وشارب، وتويوتا، السعر الذي قد يكون جذابًا للسوق، ومن ثم تبدأ العمل انطلاقًا من هذه النقطة، وبعد خصم هامش الأرباح من سعر البيع، يبدأ المخططون بتقدير تكلفة كل عنصر من عناصر المنتج، بما في ذلك الهندسة، والتصنيع، والبيع، والتسويق، في المقابل، فإن الشركات الأمريكية تميل إلى تطوير المنتج، ثم حساب تكاليف إنتاجه، وتقييم إمكانية بيعه في السوق بسعر مقبول، ومربح في الوقت نفسه.

 

ترجمة -وبتصرف- لأجزاء من الفصل (Marketing in global markets) من كتاب Core Concepts of Marketing


الهوامش

1. وربما أخذت اللفظة الواحدة معاني مخالفة للمعهود الدلالي، فتصبح إشارة للذم بدل أن تأخذ معناها الدلالي الحقيقي، ومن ذلك؛ أن كلمة (الطاقة) في معظم الدول العربية تأخذ معنى: الشباك الصغير المغلق داخل الحائط، أو تطلق على مجموعة من الورود، بينما تأخذ الكلمة نفسها معنى دلاليًا قبيحًا في بعض الدول العربية مثل: ليبيا. ومن ذلك -أيضًا- كلمة (العافية) فالمعنى الشائع لها هو الصحة، والقوة، أما في بعض دول المغرب العربي مثل: المغرب فإنها تعني (النار).

2. لا شك ان ثقافة النظافة هي ثقافة أصيلة في الإسلام ولا أدل على ذلك من فرضية الوضوء، والغسل من الحدث الأكبر، ومستحبات الغسل التي حثت عليها السنة المطهرة، كما ترسخت النظافة سلوكًا ثقافيًّا أصيلا بعد ذلك، بوجود الحمامات العامة في الثقافة والفكر العربي، والإسلامي قبل قيام الدولة الأمريكية ذاتها. فللحمامات الإسلامية القديمة في دمشق، تاريخ قديم، ومن أشهر حماماتها في العصور الإسلامية، حمام نور الدين، وحمامات العصر الأيوبي، والعثماني، وإن الأبخرة التي تنبعث منها بروائح العود، والمسك، لدليلٌ على مدى عناية المسلمين بالنظافة، والطهارة، فهي تنادي المسلمين من خلال هذه الروائح العطرة، لجعل النظافة والطهارة عنوانًا لهم، وجواز سفر للاتصال بالله عزَّ وجلّ. ولعل أقدم حمَّام عربي إسلامي في بلاد الشام هو حمَّام قصر عمرة، الذي يعود إلى العصر الأموي، أما في العصر الحديث فإن أشهر مستحضرات التنظيف في العالم العربي قد اشتهرت بها بلاد الشام كصابون الغار الحلبي الذائع الصيت، والصابون النابلسي الشهير اللذين يصنعان من زيت الزيتون الصافي؛ ينظر/ نبيلة القوصي، الحمامات الإسلامية القديمة في دمشق.

ومن الغريب أن يهمش تاريخ أمة، وثقافتها في هذا السياق، في الوقت الذي عاشت فيه أوروبا أسوأ حقبة عرفها التاريخ، ففي الوقت الذي دخلت فيه المياه حمامات، وبيوت المسلمين للاغتسال، والاستنجاء، كانت أوروبا تستنجي بالأوراق على أحسن ظن، وما ينتج عن ذلك من أمراض. وكذا وما شاع بين الأوروبيين من معتقدات دينية في القرون الوسطى تدعو إلى عدم الاغتسال البتة، وأنه كلما تراكمت القاذورات على الجسم؛ ارتقى وكان أقرب إلى الله!! فكان الواحد منهم يعيش في المجاري ويتلذذ بلسع البعوض والحشرات، فكان الواحد منهم، حتى ملوكهم، لا يغتسل سوى مرة في العام، أو مرتين على أحسن الأحوال، أما عن القاذورات والفضلات البشرية فكانت تجمع في أكياس، ثم تلقى في الشوارع فتأكلها الخنازير، التي تلقي بفضلاتها في الشوارع نفسها!

ينظر بتوسع/ مذكرات الكاتب ساندور ماراي، الذي ولد في بداية القرن العشرين في عائلة بورجوازية ذات أصول نمساوية هنغارية، وأصدر كتابًا يؤرخ لتاريخ الوساخة في أوروبا بعنوان: اعترافات بورجوازي. وغيره من الكتب التي وثقت تلك السلوكيات.

3. ربما لم تنعم المرأة عبر العصور المختلفة بحقوقها كما نعمت بها في ظل الدولة الإسلامية، فقد تحسنت، وتعززت حقوق المرأة، حيث أعطى الإسلام المرأة حقوقها كاملة، سواء المادية، كالإرث، وحرية التجارة، والتملك، والتصرف بأموالها، إلى جانب إعفائها من النفقة حتى ولو كانت غنية، كما كفل لها الإسلام حق التعلم، والتعليم، بما لا يخالف دينها، بل إن من العلم ما هو فرض عين تأثم إذا تركته، فقد سبقت المرأة المسلمة المرأة الأوروبية في التمتع بجميع الحقوق، بقرون عديدة.

لعله مما يثير التساؤل، لماذا تحرص منظمة هيومان رايتس ووتش، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، على التركيز على حقوق المرأة، ولماذا كل هذا الاهتمام اللافت للنظر في هذه المسألة؟ ولعل هذا التساؤل يثير تساؤلا آخر: هل هناك داع لكل ذلك الحرص لو كانت المرأة الأوروبية قد حصلت على كامل حقوقها؟ الجواب: لا. فلا بد أن المرأة الأوروبية قد كانت محرومة من ذلك، الشيء الذي جعل تلك المنظمات تنبري للمطالبة بحقوق المرأة، وهذا ما ذكره عمر الترابي في هذه الإحصائية، حيث يقول: في الواقع تمثل هذه الاتفاقية التحول الذي طرأ على وضع المرأة الأوروبية بين نهايات القرن التاسع عشر، ووقت متأخر من القرن العشرين؛ لأن المرأة الأوروبية قبل هذا التاريخ كانت محرومة من الحقوق السياسية، كالتصويت في الانتخابات، وتولي المناصب السياسية، والإدارية، رغم أن بعض النساء اعتلت العروش في بعض دول أوروبا، ولم تنل النساء حق التصويت في إنجلترا إلا عام 1919 والولايات المتحدة عام 1920 وفرنسا عام 1945 وسويسرا عام 1971؛ ينظر، عمر إبراهيم الترابي، حقوق المرأة بين المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية.

 

اقرأ أيضًا





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن