هيفاء علي

تعدُّ الثقافة التنظيمية أحد أهم الأبعاد الداخلية التي تحدِّد مدى فعالية المؤسسة، وقد قال المستشار الإداري بيتر دراكر ذات مرة: «الثقافة تأكل الاستراتيجية على الإفطار»، وما كان يعنيه هو أنَّ ثقافة المؤسسة أكثر تأثيرًا من الاستراتيجية من ناحية تحفيز معتقدات الموظفين وسلوكياتهم وعلاقاتهم وطريقة عملهم، وذلك لأنَّ الثقافة تستند إلى القيم. على الرغم من أن الاستراتيجية والأبعاد الداخلية الأخرى للمؤسسة مهمة للغاية، إلَّا أنَّ ثقافة المؤسسة تخدم غرضين جوهريين هما:

  1. تساعد الثقافة المؤسسة على التكيُّف مع بيئة العمل الخارجية المحيطة بها عن طريق تبنِّي القيم الصحيحة للاستجابة للفرص والتهديدات الخارجية.
  2. تخلق الثقافة وحدة داخلية في المؤسسة عن طريق جمع الأعضاء معًا لكي يعملوا بتعاون أكبر لتحقيق الأهداف المشتركة.

تمثِّل الثقافة هوية المؤسسة وهي بمثابة الغراء الذي يربط المؤسسة ببعضها. تجدر الإشارة إلى أنَّ ثقافة المؤسسة عادة ما تتشكَّل وتتأثَّر بشكل كبير بالمؤسس أو الإدارة العليا، إذ أنَّ الرؤية والقيم والرسالة الخاصة بهؤلاء الأفراد تحدِّد المنهج في أعلى الهرم الإداري، وذلك ينعكس على الأخلاق والأسس القانونية ويشكِّل نموذجًا لطريقة عمل المسؤولين والموظفين الآخرين وكيفيّة تصرُّفهم. يُعدُّ نموذج القيم المتنافسة (Competing Values Framework) من النماذج المستخدمة لدراسة مدى ملائمة المؤسسة وثقافتها لبيئات وظروف العمل المحيطة بها.

يعدُّ نموذج القيم المتنافسة أحد أشهر النماذج المجرَّبة في تحديد مدى فعالية ثقافة المؤسسة والتأكد ما إذا كانت ملائمة لبيئة العمل الخارجية. لقد خضع نموذج القيم المتنافسة (الموضَّح في الشكل التالي) للتجربة على مدى 30 عامًا، وقد وُجد أنَّ معايير الفعالية التي يقترحها هذا النموذج أثَّرت بشكل إيجابي على مدى ملائمة ثقافة المؤسسة مع عناصر وخصائص بيئة العمل الخارجية المحيطة بها.

Competing-Values-Framework.jpg
نموذج القيم المتنافسة (مقتبس من كتاب «Diagnosing and Changing Organizational Culture». تأليف: كيم كاميرون وروبرت كوين، 1999. الناشر: أديسون-ويسلي)

يحدِّد المحوران العموديان المتقابلان –محور التركيز الخارجي ومحور التركيز الداخلي- ما إذا كانت ثقافة الشركة يجب أن تميل إلى التوجُّه الخارجي أم الداخلي، في حين يحدّد المحوران الأفقيان الآخران -محور المرونة ومحور الثبات والسيطرة- ما إذا كانت ثقافة المؤسسة مناسبة أكثر لبيئة العمل الثابتة الواقعة ضمن نطاق السيطرة أم أنّها ستكون أكثر فاعليّة في بيئة العمل المرنة ذات الوتيرة السريعة. ينتج عن تقاطع هذه المحاور أربعة أنواع من الثقافات –كما هو موضَّح في الشكل السابق- وهي:

  1. ثقافة الأدهقراطية (Adhocracy Culture): هي ثقافة ديناميكية إبداعية تصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الخارجية والمرونة في التكيُّف مع المتغيِّرات.
  2. ثقافة العشيرة (Clan Culture): هي ثقافة تركِّز على الأشخاص والعلاقات الودية بينهم، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الداخلية والمرونة في التكيُّف مع المتغيّرات.
  3. الثقافة الهرمية (Hierarchy Culture): هي ثقافة تركِّز على العمليات والتنظيمات، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الداخلية والحفاظ على استقرار المؤسسة وثباتها.
  4. ثقافة السوق (Market Culture): هي ثقافة تنافسية تركِّز على النتائج، وتصبُّ اهتمامها على بيئة العمل الخارجية والحفاظ على استقرار المؤسسة وثباتها.

سوف نبيِّن فيما يلي خصائص كل ثقافة من هذه الثقافات. تركِّز ثقافة الأدهقراطية على الإبداع والابتكار وتصوُّر المستقبل وإلتكيُّف مع التغيير وخوض المجازفات والخروج عن المألوف والتجريب وريادة الأعمال. غالبًا ما نجد هذه الثقافة لدى قطاعات الأعمال ذات وتيرة المتغيّرات السريعة مثل التصوير السينمائي والاستشارات ورحلات الفضاء وتطوير البرمجيات. تنطبق على ثقافات شركات فيسبوك وجوجل خصائص هذه الثقافة، لكن تجدر الإشارة إلى أنَّ المؤسسات الكبيرة قد تمتلك ثقافات مختلفة للمجموعات المهنية المختلفة على الرغم من أنَّ الثقافة الأساسية للمؤسسة ستكون هي السائدة دومًا. على سبيل المثال، قد تُوضع ثقافة فرعية مختلفة للعاملين بنظام الساعة وأخرى للعلماء الباحثين في المؤسسة.

تركِّز ثقافة العشيرة على العلاقات وتكوين فِرق العمل، والالتزام، وتعزيز التنمية البشرية، والمشاركة والتوجيه والتدريب. إنَّ المؤسسات التي تركِّز على تلك الأمور تلائمها هذه الثقافة. على سبيل المثال، يلائم هذا النوع من الثقاقة شركة Tom's of Maine التي سعت جاهدة إلى تكوين علاقات قويّة قائمة على الاحترام مع الموظفين والزبائن والمورِّدين والبيئة المحيطة.

تركِّز الثقافة الهرمية على الكفاءة، ومراقبة التكاليف والعمليات، والتحسين التنظيمي، والخبرة التقنية، والإتقان، وحل المشكلات، والتخلُّص من الأخطاء، والتحليل الإداري، والتأني في اتخاذ القرارات. تناسب هذه الثقافة الشركات ذات النظام البيروقراطي مثل الجيش والمؤسسات الحكومية.

تركِّز ثقافة السوق على تقديم القيمة، والمنافسة، وتحقيق الأهداف والنتائج، والسرعة في اتخاذ القرارات، ومواجهة العوائق، والتوجيهات، والسيطرة، وإنجاز الأشياء بسرعة. تناسب هذه الثقافة شركات التسويق والبيع التي تعمل على التخطيط والتنبؤ إلى جانب عرض المنتجات والخدمات في السوق وبيعها. من الأمثلة على الشركات التي تلائمها هذه الثقافة: شركة أوراكل التي يرأسها الرئيس التنفيذي لاري إليسون ذو الشخصية الحازمة المسيطرة.

تشكِّل شركة أمازون مثالًا نموذجيًّا للشركات التي يمكنها أن تكون فعَّالة على الرغم من مزيج الثقافات التنظيمية الذي تعتمده في إدارتها. على سبيل المثال، تستخدم الشركة ثقافة الأدهقراطية عالية الأداء في الأمور المتعلِّقة بالتوسُّع الخارجي وأسلوب القيادة البارز لرئيسها التنفيذي جيف بيزوس، وتعتمد في الوقت نفسه على الثقافة الهرمية في بنتيها وتنظيمها الداخلي على صعيد الأمور المتعلِّقة بالرقابة المشدَّدة على الموظفين في المستويات الإدارية الدنيا. لقد حوَّلت شركة أمازون مجالها من «متجر إلكتروني لبيع الكتب» إلى أن أصبحت «مركزًا لبيع أي شيء عبر الإنترنت والشركة الرائدة في استخدام الحوسبة السحابية وخدمات الويب… كما وغدت أولى الشركات التي تستخدم أحدث الروبوتات في مخازنها لزيادة الإنتاجية… وأمست السبّاقة أيضًا في استخدام تقنيات حديثة مثل الطائرات بدون طيَّار وما شابه ذلك.» في المقابل، من الأمور السلبية التي تُؤخذ على شركة أمازون أنَّ بيئة عملها تسودها المنافسة الشرسة بين أفرادها وأنَّ بيزوس كثير المطالب ويضع معايير عالية جدًا للموظفين ولنفسه أيضًا، كما ويمتد هذا النوع من الثقافة ليشمل الموظفين الذين يعملون في المخازن. يشتكي الموظفون في شركة أمازون من أنَّ العمل هو الأولوية الأولى بالنسبة لهم، في حين أنَّ الحياة في المرتبة الثانية، ومحاولة إيجاد التوازن بين هذين العنصرين في المرتبة الأخيرة. بلغ هذا الانتقاد ذروته عند حدوث محاولة انتحار المزعومة في عام 2017 من قِبل موظف مستاء لأنَّه طلب الانتقال إلى قسم آخر داخل الشركة ولكنَّه قوبل بوضعه ضمن برنامج تحسين الأداء الخاص بالموظفين–هذا يعني أنَّه قد يُفصل من العمل في شركة أمازون إذا لم يتحسَّن أداؤه. لقد غيِّرت شركة أمازون منذ ذلك الحين العديد من قواعد وتنظيمات العمل المتعلِّقة بالموظفين الذين يعملون في المخازن.

تهيئة المؤسسات للتغيير في القرن الحادي والعشرين

لقد تنبَّأت الدراسة المسحية السنوية للمخاطر العالمية (GRPS) التي أُجريت عام 2018 بالتوجّهات المستقبلية التي سوف تصبغ بيئة العمل الخارجية وهي كالآتي:

  1. استمرار عدم المساواة والظلم
  2. التوتُّرات السياسية المحلية والعالمية
  3. المخاطر البيئية
  4. مواطن الضعف الإلكترونية

يقترح كاتبو تقرير المخاطر العالمية أنَّ على المؤسسات ذات الطبيعة المعقَّدة التعامل مع مستقبلها المؤسساتي بواسطة ما أطلقوا عليه اسم «عدسات المرونة التسعة»، ويُقصد بالمرونة قدرة المؤسسات على التكيُّف والازدهار على الرغم من المخاطر ذات الآثار الكبيرة واحتمالية الحدوث الضئيلة. تُصنَّف عدسات المرونة التسعة في ثلاث فئات هي:

  1. أولًا: المرونة الهيكلية (structural resilience) التي تدرس ديناميكيات النظام داخل المؤسسة نفسها. يدعو المؤلّف إلى أن يكون "النظام نمطيًّا" أي قابلًا للتركيب والتجزئة؛ ويقصد بذلك ألَّا تكون الهياكل والتصميمات شديدة الترابط مع بعضها، وهذا يعني أنَّ الهياكل التنظيمية الميكانيكية والمتسلسلة الجامدة للمؤسسات لن تكون مناسبة في بيئات العمل شديدة التقلّب والتأثّر.

  2. ثانيًا: المرونة التكاملية (integrative resilience) التي تركِّز على الارتباطات المعقَّدة مع بيئة العمل الخارجية. يشير الكاتب إلى أنَّه يجب على المؤسسات أن تكون مدركة لظروفها «من الناحية الجغرافية ومن ناحية سلامة العلاقات بين الأفراد والعائلات والأحياء والمدن والأقاليم والدول» التي تتأثَّر بها. وفيما يتصل بذلك، يشير المؤلف أيضًا إلى أنَّه يجب على المؤسسات الاعتماد على تماسكها الاجتماعي الذي يعدُّ مصدرًا مهمًا للمرونة.

  3. ثالثًا: المرونة التغييرية (transformative resilience) التي تشير إلى أنَّ تخفيف بعض المخاطر يتطلَّب إحداث تغيير. من الضروري للمؤسسات في هذه الحالة أن تبادر إلى التغيير وإلَّا سينتهي بها المطاف إلى أن تضطر للتغيُّر نتيجة الظروف الخارجية. تتطلَّب هذه العملية بصيرةً حادة عند اتخاذ القرارات وليس تنبّؤًا عشوائيًّا، وينبغي على المؤسسات أيضًا أن تطبِّق أساليب مختلفة في البحث وتقييم بيئات العمل واكتشاف كل ما هو جديد لكي تتمكَّن من التعامل مع تقلّبات المستقبل المجهولة، ويمكنها القيام بذلك عن طريق الابتكار والتجريب. بمعنى آخر، يجب على المؤسسات أن تستفيد وتتعلّم من المرونة والمطاوعة الكبيرة للمتغيّرات في بيئة العمل والتي أظهرتها كلٌّ من جوجل وأمازون وفيسبوك وسبيس إكس وتسلا وAirbnb وأوبر وغيرها من الشركات العالمية الرائدة.

من التوجُّهات التي تلوح في الأفق أيضًا أنَّه لن يصبح التقييم الأساسي لسمعة وشهرة المؤسسات مستندًا إلى أدائها المالي أو جودة منتجاتها وخدماتها فحسب؛ بل سوف يجري تقييمها بناءً على تأثيرها على المجتمع ككل، وهذا في الواقع سيحوِّلها من مؤسسات تجارية إلى مؤسسات اجتماعية. لقد بيَّنت دراسة استقصائية حديثة أنَّ 65% من الرؤساء التنفيذيين عدُّوا «النمو الاحتوائي» من ضمن الاهتمامات الاستراتيجية الثلاثة الأولى، وهذه النسبة أكبر بما يزيد عن ثلاثة أضعاف من نسبة الذين أشاروا إلى القيمة السهمية.

لقد أشار الباحثون في شركة ديلويت إلى أنَّ المؤسسة الاجتماعية هي «مؤسسة تسعى إلى زيادة الإيرادات وتحقيق الأرباح إلى جانب احترام ودعم بيئتها المحيطة بها وشبكة الأطراف المعنية، ويشمل ذلك الانتباه إلى التوجُّهات التي توجّه معالم عالمنا المعاصر والاستثمار فيها وإدارتها بفاعلية. تحمل هذه المؤسسة على عاتقها مسؤولية الظهور كأحد الرموز الاجتماعيّة الجيّدة (على المستوى الداخلي التنظيمي للمؤسسة وعلى المستوى الخارجي في تعاملاتها)، وهي بذلك تشكِّل قدوة للمؤسسات الأخرى وتعزِّز التعاون بدرجة كبيرة في جميع المستويات التنظيمية.»

ترجمة -وبتصرف- للفصلين Corporate Cultures و Organizing for Change in the 21st Century من كتاب Principles of Management





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن