ابق صغيرا إلى أن يتعذر عليك البقاء كذلك


محمد الساحلي

قلت سابقا خلال حديثي عن الفرق بين الشركات الناشئة والشركات الصغيرة (التي يمكننا أيضا تسميتها بالشركات المعيشية) بأن الشركات الناشئة مسكونة -بطبيعتها- بهاجس التوسع الكبير ومواصلة النمو بلا حدود، ويوجهها هدف رئيسي يتمثل في التغيير، وجعل العالم مكانا أفضل للعيش. هذا من طبيعة ريادة الأعمال ودونه تغذو الشركات مجرد أعمال تجارية تهدف إلى تحقيق مستوى معيشي معين، وليست شركات ناشئة (Startups) تهدف إلى غزو العالم بمنتجات وأفكار جديدة.

لكن تحقيق ذلك النمو الكبير ليس سهلا، وهو ليس عمل يوم وليلة. تحقيق ذلك يتطلب عملا جهيدا يمتد لسنوات لن تقل عن ثلاث. تحقيق ذلك النمو يتطلب صبرا كبيرا وإيمانا أكبر بالهدف من وراء المشروع. أما البحث عن تحقيق ذلك التوسع الكبير من أول يوم فهو السبب الأول الذي سيقود إلى الفشل.

ربما أغلبكم يعرف كيف بدأت فيسبوك. لاحظوا أن شبكة فيسبوك انطلقت شهر فبراير من العام 2004، لكنها لم تبدأ فعليا في تحقيق النجاح عالميا إلا في حدود سنة 2007. النقطة الأهم هنا هي أن فيسبوك لم تكن شبكة مفتوحة للعموم في بدايتها، بل كانت متاحة فقط للطلبة الجامعيين. بل ليس كل الطلبة الجامعيين، ففيسبوك لم تكن متاحة لكل الجامعات الأمريكية دفعة واحدة، إذ كانت الشبكة تضيف الجامعات التي يمكن لطلبتها التسجيل فيها، تباعا وليس دفعة واحدة أول مرة. هذا الأسلوب سمح لفيسبوك بالتحكم في حجم النمو والتحكم في المصاريف والبنية التحتية للشبكة، وهو ما أنقدها من الوقوع في نفس الحفرة التي وقعت فيها شبكة Friendster التي كانت ناجحة جدا قبل فيسبوك لكنها فشلت لاحقا بسبب نموها السريع وعدم قدرتها على إدارة ذلك النمو.

تحقيق العالمية ليس من أول يوم

لو ألقيتم نظرة على المشاريع التي عرضت مؤخرا في مؤتمر عرب نت القاهرة -وهي نسخة مصغرة عن حالة المشاريع العربية الناشئة عموما- لوجدتم أن أغلبها متوفر بالانجليزية. ما سبب ذلك؟ لا أجد إلا ثلاثة أسباب لذلك: (3) صاحب المشروع ليس متمكنا من العربية، (2) صاحب المشروع يعتقد أن العرب يستخدمون الإنترنت بالانجليزية أكثر من العربية، أو (1) صاحب المشروع يريد استهداف العرب وغير العرب فيستخدم الانجليزية كونها لغة عالمية.

السبب رقم ثلاثة أزمة حقيقية تمس الثقافة العربية، لكنه خارج اهتمامنا الآن. أما السبب الثاني فهو اعتقاد شائع لكن لا توجد أي دراسة تثبت ذلك، وإن كان مجرد بحث صغير -حسب رؤيتي الشخصية- سيثبت عكس ذلك. أما السبب رقم واحد فهو ما يهمنا في هذا الموضوع. لو أن صاحب الشركة الناشئة يعتمد الانجليزية لأنه يريد كل العالم فهو يرتكب خطأ كبيرا لأنه يتجاهل السوق العربي الذي يعرفه ويتسرع بالتوسع نحو سوق عالمي لا يعرف عنه شيئًا.

قال السيد رشيد البلاع، مؤسس الوطنية للإنترنت (N2V)، في حوار سابق مع زاجل: ”النموذج الذي نستعمله ونحاول أن نطبقه على رواد الأعمال الذين نعمل معهم هو أن نطلب منهم أن يفكروا بمشروع له مستقبل كبير وأن يبدؤوا بتطبيقه بشكل صغير لاثبات النظرية وبعد ذلك إما أن ينمو المشروع بشكل كبير أو يقتل بشكل سريع وينتقلوا لمشروع آخر. “

هذا هو المطلوب، إيجاد فكرة لمشروع يستهدف سوقا كبيرا، لكن يتم البدء بالتركيز على فئة صغيرة من السوق، لاختبار الفكرة وملاءمتها للسوق، ثم مواصلة النمو تدريجيا، حتى تحقيق الهدف النهائي بالاستحواذ على كامل السوق المستهدف.

التركيز الجغرافي ليس عنصرية

خلال حديثي مع صديق حول مشروعه وفرص نموه اقترحت عليه التركيز على محيطه الجغرافي (أي دولته) والنجاح في ذلك المحيط لاكتساب علامة تجارية قوية، ثم بعد ذلك يبدأ في التوسع تباعا نحو دول عربية أخرى. كان رده بأنه مقتنع بالفكرة لكنه يخاف من تهمة العنصرية. أي أن يتهم بأنه يتجاهل الآخرين ويركز فقط على دولته لدوافع عنصرية!

لا أنكر بأن رده فاجأني، وإن كان الواقع يثبت بأنه هناك فعلا أفراد سينتهجون ذلك النهج، ويتهمونه بالعنصرية. لكنهم مجرد أفراد، وكما يقول المثل البيزنس هو بيزنس. ليس عليك أن تقلق من هذه الناحية. لديك مشروع معين، إبدأ بتنفيذه في المحيط الجغرافي الذي تعرفه جيدا، ولا تلتفت إلى باقي الأسواق المماثلة إلا حين تحقق النجاح في سوقك المحلي.

لماذا يجب أن تبقى صغيرا؟

ثمة عدد من الأسباب تدفعك لأن تبقى صغيرا لأطول فترة ممكنة، أو هي امتيازات لا يمكنك تجاهلها تحصل عليها حين تبدأ صغيرا. أهمها؛ تقليل المخاطرة لأنك آنذاك ستستثمر مالا ووقتا أقل في المشروع، وفي حالة الفشل لن تخسر الكثير. أما الامتياز الآخر فهو قدرتك على المناورة والمنافسة، فحجمك الصغير يمنحك ميزة المرونة والسرعة في اتخاذ القرارات، وبالتالي قدرة أعلى على مواجهة المنافسة.

الخلاصة: لا تتسرع بالتوسع في مشروعك. إبدأ صغيرا وحافظ على حجمك الصغير إلى أن يتعذر عليك البقاء صغيرا. أي إلى أن تحقق النجاح تلو النجاح وتكتسب تسارعا طبيعيا في حجم النمو.

أن تبدأ صغيرا يعني قدرتك على التحكم في المصاريف والوقت، مما يعني القدرة على بدء وإدارة مشروعك دون الحاجة لتمويل كبير. أن تكون صغيرا يعني أن تكون أسرع في تحقيق الأرباح ومجابهة المنافسين، ويعني قدرتك على أن تخدم عملاءك فردا فردا وبشكل مباشر، أي قدرتك على تغيير العالم بشكل أسرع وأفضل.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن