مدخل إلى عالم الأعمال التوجهات الحديثة في إدارة الموارد البشرية وعلاقات العمل في الشركات


مجد اسماعيل

في المقال الأخير من هذا الباب لسلسلة مقالات مدخل إلى عالم الأعمال سنعرض أهم التوجهات الحديثة في مجال إدارة الموارد البشرية والأمور التي تؤثّر في إدارتها كما هو مطلوب، وعلاقات العمل.

تنوع الموظفين والميزة التنافسية

إنَّ المجتمع الأمريكي، وقوتُه العاملة، آخذان في التنوع بوتيرة متزايدة فيما يخص الحالة، أو الوضع العِرقيَّ، والإثني، والعمر، والخلفية التعليمية، والخبرة في العمل، والجنس، وقد تكون الشركةُ ذاتُ تركيبةِ الموظفين المتنوعة، المشابهةِ لتركيبة زبائنها، في وضعٍ يتيحُ لها اكتساب ميزة تنافسية (Competitive Advantage)، وهي مجموعة من الخصائص الفريدة التي تتمتع بها شركة ما، إلى جانب منتجاتها وخدماتها، والتي يُنظَرُ إليها من قبل زبائن السوق المستهدف، بوصفها متفوقةً على الخصائص التي لدى منافسيها، والميزة التنافسية هي العامل الذي يدفع الزبائن إلى تأييد شركةٍ ما، دون منافسيها، ولتلك الميزة مصادر عديدة: فشركة خطوط ساوث ويست الجوية (Southwest Airlines) على سبيل المثال، تستمد ميزتها التنافسية من هيكلية المسارات الخاصة بها، ومن الاستفادة العالية من الأصول التي تملكها، أما بالنسبة لشركة الضيافة ريتز كارلتون (Ritz-Carlton)، فميزتُها التنافسية تأتي من خدمات الضيافة عالية الجودة التي تقدِّمها، وبالحديث عن شركة السيارات تويوتا (Toyota)، فيعود الفضل في الميزة التنافسية التي تملكها إلى كفاءتها التصنيعية، ومتانة منتجاتها، وديمومتها، أما شركة ستاربكس (Starbucks)، فتستمد ميزتَها التنافسية من الموقع، والخدمة، ومنتجات القهوة الممتازة التي تقدِّمها لزبائنها، كما يعود الفضل -أيضًا- في الميزة التنافسية التي تتمتع بها تلك الشركاتُ، إلى ممارسات قسم الموارد البشرية لديها. وتحقق الشركات كثيرًا من النجاح بسبب تنوّع الموظفين لديها، والذي من شأنه الإتيانُ بحلولٍ أكثر فاعلية للمشاكل، وإعطاءُ الشركة سمعةً حسنة بفضل توظيفها نساء، وأفراد أقليات، وتعزيز تنوع الموظفين، وتحقيق تكيُّفٍ أسرعَ مع التغيرات، وتوفير حلولٍ إنتاجية أقوى؛ لأن فريق العمل المتنوع قادرٌ على ابتداعِ خياراتٍ أكثر نحو التطور.

ولكي تستخدم مؤسسةٌ ما تنوُّعَ الموظفين بما يخدم الميزة التنافسية لديها، فعلى الإدارة العُليا في تلك المؤسسة الالتزامُ بتوظيف النساء، وأفراد الأقليات، وتطوير أدائهم، ومن المؤسسات المشهود لها بتقدير التنوع في الموظفين؛ مؤسسة الخدمة البريدية للولايات المتحدة (US. Postal Service). ففي العام 1992، أطلقتِ المؤسسةُ المذكورة برنامجَ تطوير تنوُّعٍ، يكون بمثابة "الضمير الاجتماعي للمؤسسة، ويهدف إلى زيادة وعي الموظفين بالتنوع الأخلاقي، والثقافي، وتقديره ضمن مجال العمل البريدي لديها، وبين أوساط الزبائن كذلك"، وبعد مضي 25 سنةً على إطلاق ذلك البرنامج، بات أفرادُ الأقليات يمثِّلون 39% من موظفي مؤسسة الخدمة البريدية للولايات المتحدة: 21% منهم أمريكيون من أصول إفريقية، و8% أمريكيون من أصول إسبانية، وأكثر من 8.0% من أقليات أخرى، وبالإضافة إلى ذلك، تمثِّلُ النساءُ 40% من القوة العاملة في تلك المؤسسة.

تعهيد التقنية والموارد البشرية

لقد شهد دور خبراء الموارد البشرية تغيُّرًا ملحوظًا على مدى السنوات العشرين الأخيرة، ومن التغيرات الكبرى تلك؛ استخدامُ التقنية في التعامل مع المهام الروتينية للموارد البشرية، مثل: معالجة كشوف المُرتّبات، والفحص الأولي لطالبي الوظائف، وتسجيل المستحقات والمزايا. وتشتري شركاتٌ كبرى مثل: شركة نوكيا (Nokia)، وشركة لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) برمجياتٍ متخصصة: (برنامج ساب (SAP) وأوراكل (Oracle) و بيبول سوفت (PeopleSoft)) لتنفيذ المهام الخاصة بمعالجة المعلومات في مجال الموارد البشرية، وهناك شركات أخرى، مثل: المجموعة الهندسية جاكوب (Jacobs Engineering Group)، إحدى كبرى شركات الخدمات المهنية، تلجأ إلى تعهيد تلك المهام، أو تتعاقد خارجيًا لتنفيذها، مع مزوِّدي خدماتِ موارد بشرية، مثل: شركة أيون هيويت (Aon Hewitt)، وشركة وورك فورس سوليوشنز (Workfoce Solutions).

ويُلجًأ إلى تعهيد خدمات الموارد البشرية من قبل شركة ما، أي الاستعانة بشركات خارجية لأدائها، عندما تكون الشركةُ المُستعانُ بخدماتها أقدرَ على تنفيذ تلك المهام، وبكفاءة أكبر، وعلى نحوِ أفضل، ومن شأن ذلك توفير النفقات، وأحيانًا يكون سببُ تعهيد خدمات الموارد البشرية عائدًا إلى أن متطلباتها استثنائية، وأكبر من أن تتمكن شركةٌ واحدة من تنفيذها ضمن الوقت المطلوب، وكثيرًا ما يكون الدافع وراء تعهيد خدمات الموارد البشرية هو ببساطة؛ أنَّ الجهة المزوِّدة لتلك الخدمات ذاتُ خبرةٍ أكبر في هذا المجال، فعلى سبيل المثال: أعلنت المجموعة الإعلامية سي بي إس كوربوريشن (CBS Corp.) أنها قد استعانت مؤخرًا بشركة فيديليتي للاستثمارات (Fidelity Investments) لإدارة خطة التقاعد 401(k)، والتي تبلغ قيمة أصولها أكثر من 4 مليارات دولار.

الثقافة المؤسسية وتوظيف من يتبنونها

وبعيدًا عن الظروف الاقتصادية، والتجارية العامة، فإن شركات عديدة آخذةٌ في توسيع عملياتها، وتعيين موظفين إضافيين لديها، وبالنسبة لشركات عديدة ممن تشهد نموًّا، قد تُمثِّلُ الثقافةُ المؤسسيةُ جانبًا أساسًا من تطوير الموظفين فيها، بحيث يغدون لبِنة ميزةٍ تنافسية تتمتع بها الشركة، ويشيرُ مصطلحُ ثقافة الشركة إلى القيم، والسياسات المفصلية التي تدعم مهمةَ الشركة، ونموذجَها التجاري، وتوجِّه سلوك موظفيها، إذ توظِّف شركاتٌ مثل: شركة الخطوط الجوية جيت بلو (JetBlue)، وريتز كارلتون (Ritz-Carlton)، وسايبرس (Cypress)، على نحوٍ متكرر، أشخاصًا يناسبون ثقافاتِها، ويتبنّون قيمها الأساسية، ويقتضي ذلك توظيف أشخاصٍ يُظهِرونَ قِيَمَ الشركة الموظِّفة، وتستخدم شركتا ريتز كارلتون وسايبرس استباناتٍ مُصاغةً بعناية للمتقدمين إلى وظائف لديهما، لفحص القيم، والسلوكات التي تدعم ثقافتهما، أما شركة الخطوط الجوية جيت بلو، فتستعين في المقابلات التي تجريها مع المتقدمين لوظيفة لديها، بأسئلة مبنية على السلوكات، ومستمدَّة من قيمها المؤسسية الخاصة بالسلامة، والنزاهة، والحرص، والمرح، والطموح، ولدى شركة الخطوط الجوية ساوث ويست (Southwest Airlines)، يُجري موظفون -لا ينتمون إلى قسم الموارد البشرية: مضيفو طيران، موظفو بوابة، وطيارون، وحتى ركَّابٌ يسافرون على متن طائراتها بشكل متكرر- مقابلاتٍ مع المتقدمين لوظيفة لدى تلك الشركة، للتحقق من موقفهم من قيمها، ومن مدى تبنّيهم لثقافتها، ومناسبتهم لها، إلى جانب التوجيه القوي الخاص بخدمة الزبائن.

وإلى جانب ضرورة وجود توافقٍ ثقافي بين الموظف، والشركة، نجدُ الشركاتِ توظِّف أشخاصًا بناء على المعرفة الفنية، والمهارات التي تناسب الوظيفة التي يتقدمون لشغلها، فشركاتٌ مثل آي بي إم (IBM)، وأمازون (Amazon)، ومايكروسوفت (Microsoft) تتلقى آلاف السِّيَر الذاتية، وطلبات التوظيف كل عام، ولا تنفكُّ تبحثُ عن الأفضل، والألمع من بين طالبي التوظيف فيما يخصُّ المعرفة الفنّية، والمهارات التي يملكونها، وعلى سبيل المثال: تركِّزُ شركةُ آي بي إم جهودها حاليًا على النهج الذي يعطي أهميةً لمهارات المتقدم لوظيفة لديها تفوق تلك الخاصة بمستواه التعليمي، وعدد الشهادات الأكاديمية التي يحملها، أما شركةُ أمازون، التي يعد الزبائنُ محورَ عملها، فتبحث عن أشخاصٍ "ذوي فضولٍ لا يكِلُّ ولا يَمَلّ". وبالحديث عن شركة مايكروسوفت، يبدو أنها قد رفعت سقف المواهب المطلوبة لديها، وذلك باستقبالها متقدمين لوظائفها أظهروا روحًا قيادية، وحققوا نتائج ملموسة، وبوسعهم إثباتُ شغفهم بالتعلُّم.

انضمام مزيد من عاملي الخدمات إلى النقابات العمالية

شهد مجالُ العمل المنظَّم في الولايات المتحدة فتراتٍ من عدم الاستقرار خلال العقود الأخيرة؛ مردُّها إلى التناقص الذي تشهده عضوية النقابات، وخسارة الوظائف في المصانع، وتضاؤل حجم التأثير السياسي، ونقل الوظائف إلى خارج البلاد، ومع وصول العضوية في النقابات العمالية هناك إلى حوالي 10% من مجموع القوة العاملة في الولايات المتحدة، يتساءلُ بعضُ المتابعين عما إذا ما يزالُ هناك موظىُ قدمٍ للنقابات العمالية التي تمثل جبهةً متحدة في وجه ظروف العمل السيئة، ويبدو أنَّ ماري كي هنري (Mary Kay Henry)، وهي الرئيسة الدولية للاتحاد الدولي لموظفي الخدمات (Service Employees International Union)، متفائلة بأنَّ النقاباتِ ستشهدُ تجدُّدًا عبر تنظيم العدد المتزايد من عمال الخدمات ضمن النقابات العمالية، ويعدّ الاتحادُ المذكور أعلاه، الأسرعَ نموًا في الولايات المتحدة، فقد قفز عددُ أعضائه من 1.1 مليون عضو إلى 2 مليون خلال عَقدٍ واحد.

ويتمثَّلُ الهدف الذي تسعى السيدة ماري إلى تحقيقه، في استقطاب ملايين عمال الخدمات، ذوي الأجور الضعيفة في البلاد، إلى جانب العاملين في وظائف تشغل الجزءَ الأكبر منها طبقةُ العمال الفقيرة التي تضمُّ بشكل غير متكافئ النساءَ، والمهاجرين، وأفراد الأقليات، الذين طالما كانوا أكثر تقبُّلًا للانضمام إلى النقابات، وانفتاحًا عليها، وترى ماري كي هنري أنه في حال نجح استقطابُ أولئك العمال إلى الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات، فسترتفعُ أجورهم، وتزدادُ مكاسبهم، بالطريقة ذاتها التي نقلت فيها النقاباتُ عمالَ المصانع إلى مصافّ الطبقة الوسطى خلال ثلاثينات القرن العشرين. ويعتقدُ القائمون على الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات أنَّ القطاع الخدمي يمثِّلُ فرصةً ينبغي السعي إلى استغلالها، في ظل أكبر نموٍّ توظيفي متوقَّع حتى عام 2026 في الخدمات المحلية ذات الأجر المنخفض، مثلما يوضِّح الجدول التالي: العمل

العمل النمو المتوقع
المساعدات الطبية المنزلية 47%
مساعدات الرعاية الشخصي 39%
تحضير الطعام. 17%
خدمات الحراسة، والتنظيف 10%

ويعتقد متابعون كثر، أنَّ مستقبل العمل يعتمد اعتمادًا رئيسًا على نجاح جهود استقطابِ الأعداد الكبيرة من الموظفين، في أعمال ذات نمو بطيء، وأجور منخفضة، ثم تسجيلهم، فعلى سبيل المثال: فقد حقق الاتحادُ الدولي لموظفي الخدمات موخرًا نجاحًا في ضمِّ مئات الموظفين، الذين يقدِّمون خدمات لأشخاصٍ ذوي إعاقة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، إلى نقابات عمالية، مع التركيز على رفع معايير عملهم، والأجور التي يتقاضونها بالساعة، إضافة إلى زيادة المزايا التي يتمتعون بها، ولن تمرَّ عمليةُ عكسِ الانخفاض في العمال بدون تحديات، ولكنَّ الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات ينظرُ إلى المستقبل بعين الإيجابية.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Managing Human Resources and Labor Relations) من كتاب introduction to business.

اقرأ أيضًا





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن