النظريات المنهجية للدافعية


يمان نعساني

تحاول النظريّات المنهجيّة للدافعيّة أن تشرح لماذا تبدأ السلوكيّات. تركّز هذه النظريّات على الآليات التي نختار بها هدفنا وعلى الجهد الّذي نبذله لنحقّقه. هناك أربع نظريّات أساسيّة في هذه المجال: (1) الإشراط الاستثابيّ (2) الإنصاف (3) الهدف (4) التوقّع.

نظريّة الإشراط الاستثابي

هذه النظريّة هي أبسط النظريّات الدافعيّة. فهي تنصّ ببساطة على أنّ الأشخاص سيؤدّون المهام التي تكافئهم ويتجنّبون المهام التي تعاقبهم. تسمّى هذه الفكرة أحيانًا "قانون الأثر". تشمل نظريّة الإشراط الاستثابيّ رؤىً أفضل من مجرّد فكرة "كافئ ما ترغب وعاقب ما لا ترغب" فحسب، فالمعرفة بمبادئها تساعد في الممارسة الإداريّة الناجحة.

تركّز نظريّة الإشراط الاستثابيّ على تعلّم السلوكيّات الإراديّة. يدلّ مصطلح الإشراط الاستثابيّ (operant conditioning) على أنّ التعلّم ينتج من عملنا في المحيط. بعد أن "نعمل في محيطنا" (أي نتصرّف بطريقة معيّنة) تحدث النتائج. تحدّد هذه النتائج احتماليّة تكرار هذه السلوكيّات في المستقبل. يحدث التعلّم بسبب فعلنا لأمرٍ ما للمحيط، ثمّ يتفاعل المحيط مع هذا الفعل ويتغيّر سلوكنا على أساس رد الفعل هذا.

نموذج الاستثابة الأساسي

وفقًا لنظريّة الإشراط الاستثابيّ (operant conditioning theory)، يتصرّف الأشخاص بطريقة محدّدة بسبب نتائج تصرّفهم السابق. تتضمّن عمليّة التعلّم هذه ثلاث خطوات مميّزة (راجع الجدول 7.2). الخطوة الأولى تتضمّن محفّز (م) وهو أي موقف أو حدث يتطلّب منّا التجاوب معه. فالواجب المنزليّ مثلًا هو محفّز. الخطوة الثانية تتضمّن استجابة (س) وهي أي سلوك أو تصرّف نتّخذه كردّ على المحفّز. السهر الطويل ليلًا لحلّ واجبك المنزليّ قبل الموعد المحدّد له هو استجابة. (نستعمل هنا كلمتي الاستجابة والسلوك بتبادليّة). أخيرًا النتيجة (ن) هي أي حدث يتلو استجابتنا ويجعلها أكثر أو أقلّ احتمالًا لأن تتكرّر في المستقبل. إن تلقّت كولين سوليفان (Colleen Sullivan) المديح من المسؤول عنها، وإن كان هذا المدح يُسعدها؛ فمن المرجّح أن كولين ستعمل بجدٍّ وتكرّر سلوكها الإيجابي في المستقبل. بالمقابل في حال تجاهُل المدير استجابة كولين (العمل بجدّ) أو في حال انتقادها فمن المرجّح أن تتجنّب كولين العمل بجدّ في المستقبل، فالنتيجة المحسوسة (إيجابيّة كانت أم سلبيّة) هي التي تؤثر على تكرار الاستجابة عند حدوث المحفّز مرّة أخرى.

النظريات المنهجية للدافعية
نموذج الاستثابة العام: م←س←ن
طرق لتعزيز العلاقة م←س
1. م←س←ن+ تعزيز إيجابّي
2. م←س←(ن-) تعزيز سلبيّ
3. (م-)←س←(لا ن) تعلّم التجنّب
طرق لإضعاف العلاقة م←س
1. م←س←(لا ن) لا تعزيز
2. (م-)←س←ن عقاب

الجدول 7.2 (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

يحدث التعزيز (reinforcement) عندما تجعل النتيجةُ الاستجابةَ/السلوكَ أكثر تكرارًا في المستقبل. في المثال السابق كان المديح من المدير للموظّفة كولين مُعزِّزًا. يحدث الإخماد (extinction) عندما تجعل النتيجةُ الاستجابةَ/السلوكَ أقلّ تكرارًا في المستقبل، نقد المدير لكولين مثلًا قد يجعلها تتوقّف عن العمل بجدّ في أي مهمّة مستقبلًا.

هناك ثلاثة طرق لجعل استجابة ما أكثر احتماليّة للتكرار: التعزيز الإيجابيّ والتعزيز السلبيّ وتعلّم التجنّب. هنالك كذلك طريقتان لجعل الاستجابة أقلّ تكرارًا، هما: اللاتعزيز والعقاب.

جعل استجابة أكثر تكرارًا

وفقًا للباحثين في التعزيز، يمكن للمديرين أن يشجّعوا الموظّفين على تكرار سلوك معيّن إن وفّروا نتائج مرغوبة أو مكافآت بعد تأدية ذلك السلوك. التعزيز الإيجابيّ (positive reinforcement) هو نتيجة إيجابيّة تشبع حاجة ظاهرة أو تزيل عائقًا لإشباعها وتزيد احتماليّة تكرار سلوك ما مستقبلًا. قد يكون التعزيز الإيجابيّ بسيطًا، مثل كلمة لطيفة، أو كبيرًا مثل ترقية وظيفيّة. فمثلًا توفيرُ الشركات لعشاء مدفوع مكافأةً للموظّفين المجتهدين هو تعزيزٌ إيجابيّ. من المهمّ أن نلاحظ أنّ هناك تنوّع واسع فيما يعتبره الأشخاص معزّزًا إيجابيًّا، فقد يكون المديح من المدير المسؤول معزّزًا قويًّا لبعض الأشخاص (مثل الأفراد عالِيّ حـ - جـ) ولا يكون كذلك لأفراد آخرين.

التعزيز السلبيّ (negative reinforcement)هو آليّة أخرى لجعل الاستجابة المرغوبة أكثر تكرارًا. فعندما يسبّب السلوك زوال شيء غير مرغوب يصبح احتمال تكرار السلوك في المستقبل أكبر. يستخدم المديرون التعزيز السلبيّ عندما يزيلون شيئًا غير مرغوب من بيئة عمل الموظّف آملين أن يشجّع ذلك السلوك المرغوب لديهم. لا يرغب طارق بأن يذكّره أحمد مرارًا وتكرارًا بأن يعمل عملًا أسرع (طارق يرى أن أحمد يضايقه) لذا يرتّب طارق الرفوف ترتيبًا أسرع لتجنّب انتقاد أحمد له. تذكيرات أحمد هي نوع من التعزيز السلبيّ لطارق.

خذ حذرك عندما تقارب التعزيز السلبيّ. فغالبًا ما يتداخل مع مفهوم العقاب. يميل العقاب -على عكس التعزيز (السلبيّ أو الإيجابيّ)- إلى أن يوقف سلوكًا معيّنًا عن الحدوث (يمنعه من التكرار). في حين يميل التعزيز السلبيّ -كما الإيجابيّ- إلى جعل سلوك معيّن يحدث بتواترٍ أكبر. في المثال السابق، عاقبت تذكيرات طارق سلوك معيّن (الترتيب البطيء) وتعزيز سلوك آخر (الترتيب السريع) بشكل متزامن. عادة يكون الفارق بين الأمرين صغيرًا، لكنّه يتوضّح أكثر عندما نحدّد السلوكيّات الّتي نرغب في تشجيعها (تعزيز) أو تثبيطها (عقاب).

Workers stacking eggs.png

الشكل 7.10 عمال يرتّبون البيض عامل يرتّب البيض في رفوف أحد المحلّات. فكّر في العلاقة بين طارق وأحمد عند تفاعلهما حول تسريع عمليّة الترتيب. ما الخطأ الّذي يمكن أن يحدث؟ (حقوق الصورة: Alex Barth/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)).

تعلّم التجنّب هو طريقة ثالثة لجعل سلوك معيّن أكثر تكرارًا. يحدث تعلّم التجنّب (avoidance learning) عندما نتعلّم أن نتصرّف بطريقة معيّنة لنتجنّب نتيجة غير مرغوبة أو غير محبّبة. قد نتعلّم أن نستيقظ قبل رنين المنبّه مباشرة لكي نطفئه ونتجنّب سماع رنينه المزعج. بعض العمّال يتعلّمون أن يذهبوا للعمل في الوقت المحدّد لتجنّب الكلمات القاسية أو الأفعال التأديبيّة من المشرفين عليهم. تعتمد العديد من آليّات التنظيم المؤسّساتي على تعلّم التجنّب عبر التهديد بنتائج سلبيّة لتشجيع السلوك المرغوب. عندما يحذّر المديرون موظّفًا ما من أن يتأخّر مجدّدًا أو يهدّدون عاملًا مُهمِلًا بالطرد أو ينقلون شخصًا ما إلى منصب غير مرغوب فهم يعتمدون على قوّة تعلّم التجنّب.

جعل استجابة أقل تكرارًا

في بعض الأحيان يكون من المهمّ أن نثبّط تكرار سلوك غير مرغوب من قبل الموظّفين. تتضمّن الآليّات الّتي يستخدمها المديرون لجعل سلوك معيّن أقل تكرارًا: فعل ما يجعل إشباع الفرد لرغباته مُنهِكًا أو ما يزيل وضعًا مشبعًا حاليًّا. العقاب (punishment) هو نتيجة مكروهة تتبع سلوكًا ما وتقلّل من تكراره.

لاحظ هنا أنّ المديرين يمتلكون آليّة أخرى وهي اللاتعزيز (nonreinforcement)، وفيها لا يقّدمون أيّ نتيجة لسلوك العامل. يقلّل اللاتعزيز في نهاية المطاف من احتماليّة تكرار تلك الاستجابة، ما يعني أيضًا أنّ المديرين الذين لا يعزّزون السلوكيّات الإيجابيّة للموظّفين لديهم قد يسبّبون بذلك فقدان ذلك السلوك. إن كان أحمد لا يكافئ طارق أبدًا عند إنهاء مهمّته في وقتها -على سبيل المثل- فسيتوقّف طارق عن محاولة الإسراع غالبًا. يمكن أيضًا أن يقلّل اللاتعزيز من احتماليّة تكرار الموظّف لسلوك غير مرغوب، على الرغم من أن ذلك لا يحدث بالسرعة التي تحدث في حال تطبيق العقاب على ذلك السلوك. أيضًا فإن وُجدت نتائج معزِّزة أخرى لن يكون اللاتعزيز فعّالًا غالبًا.

بينما يعمل العقاب بشكل واضح أسرع من اللاتعزيز، فهو يمتلك بعض التأثيرات الجانبيّة المحتملة غير المرغوبة، فعلى الرغم من أنّ العقاب يخبر الأشخاص بوضوح ما يجب ألّا يفعله ويوقف السلوك غير المرغوب، إلا أنّه لا يخبرهم ما يجب عليهم فعله. أيضًا حتّى عندما يؤدّي العقاب إلى نتيجة العمل المطلوب فالموظّف الذي تتم معاقبته عادةً ما تتولّد لديه مشاعر سلبيّة تجاه المسؤول عن عقابه. وعلى الرغم من صعوبة تجنّب المديرين لاستخدام العقاب، فهو يعمل بشكل أفضل عندما يستخدم مقترنًا بالتعزيز. وجدت دراسة أجراها باحثان في جامعة كانساس أنّ استخدام التعزيز غير النقديّ، بالإضافة للإجراءات العقابيّة التأديبيّة، أثبت فعاليّته في خفض معدّلات التغيّب عن العمل في المنشآت الصناعيّة.

جداول التعزيز

عندما يتعلّم الفرد سلوكًا جديدًا -مثل أداء عمل جديد- من المهمّ أن تُعَزّز السلوكيّات المثمرة في كلّ مرّة تظهر فيها (يسمّى هذا التشكيل). ولكن ذلك غير ممكن دائمًا في المؤسّسات لأسباب كثيرة. علاوة على ذلك، تشير الأبحاث أنّ تعزيز السلوكيّات المرغوبة باستمرار -ما يسمّى التعزيز المستمر- قد يكون ذا أثرٍ عكسيّ في نهاية المطاف، فالسلوكيّات المُتعلّمة تحت تأثير التعزيز المستمر لا تلبث أن تتراجع ومن ثم تتوقّف بسرعة؛ وهذا بسبب توقّع الأشخاص أنّهم سيكافَؤون (التعزيز) في كلّ مرّة يؤدّون فيها السلوك ذاته. وعندما لا يتلقون المكافأة بعد عدّة مرّات فسيفترضون سريعًا أنّ السلوك لم يعدّ يجلب التعزيز وسيتوقفون عن القيام به. يستطيع أيّ مدير أن يغيّر سلوكيّات موظّفيه عبر عدم إعطائهم أجورهم بكلّ بساطة!

إن كان من غير الممكن (ولا يجب) تعزيز السلوك في كلّ مرّة يظهر فيها، فمتى يجب القيام بذلك؟ هذا هو السؤال حول جداول التعزيز (schedules of reinforcement) أو تكرار تعزيز السلوكيّات الفعّالة للموظّف. ركّزت أغلب الأبحاث في الإشراط الاستثابي على الطريقة المثلى للحفاظ على الأداء في سلوكيّة معيّنة مرغوبة، أي أنّها حاولت أن تحدّد متى يجب أن تُعزّز السلوكيّات لكيلا تنطفئ. ووصلت الأبحاث إلى أربعة أنواع من جداول التعزيز:

  • معدّل ثابت (fixed ratio). في هذا الجدول، يجب أن يظهر السلوك لعدد معيّن من المرّات (5 مثلًا) قبل أن يُعزّز بأيّ شكل. فإن كانت الاستجابة المطلوبة هي الالتزام بموعد القدوم للعمل. يكون إعطاء الموظّفين علاوةً ثابتةً عن كل أسبوع يلتزمون فيه بالحضور المبكّر بمثابة تعزيزٍ ثابتِ المعدّل.
  • معدّل متغيّر (variable ratio). يحدث التعزيز هنا بعد عدد ثابت -وسطيًّا- من مرات ظهور الاستجابة المطلوبة (5 مثلًا). فيحدث أحيانًا التعزيز بعد السلوك العاشر وأحيانًا أخرى بعد السلوك الأول، أيّ أنّ المعدّل يبقى ثابتًا (بعد 5 سلوكيّات). لا يعلم الموظّفون الذين يُطبّق عليهم هذا الجدول متّى سيتمّ تعزيزهم، لكنّهم يعلمون أنّهم سوف يكافئون.
  • فواصل ثابتة (fixed interval). في هذا الجدول، يجب أن يمرّ وقت معيّن قبل أن يُعزّز السلوك. فمع جدول بفواصل ثابتة على أساس ساعة واحدة مثلًا، يزور المشرف محطّة عمل الموظّف ويعزّز أوّل سلوك مرغوب يراه. ثمّ يعود كذلك بعد مرور ساعة ويعزّز سلوكًا مرغوبًا آخر. هذا الجدول لا يعني أنّ التعزيز سيأتي بمجرد مرور الوقت؛ بل يجب أن يمرّ الوقت المحدّد كما يجب أن يظهر سلوك مناسب.
  • فواصل متغيّرة (variable interval). يختلف هذا الجدول عن سابقه بأنّ الوقت المحدّد ينبغي أن يمرّ وسطيًّا قبل أن يُعزّز السلوك. أي قد تكون المدّة أطول وقد تكون أقصر، لكنها وسطيًّا ثابتة.

أيّ الجداول هذه هو الأفضل؟ في العموم التعزيز المستمرّ هو الأفضل عندما يكون الموظّفون في مرحلة تعلّم مهام جديدة. بعد ذلك، تتفوّق جداول التعزيز متغيّرة المعدّل على الباقي. كما يكون الجدول ذو الفواصل الثابتة غالبًا الأقلّ تأثيرًا، أما جداول المعدّل الثابت والفواصل المتغيّرة فهي وسطيّة المفعول. لكن تذكّر أنّ تعزّز السلوك الفعّال باستخدام أحد هذه الجداول وإلّا سرعان ما سيزول هذا السلوك الإيجابي.

نظرية الإنصاف

فلنفرض أنّك تعمل في شركة ما لعدّة سنوات بأداء ممتاز وأنّك كنت تتلقّى علاوات منتظمة وكنت منسجمًا بشكل جيّد من مديرك وزملائك. تأتي إلى عملك يومًا ما وتجد أنّ شخصًا آخر قد عُيّن لأداء وظيفتك نفسها. في البدء تسعد لوجود شخص يساعدك. ثمّ تكتشف أنّ هذه الشخص يتلقّى أجرًا أعلى منك بمقدار 100$ أسبوعيًّا، بالرغم من أقدميّتك وخبرتك الكبيرة. كيف ستشعر؟ إن كنت شخصًا طبيعيًّا، ستكون مستاءً حقّا. تبخّر رضاك للتوّ. لم يتغيّر أيّ شيء في وظيفتك؛ لا تزال تؤدّي نفس المهام عند نفس الموظّف المسؤول وتتلقّى نفس الأجر، وبالرغم من ذلك فإنّ مجرّد إضافة موظّف جديد حوّلتك من موظّف سعيد إلى موظّف حزين. هذه الشعور بالظلم هو أساس نظريّة الإنصاف.

تنصّ نظريّة الإنصاف (equity theory) على أن الدافعيّة تتأثّر بالنتائج الّتي نتلّقاها على أفعالنا بالمقارنة مع نتائج وأفعال الآخرين. تهتمّ هذه النظريّة بتفاعلات الأشخاص مع النتائج الّتي يحصلون عليها على أنها جزءٌ من "تبادل اجتماعيّ". فوفقًا لنظريّة الإنصاف يعتمد تفاعلنا مع النتائج الّتي نحصل عليها من الآخرين (مدير مثلًا) على كيف نقدّر هذه النتائج بشكل مطلق كما يعتمد على الظروف المحيطة لذلك. تقترح نظريّة الإنصاف أن تفاعلاتنا تتأثّر بإدراكنا للأفعال الّتي قدّمناها للوصول لهذه النتائج ("هل حصلت على ما أستحقه لقاء ما بذلته في هذا الأمر؟"). والأهمّ من ذلك هو مقارنتنا لذلك مع ما نظنّ أنّ الآخرين تلقّوه لقاء أفعالهم ("هل حصلت على ما يماثل ما حصل عليه زملائي في هذا الأمر؟").

نموذج الإنصاف الأساسي

المبدأ الأساسيّ لنظريّة الإنصاف هو أنّنا نراقب باستمرار درجة "عدالة" بيئة عملنا. ونستعمل -لتحديد درجة الإنصاف- مجموعتين من معايير المدخلات والمخرجات (راجع الشكل 7.11). المدخلات (inputs) هي عوامل نساهم فيها للمنظّمة ونشعر بأنّ لها قيمة ما وأنّها متعلّقة بعمل المنظّمة. لاحظ أنّ القيمة المرتبطة بالعامل المدخل مبنيّة على إدراكنا نحن لقيمتها وعلاقتها، ومن غير المهمّ اتّفاق الآخرون معنا على قيمة وعلاقة هذه العامل. من المدخلات الشائعة في عمل المؤسّسات: الوقت والجهد ومستوى الأداء ومستوى التعليم ومستوى المهارة والفرص المهدرة. وبما أنّ أيّ عامل نراه ذا علاقة ينضمّ لتقييمنا للإنصاف، فمن الممكن أن تشمل هذه الفكرة عوامل قد تعتبرها الشركة (أو حتّى القانون) غير ملائمة (مثل العمر والجنس والعرق والحالة الاجتماعيّة).

The Equity Theory Comparison.png

الشكل 7.11 مقارنة نظريّة الإنصاف (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

المُخرجات (outcomes) هي كل ما نُدركه على أنّه مردود من المؤسّسة لقاء مدخلاتنا. تتعلّق قيمة المخرجات أيضًا بإدراكنا ولا تتعلّق بالضرورة بنظرتنا تجاه الواقع بحياديّة. تتضمّن بعض المخرجات الشائعة لدى المؤسّسات: الأجور وظروف العمل وحالة العمل وإحساس الإنجاز وفرص تكوين الصداقات. تؤثّر المخرجات السلبية والإيجابيّة على تقديرنا للإنصاف. قد تشمل المخرجات أيضًا التوتّر والصداع والإرهاق. وبما أنّ المخرجات (الّتي نراها متعلّقة بالتبادل) تؤثّر على إدراكنا للإنصاف فإنّنا نستخدم أحيانًا عوامل غير مُحدِّدة (رفض الأقران وردود فعل العائلة).

ترى نظريّة الإنصاف أنّنا سنقارن كل المخرجات الّتي نحصل عليها مع المدخلات الّتي نبذلها على شكل معدّل. وعلى أساس هذا المعدّل نقرّر ما إذا كان الموقف منصفًا أم لا. فإن رأينا أنّ المخرجات تتناسب مع ما قدمناه من مدخلات سوف نشعر بالرضا. أمّا إن رأينا عكس ذلك فسنشعر بالاستياء. قد يقود هذه الاستياء إلى سلوكيّات غير صحيحة في المؤسّسة. العامل الرئيسيّ في نظريّة الإنصاف هو توقّعها بأنّنا سنقارن معدلّاتنا (مخرجات\مدخلات) مع معدّلات الآخرين، وهذه المقارنات هي الّتي تملك الأثر الأكبر على إدراكنا للإنصاف. نسمّي الآخرين في هذه الحالة بالمرجعيّين لأنّنا "نَرجِع" إليهم عندما نحكم على عدالة موقف ما. عادةً، يكون المرجعيّون أشخاصًا نعمل معهم ويمارسون عملًا شبيهًا بعملنا؛ أي أنّ الأشخاص المرجعيّين (referent others) يؤدّون أعمالًا مشابهة في صعوبتها وتعقيدها لعمل الموّظف الذي يقيّم عدالة الموقف (راجع الشكل 7.11).

يمكن أن تنتج ثلاث حالات عن المقارنة هذه. حالة الإنصاف (state of equity) هي كون معدّل المدخلات للمخرجات لدينا يساوي معدّل الشخص المرجعيّ. أمّا المكافأة الزائدة (overreward inequity) فهي حالة كون معدّلنا أعلى من معدّل الشخص المرجعيّ. والحالة الثالثة هي المكافأة الناقصة (underreward inequity) وهي إدراكنا لأنّ معدلنا أقلّ من معدّل الشخص المرجعيّ.

تقول نظريّة الإنصاف الكثير عن الميولات البشريّة. فدافعنا لمقارنة وضعنا مع الآخرين هو دافع قويّ. على سبيل المثال، ما هو أوّل ما تفعله عندما تحصل في صفّك المدرسيّ على نتائج الامتحان؟ ستلقي غالبًا نظرة على علامتك وإعطاء تقدير مبدئيّ لمدى إنصافها. وبالنسبة للعديد من الأشخاص فإنّ الخطوة التالية مباشرة هي سؤال الآخرين عن علاماتهم. فعلامة 75 لا تبدو سيّئة إن كانت أعلى علامة في الصفّ! وهذه تطبيق عمليّ لنظريّة الإنصاف.

في الكثير من الدول الكُبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية يكون أغلب العاملين غير راضين -على الأقلّ جزئيًّا- عن أجورهم. تساعد نظريّة الإنصاف على فهم ذلك. هناك ميولان بشريّان يولّدان الشعور بعدم الإنصاف غير المدعوم واقعيًّا، الأوّل هو ميلنا للتقدير الزائد لأدائنا. على سبيل المثال، أُجريت إحدى الدراسات من قبل مؤلّفي الكتاب وطلبوا فيها من أكثر من 600 موظّف أن يقيّموا أدائهم على مقياس من 1 (سيّء) إلى 7 (ممتاز) وذلك بإخفاء الأسماء. معدّل الإجابات كان 6.2 وهو ما يعني أنّ الموظّف المتوسّط قيّم عمله على أنّه جيّد جدًّا أو ممتاز. يعني ذلك أيضًا أنّ الموظّف المتوسّط يتوقّع علاوات ممتازة، وهو ما لا يستطيع أغلب المديرين توفيره.

وجدت دراسة أخرى أنّ الموظّف المتوسّط (أيّ الّذي أداؤه أفضل من نصف الموظّفين في المؤسّسة وأسوأ من النصف الآخر) قيّم أداءه على أنّه أفضل من 80% من الموظّفين (وأقلّ من 20% الآخرين).مجدّدًا سيكون من الصعب على الشركات أن تُكافئ الموظّفين بناءً على هذا التوقّع. بعبارة أخرى، أغلب الموظّفين يقدرّون أدائهم بشكل زائد وغير دقيق وهو ما يؤدّي إلى ما يشعر به الموظّفون على أنّه عدم إنصاف غير مبرّر.

أمّا الميل البشريّ الثانيّ الّذي يوجد الشعور بعدم الإنصاف هو تقديرنا الزائد للمخرجات الّتي يتلقّاها الآخرون. يُبقي العديد من المديرين سلّم الرواتب لديهم "سرّيًّا". في حين يحظر آخرون موظّفيهم عن الحديث حول رواتبهم. هذا يعني أنّ العديد من الموظّفين لا يعلمون بشكل دقيق الأجر الّذي يتلقّاه زملاؤهم. وبسبب تقديرنا الزائد لأجور الآخرين؛ نميل للاعتقاد بأنّهم يتلقّون أجرًا أعلى منّا ومن هنا ينشأ إحساسنا بعدم الإنصاف.

في نهاية الأمر يجب على المديرين أن يراعوا حاجة الموظّفين للإنصاف. يجب أن يفعل المديرون كل استطاعتهم لمنع مشاعر عدم الإنصاف؛ لأنّ الموظّفين ينخرطون في سلوكيّات فعّالة عندما يشعرون بالإنصاف وفي سلوكيّات غير فعّالة عندما يشعرون بعدم الإنصاف.

الشعور بالمكافأة الزائدة (عدم الإنصاف)

عندما نشعر بوجود مكافأة زائدة (أي أنّنا نتلقّى مخرجات أفضل من الآخرين بغير وجه حقّ)؛ فمن النادر أن نشعر بالاستياء أو الذنب أو أن نندفع لنحدث تغييرات تنتج حالة الإنصاف (أو أن نترك الموقف). فشعور المكافأة الزائدة عندما يحدث يكون عابرًا. قلّة هم من يذهبون إلى المديرين المسؤولين عنهم ويشتكون من كونهم يتلقّون أجرًا أعلى من المستحقّ! أغلب الأشخاص هم أقلّ حساسيّة تجاه المكافأة الزائدة من المكافأة الناقصة. ولكن بالرغم من الاحتمال الضعيف لاتّخاذ إجراء ما تجاه المكافأة الزائدة؛ فإنّنا نستخدم نفس الآليّات التي نستخدمها لمواجهة المكافأة الناقصة.

الشعور بالمكافأة الناقصة (عدم الإنصاف)

عندما نشعر بنقص المكافأة (أي أنّنا نتلقّى مخرجات أقلّ من الآخرين بغير وجه حقّ) فسنكون غالبًا مستائين وسيدفعنا ذلك لتغيير الوضع (أو تركه) من أجل إنتاج شعور بالإنصاف. وكما نناقش باختصار، يمكن للأشخاص أن يتّخذوا العديد من الإجراءات للتعامل مع عدم الإنصاف في حال المكافأة الناقصة.

خفض عدم الإنصاف بالمكافأة الناقصة

يساعدنا المثال البسيط التالي على شرح نتائج عدم الإنصاف. حسن ومازن عاملان في مصنع للسيارات مهمّتهما شدّ براغي العجلات على خطّ الإنتاج، حسن يعمل على اليسار ومازن يعمل على اليمين. إنّ مدخلاتهما متساوية (كلاهما يعملان على نفس عدد البراغي بنفس السرعة) ولكن حسن يتلقّى أجرًا قدره 15000 أسبوعيًّا أمّا مازن فيتلقّى 20000. فتكون معدلّات الإنصاف لديهم كالتالي:

15000 20000
حسن: مازن:
10 براغي لكلّ سيّارة 10 براغي لكلّ سيّارة

كما ترى فمعدلّاتهما غير متساوية: مازن يتلّقى مخرجات أكبر رغم تساوي مدخلاتهما. من منهما يعاني من عدم الإنصاف؟ وفقًا لنظريّة الإنصاف كلاهما في الواقع، يعاني حسن من المكافأة الناقصة، في حين يختبر مازن المكافأة الزائدة. لن يدوم عدم الإنصاف لدى مازن في الحقيقة، ولكن في مثالنا المفترض هذا، كيف يمكن أن يحلّ حسن هذه المشكلة؟

حدّد آدامز (Adams) عددًا من الأشياء التي يمكن أن يفعلها الأشخاص لتخفيف التوتّر الناجم عن الشعور بعدم الإنصاف، وهي إما أن يغيّروا مدخلاتهم أو مخرجاتهم أو يغيّروا مدخلات أو مخرجات الشخص المرجعيّ أو أن يتركو الموقف ببساطة:

  1. تغيير مدخلات الشخص: يمكن تغيير الشعور بعدم الإنصاف عبر تغيير مدخلاتنا. أي خفض كميّة أو نوعيّة أدائنا. فيمكن لحسن أن يتباطأ ليركّب 9 براغي لكلّ سيارة فحسب. ولكنّه هكذا سيخاطر بخسارة وظيفته لذا لن يفعل ذلك غالبًا.
  2. تغيير مخرجات الشخص: يمكن أن نحاول أن نزيد من مخرجاتنا للوصول لحالة الإنصاف، كأن نطلب علاوة أو مكتبًا أفضل أو ترقية أو غيرها. لذا غالبًا سيطلب حسن علاوةً. مع الأسف قد يحسّنُ العديد من الموظّفين مخرجاتهم عبر السرقة.
  3. تغيير مدخلات الشخص المرجعيّ: قد نحاول الوصول لحالة الإنصاف عبر تشجيع الشخص المرجعيّ لزيادة مدخلاته. فقد نطلب منه على سبيل المثال أن يقسو على نفسه قليلًا أو حتّى نساعده على رفع أدائه. لا يهمّ إن كان الآخر يقسو على نفسه أصلًا لأنّ ما يهمّ هنا هو شعورنا بذلك. في مثالنا هذا يمكن أن يطلب حسن من مازن أن يركّب اثنين من براغيه العشرة على كلّ سيارة. هذا غالبًا لن يحصل لذا سيبحث حسن عن أساليب أخرى للوصول للشعور بالإنصاف.
  4. تغيير مخرجات الشخص المرجعيّ: يمكننا أن "نصحّح" حالة عدم الإنصاف بالمكافأة الناقصة عبر تخفيض قيمة مخرجات المرجعيّ بشكل مباشر أو غير مباشر. ففي مثالنا يمكن أن يحاول حسن أن يطالب بإنقاص أجر مازن. هذا أيضًا لن يحدث غالبًا في مثالنا.
  5. تشويش إدراكنا للمدخلات والمخرجات: من الممكن أن ننقص حالة عدم الإنصاف بدون تغيير أيّ مدخلات أو مخرجات، وذلك عبر تشويش إدراكنا لها أو إدراك الشخصّ المرجعيّ لها. أي يمكن أن يقول حسن لنفسه "مازن يتلقّى أجرًا أقلّ ممّا أتوقّع."
  6. اختيار شخص مرجعيّ آخر: يمكننا أيضًا أن نتعامل مع حالتي عدم الإنصاف عبر تغيير الشخص المرجعيّ (وضعي أشبه بوضع أحمد). هذه أبسط وأقوى طريقة للتعامل مع الشعور بعدم الإنصاف: فهي تتطلّب تغييرات حقيقيّة ولا شعوريّة في مدخلات أو مخرجات أيّ أحد. وتجعلنا نبحث حولنا ونقيّم الوضع بحذر أكبر. على سبيل المثال يمكن أن يختار حسن شخصًا مرجعيًّا آخر (العامل بلال مثلًا) وهو يثبّت لوحات القيادة ( وهو عمل شاقّ) لكنّه يتلقّى أجرًا أقلّ منه.
  7. ترك الموقف: الآليّة الأخيرة للتعامل مع الشعور بعدم الإنصاف هي إزالة أنفسنا من الموقف. قد نختار أن نحقّق هذا عبر التغيّب عن العمل أو نقل أو إنهاء العمل. عادةً لا يختار الشخص هذه الطريقة ما لم يكن شعوره بعدم الإنصاف مرتفعًا بشّدة ولم تكن الطرق الأخرى ممكنة. من الصعب على حسن أن يجد عملًا آخر بنفس الأجر لذا من غير المتوقّع أن يختار هذا الحلّ أيضًا.

تطبيقات نظريّة الإنصاف

تستخدم نظريّة الإنصاف بشكل شائع وتطبيقاتها واضحة. في غالبيّة الحالات يعاني الموظّفون (أو هكذا يشعرون) من عدم الإنصاف بنقص المكافأة وليس بزيادة المكافأة. وكما ناقشنا أعلاه، أغلب السلوكيّات الّتي يمكن اتّخاذها سيّئة للمديرين. لذا يحاول المديرون تجنّب شعور الموظّفين غير الضروريّ بعدم الإنصاف بعدّة طرق. يحاولون أن يعدلوا قدر الإمكان في الأجور؛ أي أنّهم يحاولون قياس الأداء بأعلى دقّة ممكنة. ثانيًا، أغلب المديرين حاليًّا لا يبقون جداول الرواتب سريّة. الأشخاص فضوليّون بطبيعتهم لأن يعرفوا كيف يقارن أجرهم مع أجور الموظّفين الآخرين. هذا لا يعني أن يتخلّى المديرون عن السرّية، فهم عادة لا يكشفون الرواتب الدقيقة لكلّ فرد بل يعطون حدودًا دنيا وعليا لكلّ وظيفة. تعطي هذه الممارسات إدراكًا واقعيًّا أكثر عن حكمهم على الإنصاف في المؤسّسة.

يلعب المشرفون دورًا أساسيًّا في بناء الشعور بالإنصاف. بقيامهم "بالتفضيل" بين العاملين يُنشرُ الشعور بعدم الإنصاف. يرغب الموظّفون بأن يُقدّروا بناء على قدراتهم لا على نزوات المشرفين عليهم، إضافةً إلى ذلك يجب أن يدرك المشرفون الاختلافات في ردود الفعل عند الشعور بعدم الإنصاف بين الموظّفين. بعض الموظّفين حسّاسون جدًّا لهذا الموضوع ويجب أن يكون المشرف حريصًا للغاية على مثل هؤلاء. الكلّ حساسون لتوزيع المكافآت، لكنّ "الحسّاسين للإنصاف" هم الأشد تأثّرًا. فيكون تطبيق العدل ببساطة مبدأً مهمًّا للمشرفين.

لا تَبني مكافأة أو عقابًا معيّنًا أبدًا على محبّتك للموظّف فحسب، بل كافئ السلوكيّات الّتي تخدم الشركة وصوّب تلك الّتي لا تخدمها. احرص على فهم موظّفيك لما هو متوقّع منهم وامدحهم عندما يفعلون ذلك. هذه الممارسات تجعل الجميع أسعد كما تجعل عملك أسهل.

نظرية الهدف

لا توجد نظريّة مثاليّة. وإن كانت مثاليّة فهي ليست نظريّة بل ستكون مجموعة من الحقائق. في حين أنّ النظريّات هي مجموعة من الافتراضات التي تصحّ أكثر مما تُخطئ، لكنها ليست معصومة عن الخطأ. على أيّة حال فإن أساسيّات نظريّة الهدف تقترب جدًّا من أن تكون معصومة عن الخطأ. فهي حقًّا إحدى أقوى نظريّات السلوك المؤسّساتي.

نموذج تحديد الهدف الأساسي

تنصّ نظريّة الهدف (goal theory) على أنّ الأشخاص يؤدّون بشكل أفضل إن كانوا يملكون أهدافًا أو طموحات صعبة ومحدّدة ومقبولة. الفرض الأساسيّ والأوّل لهذه النظريّة هو أن الأشخاص سيحاولون الوصول للأهداف الّتي ينوون تحقيقها، أي أنّنا إن نوينا تحقيق شيء ما (كنيل علامة ممتاز في امتحان ما) سنبذل جهدًا لتحقيق ذلك أكثر من الجهد الّذي كنّا سنبذله في هذه المهمّة (الدراسة) بدون وضعنا لهذا الهدف. فالطلّاب الّذين يرغبون بنيل علامات ممتازة يدرسون أكثر من الطلّاب الّين لا يملكون هذه الهدف، ونعلم ذلك جميعًا. لا يعني هذا أنّ الأشخاص الّذين لا يضعون هدفًا لا يمتلكون دافعًا، بل يعني ببساطة أنّ الأشخاص الذين يضعون هدفًا يملكون دافعًا أكبر، وأنّ شدّة دافعيّتهم أكبر وأكثر توجّهًا.

الفرض الثاني لنظريّة الهدف هو أن الأهداف الصعبة تُعطي نتائج أفضل من تلك السهلة. لا يعني ذلك أنّ الأهداف الصعب تُحقّق دائمًا بل يعني أن أداءنا سيكون عادة أفضل عندما ننوي تحقيق أهداف أصعب، فدراستك لتحقيق علامة ممتاز في فحص مادة معيّنة قد لا تؤدّي سوى لعلامة جيّد جدًّا، والّتي لم تكن لتحصل عليها لولا ذلك المجهود. تؤدّي الأهداف الصعبة لبذلنا المزيد من الجهد وهذا يعني دائمًا أداءً أفضل.

فرض آخر لنظريّة الهدف يقول أنّ الأهداف المحدّدة أقل من الأهداف المبهمة. نتساءل غالبًا إلام نحتاج لننجح. فإن سألت أستاذك الجامعيّ "ما الّذي عليّ فعله لأحصل على درجة ممتاز في الامتحان؟" وأجابك "ادرس جيّدًا في الامتحان" فلن تستفيد شيئًا من هذا الهدف المبهم. تنصّ نظريّة الهدف على أنّنا نؤدّي أداء أفضل عندما نمتلك أهدافًا محدّدة. فلو قال لك أستاذك أنّ السرّ لتمكّنك من الامتحان هو أن تجيب على جميع المسائل وتهتمّ اهتمامًا خاصًّا لأسئلة المقالات في الامتحانات وأن تضع علامة التسعين هدفًا لك؛ لكان لديك ما تركّز عليه لتبني استراتيجيّتك للوصول إلى هدفك (العلامة الممتازة).

فرضٌ رئيسيٌّ لنظريّة الهدف هو أنّ الأشخاص يجب أن يتقبّلوا هدفهم. نضع نحن أهدافنا الخاصّة بنا عادةً. لكن بعض الأحيان يضعها الآخرون لنا. فأن يقول أستاذك لك أن هدفك يجب أن يكون "الحصول على علامة 90 في كلّ امتحاناتك" لا يعني بأنّك ستتقبّل هذا الهدف. فلربّما لا تشعر بالرغبة لذلك. أو قد تعتقد أن علامة 90 ليست كافية في هذه المادة. يحدث هذا في المؤسّسات بشكل متكرّر، حيث يعطي المشرفون أوامر بأن يُنجَز شيء ما في وقت معيّن. قد يفهم الموظّفون ما قلته بشكل كامل لكنهم قد يشعرون بأنّه طلب غير معقول أو مستحيل فلا يبذلون الجهد الكافي لتحقيقه. لذا من المهم أن يتقبّل الأشخاص الهدف الّذي يسعون خلفه. يجب أن يشعروا بأنّ هذا الهدف هو هدفهم هم أيضًا. فإن لم يشعروا بذلك، تتوقّع نظريّة الهدف أنّهم لن يحاولوا بالقدر المطلوب لتحقيق الهدف.

تنصّ نظريّة الهدف أيضًا على أنّ الأشخاص يجب أن يلتزموا بالهدف بالإضافة لتقبّله. الالتزام بالهدف (goal commitment) هو درجة تكريسنا لأنفسنا لتحقيق هدف ما. الالتزام بالهدف هو تحديدٌ للأولويّات، قد نتقبّل هدفًا (حضور كافّة المحاضرات والتركيز فيها وكتابة الملاحظات على سبيل المثال) لكنّنا نجد أنفسنا في النهاية لم نحقّق سوى القليل منها. بعبارة أخرى، بعض الأهداف أهمّ من غيرها. ونحن نبذل مجهودًا أكبر على أهداف معيّنة. يحدث هذا أيضًا في العمل المتكرّر. يمتلك مبرمج ما هدفًا أساسيًّا هو أنّ يصمّم برنامجًا جديدًا وهدفًا ثانويًّا هو أن يتابع ويحافظ على برامجه القديمة. الهدف هذا ثانويّ بالنسبة له لأنّه مملّ عكس الهدف الأساسيّ الممتع. وفي هذه الحالة تتوقّع نظريّة الهدف أن يكون التزام المبرمج بالهدف الأساسيّ أكبر وبالتالي شدّة دافعيته له ستكون أكبر.

السماح للأشخاص بالمشاركة في عمليّة تحديد الهدف تؤدّي غالبًا لالتزام أكبر. لهذا الأمر علاقة بالملكيّة. وعندما يشارك الأشخاص في العمليّة فهم يميلون لإشراك عوامل يرونها أكثر أهميّة وتحدّيًا وممكنةً أكثر. لذا يُنصح بالسماح لإضافة الأشخاص لبعض العمليّات خلال عمليّة تحديد الهدف. ففرض الأهداف عليهم من الخارج ينتج عادةً التزامًا أقلّ وتقبّلًا أقلّ.

نموذج تحديد الهدف الأساسيّ موجود في الشكل 7.12. تبدأ العمليّة عند قيمنا. القيم هي كيف نعتقد أنّ العالم يجب أن يكون وهي غالبًا مرتبطة بكلمات مثل "يجب" و"يفترض". ثمّ نقارن قيمنا هذه بوضعنا الحاليّ. فمثلًا تمتلك رندة في قيمها أن الجميع يجب أن يعملوا بجدّ. بعد قياسها لعملها الحاليّ إزاء هذه القيم استنتجت أنّها تخالف قيمها الخاصّة. بعد ذلك تبدأ عمليّتها لتحديد الهدف. ستحدّد رندة مجموعة من الأهداف الّتي تجعلها تعمل بجدّ. يشمل الشكل 7.12 أنواع الهدف الأربعة. بعض الأهداف نضعها لذاتنا (قرار رندة بأنّ عليها تحرير 70 صفحة يوميًّا). تُوضع الأهداف المشتركة بالاتّفاق مع آخرين (مثلًا تذهب رندة للنقاش مع المسؤول عنها ويتّفقان على بعض الأهداف المناسبة). في بعض الحالات الأخرى يتمّ تكليف الأهداف (رئيس رندة يخبرها أن عليها أن تحرّر يوميًّا ما لا يقلّ عن 60 صفحة). أمّا النوع الرابع فيمكن أن يوضع ذاتيًّا أو تشاركيًّا أو بالتكليف، وهو هدف "أفضل ما بوسعك". لكن انتبه إلى أن مثل هذا الهدف مبهم لذا لن يثمر عن أفضل أداء ممكن للفرد.

The Goal-Setting Process.png

الشكل 7.12 عمليّة تحديد الهدف (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

قد تبذل رندة جهدًا كبيرًا لتحقيق هدفها وقد لا تفعل ذلك؛ وذلك بناءً على خصائص أهدافها. لكي تبذل أقصى مجهود ممكن يجب أن يكون الهدف مُتحدّيًا ومحدّدًا ومقبولًا وأن تلتزم به. ومن ثمّ -إن امتلكت القدرة الكافية ولم تحل دون ذلك أيّ عوائق- من المفترض أن تبذل أقصى جهد ممكن. من العوائق الّتي من الممكن أن تعترض طريقها هي أعطال في الحاسوب الّذي تستخدمه والمداخلات المستمرة للمسؤول عنها.

نتائج سعيها للوصول لهدفها ستكون شعورها بالرضا عن ذاتها. سيكون سلوكها متماشيًا مع قيمها. ستكون أكثر رضًا إن مدح المسؤول أداءها ويعطيها علاوة!

في حالة رندة، قد ينتج عن تحقيقها لهدفها عدّة منافع. على أيّة حال لا يحدث هذا دائمًا. إن لم يحقّقوا أهدافهم فقد يصبح الأشخاص غير راضين عن أنفسهم كما قد يكون مديريهم غير راضين عنهم أيضًا. قد تجعل هذه التجارب الشخص الّذي تعرّض لها أقلّ تقبّلًا لأهداف جديدة في المستقبل. لذا يجب أن نشدّد على أهميّة أن تكون الأهداف مُتحدّية لكن منطقيّة.

قد تكون نظريّة الهدف أداة دافعيّة عظيمة. في الحقيقة، تمارس العديد من المنظّمات إدارة ناجحة عبر استخدام ما يسمّى "الإدارة بواسطة الأهداف" (management by objectives MBO). وهي آليّة مبنيّة على نظريّة الهدف وهي فعّالة، سيّماعندما تُطَبّق بالتماشي مع فرضيّات نظريّة الهدف.

بالرغم من نقاط القوّة العديدة التي تتميّز بها نظريّة الهدف، إلا أنه يجب أخذ الحذر من عدّة نواحي عند تطبيقها وتبنّيها. عرّف لوك (Locke) أغلب هذه النقاط. أوّلًا: وضع أهداف في مجال معيّن قد يؤدّي إلى تجاهل المجالات الأخرى، في مثالنا السابق قد تحرّر رندة 70 صفحة في اليوم لكنّها تتجاهل مسؤوليّاتها في التدقيق اللغويّ. من المهمّ أن تكون الأهداف الموضوعة تشمل أغلب المهامّ. ثانيًا: قد تملك الأهداف الموضوعة أحيانًا نتائج غير متوقّعة، على سبيل المثال قد يضع موظّفون أهدافًا سهلة للغاية لكي يظهَروا بمنظر جيّد عندما يحقّقونها، أو قد تسبّب الأهداف منافسة غير جيّدة بين الموظّفين، أو قد يفسد أحد الموظّفين عمل الآخر ليصبح الوحيد الذي حقّق أهدافه.

يستخدم بعض المديرين أسلوب تحديد الأهداف بطرق غير أخلاقيّة، فقد يتلاعبون بالموظّفين عبر وضع أهداف مستحيلة، وهو ما يمكّنهم من انتقاد الموظّفين حتّى عندما يؤدّون أفضل ما لديهم، وهذا السلوك في الواقع يولّد الكثير من التوتّرداخل بنية المؤسسة. لا يجب استغلال عمليّة تحديد الأهداف أبدًا. ربّما يكون الحذر الأساسيّ حول وضع الأهداف هو أنّها قد تجعل التركيز الرئيسيّ على القياس الكمّي للأداء وليس النوعيّ. يجب أن يبقي المديرون تركيز الموظّفين منصبًّا على الجوانب النوعيّة من مهامهم بالإضافة إلى النواحي الكميّة. أخيرًا قد يؤدي وضع أهداف فرديّة في بيئة عمل جماعيّة إلى نتائج عكسيّة على الإنتاجيّة. ومن الأفضّل إيجاد أهداف جماعيّة يمكن من خلالها أن يعتمد الموظّفون على بعضهم البعض لتحقيقها.

لا تهدف هذه التحذيرات إلى صرفك عن استخدام نظريّة الهدف، بل لمساعدتك على تجنّب بعض الأخطاء الممكنة. تذكّر أنّ الموظّفين يملكون الحقّ في أن يكون هناك توقّع منطقيّ لأدائهم وفي مكافآت تتناسب مع أدائهم. كما أنّ للمنظّمات الحقّ في أن تتوقّع أعلى أداء ممكن من موظّفيها. يجب أن تُستخدم نظريّة الهدف في تحسين العلاقات الوظيفيّة، ويجب أن يكون فحوى نظريّة الهدف هو أنّ على الأفراد بذلُ الجهد في سبيل تحقيق الأهداف الصعبة والمقبولة من قبلهم وذات الطبيعة المحدّدة.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Work Motivation for Performance) من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن