لماذا يجب أن تعد بأقل مما ستسلمه فعليًا


أسامه دمراني

"بالتأكيد، يمكنني إنهاء ذلك المقال في ساعتين.”. إنني أعلم أن المقال الجيد يحتاج إلى أكثر من ذلك في الغالب، أنا أعلم هذا، ومديري يعلم هذا، لكننا وافقنا على تلك المهزلة رغم ذلك، وفي خلال ساعتين كنت قد جمعت بعض الكلمات ورميتها داخل مستند مع بعض الصور وأرسلتها إليه قائلًة: “ها هو المقال، أهو مناسب؟ أنا جاهزة للتعديلات إن وجدت.”. ثم جلست أنتظر رده الحتمي بفارغ صبر : “وهل تلك كلمات أصلًا؟ أعيدي كتابته.”. إن مثل هذه المواقف تشكل نقاطًا فارقة في حياتي، مواقف فظيعة ومؤلمة بدون داعي ﻷني كنت أمنح وعودًا فوق طاقتي. لكن من ناحية أخرى، من يريد أن يعِدَ بالقليل؟ فهذا يبدو سيئًا، أﻻ يجب أن نعدَ بأكثر من اللازم ثم نفعل ما بوسعنا؟ أليس الجهد هو الفيصل؟ كلا! ربما يرجع تاريخ استخدام البشر للوعود إلى آﻻف السنين، حيث مثّلت تقليدًا اجتماعيًا معقدًا، وتتفاقم عواقب خرق تلك الوعود التي عجز أصحابها عن الوفاء بها، وإليك في هذا المقال الأسباب التي أنصحك من أجلها أن تعِدَ بأقل مما ستسلّمه حقًا:

لماذا نقطع وعودًا على أنفسنا؟

مثّلت الوعود ضمانة على أن شيئًا ما سيتم تنفيذه، فقد كانت الوسيلة الأبرز قبل المحاكم والقوانين والأنظمة الاجتماعية المعقدة، وﻻ زالت إحدى أهم الأدوات التي تساعدنا على التواصل مع غيرنا، وهذه هي الأسباب الأربعة التي نقطع وعودًا من أجلها:

  • خلْق الالتزام.
  • تنظيم وإرشاد السلوك.
  • تقليل الحيرة.
  • بناء الثقة.

ويحفظ الناس وعودهم ﻷنها تساعدهم على بناء الأساسات اللازمة لحفظ علاقاتهم البشرية وتطويرها، فكلما كبر الوعد زادت ضرورة الالتزام بتنفيذه، فإن الوعود الكبيرة يتبعها توقعات كبيرة، وفي حالة الفشل في تحقيق تلك التوقعات فإن العقل يستجيب بتقليل إفراز الدوبامين، على عكس الحالة التي نحقق فيها تلك التوقعات أو نزيد عليها، إذ يزيد الدماغ من إفراز الدوبامين الذي يجعلنا نشعر بالسعادة، نحن ومن قطعنا له الوعد. إضافة إلى أن الوعود تخبر العالم من حولنا بمدى أهليتنا للثقة:
في حالة حفظ الوعد:

cycle-1024x640.jpg

في حالة خرق الوعد:

cycle-w-1024x640.jpg

يحتاج عقلك إلى بعض الثبات، لذا نحن نصدّق من يخبرنا أنه سيفعل كذا وكذا ﻷن هذا يريح العقل البشري، لكن هذا الثبات يبدأ بالتلاشي إن لم يتم الوفاء بذلك الوعد، ﻷن ذلك ليس خرقًا للثقة والتوقعات فقط، بل هو انتهاك لأحد التقاليد الأساسية لدى البشر، ويتعدى أثر عدم الوفاء بذلك الوعدِ خيبةَ اﻷمل ليغيّر طريقة استقبال الناس لنا وتفاعلهم معنا.

وعد الحر ديْن عليه

وجدت دراسة أجرتها الباحثة الهولندية مانيلا فيث أن الوعود التي لا يوفَ بها تجعلنا نرغب في معاقبة أولئك الذين لم يفوا بها، بل والانتقام منهم أيضًا، وتؤثر تلك المشاعر على أي تفاعل مستقبلي بين الطرفين.

تحليل لوعد لم يوفَ به

إن عقلك يعرف أنك ستخرق الوعد الذي قطعته من قبل أن تنوي الاعتراف بذلك لنفسك، فقد اكتشف باحثون في سويسرا أن بإمكانهم توقع من سيخرق وعدًا قد قطعه بناءً على تفاعل الدماغ أثناء نموذج من ثلاث مراحل لوضع وعد بتنفيذ شيء ما.

مرحلة الوعد

لنقل أنك أخبرت زملاءك في العمل أنك ستساعدهم على إنهاء مشروع ما، فأنت لم تقرر قطعًا في هذه المرحلة ما إن كنت ستفي بهذا الوعد أم ﻻ، لكن عقلك سيدرك تناقضًا في نفسك لأنه يعرف أنك ﻻ تنوي الوفاء، وعليه فإنه ينشّط مراكز معالجة المشاعر السلبية.

مرحلة الترقّب

ستنتظر الآن رد فعل زملائك الذين أخبرتهم أنك ستساعدهم، لترى ما إن كانوا سيثقون بك أم لا، لكن ذلك الترقّب يرفع معدل اﻹجهاد عليك، وهو ما يلتقطه دماغك طبعًا إذ كان يجهزك للعواقب السلبية المحتملة لهذا الوعد.

مرحلة اتخاذ القرار

لقد قررت أن تخرق وعدك لزملائك بسبب انشغالك الزائد، لكن ذلك القرار سيعزز رد فعل في دماغك يشبه ذلك الذي يحدث عند الكذب أو الخداع، فتشعر ببعض الذنب والخوف من تأثير خرقك لهذا الوعد.
وسيكافح دماغك هذا الشعور بتذكيرك بالسبب الذي جعلك تخرق وعدك من الأساس عبر تنشيط الجزء المسؤول عن صناعة القرار المرتبط بالمكافأة في دماغك.

ثلاث طرق تساعدك على الوفاء بوعودك

1. سل نفس إن كان يجب أن تعطي وعدًا

يجب أن يكون وعدك نابعًا من رغبة حقيقية في تنفيذ ما تريد أن تعِد به، فانظر ما تريد أن تحققه بإعطائك لهذا الوعد وما إن كان يمكن إعطاء وعد أقل منه.
**فمثلًا: **لنقل أن اليوم هو الأربعاء، ولم تنه حتى نصف مشروعك، لكنك تعد بأنه سيكون منتهيًا بنهاية الأسبوع لأنك تريد أن تبهر زملاءك في العمل، لكنك نسيت المهام الأخرى التي يجب أن تنهيها.
فقم بتقسيم المشروع إلى أجزاء صغيرة، وبدلًا من إعطاء وعد بأنك ستنهي المشروع في وقت غير منطقي، قل أن اﻷجزاء الفلانية من المشروع ستنتهي بتاريخ كذا، فإن ذلك يسمح لك بالتحكم في توقعات من حولك، ومتابعة إنجازك لما عليك من مهام، وستحافظ على إعجاب زملائك بك وعلى حفظك لوعدك.

2. عِد بأقل مما ستفعله

قدّر الوقت الذي سيحتاجه المشروع ثم زد على ذلك ضعفه أو ثلاثة أمثاله -وفق حدود معقولة-، ولا تعط إجابة إن سئلت عن المدة اللازمة للمشروع إن لم تكن تعرف بالتحديد، وأخبرهم بدلًا من ذلك أنك سترد عليهم لاحقًا.
مثال: إن كان المقال يستغرق مني ثلاثة أيام لكتابته، فسأقول أربعًا كي أحظى بوقت إضافي لربما استغرق بعض المقال أطول من المتوقع، أما إن أنجزته في أقل من أربعة أيام فإن ذلك سيجعل العميل سعيدًا.

3. في حالة الأسوأ

قد نضطر أحيانًا إلى خرق وعودنا، فكن صريحًا وقدّم اعتذارًا فوريًا، فذلك يساعدك على حفظ علاقتك على المدى الطويل. فمثلًا: لنقل أني وعدت أن أنهي خمسة مقالات بنهاية الأسبوع، لكني لم أكتب إﻻ أربعة، إليك ما سأقول لمديري مباشرة: “قد استغرقت المقالات أطول مما توقعت لها، لذا سأنهي أربعًا فقط بنهاية الأسبوع، وسأختار موضوعات ليس فيها هذا التوسع في المرة القادمة.”. 

أرأيت؟ لقد وضحت السبب -وليس العذر- إضافة إلى الحل لتجنب حدوث هذا الموقف في المستقبل. وقد جعلتني الوعود المبالغ فيها أشعر أني في لعبة مطاردة، فأنجز نصف المشروع أحيانًا لمجرد أن أقول "أرأيت، إنه شبه تام …”، أما حين أعِد بأقل مما سأفعله فإني أبهر من حولي ونفسي أيضًا، فهذا يعطيني مساحة لإخراج أفضل ما بداخلي ويشعرني بالسعادة والفخر. واﻷمر في حقيقته يدور حول إعطاء نفسك زخمًا في كل مرة تنجح في تنفيذ وعد ما، إذ ستشعر أنك أكثر ثقة في نفسك وفي قدراتك، وسيرتبط اسمك بالثقة والإيجابية، وستتمكن من بناء أي علاقة تريدها في حياتك وتحافظ عليها أيضًا.

ترجمة -بتصرف- لمقال Why you should always under-promise and over-deliver لصاحبته أندريا أيْريس



2 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


مرحبا، بارك الله فيك أخي العزيز  على الموضوع الذي فيه الكثير من الفوائد خاصة بالعمل الحر.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن