دروس تعلمتها بعد 6 سنوات من العمل عن بعد (وبملابس النوم)


مصطفى عطا العايش

يكمن سحر العمل عن بعد (remote work) في أن المكان الذي تعمل منه لا يملك أية دلالة أو تأثير مُباشرة على العمل، فيُمكنك أن تقوم ببناء فريق، ثقافة، وشركة ليس لها حدود جغرافيّة.

lessons-learned-as-remote-worker.thumb.p

في Help Scout، نفتخر بثقافة العمل عن بعد التي أنشأناها، صحيحٌ أنّنا ارتكبنا العديد من الأخطاء خلال مسيرتنا، إلّا أنّنا نسعى للتّعلّم من كلّ تلك الأخطاء.

لقد أعطتني ثلاثُ سنواتٍ من العمل الحرّ تَلَتها ثلاثُ سنواتٍ هنا في Help Scout بعض الآراء الرّاسخة بخصوص مفهوم العمل عن بعد، وسأورد هنا خلاصة ما تعلّمته خلال هذه السّنوات:

1- الكتابة تؤثر على كل ما تقوم به

هناك سببٌ وجيهٌ لتكون نصيحة "توظيف الكاتب الأفضل" ذائعة الصّيت: الكتابة الواضحة تعني التّفكير الواضح، فتكلفة إرباك الفريق أو تشويش الزّبون تكلفةٌ باهظة، ولكنّها لا تُقارن بتكلفة إرباك نفسك. وبما أنّ التّواصل عن بعد مبنيٌّ تقريبًا وبشكل حصري على الكتابة، فستحتاج إلى أن تكون قادرًا على إيصال أفكارٍ معقّدةٍ بقوّة، وشرحها لفريقك بلغةٍ سهلةٍ واضحة.

2- لابد من تحديد وقت للتوقف عن العمل

قد يكون من الصّعب عليك عندما تعمل من المنزل أن "توقف التّشغيل" عند نهاية اليوم. ما مقدار العمل الكافي عندما تكون أنت مُدير وقتك بشكل كامل؟ سأقتبس مقولةً لـJo Bennett من مسلسلThe Office التّلفزيونيّ يقول فيها: "إن كان بإمكانك أن توقّع باسمك على هذا اليوم، وتكون فخورًا بمقدار العمل الذي أنجزته، عندها يُمكنك أن تحتفل بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

وإن كان ذلك يعني بأنّ يوم الأربعاء سيكون قصيرًا ومريحًا بعض الشّيء مقابل عملٍ طويلٍ يوم الخميس، فلْيكن ذلك. لا يأتي العمل العظيم من عدد السّاعات التي تصرفها عليه، بل من المهام الهادفة التي أنجزتها فيه. يُمكنك القول بأنّ يوم عملك قد انتهى عندما تكون فخورًا بأن توقّع باسمك عليه.

3- إن لم يؤمن مديرك بفكرة العمل عن بعد فستفشل

لا يُمكنك النّجاح في العمل عن بعد إن لم تكن شركتك مبنيّة على أساس العمل عن بُعد. حتّى لو كان لديكم مكتبٌ رئيسيّ لإدارة الفريق، فلا بدّ على الفريق أن يختار بين ثقافة العمل عن بعد، أو ثقافة العمل في نفس المكتب، فليس هناك حلٌّ وسطٌ بينهما. ستعيق ثقافة العمل في نفس الحيّز الجغرافي قدرات فريقك الكامنة، فهي تعتبر العامل عن بعدٍ مواطنًا من الدّرجة الثّانية.

4- سترتفع إنتاجيتك على حساب التعاون

هذه مقايضةٌ مشهورةٌ في العمل عن بعد، سيكون التّركيز والإنتاج المطلوبان لإدارة وقتك الخاص صعبًا، ولكنّ عليك تحمّل ذلك. سيتطلّب التّعاون مجهودًا إضافيّا، وعليك أن تعرف كيف تُوازن بين إنتاجيّتك الشّخصيّة مع إنتاجيّة الفريق، أو بعبارةٍ أخرى، معدّل إنجاز المهام عندما يعمل شخصان أو أكثر معًا.الوقت هو الأساس، والنّجاح يعتمد على السُّرعة في التّحرّك، والسّرعة في الاستجابة، وأن تكون ملتزمًا بنظام العمل في الشركة.

5- اسع جاهدا للتحكم في بيئتك

يُساعد الارتباط الوثيق للمؤثّرات الخارجية الكثيرَ من النّاس على إنشاء العقليّة المناسبة للعمل.” في هذا المكان سأعمل، وفي هذا المكان سأعيش”. عندما يتعارض العمل مع الوجود في المنزل، ستحتاج إلى وضع حدودٍ لنفسك، فبالنّسبة لي، أقوم بإبقاء باب مكتبي المنزليّ مغلقُا دومًا، وذلك لأفصل نفسي عن بقيّة المنزل، إنّ مكتبي أرضٌ محرّمةٌ لا يتمّ فيها شيءٌ غير العمل. إن لم تقم بهذا الفصل فستجد أن "المنزل" قد أصبح مكانًا بلا هويّة، حيث لا يُمكنك فصل العمل عن حياتك الأُسريّة.

6- برامج المحادثة = إلهاء متواصل

لا يوجد في العمل عن بعد إمكانيّة ليتلهّى الموظّفون بحديثهم إلى بعضهم في المكتب، إلّا أنّ تطبيقات المراسلة والمحادثة هي البديل. تبقى هذه التّطبيقات مفيدةً للتّقليل من عدد رسائل البريد الإلكترونيّ المتبادلة، إلّا أنّ العديد من الأشخاص يُبقون التّنبيهات مُشغّلة، وبذلك سيبقى التّراسل معطِّلًا للعمل. حسنًا، مقاطعة العمل أمرٌ ضروريٌّ من وقتٍ لآخر، ولكن يجب اختيار هذا الوقت بحكمة. من المُفيد أن يتّبع الفريق نظامًا مُعيّنًا للتّراسل، ويبدأ ذلك بتعريف نوع الرّسائل الملائمة لكلّ قناةٍ من قنوات الاتّصال.

7- تشجع واطلب وقتا دون إزعاج

فليحذر من يُحاول إرضاء النّاس: لأنّك في العمل عن بعد لن يرى أحدٌ ما تقوم به، فلا أحد سيعرف الوقت الملائم لمقاطعتك. يُفترض بالمحادثات غير المتزامنة أن لا تكون مخصّصةً للأمور العاجلة أبدًا أو للّقاءات، ولكن طيبة قلبك ستدفعك للردّ على رسائل البريد الإلكتروني والمحادثات الفوريّة دون تأخير. توقّف عن القيام بذلك، فعندما تحتاج إلى إغلاق هذه الوسائل لتتمكّن من إنجاز العمل الصّعب، كُن حازمًا (ولكن بلطف) بخصوص عدم قُدرتك على الرّد في هذا الوقت.

8- رجح دوما سوء التواصل على الخبث والمكر

هذه هي النُّسخة الخاصّة بالعمل عن بعد لمبدأ Hanlon’s razor، فقد تبدو بعض الانفعالات المتبادلة باردةً بسبب ميل الإنسان إلى إساءة تفسير النّصوص الخالية من العواطف، فالمزاح والتّهكّم لا يُمكن التّعبير عنه جيّدًا، فليس هناك لغة جسد لتساعد المتلقّي على الفهم، كما أنّ المحادثات عبر برامج المحادثة يُمكن أن تنقطع في أيّ لحظة، ممّا سيؤدّي بسهولةٍ إلى افتراض وجود نبرةٍ حادّةٍ في الكلام رغم أنّ الشخص الآخر لا يقصد ذلك. حافظ على حُسن الظّنّ، فعندما تعمل مع أشخاصٍ رائعين، سيكون حسن ظنّك في مكانه غالبًا.

9- الحديث والدردشة عن أمور لا علاقة لها بالعمل ينفع أكثر مما تتخيل

الصّمت ليس دومًا من ذهب، فالمحادثات القصيرة تُنشئ روابط بين النّاس لا يشعرون بقيمتها إلّا عندما تزول. حتّى المحادثات التي تخلو من الفائدة يُمكنها أن تُقدّم مُدخلاتٍ خلّاقة، وقد تُعطيك تغذيةً راجعة مبكّرة، وتُعلمك بما يجري ضمن الشركة. يُمكنك الاستعاضة عن هذه المحادثات بلقاءاتٍ محضّرة من قبل أو مرتجلة بينك أنت وشخص آخر (one-on-one meeting) ، كأن تعقد جلسةً أسبوعيّة مع قائد الفريق أو أن تقوم بعمل دردشات غير رسميّة مع شخصٍ من خارج القسم الذي تعمل فيه.

10- أنت المسؤول عن الحديث عن سياق عملك

لقد مرّت بضعة أشهر دون أن أنشر أي تحديث داخلي أو أن أخبر أيّ أحد من أفراد الفريق عن أداء مُدوّنتنا(والتي أتوّلى مسؤوليتها). لقد ظننت بأنّ جميع العاملين خارج قسم التّسويق لن يهتمّوا لذلك، ولكنّني كُنت مخطئًا بالطّبع، أفضلُ الفِرَق ترغب بأن تعرف على الأقل القليل عن كلّ شيءٍ يحدث في الشركة. هذه التحديثات البسيطة تطمئن المُوظّفين وتُساعد في تحسين العمل، فعلى سبيل المثال، أتطلّع دومًا للتّحديثات في قسم الدّعم الفنّي، وذلك لأنّني أرغب بمعرفة المزيد عن زبائننا.

11- الثقة تولد الثقة

لا أحد يرغب أن يظلّ المدير واقفًا وراءه طوال الوقت. في العمل عن بعد، المُدير الجيّد يكون على عكس ذلك تمامًا، لا بُدّ من أن تحصل على الثّقة لتقوم بمهامك. وبالمقابل، عليك أن تثق بقائد فريقك. إن كنت أنت المدير، ستكون اللحظة التي تنتقل فيها من المتابعة المنظّمة إلى الإزعاج البغيض هي اللحظة التي تتحول فيها إلى نوع المدراء الذي تكرهه. إن كنت تريد أن يثق بك الناس، فثق بهم.

12- الأيام القليلة الأولى صعبة ومربكة

كانت البداية سهلةً بالنسبة لي، فقد كان عندي تجربةٌ سابقة في العمل عن بعد، إلّا أن العمل عن بعد يكون منعطفًا صعبًا للكثيرين، ولذا يكون توظيف أشخاصٍ جدد أمرًا غاية في الأهمّيّة. سأخبرك بأحد أفضل الممارسات لدي، وقد قُمنا بها في شركتنا وهي تحديد "الصّديق الصّدوق للموظّف الجديد"، حيث يقوم واحدٌ من أفراد الفريق بمصادقة الموظّف الجديد فَور انضمامه، ويكون ذلك ممتازًا للإجابة عن الأسئلة "الغبيّة"، ليتعلّم القواعد المتعارف عليها، وليشعرَ بالرّاحة في تكيّفه مع الشركة الجديدة، الممارسات الجديدة، الوجوه الجديدة، وكلّ ذلك وهو بعيدٌ مئات أو آلاف الأميال عن باقي الفريق.

13- أنصحك بألا تعمل مرتديا ملابس النوم

سأخبرك بسرّي الذي احتفظت به لنفسي طيلة هذا المقال: أنا لا أعمل بملابس النوم فعلًا، فهذا تعبيرٌ مبتذلٌ قد شاع بين الناس، وسيسرّني نقض هذه الصورة، وذلك لأنّ معظمنا يرتدي الملابس التي لا نشعر بالخجل إن ارتديناها عندما نكون معًا، وهذا يؤثّر على مزاجك، وثقتك، وعلى العمل ككُلّ.

خلاصة

رُبّما يكون أفضلُ جزءٍ في العمل عن بعد هو الفرص التي يُتيحها، كما أنّك ستتعرّف على أشخاصٍ يؤثّرون فيك أكثر من تأثير العمل نفسه، ولذلك عليك أن تختار من تعمل معهم بحكمة، فستحتكّ بهم لساعاتٍ كثيرةٍ وعليك أن تكون متوافقًا معهم.

إن وجدت مجموعةً من الناس لها نفس هدفك، فالعمل عن بعدٍ سيعطيك الفرصة لتكون معهم، بغضِّ النّظر عن المكان الذي أنت فيه، وهذا ما يُسعدني.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Lessons Learned from 6 Years of Working in My Pajamas لصاحبه Gregory Ciotti.

حقوق الصورة البارزة: Designed by Freepik.



2 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


مقالة جميلة .. شكرًا على الجهد المبذول فيها .. فهي ذات قيمة ،، 

 

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن