وصفتُ هذه السلسلة في مقدّمتها بأنها "متقدّمة في كثير من مواضعها"، وما قصدتهُ بذلك هو أن نفعها ليس كبيرًا لمن ليس له باع بالترجمة ولمن لا يستطيع مقاربة ما يقرأه بشيءٍ من الخبرة التي اكتسبها بنفسه، لكن هذا لا يعني أنه يجب على قارئ السلسلة امتلاك خبرة واسعة طويلة، ولا أن يكون مترجمًا متمرسًا في مهنة …
تناولنا في مقالات سلسلة الترجمة والتعريب موضوعات الترجمة من زوايا عدة، من ضمنها الزاوية الأكاديمية (في مقال نظرية الترجمة) وخصوصياتها الدلالية والصرفية (في مقال تعريب المفردة)، وما لها من خصوصيات قواعدية ونحوية (في مقالي تعريب التراكيب والجمل)، وقد ناقشنا بعض مشكلات الترجمة؛ وأهمها النزاع القائم ب…
في مقدمة هذه السلسلة، اللغة ومفهوم الترجمة بين اللغات، ذُكر أن كثيرين قد يسيؤون فهم الترجمة فيظنون أنها تسير في اتجاه واحد: إذ يخالون أن كل ما على المترجم هو إتقان لغة أجنبية ليترجم منها إلى لغته، وأما الواقع فهو أن الترجمة شطران: فالأول هو إتقان لغة جديدة والقدرة على قراءتها واستيعابها بعمق ودقة،…
الحل الواضح والسهل نادر في الترجمة، وإنما الغالب فيها أن يبحث المترجم في عدد من الحلول، فيوظف رأيه وخبرته في الاختيار بينها مرات متوالية خلال عمله اليوم.[1] وتصعب هذه الاختيارات -خصوصًا- في التراكيب اللغوية، حتى ولو كانت تراكيب عادية وطبيعية جدًّا في اللغة، ذلك لأن عقل الإنسان الذي يتقن لغتين؛ يعت…
رجع حنين بن إسحاق من القسطنطينية إلى بغداد في القرن التاسع الميلادي؛ حاملًا معه عشرات الكتب اليونانية[3] ليتولى -هو وتلامذته- نقلها إلى العربية في بيت الحكمة. وكان ما دفعه لهم الخليفة العباسي من رواتب مجزية (وهي "وزن كتبهم ذهبًا"؛ كما يقال)[4] مبررًا إلى حد ما، إذ حفّت وظيفة حنين ورفاقه المشقّات:…
كان "محمد بن مكرم بن علي" (المشهور بلقب: "ابن منظور") كاتبًا في ديوان الإنشاء في القاهرة، حيث اشتغل بنسخ وتحرير الرسائل في بداية العهد المملوكي بمصر، وعُيّن -فيما بعد- قاضيًا بمدينة طرابلس الغرب، وكان "ابن منظور" محبًّا للكتب واللغة، ومن أحب أعمالها له اختصار الكتب المطولة، فقيل إنه اختصر "تاريخ د…
من كل سبعة كتب منشورة سنويًّا في البلاد العربية كتاب مترجم على الأقل،[2] وهذه نسبة لا يستهان بها، ولها تأثير غير معلوم على الأمد البعيد، خصوصًا إذا ما قورنت بنسبة الكتب المترجمة عن لغات أخرى إلى الإنكليزية، والتي تتراوح بين 2.5 إلى 3% من سوق النشر الأمريكي فحسب. ولا تقتصر تداعيات هذه المشكلة على …
يصطف أمام أبواب متاحف مدينة فلورنسا الإيطالية في معظم الأيام (أو في أيام عملها) مئات ينتظرون دورهم للحصول على تذكرة دخول، وقد يتحرَّق هؤلاء المنتظرون شوقًا لرؤية لوحات ومنحوتات فنانين طليان بلغت شهرتهم أبعد أصقاع الأرض، كما أن من المحتمل أن انتظار الزوار سيدوم ساعات عدة تنتهي بنفاد التذاكر (مثل حا…
دخل أبو العبَّاس "المأمون" مدينة بغداد منتصرًا في سنة 198 للهجرة (812م) بعد حصار ضربه عليها خمسة عشر شهرًا، وكان دخوله المدينة نهايةً لحرب مع أخيه "الأمين" أُزهق فيها كثير من الأرواح وخلفت خرابًا لا ينسى في مدينة السلام، ولكن ذلك الخراب كان -أيضًا- بدايةً لعصر ذهبي للعلوم والمعرفة لم تشهد الحضارة …
يقول "وولتر بينجامين" في مقالة شهيرة: إن الهدف الأول من الترجمة هو الوصول إلى من لا يستطيع القراءة بلغة أجنبية، وذلك «لتحرير النص من سجن اللغة» التي كُتب بها، وبثّ الحياة فيه بلغات جديدة.[1] ولولا هذه الغاية لصارت الترجمة محض استنساخ قاصر،[2] فهي -بطبيعتها- يكتنفها نقص وعيوب حتمية مهما بذل المترجم…
تحدثنا في المقال السابق اللغة ومفهوم الترجمة بين اللغات عن اللغة ومفهوم الترجمة بين اللغات والذي كان مقدمة بسيطة حول مفهومة الترجمة بين اللغات وسنكمل الحديث عن هذا الموضوع بالتفصيل في موضوع النسبية اللغوية بين اللغات وعلاقة ذلك في الترجمة وتأثيرها على أفكارنا كما سنتطرق في آخره إلى إشكالات بيرمان …
من أخطر الأفكار والتصورات السائدة عن الترجمة أنها استعاضة عن كلمات لغة ما (الإنكليزية مثلًا) بمرادفاتها بلغة أخرى (وهي العربية في سياقنا)، وهذا خطأ جوهري جدًّا، وسائد جدًّا؛ بحيث إنني فضلت أن أخالف بسببه الترتيب المألوف للكتب العلمية؛ التي تبدأ بالتعاريف الأكاديمية الجامدة، وأن أخصص الفصل الأول من…