paul graham كيف تُصبح خبيرًا في عالم متغير باستمرار


محمد علي

لو كان العالم ثابتًا لاستطعنا تعزيز ثقتنا بأفكارنا ومعتقداتنا باستمرار، فكلما زادت التجارب (كمّا ونوعًا) التي يمر بها اعتقاد مُعيّن كلّما ندر أن تكون خاطئة. معظم الناس يؤمنون بآرائهم وأفكارهم على حسب هذا النّهج، وهم على صواب لمّا يتعلّق الأمر بأشياء التي لا تتغير كثيرًا مثل الطبيعة البشرية، لكنك لا تستطيع أن تثق بآرائك بهذه الطريقة مع الأشياء المتغيرة، والتي تشمل –عمليًا- كل شيء آخر خارج دائرة الطبيعة البشرية.

عندما يخطئ الخبراء في أمر ما، يكون ذلك عادة لأنهم في الحقيقة خبراء في نسخة أقدم من العالم الحالي.

هل من الممكن تجنب ذلك؟ هل تستطيع أن تحمي نفسك من الأفكار والمعتقدات القديمة؟ إلى حدٍ ما، نعم يمكن، لقد أمضيت ما يقرب من عقد كامل في الاستثمار في شركات ناشئة في مراحلها المُبكّرة، وأستطيع القول أن ما تحتاجه فعلا لتنجح كمستثمر للشركات الناشئة هو السعي بفضول كافٍ لحماية نفسك من الأفكار القديمة. معظم أفكار الشركات الناشئة الجيدة تبدو أفكارًا سيئة في البداية، ويبدو مُعظمها سيئًا خصوصًا لأن تغيرًا ما في العالم نقلهم من خانة السّيّء إلى الجيد. لقد أمضيت وقتًا طويلاً لأتعلم كيف أميز هذه الأفكار، وقد تصلح التقنيات التي استخدمتها للاستخدام على جميع الأفكار بشكل عام.

expert_480x300.thumb.png.75a0c8feac40470

أول خطوة هي الإيمان الحقيقي بالتغيير، فأولئك الذين يقعون ضحية الثقة المتزايدة بآرائهم يستنتجون بشكل مطلق أن العالم ثابت لا يتغير، أما إذا ذكّرت نفسك باستمرار أنه عالم متغير، ستبدأ في البحث عن التغيير.

أين يمكن البحث عن التغيير؟ بعيدًا عن التعميم أن الطبيعة البشرية لا تتغير كثيرًا، فإن الحقيقة الصادمة هي أن التغيير يصعب توقعه، وقد يعتبر هذا سردًا مُملاً لكنه يستحق أن نتذكره دائمًا، أن التغيير يحدث عادة من المناطق غير المتوقعة.

لذلك أنا لا أحاول حتى توقعه، فعندما يطلبون مني في المقابلات أن أتوقع المستقبل، عادةً ما أجاهد بشدة كي آتي بشيء قد يبدو معقولاً ظاهريًا، مثلي كمثل تلميذ لم يكن مستعدًا للاختبار [1]، لكن ذلك ليس كسلاً مني في أن أستعد للإجابة، لكنه يبدو لي أن الأفكار والمعتقدات التي تتكلم عن المستقبل نادرًا ما تكون صحيحة ولذلك لا تستحق التمسك بها والجمود عليها أكثر من اللازم، وأن أفضل استراتيجية هي ببساطة أن تكون ذا عقلٍ متفتح جدًا. بدلاً من أن تحاول أن تضع نفسك في الطريق الصحيح، فقط اعترف أنك لا تدري ما هو الطريق الصحيح حقًا، وكن مستعدًا وحساسًا جدًا لرياح التغير.

من المُستحسن أن يكون لديك بعض الفرضيات التي تستخدمها، حتى لو أصبحت مقيدًا بها بعض الشيء، لأنها أيضًا قد تعطيك حافزًا للتقدم، فملاحقة الأهداف وإجابات الأسئلة المحيرة بالطبع يثير الحماسة، لكن يتوجب عليك أن تلتزم بجعلها لا تتعدى كونها مجرد فرضيات قابلة للتغيير [2].

أنا أؤمن أن نظرتي السلبية هذه فعالة ليس فقط في تقييم الأفكار الجديدة، لكن أيضًا في الحصول على أفكار، فإن الحصول على أفكار جديدة لا يحدث بمحاولة ابتكارها، لكن بمحاولة حل المشاكل، وعدم طرد الأفكار الغريبة التي تواجهك خلال عملية البحث تلك.

إن رياح التغيير تنبع من العقل اللاواعي للخبراء في مجال ما، إذا كنت خبيرًا بدرجة كافية في أمر ما، فإن أي فكرة غريبة أو سؤال يبدو غير مرتبطًا بالموضوع قد تكون فرصة لفكرة تستحق استكشافها [3]. في حاضنة "Y Combinator" عندما توصف فكرة ما بأنها مجنونة فإن هذا يعتبر في الحقيقة مدحًا، بل وقد يعتبر مدحًا أفضل من أننا لو اكتفينا بوصفها فكرة جيدة.

لدى مستثمري الشركات الناشئة محفزات قويّة لتصحيح الأفكار القديمة البالية، إذا أدركوا قبل غيرهم من المستثمرين أن إحدى الشّركات التي لا تبدو واعدة هي فعلا واعدة فإنّه سيكون بمقدورهم تحقيق الكثير من الأرباح من وراء ذلك، لكن هذه المحفزات ليست مادية فقط، فإن آراء المستثمرين يتم اختبارها بشكل مُباشر: حيث تأتي إليهم الشركات الناشئة وعليهم أن يجيبوا بالقبول أو الرفض، ومن ثم يكتشفون إذا كانت آراؤهم صحيحة أم لا، واعلم أن المستثمرين الذين رفضوا فكرة "جوجل" حين عُرِضَت عليهم سيتذكرون ذلك لبقية حياتهم.

إن استطاع أحدهم أن يحظى بالحس اللازم للمقامرة على الأفكار بدلاً من مجرد التعليق عليها ونقدها فهو بذلك لديه محفزات مشابهة لما عند المستثمرين، ما يعني أن أي شخص يريد الحصول على هذه التحفيزات يستطيع أن يفعل ذلك بمجرد تحويل تعليقاته لمراهنات: فعندما تقوم بالكتابة عن موضوع ما بطريقة عامة وتعلم بأن ما ستكتبه سيُعمّر طويلا، فستجد نفسك مهتمًا أكثر بإتقان الموضوع وتحرّي الصّحة والدّقّة أكثر مما يفعل الناس في المحادثات العادية [4] .

لقد اكتشفت وسيلة أخرى لحماية نفسي من الأفكار القديمة وهي التركيز بداية على أصحابها بدلاً من الأفكار في حد ذاتها، فبالرغم من أنه من الصعب توقع طبيعة الاكتشافات المستقبلية، فقد وجدت أني أستطيع أن أتوقع جيدًا ما هي نوعية الناس الذين سيقومون بهذه الاكتشافات، فالأفكار الجديدة الجيدة تأتي من أولئك الجادين، الممتلئين بالحماس، ذوي العقول المتفتّحة.

إن الرهان على الأشخاص بدلاً من الأفكار وفر عليَّ وقتًا عظيمًا كمستثمر، يومًا ما اعتقدنا أن "Airbnb" مثلاً كانت فكرة سيئة، لكن بدا لنا بأن مؤسسيها كانوا جادين، متحمسين، وذوي عقول متفتحة –بالفعل بشكل مَرَضي- ولذلك خالفنا أفكارنا وقمنا بتمويلهم.

وها هي فكرة أخرى يفضل أن يتم تطبيقها بشكل عام، أحط نفسك بالناس الذين يأتون بالأفكار الجديدة، وإذا أردت أن تلاحظ بسرعة متى تصبح أفكارك قديمة، فليس هناك ما يمكن عمله أفضل من مرافقة أولئك الذين –بفضل اكتشافاتهم- يستطيعون مساعدتك في ذلك.

إنه لمن الصعب حقًا أن تنجو من كونك حبيسًا لمعتقداتك وخبراتك، لكن الوضع لن يزداد إلا صعوبة لأن التغيير يحدث بشكل متسارع، وهذا ليس اتجاهًا حديثًا، فإن التغيير ظل متسارعًا منذ العصر الحجري، والأفكار تولد الأفكار، وأنا لا أتوقع أن يتغير ذلك، لكن قد أكون مخطئًا.

الهوامش

  1. حيلتي المعتادة هي أن أتحدث عن جوانب مختلفة في الوقت الحاضر لم يلاحظها أحد حتى الآن.

  2. حتى إذا أصبحت هذه الجوانب أمرًا معلومًا من الناس وأصبحوا يعرفونها جيدًا، ينبغي عليك أن تكون متشككًا أكثر حول الأمور التي تريد أن تؤمن بها، وبمجرد أن تجد فرضيةً ما تبدأ في الظهور، ستكون تقريبًا بدأت في كونها من هذه الفئة.

  3. في التطبيق العملي، فإن كلمة "خبير بما يكفي" لا تحتاج أن يعرف بها الشخص كخبير، والذي هو تعريف في طريقه للتلاشي، ففي مجالات عديدة تعتبر سنة من العمل المكثف والاهتمام الفائق مدة كافية لتصبح كذلك.

  4. بالرغم من أن التعليقات العامة الموجودة في المنتديات وشبكات التواصل الاجتماعي كتويتر مثلا تبدو كمحادثات عادية وعفوية، إلا أن بداية الفكرة قد تكون في تعليق ما كتبت له عنوانًا واهتممت به بشكل جاد.

 

ترجمة -وبتصرّف- للمقال How to Be an Expert in a Changing World لصاحبه بول جراهام (Paul Graham) مُؤسس حاضنة مشاريع واي كومبيناتور (Y Combinator). اقرأ المزيد من مقالات بول جراهام بالعربية





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن