مبادئ الإدارة الثورة الصناعية في عالم الإدارة


هيفاء علي

كيف أثَّرت الثورة الصناعية على تطور نظرية الإدارة؟ في الواقع لقد انتقلت أفكار عصر النهضة إلى إنجلترا أثناء فترة حكم أسرة تيودور (1485-1603)، وهي الفترة التي أُضيفت فيها كلمة management إلى اللغة الإنجليزية عن طريق ترجمات جون فلوريو الذي كان عضوًا يحمل الجِنسيّتين الإيطاليّة والإنكليزية في محكمة الملكة إليزابيث.

تاريخ الثورة الصناعية

لقد نتج عن نشأة النفوذ البريطاني الثورة الصناعية التي أدَّت إلى ظهور ثالث تطوُّر رئيسي في الإدارة، حيث ازدادت الفُرص التجارية مع زيادة نفوذ الإمبراطورية البريطانية، وقد شهد القرن الثامن عشر نشوء العديد من الشركات العالمية مثل شركة خليج هدسون وشركة الهند الشرقية. كانت شركة خليج هدسون تدير تجارة الفراء في كندا حيث يتم إنتاجها ثمَّ نقلها إلى إنجلترا لكي يُتاجر بها في أي جزء من العالم.

أدَّى هذا التطوُّر الجديد الذي طرأ على التجارة إلى أن تصبح الأسواق وسيلة سائدة لتنظيم عملية تبادل البضائع، وأضحت الأسواق تُنسّقُ أعمال وأنشطة مختلف المشاركين ممَّا أتاح انتقال الموارد إلى الجهات التي يمكن أن تستغلها أفضل استغلال. ويُعدُّ العالم الاقتصادي والفيلسوف الأدبي آدم سميث من أبرز المفكِّرين الذين عاصروا هذه الفترة من الزمن. اقترح سميث في كتابه الرائع «ثروة الأمم» فكرة التخصُّص والتنسيق بين الشركات باعتبارها سببًا في النمو الاقتصادي. لذلك فإنَّ أبرز الإسهامات التي أضافها سميث للفكر الإداري هي التخصُّص وتقسيم العمل. يُقصد بتقسيم العمل (division of labor) أنَّ العامل يتخصَّص في تنفيذ مهمة واحدة تقع ضمن سلسلة أكبر من المهام التي تؤدِّي في النهاية إلى الخروج بمنتجٍ معيّن. لقد كان لفكرة التخصُّص العديد من النتائج المهمة والتي تتمثّل أولًا في تقليل تكلفة البضائع بدرجة كبيرة. وثانيًا في تقليل الحاجة إلى التدريب المُكثّف، فبدلًا من تعليم العاملين إنجاز العديد من المهام في مجالات مختلفة أصبح العاملون يختصّون في تعلُّم جانب واحد فقط. ثالثًا وأخيرًا، زاد الاهتمام بالإدارة بسبب الحاجة إلى تنسيق جميع المهام المختلفة.

لقد كان لاختراع الآلة البخارية دورًا كبيرًا في تحسين نقل البضائع والمواد الخام، وقد قلَّل تكاليف الإنتاج والنقل ممَّا أدَّى إلى تقليل الأسعار ووصول البضائع إلى أسواق أبعد، ويعدُّ اختراع الآلة البخارية من العوامل المهمة الأخرى التي أسهمت في نشوء الثورة الصناعية التي حدثت بين عام 1790 وعام 1900. لقد شهدت الثورة الصناعية نشوء الشركات الحديثة التي يتخصَّص فيها العاملون بالعمل في مجال معيَّن والتي تُنظَّم من قِبل المديرين.

لم يكن هناك توحيد لمقاييس المنتجات والخدمات قبل الثورة الصناعية وكانت تُنتج في البيوت بكميات قليلة، ولكنَّ الثورة الصناعية أدّت إلى تحوّل الإنتاج من الإنتاج المنزلي المُتواضع الذي تديره الأسرة إلى الإنتاج الهائل في المصانع والمعامل. يمكن لهذه المصانع أن توظِّف مئات وحتى الآلاف من العمَّال الذين ينتجون كميات كبيرة من البضائع ذات المواصفات الموَّحدة بسعر أرخص من سعر تلك المنتجة في البيوت.

تتراوح أحجام المصانع من مساحاتٍ صغيرة تمثّل جُزءًا من مدينة إلى مصانع هائلة بمساحات مدنٍ بأكملها مثل مدينة لوويل الصناعية التي تقع في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية وتتكوَّن بشكل أساسي من مصانع النسيج، وتحوَّلت المصانع الصغيرة إلى مصانع كبيرة مع تقدُّم الثورة الصناعية. في عام 1849 وظفَّت شركة هارفستر العالمية الموجودة في شيكاغو 123 عاملًا وكانت تُعدُّ أكبر مصنع في الولايات المتحدَّة آنذاك، وكان لدى مصنع شركة ماكورميك (وهي شركة أمريكية مُتخصّصة ببيع التوابل والمنكّهات) في منتصف القرن التاسع عشر 250 عاملًا كانوا يحصدون التوابل 2500 مرة في السنة الواحدة وبنت شركة ماكروميك بعد حريق شيكاغو العظيم مصنعًا جديدًا شغَّل 800 عاملًا ووصلت مبيعاته إلى أكثر من مليون دولار. أمَّا مصنع هنري فورد، فقد بلغ عدد موظّفيه عام 1913 حوالي 12000 عاملًا. وفَّرت المصانع فرصًا لتحقيق رضا العاملين عندما زاد حجمها. على سبيل المثال، لم يكن مصنع هوثورن الموجود في ولاية إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية مكانًا للعمل فحسب؛ بل كان يتميَّز أيضًا بوجود فرق رياضية وغيرها من المظاهر والنشاطات الاجتماعية.

انتقلت الثورة الصناعية من أوروبا إلى مختلف أنحاء العالم ووصلت أخيرًا إلى الولايات المتحدة التي بدأت تشهد العديد من الثورات الصناعيّة البارزة سيّما في مجال النقل والاتصالات والأسواق من عشرينيات القرن التاسع عشر حتى ستينيات القرن نفسه. تضمّنت ثورة النقل بناء القنوات والسكك الحديدية التي جمعت شتات القارّة وربطت بين أجزائها المُختلفة. أمَّا اختراع التلغراف، فقد أدَّى إلى زيادة سرعة الاتصالات بين الأنحاء المختلفة في الولايات المتحدة، إذ أصبح من الممكن انتقال المعلومات بين مدينتي نيويورك وبوسطن في غضون دقائق، بينما كان يستغرق الأمر عدة أسابيع سابقًا. شهدت الولايات المتحدة أيضًا ظهور ثورة كبيرة في عالم الإنتاج والتسويق، فقد كان اقتصاد الولايات المتحدة يعتمد قبل ظهورها على المزارعين الذين ينتجون البضائع محليًا وبكميّات قليلة. ولكن في عام 1830 وبعد ظهور القروض المُيسّرة وتحسّن وسائل النقل انطلقت ثورة واسعة في مجال التسويق والتجارة، وقد أدَّى هذا إلى وجود مجموعة كبيرة من الشركات التي تحتاج إلى مديرين يتوَّلون تنسيق شؤونها.

شهد المجتمع الأمريكي بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865 ظهور شركات ضخمة عابرة للقارات ونشوء مصانع كبيرة بلغت بمساحاتها مساحات مُدنٍ صغيرة كاملة. ظهرت العديد من المشكلات نتيجة التغيُّر في مفهوم الإنتاج (تشبه بعض المشكلات التي نواجهها في وقتنا الحالي مع تغير الاقتصاد من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد المعلوماتي). كيف يمكن تحفيز العاملين على سبيل المثال؟ عندما كانت الأُسر تدير العمل، كان من السهل جدًّا تحفيز العاملين بسبب حقيقة أنَّ الأسرة قد لا تبقى على قيد الحياة إذا لم ينتج أفرادها شيئًا. لكنَّ الأمر كان مختلف في المصانع، إذ يمكن للعاملين تجنُّب العمل أو حتى تحطيم الآلات إذا لم تعجبهم أفكار الإدارة لديهم وقد كان كل عامل يعمل العمل بطريقة مختلفة عن غيره، ويبدو أنَّ إنتقاء العاملين وتوظيفهم كان يحدث بصرف النظر عمَّا إذا كانوا مناسبين للعمل أم لا، كما كانت الإدارة تبدو متقلِّبة الآراء، ولم تكن معدَّات وأدوات وأساليب الإنتاج موَّحدةً بشكلٍ كامل.

لم تضع الإدارات بشكلٍ عام سقفًا معيّنًا لكميّة الإنتاج المطلوبة وهذا بدوره جعل كيفيّة وآليّة الإنتاج ذاتها مُبهمة لكلٍّ من المديرين والموظّفين. فقد كان العاملون يعتقدون بأنَّ الإدارة تحدِّد ما ينبغي إنتاجه عشوائيًا، كما كانوا يعتقدون بأنَّهم لو أنتجوا كميات كبيرة فإنَّ الإدارة سوف تستغني عن العاملين لأنَّهم كانوا يعتقدون بأنَّ هناك مقدار محدود من العمل في العالم. كان العاملون المسؤولون يتحكمون بكمية الإنتاج عن طريق معاقبة أولئك الذين ينتجون كميات كبيرة. على سبيل المثال، إذا أنتج أحد العاملين كمية كبيرة، فإنَّ أدواته سوف تتعرّض للتلف والاهتراء بسرعة أو أن زملاءه قد يُعاملونه بطريق سلبيّة. كانت طرق الإنتاج عشوائية أيضًا. على سبيل المثال، إذا أردت تعلُّم كيفية جرف الفحم أو قطع الحديد، فإنَّك ستتعلَّم عدة طرق للقيام بذلك وهذا لا يزيد من الكفاءة (لأن طريقة معياريّة موحّدة لإنجاز العمل ستكون أكثر فعالية من الطرق المتنوّعة). نظرًا لعدم الكفاءة الإدارية، حثَّ العديد من المجدِّدين في مجال الهندسة على أن تصبح الإدارة علمًا قائمًا بذاته حتى يكون هناك منهج يتحدَّث عن كيفية أداء العمل بشكل واضح. على الرغم من أنَّ هذه الفترة شهدت تطوّرات هائلة في مجال التكنولوجيا، إلّا أنَّ مجال الإدارة كان مُتخلّفًا عن نُظرائه من العلوم الأخرى.

منهج تايلور في الإدارة

ما التأثيرات التي أحدثها فريدريك وينسلو تايلور على نظرية الإدارة؟ وكيف أثَّرت الكفاءة في الإدارة على نظرية الإدارة الحالية؟ صاحبت الاضطرابات الاقتصادية التي نتجت عن الثورة الصناعية اضطرابات اجتماعية هائلة، وكان لدى الطبقات المهنية (المحامين، الإداريين، الأطباء) في الولايات المتحدة العديد من الهواجس، إذ كان من المحتمل إنشاء طبقة دنيا من العاملين الذين لم يحصلوا على تعليم جيِّد والذين يكافحون من أجل كسب لقمة العيش. شعر العديد من المُصلحين أنَّ العمَّال قد يتطرَّفوا ويحاولوا بقوة تحسين ظروف عملهم وأجورهم وغيرها، ومن ثمَّ تتزعزع الحالة الراهنة لأسواق القوى العاملة ممَّا يؤدي إلى الإضرابات وأعمال الشغب والعنف. كان هناك أيضًا تخوُّف من أنَّ المال والنفوذ وضغط الشركات الكبيرة قد تؤثّر في المجرى السياسي وتسيطر على إرادة الشعب.

كان لدى الطبقات العاملة العديد من الهواجس بشأن عملهم، و-كما ذكرنا سابقًا- كان هناك خوف كبير من أنَّ العمل سيختفي بسبب الزيادة في الإنتاج. كان هناك أيضًا هواجس متعلِّقة بالأجور ومدة البقاء في الوظيفة والعدالة في أماكن العمل. كما أن التخصّص في العمل لم يكن واضحًا للعمال (أي أن العامل لا يعلم حق العلم ماهيّة وظيفته بالضبط، فهو يعمل على عدّة أصعدة وبطُرقٍ مُختلفة). عندما كان فرانك جيلبريث يتدرَّب لكي يصبح بنَّاءً عام 1885، لاحظ أنَّه تعلَّم ثلاث طرق لوضع الطوب على الرغم من أنَّه لم تكن هناك حاجة لأكثر من طريقة واحدة.

كان الاهتمام قليلًا في الصحة الجسدية والنفسية للعاملين في المصانع، ولم تكن هناك استراحات. كان هناك أيضًا خلاف شديد بين الإدارة والقوى العاملة، إذ كانت الإدارة تحدِّد معدل العمل المتوقع في اليوم ولكن كان رد فعل العاملين هو الاتحاد معًا من أجل الحد من الإنتاج، ولذلك كان من المتوقَّع أن يتعرَّض العاملون الذين ينتجون كميات أكثر أو أقل لإتلاف أدواتهم أو للإيذاء البدني. كانت الحوافز التي تقدِّمها الإدارة قليلة جدًّا، وكان المديرون يستخدمون العقاب البدني وغيره من العقوبات عندما كانوا يريدون دفع العاملين إلى العمل، ولم تكن هناك أسباب تدفع أي من الجهتين إلى الثقة بالجهة الأخرى أو التعاون معها.

ما لبثت أن تضاعفت المشاكل الإداريّة مع تزايد الطلب على المديرين وقلّة عدد المُختصّين المؤهّلين منهم بسبب ضعف التدريب والتأهيل الإداري عمومًا. كانت معظم الشركات قبل الثورة الصناعية في يد أسرة أو صاحب\مدير واحد. نظرًا لتزايد حجم الشركات وتعقُّدها ونظرًا لاتساع دائرة تبادل البضائع، لم يستطع رجال الأعمال المهيمنون السيطرة على اتّساع مؤسّساتهم لأنهم افتقروا إلى الخبرة التي تمكِّنهم من إدارة شركات ضخمة جغرافيًا وماليًا. لقد كان التدريب والتعليم الإداري قليلًا، ولم يكن هناك مجلات علمية -مثل مجلة أكاديمية الإدارة- أو مجلات متخصصة مثل مجلة هارفارد بزنس ريفيو. لم يكن هناك كُليات للإدارة حتى عام 1881، حيث تأسَّست في ذلك العام كلية وارتون لإدارة الأعمال في جامعة بنسلفانيا. كان تعليم إدارة الأعمال في ذلك الوقت يقتصر على حصص دراسية تُدرَّس فيها أعمال السكرتارية. كانت المجالات ذات الصلة مثل علم النفس وعلم الاجتماع في بداية طريقها ولم تكن واضحة المعالم كما هي في وقتنا الحاضر، وكان أي تعليم إداري يُدرَّس غالبًا من دروس التاريخ والأدب، وقد كان هذا التعليم سرديًا وغير منهجيًا على الرغم من أنَّه كان هناك العديد من الأمثلة على الإدارة الجيِّدة والإدارة السيئة.

بدأت المرحلة الثانية من الثورة الصناعية عندما أصبحت الإدارة علمًا قائمًا بذاته، ولم يكن ميلاد الإدارة في بريطانيا العظمى؛ بل كان في الولايات المتحِّدة. ووفقًا للمعلِّم والمستشار الإداري بيتر دراكر، فإنَّ تطوُّر الإدارة من إسهامات الولايات المتحدة الأساسية للعالم إلى جانب إعلان الاستقلال. تزامن تأسيس علم الإدارة المُستقل مع تطوّر كلِّ من علم الاجتماع وعلم النفس وازدياد الطابع العلمي والرسمي للدراسات التاريخية والاقتصادية. أصبحت الإدارة أيضًا ذات طابع رسمي باعتبارها مجالًا دراسيًا قائمًا على الأسس والطُرق العلميّة، وقد ذكر دراكر أنَّ تطوُّر الإدارة كان من العوامل التي أوقفت تطوُّر الراديكالية (مذهب الأحرار المُتطرّفين) في الولايات المتحدة لأنَّ ذلك أدَّى إلى زيادة الإنتاج وتقليل الأسعار وزيادة أجور العاملين. لقد رفع النجاح الذي حقَّقته الإدارة العلمية العاملين إلى الطبقة الوسطى، وقد نُسِب هذا التطوُّر المهم إلى شخص واحد على وجه الخصوص وهو: فريدريك وينسلو تايلور.

يُطلق على فريدريك وينسلو تايلور (1856-1915) لقب أبو الإدارة العلمية، وقد وُلد في ولاية بنسلفانيا وكان يخطِّط في البداية أن يدرس في جامعة هارفارد ويصبح محاميًا أو مسؤولًا تنفيذيًا، ولكنَّه عانى من إصابة في العين منعته من القراءة، ومن ثمَّ لم يعد الذهاب إلى جامعة هارفارد خيارًا متاحًا، لذلك ذهب إلى العمل في مصنع أحد أصدقاء عائلته، وهو مصنع ميدفيل ستيل. اعتاد تايلور على العمل وترَّقى بسرعة من عامل بسيط إلى رئيس عمال ثمَّ إلى كبير المهندسين، وقد شهد خلال هذه الفترة العديد من الأعمال التي هدفت إلى الحد من الإنتاج أو تقليله -من ضمنها إتلاف أدواته-، وهو الذي وضع مصطلح التهرُّب من العمل لوصف هذه الأعمال المتعمَّدة. قرَّر تايلور اتخاذ إجراءات بدلًا من الوقوف مكتوف الأيدي ورؤية هذه الأفعال الطائشة تؤثِّر على عمله، إذ ذهب أولًا إلى معهد ستيفنز للتقنية لكي يحصل على فكرة عامة عن الهندسة ثمَّ استغلَّ هذه المعرفة وطبَّقها على عمله.

تجدر الإشارة إلى أنَّ تايلور لم يكن مفكِّرًا مبتكرًا، إذ أنَّ معظم أفكاره كانت نابعة من مفكِّرين آخرين وخصوصًا الإنكليزي تشارلز بابيج (1791-1871). كان الإسهام الذي قدَّمه تايلور هو تطوير نظام إدارة كامل عن طريق دمج أفكار وفلسفات الآخرين، وعلى الرغم من أنَّه قد لا يكون مبتكر الدراسة العلمية للإدارة، إلّا أنَّه ساهم في استخدام الإدارة وتكوينها من خلال الارتقاء بعدّة نقاط إداريّة مهمّة مثل تقسيم وقت العمل ودراسته وتقسيم العمل بناء على المهام وأنظمة مراقبة التكاليف والتعليمات المكتوبة للعاملين والتخطيط والمعدَّات الموَّحدة. لا يزال منهج تايلور يُعدُّ أساس الإدارة الحديثة وقد تطرّق في أعماله أيضًا، بالإضافة لما سبق، إلى مفهوم الحوافز. فقد ذكر تايلور على سبيل المثال ما يُعرف بالإنتاج بالقطعة لتوضيح فكرة الحوافز، والتوضيح بالقطعة يعني أنَّ العاملين يتقاضون أجورهم مقابل كمية إنتاجهم. كما وعرّج تايلور أيضًا على فكرة نظام الأجر المُتفاوت، والذي يُشير إلى أنَّ العاملين سيحصلون على أجر أكبر إذا زادت كمية إنتاجيتهم عن كمية معينة. بالإضافة إلى ذلك، فقد ذُكرت بعض أنظمة التعويضات مثل عَمولة المبيعات (أي أن يبنى الأجر المدفوع إلى العامل على مقدار ما يبيعه) في منهج تايلور ومؤلّفاته أيضًا.

إنَّ الإسهام الرئيسي الذي قدَّمه تايلور هو تقديره للمعرفة والعلم أكثر من التقاليد والأمور المجرَّبة أو المتعارف عليها، وقد قسَّم كل عمل من أعمال الإنتاج إلى أجزاء وخطوات صغيرة وراقب أفضل العاملين وهم يؤدُّون أعمالهم. حدَّد تايلور أكثر الطرق فاعلية وكفاءة لإنجاز المهام باستخدام ساعة توقيتية لقياس الزمن الذي يستغرقه العاملون في القيام بالأعمال، ثمَّ أعاد ترتيب الأعمال بالطريقة التي ينبغي القيام بها بعد تجزئة كل عمل إلى المراحل الأساسيّة له. طوَّر تايلور أيضًا دراسات إدارة الوقت لتقسيم ساعات العمل الخاصة بالفرد إلى سلسلة من الأنشطة، وقد قاس الوقت المُستغرَق في تنفيذ كل عمل ليعرف الطريقة الأسرع. كان يعدِّل طبيعة إنجاز العمل باستخدام الطرق الأكثر كفاءة ثمَّ يدرِّب العاملين على تنفيذ أعمالهم وفق هذه الطُرق الفعّالة. أتاح تايلور للعاملين الحصول على فترات استراحة خلال اليوم، وبذلك استطاع أن يجعل العاملين يُنجزون أعمالهم بطريقة أسرع وأفضل دون أن يشعروا بالتعب. يعدُّ «مفهوم العمل من الدرجة الأولى» من الإسهامات المهمة الأخرى التي أضافها تايلور إلى مهنة الإدارة. عندما وضع تايلور هذا المفهوم، كان يفكِّر في أنَّ على العاملين القيام بأكبر قدر ممكن من العمل الذي يستطيعون القيام به بدنيًا وعقليًا. كان الأشخاص غير القادرين بدنيًا أو عقليًا على مجاراة متطلَّبات الإنتاج والعمل يرسَلون إلى أماكن أخرى في المصنع حيث يستطيعون فيها العمل بأقصى درجة من الفعالية. لم يكن العمل من الدرجة الأولى معتمدًا على الجهد البدني أو نشاط واندفاع العامل؛ بل على ما هو من المتوقع أن يكون العامل قادرًا على القيام به في مكانه ذاك.

طوَّر تايلور أيضًا نظامًا لإدارة المهام ممَّا جعل العمل أكثر كفاءة وأتاح للمشرف تجزئة أعماله لكي يستطيع العمل على أنشطة منفصلة، كما أنَّ هذا قد أتاح للمشرف تخطيط وضبط الأنشطة الموكلة إلى العاملين بطريقة أفضل. كان تايلور يرى أنَّ المديرين سيصبحون أفضل وأكثر ملاءمة لما يرتبط بمجال خبرتهم عندما يتقلّدون مناصبهم وِفقًا لخِبرتهم ومهارتهم في إنجاز ذلك العمل وليس تِبعًا للنفوذ أو السُلطة لديهم. لقد طوَّر أيضًا طريقة محاسبة التكاليف التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التخطيط والضبط اليومي، وليس شيئًا يُطبَّق فقط في حالة التحليل طويل المدى. استند منهج تايلور إلى أربعة مبادئ إدارية موَّضحة فيما يلي:

  1. المبدأ الأول: ينبغي على المدير أن يضع قاعدة علمية لكل جانب من جوانب العمل. يضمن اتباع هذا المبدأ أن يُبني العمل على بيانات موضوعية جُمعت عن طريق البحث وليس على المعلومات المتعارف عليها. على سبيل المثال، كان يعتقد العديد من الناس أنَّ السماح للعمَّال بأخذ استراحات سوف يقلل من إنتاجيّتهم، إذ كيف سينتج العامل إذا لم يكن يعمل؟! غيَّر تايلور هذه الفكرة عبر الأبحاث التي أجرها والتي أظهرت التأثير الإيجابي لأخذ استراحات خلال ساعات العمل على مقدار إنتاج العمّال. يمكننا في أيامنا هذه الاستمتاع بفترات الاستراحة بفضل الأبحاث التي أجراها تايلور.
  2. المبدأ الثاني: اختيار العمَّال وتدريبهم بطريقة علمية. (ستكتشف أنَّ أفكار تايلور ما زالت إلى يومنا هذا عندما تقرأ المقال الذي يتحدَّث عن إدارة الموارد البشرية.) كان يُبنى اختيار العمَّال قبل ظهور المنهج الذي وضعه تايلور على المحاباة والمحسوبية والعشوائية. على سبيل المثال، حصل تايلور على عمله في مصنع ميدفيل ستيل لأنَّ مالك المصنع كان صديقًا لوالده. بطريقة مماثلة، كانت المؤسّسات تُوظّف العمَّال الذين سيقومون بعمل معيَّن دون الاهتمام كثيرًا فيما إذا كانوا مناسبين من الناحية البدنية أو العقلية لإنجاز العمل. غيَّر تايلور وجهة النظر هذه بواسطة خُطوات ونظام توظيف مُمنهج لإيجاد أفضل عامل للقيام بالعمل.
  3. المبدأ الثالث: ينبغي على الإدارة والقوى العاملة أن يعملوا معًا لضمان إنجاز العمل وفقًا لمبادئ الإدارة. تعارضت ملاحظات تايلور مع المبادئ الإداريّة القديمة والتي كانت قائمة على العدواة بين الإدارة والعمَّال. ركَّز تايلور على التعاون والحاجة إلى أن تكون علاقة العمل قائمة على منفعة متبادلة بدلًا من العداوة.
  4. المبدأ الرابع: ينبغي أن يُقسَّم العمل والمسؤولية بالتساوي بين الإدارة والعاملين. فيما مضى كانت الإدارة تحدِّد التوجيهات، وكان العاملون يطيعونها أو يعارضونها. كان تايلور يرى أنَّ للإدارة والعاملين مسؤوليات مشتركة تجاه بعضهم البعض، إذ كانت مسؤولية الإدارة تحديد كمية الإنتاج المطلوبة خلال اليوم ومن ثمّ تقديم أجور عادلة للعاملين بعد دراسة وتحليل الجدوى الماليّة لعمليّة الإنتاج، وكان على العاملين تقديم عمل جيِّد في المقابل.
     
مبادئ الإدارة العلمية
أولًا: تضع الإدارة قواعدًا علمية لكل مرحلة من مراحل العمل تحلُّ محل تلك القديمة المجرَّبة والمتعارف عليها.
ثانيًا: تختار الإدارة العاملين ثمَّ تدرِّبهم وتعلِّمهم وتطوِّرهم بطريقة علمية، في حين كان العامل في الماضي يختار العمل الذي يريد العمل فيه ويدرِّب نفسه بقدر استطاعته.
ثالثًا: تتعاون الإدارة مع العاملين إلى أبعد حدّ من أجل أن تضمن إنجاز جميع الأعمال وفقًا لمبادئ الإدارة العلمية.
رابعًا: تقسيم متساوٍ للعمل والمسؤولية بين الإدارة والعاملين، إذ تتولَّى الإدارة الأعمال الملائمة لها أكثر من العاملين، في حين كانت جميع الأعمال تقريبًا والجزء الأكبر من المسؤولية تُلقى على كاهل العاملين في الماضي.

مساعدو تايلور

بالإضافة إلى العمل الرائد الذي قدَّمه تايلور في مجال الإدارة العلمية، فقد جذب مجموعة واسعة من الأفراد الموهوبين الذين ساعدوه في أبحاثه. أبرز هؤلاء الأفراد المهمِّين هو كارل جورج بارث (1860-1939) المتخصِّص في الرياضيات الذي كان له إسهامان بارزان. أول هذين الإسهامين هو عمله على دراسة الإرهاق الذي يصيب الموظفين، إذ حاول معرفة العوامل التي تؤدِّي إلى إرهاق الموظفين، أما الإسهام الثاني فهو استخدامه للمسطرة المنزلقة في حساب مقدار الحديد المُراد قطعه. المسطرة المنزلقة هي مسطرة تحتوي على قطعة منزلقة في وسطها، وتتيح إجراء العمليات الحسابية بسرعة ودقة. كان العاملون مضطرين قبل أن يطوِّر بارث هذه المسطرة إلى إجراء عمليات حسابية معقَّدة لتحديد مقدار الحديد المُراد قطعه، وغالبًا ما كانوا يخمِّنون هذا، ممَّا أدَّى إلى حدوث العديد من الأخطاء والهدر. لكن عند استخدام المسطرة قلَّ عدد الأخطاء، كما قلَّت التكاليف المصاحبة لها.

من المساهمين البارزين في أساليب تايلور أيضًا هنري جانت (1861-1919) واضع مخطَّط جانت الذي أتاح ضبطًا أكبر وأكثر دقة لعمليات الإنتاج. يبيِّن مخطَّط جانت (الموضَّح في الشكل التالي) الأنشطة التي من المفترض القيام بها والأنشطة التي تمَّ إنجازها بالفعل. حدّدَ جانت مبدأين لهذه المخطَّطات،الأوّل هو حساب مقدار الوقت اللازم لإتمام النشاط، والثاني هو استخدام الفراغ الموجود في المخطَّط لتمثيل مقدار العمل الذي ينبغي إنهائه في ذلك الوقت المحدَّد.

أقرب شبيه لمخطَّط جانت في وقتنا الحالي هو نظام الجدولة أو التخطيط الزمني. أتاحت هذه المخطَّطات للإدارة الاطِّلاع على سير المشاريع وتقدُّمها ومعرفة ما إذا كانوا يسيرون وفق جدولهم الزمني ومتابعة الأمور المتعلِّقة بالميزانية. كان جانت أيضًا أول من طوَّر نظام مكافأة الموظفين الذي يمنح مكافأة للموظف إذا أنجز المهمة الموكلة إليه.

Gannt-Chart.png

يعدُّ فرانك جيلبريث (1868-1924) وزوجته ليليان (1878-1972) أيضًا من المساهمين البارزين في نظام الإدارة العلمية الذي وضعه تايلور، وقد كانوا في بعض الأحيان ينافسون تايلور وفي أحيان أخرى يعملون معه. كان فرانك جيلبريث بنَّاءً وقد بدأ -قبل أن يسمع عن تايلور- في إيجاد طرق للحد من تعبه وإرهاقه ولوضع المزيد من قطع الطوب بكفاءة أكثر. بخلاف تايلور؛ كان جيلبريث مهتمًا بدراسة الحركة عن طريق تصوير حركات مختلفة عندما يكون الشخص يقوم بعمله. على سبيل المثال، حصر جيلبريث جميع حركات اليد المطلوب لإنجاز عمل في سلسلة مؤلّفة من 17 حركة أساسية لكي يُحدِّد الطريقة الأكثر كفاءة في تنفيذ مهمة ما. صوَّر جيلبريث العمَّال وهم يؤدُّون مجموعة كبيرة من الأعمال من ضمنها البناء بالطوب، ومهام السكرتارية، وحتى مباراة كرة القاعدة.

طوَّر جيلبريث، عندما كان يعمل في البناء، نظام إدارة يتضمَّن قواعدًا متعلِّقة بعدم التدخين أثناء العمل، وإعطاء جائزة بقيمة 10 دولارات لأفضل اقتراح لكيفية تحسين العمل، ونظامًا جديدًا للتدريب يتعلَّم من خلاله العاملون الطريقة الأفضل لتنفيذ المهام. وضع جيلبريث أيضًا قاعدة تنصُّ على تصوير جميع مواقع الحوادث لكي تُستخدم في الدعاوى القضائية في المستقبل، كما هيَّأ جيلبريث الموظفين لمناصبهم الحالية والمستقبلية من خلال وضع خُطط للترقية والتدريب والتطوير، وقد تطلَّب هذا النظام رسم مسارات الترقية والاحتفاظ بالسجلات لتقييم الأداء. لقد أراد أن يُرسِّخ لدى كلًا من العمَّال والمديرين فهمًا عن الإرهاق وكيفية تحسين الأجور. أدرك جيلبريث من خلال دراساته أنَّ مصدر الرتابة ليس العمل نفسه، ولكن مصدرها قلة اهتمام وحماس العامل للعمل نفسه.

قد لا تكون ليليان جيلبريث مؤسِّسة علم النفس الصناعي، ولكنَّها أدخلت العنصر الإنساني إلى الإدارة عن طريق تدريبها وفطنتها، وأشارت إلى أنَّه يجب علينا أن نفهم نفسيّة العامل لكي نستطيع فهم كيفية العمل بطريقة أفضل. لقد أصبح فهم العامل في ظل الإدارة العلمية مبدأً أساسيًا لاختيار العمَّال للقيام بمهام معينة ولتقديم الحوافز لهم، وكان الهدف هو تطوير كل شخص للوصول إلى أقصى إمكاناته عن طريق تعزيز سماته الشخصية وقدراته الخاصة ومهاراته. بعد وفاة فرانك جيلبريث، نقلت ليليان جيلبريث مجال اهتمامها إلى التركيز على زيادة كفاءة القيام بالأعمال المنزلية وصممت -أثناء ذلك- المطبخ العصري.

أوجه القصور لدى تايلور

كان لدى تايلور ميل مفرط إلى أن يجعل أكبر قدر من الناس من أنصار الإدارة العلمية، ولكنَّ أفكاره لم تكن مفهومة جيِّدًا على الرغم من اقتناعه بها وتعصبه لها، وقد كان عدد الأعداء الذين اجتذبهم أكثر من التابعين. فقد استقطب تايلور عدواة النقابات بسبب مجابهته لها انطلاقًا من اعتقاده بأنها حجبت الإدارة عن العاملين ومنعتهم من الوصول إلى مناصب إداريّة رغم كفائتهم. واجتذب تايلور أيضًا عداوة العمَّال لأنَّه قارنهم بالقرود والبهائم التي تحمل الأثقال، كما اجتذب تايلور عداوة الإدارة ولم يحصل على ثقتها لأنَّه وجَّه لها النقد فيما يتعلَّق بإخفاقاتها السابقة. كان تايلور صعب المِراس وقدّ مسّت انتقاداته الجميع تقريبًا.

بالإضافة إلى ما سبق، ارتكب تايلور العديد من الأخطاء، ولم يكن منهجه -على الرغم من ادعاءاته- نظرية شاملة للإدارة؛ بل كان بمثابة نظام إدارة مصمَّم للمديرين في مستوى الإدارة المباشرة الذين يشرفون مباشرة على العاملين. تجاهل تايلور الاستراتيجيات والتطبيقات عمومًا وكان ينظر إلى العمَّال على أنَّهم آلات وليسوا بشرًا، وكان يعتقد بأنَّ الحوافز المالية يمكنها التغلُّب على الضغوطات التي تمارسها المجموعات على الرغم من إدراكه لقوة هذه الضغوطات. وقد جعله هذا يتجاهل الجوانب الإنسانية -التي تنطوي على العواطف والصفات الشخصية والاتجاهات- في التعامل مع العمَّال.

على الرغم من العيوب الكثيرة التي صبغت مسيرة تايلور، فإنَّ الانتقادات السابقة لا تقلِّل من إسهاماته العظيمة، إذ غيَّر تايلور الممارسات الإدارية بشكلٍ جذريّ وكان رائد الإدارة الحديثة. لم يَحلّ الباحثون اللاحقون محل تايلور؛ بل كانوا مكمِّلين له. لم يكن ما يميِّز نهج تايلور الإداري بأنّه جاء في الوقت والمكان المُناسبين فقط (عصرٍ كان بأمس الحاجة إلى إدارة صحيحة مُمنهجة)؛ بل أنَّ رؤيته لا تزال لها أهمية وتأثيرات وتداعيات حتى وقتنا الحالي. ويمكننا القول حرفيًّا بأن الإدراة الحديثة هي من صنع تايلور.

ترجمة -وبتصرف- للفصلين The Industrial Revolution وTaylor-Made Management من كتاب Principles of Management





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن