هل يجب أن تركّز على زيادة نمو الشّركة النّاشئة أم على تحقيق الأرباح؟


كثيرًا ما أعاني - كمستثمر في الشركات التقنية ذات معدّلات النمو المرتفعة - من مشكلة التوفيق بين تحقيق الأرباح العالية والنمو السريع للشركة، وهناك اعتقاد سائد في مجال الاستثمار في الشركات التقنية - سائد في الأسواق الخاصة والعامة على حد سواء - مفاده أنّ النموّ أكثر فائدة وقيمة من الربحية، وأنه بعد تحقيق الهيمنة على السوق فإن الأرباح تصبح تحصيل حاصل. يدفع هذا الاعتقاد الشركات إلى الاهتمام بشكل كبير بمجالي التسويق والمبيعات بهدف زيادة معدلات نموّ المشروع التجاري بمستويات تفوق ما يمكن تحقيقه لو تمّ الأمر بصورة طبيعية.

main.png

تحدّثت في مدونتي قبل بضعة أشهر عن صيغة استنتجتها في أحد اجتماعات مجلس الإدارة، وتنص على أن معدّل النموّ السنوي إضافة إلى هامش التشغيل قبل دفع الضرائب pre-tax operating margin يجب ألّا يقلّ عن 40%. بمعنى أنّك قادرٌ على تحقيق نمو بنسبة 100% في كل سنة وامتلاك هامش تشغيل بنسبة -60%، أو يمكنك المحافظة على مستوى ثابت مع هامش تشغيل بنسبة 40%، أو يمكنك تحقيق نمو بنسبة 20% في كل سنة وتمتلك هامش تشغيل بنسبة 20%.

في الواقع، ليس هناك أي سبب بعينه لاختيار هذه النسبة، ولكنّي أحب وضع علاقة بين المستويات المقبولة من الربحية (أو الخسارة) وبين النمو، فقد رأيت الكثير من الشركات التي تستثمر جلّ مواردها لتحقيق النمو، دون التفكير بالفائدة التي يمكن تحصيلها من هذا الاستثمار والخسائر التي قد تترتب عليه.

خلال العقد الماضي، عملت واستثمرت في عدد من الشركات عالية المستوى والتي لم تلقِ بالًا لهذه المسألة على الإطلاق، إذ تصل هذه الشركات إلى الربحية في المراحل الأولى من عمرها، لتستثمر الأرباح مرة أخرى في المشروع التجاري، وهكذا تستمر عجلة النمو بالدوران بوتيرة عالية عامًا بعد آخر، وبذلك تنأى هذه الشركات بنفسها عن إنفاق المبالغ الطائلة والبحث عن استثمارات، ومن أفضل الأمثلة على هذه الشركات هي Indeed.com، وهناك العديد من الأمثلة المشابهة وكلها شركات رائعة أكنّ لها وافر الاحترام.

تقودني هذه التجارب إلى التشكيك في المعتقد السائد في عالم التقنية والذي يفيد بأنّه إن لم تقم الشركة بالاستثمار بشكل كبير في تحقيق النمو (وخسارة الأموال) فإنّها لا تعمل على زيادة القيمة المحتملة للمشروع التجاري على المدى الطويل. في الواقع، ليس من الضروري أن تسير الأمور بهذه الطريقة، صحيح أنّه يجب على الشركة أن تكون مميّزة بالفعل وأن تمتلك مقومات تؤهّلها لخوض المنافسة في سوق العمل وتجنّب خسارة الأموال، ولكن ربّما يكفي أن يكون مؤسس الشركة ضليعًا في مجال التجارة وريادة الأعمال إلى درجة تمكّنه من تحقيق ذلك. (هذا ما أصف به Paul وRony، مؤسِّسي Indeed.com).

إضافة إلى ذلك، أعتقد أن العامل المحفّز للربح، أعني أن تكون العائدات السنوية أكبر من النفقات، يشكّل ضابطة ذات قيمة كبيرة بالنسبة لفريق الإدارة، إذ يحثّهم على التفكير المبدع والعقلاني حيال الاستثمارات التي سيقدمون عليها، ويساعدهم على تجنب الدخول في استثمارات سيئة سواء في الأشخاص أو المنتجات أو المبيعات أو التسويق أو أي منحى آخر من مناحي المشروع التجاري، ويعينهم كذلك على تحويل الشركة إلى شركة قادرة على الصمود أمام الظروف والتحديات الصعبة.

وفي حال كانت الشركة "تستثمر في النمو" وليست بحاجة إلى تحقيق الأرباح لأنها حصلت على استثمار كبير يمكّنها من تعويض الخسائر/ فحينئذ تجد الشركة نفسها لا تركّز على اتّخاذ القرارات المُناسبة (من بناء الفريق المُناسب وما إلى ذلك).

يتطلب منّا عملنا (كمستثمرين) أن نستثمر في الشركات لكي نساعدها على إدارة الخسائر التشغيلية بهدف إيصال المنتج الذي تقدّمه إلى السوق، وتنمية المشروع التجاري وفريق العمل، وتحقيق الأرباح للمؤسسين والإدارة والمُساهمين في الشركة. وتعاني معظم الشركات التي نعمل معها من خسارة الأموال، وقد اعتدنا على قراءة التقارير المالية income statements المثقلة بالكثير من الخسائر، واعتدنا كذلك على رؤية تقديرات موعد إفلاس الشركة إن استمرت على هذا المنوال.

ولكنّي ضقت ذرعًا من رؤية الهدف ذاته يتكرر في جميع الخطط التشغيلية، ألا وهو الوصول بالمشروع التجاري إلى مرحلة يستطيع فيها الحصول على جولة استثمار جديدة وبيع المنتج بأسعار مرتفعة. أعترف بأنّ هذا الأمر جيّد، وهكذا تجري الأمور بين أصحاب رأس المال المخاطر والشركات الناشئة، ولكنّي أفضّل رؤية - في مرحلة معينة - خطّة تشغيلية تهدف إلى الوصول إلى ربحية مستدامة.

والسبب وراء ذلك - كما ذكرت سابقًا - هو أن بعض أفضل الشركات التي تعاملنا معها في USV قد وصلت إلى مرحلة الربحية في وقت مبكر جدًّا، وقد حافظت على هذا المستوى حتى مع نمو عائداتها بنسبة 100% عامًا بعد آخر. هذا يعني أنّ الأمر ليس مستحيلًا، وأعتقد أن السبب الذي يدفع روّاد الأعمال إلى التفكير بعدم إمكانية حدوث هذا الأمر هو عدم وجود من يخبرهم بعكس ذلك؛ وها أنا أفعل الآن.

ترجمة - وبتصرّف - للمقال Profits vs Growth لصاحبه Fred Wilson.

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ Freepik



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء


أحببت اسلوب الكتابة، اكثر من عنوان الموضوع نفسه. 

صديقي هكذا مواضيع اغلبنا لا يفهم مصطلحاتها و تفاصيلها الدقيقة. 

بهذا حصرت مقالك بفئة معينة من الناس و هم رواد الأعمال. 

باعتقادك كم نسبة رواد الأعمال الذين لديهم شهادة في ادارة الاعمال؟ 

 

اتمنى ان يتسع صدرك لتعليقي. 

 

لك كل الود و التقدير 

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية

فعلا كلام محفز جدا، وللأسف أغلب الناجحين كل ما يقولونه طوال الوقت هو "لا تفكر في الربح في البداية" وبهذا يزرعون المماطلة في الناس.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن