كيف تجذب أفضل الكفاءات وتضمها لفريق موزع يعمل عن بعد


ياسين الشريك

يشكّل جذب أفضل الكفاءات أعظم قوّة لأي شركة، خصوصًا تلك التي توظّف موظّفين عن بعد، إلّا أنّ هذه الكفاءات لا تدقّ باب هذه الشّركات، بل يحتاج الأمر لمجهود كبير من قِبل هذه الشركات من أجل بناء فريق من النّخبة.

attracting-talents-remote-team.png

لم يكن قرارنا في بداية إطلاقنا لمشروع Help Scout بأن يعمل كلّ منّا عن بُعد قرارًا مُخطّطًا له بقدر ما كان قرارًا اضطراريًّا، فقد كان أحد مؤسسي المشروع في حاجة للعمل من مدينة أخرى خلال السنة الأولى، كما أنّ عددًا من موظّفينا الأوائل لم يكونوا لينضموا للفريق إذا لم تكن هنالك إمكانية للعمل عن بعد، وعليه، فقد احتجنا منذ البداية للعمل بجدّ دون التّواجد في نفس المكان.

تعمّدنا منذ ذلك الحين، بناء فريق يضمّ أعضاء يعملون عن بعد، حيث قضينا وقتًا طويلًا وأنفقنا مالًا كثيرًا للاستثمار في ثقافة العمل عن بعد، مع حرصنا على تمكين أشخاص من 28 مدينة من القيام بعمل رائع، ولم تكن ثقافة العمل هي الوحيدة التي يجب أن تتغيّر، بل حتّى عملية التّوظيف، فعمليّة جذب أفضل الكفاءات في مجال العمل عن بعد تتطلّب استراتيجيّة مختلفة.

التعلم بالطريقة الصعبة

اضطررت خلال السّنوات الثّلاث الأولى من عمر المشروع، لطرد حوالي 40% من الأشخاص الذين وظّفناهم، كان الأمر مؤلِمًا، وقد كان الخطأ خطئي وليس خطأهم. لم يسبق لي توظيف أيّ أحد قبل البدء بمشروع Help Scout، فما بالك ببناء فريق للعمل عن بعد. لقد استغرق الأمر بعض الوقت لفهم نوعية الأشخاص الذين ينجحون في بيئة العمل عن بعد، وتعلّم كيفية تمييزهم بسرعة أثناء عملية التّوظيف. ورغم أنّ أخطاءنا كانت كثيرة، إلّا أنّنا تعلّمنا بسرعة ولم نرتكب سوى أخطاء توظيف قليلة للغاية خلال السّنتين الماضيتين.

مواصفات الموظف الذي يعمل عن بعد

يمتلك نخبة موظفي مجال العمل عن بعد دوافع مختلفة جذريًّا عن الأشخاص الذين يودون العمل في شركة ناشئة واعدة، لذا فمن الطّبيعي أن تكون آليّة التوظيف مختلفة جذريًّا أيضًا، وبالتّالي تبرز هنا فائدة تحديد المواصفات التي تودّ الشركة توفّرها في المتقدّمين للوظيفة. ولا يختلف الأمر كثيرًا عن تحديد مواصفات موظّفي التّسويق، حيث استغرقنا وقتًا طويلًا لتحديدها ضمن مشروع Help Scout، ليكون أيّ شخص لا تتوفر فيه المواصفات المطلوبة غير جدير بإجراء مقابلة معه. سيكون الأمر مجرّد مضيعة للوقت إذا كان المتقدّم للوظيفة غير متحمّس للعمل عن بعد، حتّى وإن كان شخصًا بارعًا وذي إنجازات كبيرة. استطعنا من خلال تطوير مواصفات التّوظيف التي تتماشى وقيمنا وتشمل أفضل كفاءات مجال العمل عن بعد، تحديد عدد من العوامل، منها:

1. العمل بسرور

ما يُرضي هؤلاء الأشخاص ليس امتيازات ولا طاولة بينغ بونج في المكتب، ولا خيارات امتلاك أسهم في الشّركة، ما يرضيهم هو تلك السّلطة التي يمتلكونها من أجل تقديم أفضل ما يمكنهم على مستوى العمل، فأفضل الأشخاص في مجال العمل عن بعد، يكونون شغوفين بمهنتهم، وأحد أكبر الأسباب التي تدفعهم لحبّ مهنتهم هي القدرة على التّركيز على العمل نفسه. من الواضح أنّ هذه الخصائص ستؤثر على ثقافة العمل الخاصة بالشّركة.

2. توفيق ممتاز بين العمل والحياة الشخصية

يتميّز الأشخاص الذين يعملون عن بعد بانضباط كبير وعادات عمل مميزة، فهم يعلمون متى يجب عليهم العمل ومتى يجب أن يتوقفوا عن العمل، سواء كان ذلك بسبب العائلة، السفر، أو هوايات أخرى. نشدّد في Help Scout على رغبتنا في عمل الموظّف لمدة 40 ساعة أسبوعيًّا على أقصى تقدير، فعدم انضباط المتقدّم من هذه النّاحية، يشير إلى أنّه لن يكون ملتزمًا على المدى الطويل.

3. آراء مكونة بشكل جيد

يمكن لهذه الآراء أن تصقل عبر سنين من الخبرة في مجال معين، كما أنّ العمل معنا لن يكون أوّل عمل لهم، لذا سيكونون قادرين على قيادة الآخرين. عند البدء بالعمل، سيضطرون للاعتماد يوميًّا على خبراتهم من أجل اتّخاذ قرارات بالنّيابة عن الشركة، وعلى مستوى فرق العمل عن بعد، لا يكون هنالك إشراف دائم عند اتّخاذ القرارات، لذا سيكون على المدير أن يثق بقدرة موظّفيه على اتّخاذ قرارات سليمة. حال إجراء مقابلات مع عدد كاف من المتقدّمين، لا يتطلب الأمر سوى محادثة مرئية لا تتعدّى 10 دقائق لتمييز تلك الصّفات ضمن المتقدّم. ويتمثّل مفتاح توظيف أفضل الكفاءات خلال هذه المقابلات في تجاهل كافة الإيجابيّات على الورق والتّركيز فقط على المواصفات التي تم تحديدها مسبقًا.

بعد فهمنا لعدد من التّفاصيل المهمّة التي يجب أن تتوفر في مواصفات فريق العمل، من المهم صياغة نهج وثقافة عمل تتناسب ونقاط قوتهم.

التوظيف حسب التميز وليس الإمكانيات

يبحث الجميع عن توظيف أشخاص ممتازين، لكنّ ثقافة العمل في المكاتب تتيح توظيف أشخاص ممتازين لم يثبتوا أنفسهم بعد، حيث يمكن توظيف شخص ذكيّ للغاية تخرّج للتّو من الجامعة والإشراف عليه وإرشاده حتّى يصبح موظّفا متميّزًا مع مرور الوقت، إلّا أنّ هذا لن ينفع مع فريق عمل عن بعد، حيث يجب أن يكون كافّة أعضاء الفريق من النّخبة، فأعضاء فرق العمل عن بعد يكونون معتادين على العمل بتركيز من أربع إلى ستّ ساعات دون انقطاع يوميًّا، لذا يجب أن يكون المتقدّم قادرًا على تجاوز المشاكل بنفسه ومنتِجًا دون طلب المساعدة. لا بديل للمهارة والخبرة في هذه الحالات.

ليس لدينا متدرّبون في Help Scout لأنّ ذلك لن يتماشى مع نمط حياة الجميع، كنّا قد ارتكبنا هذا الخطأ عدة مرّات باستقبال متدرّبين وموظفّين ذوي إمكانيّات عالية، لكنّ ذلك لم ينجح للأسف، لذا من الأفضل لنا توظيف المتميّزين. وتعتبر فوائد توظيف فريق من النخبة واضحة للغاية، حيث تجد كلّ عضو ينافس الآخر، يجذبون أشخاصًا متميّزين آخرين، ويتيحون لصاحب المشروع توظيف أقلّ عدد ممكن من الموظّفين. تجدر الإشارة كذلك إلى أنّ التّوظيف بهذه الطّريقة يعدّ أغلى تكلفة، لأنّ الأشخاص المتميّزين يستحقّون دائمًا الحصول على قيمة ماليّة تعادل براعتهم، لذا ستصرف كافّة الأموال التي تدّخرها من عدم اكتراء مكتب والمصاريف المرافقة له على هؤلاء الأشخاص الموهوبين.

اطلب مشروعا

أصبحت عمليّة التّوظيف فعّالة أكثر عندما بدأنا بطلب إنجاز مشاريع معيّنة، حيث يضمّ كلّ منصب مشروعًا يتطلّب من أربع إلى ستّ ساعات من العمل كإحدى خطوات التّقدم للعمل، وتكون لهذه المشاريع فوائد مهمّة إضافة إلى إمكانية متابعة وانتقاد العمل. أوّلًا، يكون كلّ أعضاء الفريق قادرين على الحكم على جودة المشروع دون الحاجة إلى اسم الشخص، جنسه، خلفيّته العرقية، أو أي معلومات أخرى قد تتسبّب في انحياز ضمني. ثانيًا، يمكن رؤية كيفية تعامل المتقدّمين مع الآراء والنّقد، ننتقد في معظم الحالات عمل المتقدّم ونلاحظ ردة فعله، وذلك حتّى يأخذ فكرة أفضل عن جوّ العمل معنا.

لا تُقبل المشاريع غالبًا في بيئة التّوظيف المحلّيّة، حيث تشهد عمليّة التّوظيف في مدينة بوسطن على سبيل المثال، منافسة حادّة للغاية، إذ تضطر الشّركات إلى التّحرّك بسرعة من أجل تقديم عروض للموظّفين المحتملين لأنّ أفضل الكفاءات يتم توظيفها خلال أيام قليلة، عِلمًا أن السّوق المحليّ يتيح امتياز اعتماد الشّركات على ارتباطاتها ومعارفها بشكل أكبر، لكن فرصة تقييم جودة عمل المتقدّمين لا تتوفر غالبًا. تستغرق عمليّات التّوظيف عن بعد وقتًا أطول لسبب أو لآخر، إلّا أنّها تكون مفيدة لكلا الطّرفين. يجب استخدام هذا الوقت لبناء علاقة مع المرشّحين للعمل والتّأكّد أنّهم يتناسبون بشكل مثاليّ مع الوظيفة قبل قبولهم نهائيًّا، ويمكن أن تستغرق عملية توظيفنا لشخص جديد من أسبوعين إلى شهر.

وتتنوّع المشاريع حسب ما تبحث الشّركة عنه، إلّا أنّها لا تتعلّق بشكل مُباشر بصميم ما نقوم به، فباستثناء منصب دعم العملاء، لن تودّ الشّركة أن تجعل المتقدّمين يتعلّمون جميع تفاصيل ما نقوم به من أجل إبراز ما يمكنهم القيام به، حيث أن المشاريع الهندسية/ البرمجية التي نطلبها عادة ما تكون سيناريوهات تخيّليّة تتيح للمتقدّمين إطلاق العنان لإبداعاتهم وإنجاز هذه المشاريع بطرق متنوّعة، من جهة أخرى، قد تكون مشاريع التّسويق مُتعلّقة بشكل أساسي بمُنجاتنا/خدماتنا، لكنّ المشكلة التي يحلّها المتقدّم في مثل هذه المشاريع تكون خياليّة غالبًا.

كن جادا حول ضرورة التوفيق بين العمل والحياة الشخصية

كلّما حرصت الشركة على تشجيع الموظّفين الحاليّين والمحتملين على التّوفيق بين العمل وحياتهم الشّخصية، كلّما استطاعت جذب كفاءات أفضل والإبقاء عليها، نقوم بهذا عبر طلب ذلك من قادة الفريق، حتّى يكونوا قدوة لأعضاء فرقهم. شخصيًّا، لذا في حال العمل لساعات طويلة أو عدم أخذ إجازة، سيتصل أحدهم مع الموظّف المعني ليذكّره بضرورة الإبقاء على التوازن لأنّنا نؤمن أنّ التّوفيق بين العمل والحياة الشّخصيّة جزء مهمّ من استمراريّة العمل عن بعد.

يجب النّظر إلى قضية التّوفيق بين العمل والحياة الشخصيّة كأهمّ وسيلة للتّصدّي لإمكانية رحيل الموظّفين عن الشّركة.

لا تستطيع ثقافة العمل في المكتب توفير نفس نوعية التّوفيق بين العمل والحياة الشّخصيّة، والاستقلاليّة التي يمكن أن تتوفر عبر العمل عن بعد، وهو امتياز نستغلّه قدر الإمكان من أجل جذب أفضل الكفاءات والإبقاء عليها.

بناء الزخم

تمتلك شركتنا الآن حوالي 40 موظّفًا، وقد استطعنا التّغلّب على عدد من التّحدّيات الأوّلية التي واجهتنا أثناء بناء فريق عمل من النّخبة، لذا بإمكاننا الآن أن نثق أكثر في عمليّة التّوظيف، صحيح أنّ عمليّة توظيف أشخاص بارعين ما زالت تتطلّب مجهودًا مهمًّا، إلا أنّها تصبح أفضل فأفضل مع مرور الوقت، كما أنّ فرص ارتكاب الأخطاء تقلّ أكثر فأكثر.

يجب على كلّ شركة ناشئة أن تبدأ بكتابة مواصفات الموظّفين المثاليين بالنّسبة لها وتحديثها مع مرور الوقت، ثم تصميم عملية توظيف وترسيم تتناسب وخصوصيّاتها، وسيكون أهمّ شيء هو بناء شركة تجذب الموظّف المثالي. حال الاعتياد على نمط توظيف أشخاص يتناسبون والمعايير المطلوب، ستكون عمليّة اتّخاذ القرارات بسرعة وثقة سهلة للغاية.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Attracting Top Talent for Your Remote Team لصاحبه Nick Francis.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن