تعريف القرارات المبرمجة وغير المبرمجة


يمان نعساني

بسبب محدوديّة وقت المديرين ووجوب استغلال هذا الوقت بالشكل الأمثل، من المهمّ لهم أن يميّزوا بين القرارات الّتي لها طابع روتيني تنطبق عليها (القرارات المبرمجة) والقرارات الجديدة الّتي تتطلّب تفكيرًا وانتباهًا ودراسةً (القرارات غير المبرمجة).

القرارات المبرمجة

القرارات المبرمجة (Programmed decisions) هي القرارات الّتي تكرّرت عبر الوقت وامتلكت بذلك قواعد معيّنة توجّه عمليّة اتخاذ القرار وتُمنهجها. هذه القرارات قد تكون بسيطةً أو معقّدة بعض الشيء، لكنّ معايير اتّخاذ القرار تكون معروفة أو على الأقل يمكن تقديرها بدرجة مقبولة من الدقّة. على سبيل المثال، قرار كمية الموادّ الخام المطلوبة للإنتاج يجب أن يكون قرارًا مبرمجاً تبعًا لكميّة الإنتاج المتوقّع والموادّ المخزّنة والمدّة المتوقّعة لإكمال المنتج النهائيّ. مثال آخر: تخيّل مدير متجر للتجزئة يجهّز جدول عمل أسبوعيّ للموظّفين بدوام جزئيّ، يجب أن يتوقّع المدير مدى ازدحام المتجر في كل وقت وأن يأخذ بالحسبان التقلّبات الموسميّة، ثمّ يجب أن يفكّر أيضًا في تفرّغ الموظّفين واضعًا في الحسبان إجازاتهم والتزاماتهم الأخرى (الجامعة مثلًا). قد يكون تشكيل الجدول معقّدًا لكنّه لا يزال قرارًا مبرمجًا: فهو يُتّخذ بانتظام وبناءً على معايير معروفة جيّدًا؛ أي توجد بنية محدّدة لهذا القرار.

يستخدم المديرون عمليّة الاستدلال heuristics (أو الاختصار العقليّ) لمساعدتهم على التوصّل للقرار. على سبيل المثال يمكن أن لا يعرف مدير متجر التجزئة مدى ازدحام المتجر في أسبوع التخفيضات لكّنه يزيد من القوة العاملة حينها بنسبة 30% (لأنّ هذا كان فعّالًا في السابق). الاستدلالات والخبرات السابقة فعّالة؛ فهي توفّر الوقت اللازم لاتّخاذ قرار وتوصلنا لحلّ ملائم بسرعة. قد لا تؤدّي الاستدلالات للحلّ الأمثل ويلزمنا لذلك عمليّة معرفيّة أعمق، لكنّها على توصلنا لحلّ جيّد ومقبول في معظم الأحيان.

تُستخدم الاستدلالات غالبًا للقرارات المبرمجة، لأنّ الخبرة في اتّخاذ نفس القرار مرّات متعدّدة تساعد متّخذه على معرفة ما يتوقّع وكيف يتعامل معه. ويمكن تعليم القرارات المبرمجة ونقل الخبرات المتعلّقة بها بسهولة للأفراد الآخرين. يمكن توضيح القواعد والمعايير وعلاقتها بالنتائج بوضوح ليستطيع الشخص الجديد اتّخاذ قرار جيّد. كما يُشار أحيانًا للقرارات المبرمجة باسم الروتين أو القرارات ضعيفة الانخراط لأنّها لا تتطلّب معالجة عقليّة عميقة للوصول للقرار النهائي المناسب. القرارات عالية الانخراط وضعيفة الانخراط موضّحة في الشكل 6.3.

High-Involvement and Low-Involvement Decisions.png

الشكل 6.3 القرارات عالية الانخراط وضعيفة الانخراط (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

القرارات غير المبرمجة

على النقيض فإنّ القرارات غير المبرمجة (nonprogrammed decisions) جديدة ومبنيّة على معايير غير معرّفة بدقّة. في هذه الحالة يمكن أن تكون المعلومات أكثر غموضًا أو نُقصًا وربّما يجب يخوض جولة تفكير إبداعيًّا مختلفًا للوصول لحلّ جيّد. تسمّى هذه القرارات أيضا بالقرارات غير الروتينيّة، أو القرارات عالية الانخراط، بسبب حاجتها لانخراط وتفكير أكبر قبل اتّخاذها. على سبيل المثال تخيّل مديرًا يحاول أن يتّخذ قرارًا فيما إن كان سيتبنّى تقنيّة جديدة أم لا في عمليّة الإنتاج، في مثل هذه المواقف هنالك إشارات استفاهمٍ كثيرة تحوم حول هذا القرار.

هل حقًّا ستكون هذه التقنيّة أفضل من الحاليّة؟ هل سيتمّ تقبّلها تقبّلًا أوسع مع الوقت؟ أم ستحلّ تقنيّة أخرى محلّها؟ أفضل ما يمكن أن يفعله المدير في مثل هذه الحالات هو جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات ووضع تصوّرٍ مبنيّ عليها، واتخاذ القرار فيما إذا كانت التقنيّة الجديدة تستحقّ الإقبال عليها وتجربتها. من الواضح أن القرارات غير المبرمجة تشكّل تحّديًا أكبر من نظيرتها المبرمجة.

عملية اتخاذ القرار

يستطيع صانعوا القرار استخدام اختصارات عقليّة في القرارات المبرمجة، في حين من الواجب عليهم معالجة القرارات غير المبرمجة معالجةً منهجيّة. يُظهر الشكل 6.4 عمليّة اتّخاذ القرار والّتي يمكن تفصيلها إلى ستّ خطوات كالتالي:

  1. معرفة أنّ هناك قرار يجب اتّخاذه.
  2. توليد حلول بديلة.
  3. تحليل البدائل.
  4. اختيار البديل.
  5. تطبيق البديل الذي تمّ اختياره.
  6. تقييم فعاليّة البديل.

قد تبدو هذه الخطوات مباشرةً ولكن الأفراد يمكنهم تخطّي بعض الخطوات أو قضاء وقت قليل في بعضها. في الحقيقة، يرفض بعض الناس الاعتراف بالمشكلة (الخطوة الأولى) لأنّهم لا يعرفون كيف يواجهونها. سيتمّ مناقشة هذه الخطوات أكثر في مقالاتنا القادمة عندما نستعرض طرق تحسين جودة اتّخاذ القرار.

The Decision-Making Process.png

الشكل 6.4 عمليّة اتّخاذ القرار. (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

قد تلاحظ تشابهًا بين آليّتي اتّخاذ القرار في أدمغتنا وبين نوعي القرارات (المبرمجة وغير المبرمجة). تُعالج القرارات غير المبرمجة عادةً عبر الآليّة التأمّليّة للوصول للقرار الأمثل، في حين تتّصف القرارات المبرمجة بالاستدلال وتُعالج عبر الآليّة الانعكاسيّة للانتقال بسرعة إلى مشاكل أخرى.

عوائق تواجه اتخاذ القرارات بفعالية

تبرُزُ العديد من العقبات أمام عمليّة اتّخاذ القرارات بفعاليّة. المديرون الناجحون فطنين لهذه العوائق المحتملة ويحاولون تخطّيها.

العقلانية المحدودة

نعتقد أن التفكير العقلاني والمنطقي سيساعداننا في اتخاذ قرارات صائبة دومًا، ولكن في الواقع قد لا يكون هذا الاعتقاد صحيحًا في معظم الأحيان بسبب المشاكل المعقّدة الّتي تواجه المديرين. اتّخاذ القرارات غير العقلانيّة شائع خاصّة في القرارات غير المبرمجة. فعندما تكون المشكلة جديدة ولم نواجهها من قبل، لا نعرف بالضبط ماذا نحتاج أو كم من المعلومات يتطلّب اتخاذ القرار الصائب. وحتّى عند جمعنا لكامل المعلومات الممكنة قد لا نكون قادرين على استخراج قرار منطقيّ منها أو تحديد المُخرجات والنتائج الدقيقة لكل قرار قد نفكّر فيه.

العقلانيّة المحدودة (bounded rationality) تعبّر عن أنّنا لا نستطيع أن نكون عقلانيّين أو منطقيين بشكل كامل تجاه المشاكل المعقّدة؛ لأنّه لا يمكننا أن ندرك كلّ البدائل إدراكًا كاملًا ولا يمكننا أن نفهم النتائج خلف كلّ بديل فمهًا كاملًا أيضًا. كميّة المعلومات الّتي يمكن لأدمغتنا معالجتها محدودة. وكما نوّهنا سابقًا، فحتّى لو كان المدير يمتلك القدرة المعرفيّة على معالجة كلّ المعطيات، فقد يضطر إلى اتّخاذ قرارات بدون أن يتوفّر لديه الوقت الكافي لجمع المعلومات.

تصاعد الالتزام

بسبب عدم اكتمال المعلومات؛ لا يتّخذ المديرون دائمًا القرار الصحيح منذ البداية، وقد لا يتوضّح أنّ القرار سيّء قبل أن يمرّ عليه بعض الوقت. على سبيل المثال، تخيّل مديرًا عليه الاختيار بين برمجيّتين متنافستين لتستخدمها شركته بشكل يوميّ لتحسين كفاءتها. اختار في البدء البرمجيّة المُطوّرة من قبل الشركة الأكبر والأفضل سمعةً لتوقعه أنّها تملك الموارد الأمثل لاستثمارها في صنع البرمجيّة الجديدة صناعةً أمثل. لكن مع مرور الوقت تبيّن له أنّ البرمجيّة الأخرى كانت لتتفوّق كثيرًا في المستقبل.

كما أنّه من الممكن دمج برمجيّة الشركة الأصغر سهولة أكبر وتكلفة أقلّ ضمن عمل المنظّمة، فبرمجيّة الشركة الأكبر تتطلب استثمارًا بدئيًّا أكبر وتكاليف تشغيليّة أكبر. على أيّة حال فلنفترض أن المدير قد قام بالدفع مسبقًا للشركة الأكبر (البرمجيّة الأضعف). هل عليه أن يتخلّى عمّا بدأه ويتقبّل خسارة المال الّذي دفعه لينتقل للبرمجيّة الأخرى؟ أم يستثمر المزيد من المال والجهد ليجعل البرمجية الأولى أفضل؟

تصاعد الالتزام (escalation of commitment) هو ميل صانع القرار للالتزام بقراره المسبق ولو كان سيّئًا ويقود لنتائج سلبيّة متزايدة. حالما نلتزم بقرار ما نجد صعوبة في إعادة تقييمه بعقلانيّة. قد يبدو لنا أنّه من الأسهل "البقاء على المسار نفسه" بدلًا من الاعتراف (أو الإدراك) بأنّ القرار كان سيّئًا. من المهم معرفة أنّه لن تكون كلّ القرارات جيّدة بالرغم من كلّ جهودنا. يُدرك المديرون الناجحون أنّ التقدّم في المسار الخطأ ليس تقدّمًا حقيقيًّا وأنّه يجب عليهم إعادة تقييم القرارات وتغيير المسار عندما يكون ذلك ملائمًا.

تقييدات الوقت

غالبًا ما يواجه الإداريون تقييدات زمنيّة تُصعّب من عمليّة اتّخاذ القرار. عندما يكون هناك وقت أقلّ لجمع المعلومات ومعالجتها بمنطقيّة، نكون عرضةً لاتّخاذ قرارات غير مبرمجة سيّئة. قد يجعلنا ضغط الوقت نعتمد على الاستدلال بدلًا من المعالجة العميقة والتفكير المنطقي في القرار والبدائل الممكنة. وبالرغم من كون الاستدلالات تختصر الوقت، إلّا أنّها لا تقود بالضرورة إلى أفضل حلّ ممكن. المديرين الجيّدون هم من يُحسنون تقييم المخاطر الّتي تصاحب التصرّف بسرعة زائدة ومقارنتها بمخاطر عدم التصرّف بالسرعة المطلوبة.

الحيرة

كثيرًا ما يتّخذ المديرون أيضًا قراراتهم ضمن ظروف غير مستقرة وغير مؤكدّة، لا يستطيعون فيها التأكّد من صحّة ونتيجة كلّ خيار إلّا بعد تطبيقه. تخيّل -على سبيل المثال- مديرًا يحتاج لأن يقرّر الاختيار ما بين حملتين تسويقيّتين. الأولى تقليديّة لكنّها تتماشى مع ما قدّمته الشركة من قبل. والأخرى أكثر حداثة وجرأة وقد تجلب نتائج أفضل بكثير… أو قد تكون إخفاقًا كبيرًا. سيُضطر المدير في نهاية الأمر إلى أن يختار حملة وينتظر ليرى ما النتائج بدون أن يعلم أبدًا ما كان سيحدث لو اختار الخيار الآخر. هذه الحيرة قد تُصعّب اتّخاذ القرارات على بعض المديرين لأنّ الالتزام بقرار ما يعني التخلّي عن الآخر.

الانحياز الشخصي

يكون اتّخاذنا للقرارات متعلّقًا أيضًا بتحيّزاتنا وميولنا الشخصيّة. فنحن نميل لأن نرتاح أكثر للأفكار والخطط والأشياء والأشخاص الّذين نألفهم. كما نميل لأن نشعر براحة أقلّ مع ما لا نألفه أو ما هو جديد ومختلف. أحد أكبر الانحيازات الّتي نملكها كبشر هو الميل للإعجاب بالأشخاص الآخرين الّذين نراهم مشابهين لنا (لأنّنا نحبّ أنفسنا). قد تكون أوجه التشابه مرئيّة (كالخصائص الديموغرافيّة من عرق وجنس ولون) أو ناتجة عن خبرة مشتركة (مثل ارتياد الجامعة نفسها) أو اهتمامات مشتركة (مثل الاشتراك بنادي الكتاب معًا).

يمكن أن يؤدي الانحياز "للأشباه" هذا وتفضيل لما هو مألوف إلى عدّة مشاكل بالنسبة للمديرين: توظيف متقدّمين أقلّ كفاءة لكونهم مشابهين للمديرين بطريقة ما، أو إعارة انتباه أكبر لآراء بعض الموظّفين وتجاهل آخرين، أو اختيار تقنيّة مألوفة بدل تقنيّة جديدة أفضل أو الالتزام بمورّد معروف بدل آخر لديه مواد أفضل وغيرها.

قد يكون تجاوز انحيازنا صعبًا للغاية بسبب طريقة عمل أدمغتنا. يميل دماغنا إلى تنظيم المعلومات ضمن فئات ولا يحبّذ إعادة ترتيبها بعد ذلك؛ نتيجة لذلك، نميل للاهتمام أكثر بالمعلومات الّتي تؤكّد معتقداتنا الحاليّة وأقلّ للمعلومات الّتي تعارضها، وهذا تقصير يُدعى الانحياز التأكيدي (confirmation bias).

في الحقيقة نحن لا نحب أن توضع معتقداتنا الحاليّة أمام تحدٍّ ما. نرى هذه التحدّيات تهديدًا، ما يدفع أدمغتنا غالبًا تجاه الآليّة الانعكاسيّة ويمنعنا من أن نعالج منطقيًّا أيّ معلومات جديدة عبر الآليّة التأمّليّة. من الصعب تغيير آراء الأشخاص حول شيء ما إن كانوا يثقون بحكمهم عليها مُسبقًا. لذا –على سبيل المثال- عندما يوظّف المدير موظّفًا جديدًا يعجبه ويراه ممتازًا سيميل للانتباه لميّزاته وحسناته وتجاهل سيّئاته (أو تبرير هذه السيّئات بأسباب خارج سيطرته).

كما يميل المدير في هذه الحالة لوضع ثقته في هذا الموظّف ما يعني تقبّل تبريراته لأيّ أداء سيّء بدون التحقّق من صحّة أو دقّة هذه التبريرات. العكس صحيح أيضًا، إن لم يعجبنا شخص ما، سنعير اهتمامًا لسلبيّاته ونقلّل من قيمة إيجابيّاته، كما نكون أقلّ احتمالًا لأن نثق بهم أو نصدّق ما يقولونه لنا. لهذا السبب تميل السياسة لأن تكون أكثر قطبيّةً وعدائيّةً في نظام الحزبين (كما في الولايات المتّحدة).

قد يكون من الصعب جدًّا أن نمتلك فكرة حقيقيّة عن الأشخاص الّذين نحبّهم والأشخاص الّذين لا نحبّهم. سيحاول المديرون الناجحون أن يقيّموا الأوضاع من خلال مناظير مختلفة وأن يجمعوا آراء متعدّدة لتجنّب تحيّزهم عند اتّخاذهم للقرارات.

النزاع

أخيرًا يمكن أن يكون اتّخاذ القرار السليم صعبًا بسبب النزاع الّذي سيسبّبه. غالبيّة الأفراد لا يحبّذون النزاع ويتجنّبونه عند الإمكان. بأيّة حال قد يؤدي القرار الأفضل والأنسب إلى نزاع حتميّ بين أطراف معنية. لنفرض مثالًا مديرًا لديه مرؤوس اعتاد التأخّر عن العمل. ما يجعل الموظّفين الآخرين يتركون مسؤوليّاتهم لتغطية غيابه.

يجب على المدير أن يتحدّث مع الموظّف بشأن سلوكه هذا، لكنّ الموظّف لن تعجبه المحادثة هذه وقد تكون ردّة فعله سلبيّة. ستصيب هذه المحادثة كلًّا من المدير والموظّف بعدم الراحة. ستسبّب الحالة هذه نزاعًا غالبًا وهو ما يجده أغلب الأشخاص مُوَتِّرًا. ولكن لا يزال القرار الصحيح هو إجراء هذه المحادثة حتّى لو كان الموظّف عنصرًا قيّمًا في القسم.

Dante Disparte.png

الشكل 6.5 دانتي ديسبريت (Dante Disparate) دانتي ديسبريت هو المؤسّس والمدير التنفيذيّ لشركة (Risk Cooperative) وهو أيضًا أحد مؤلّفي كتاب (Global Risk Agility and Decision Making). يقترح أنّ المخاطر غير المتوقّعة تنتشر أكثر وتصبح أقلّ قابليّة للتوقّع كما تملك أثرًا أكبر على أناس أكثر في كلّ مرّة (حقوق الصورة New America/ flickr/ Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)).

إن لم يتمّ تصحيح السلوك الخطأ فسوف يستمرّ مسبّبًا المزيد من المشاكل في مكان العمل على المدى الطويل. كما قد يظنّ الموظّفون الآخرون أنّ هذا السلوك مسموح ويبدؤون هم أيضًا بالقيام به أو بسلوك خطأ آخر. في النهاية قد ينزعج بعض الموظّفون بما يكفي ليبدأوا بالبحث عن عمل بديل. في هذه الحالة، من المهمّ ملاحظة أنّ الموظّفين الأفضل سيجدون عملًا آخر بسرعة أكبر. كما يجب على المديرين أن يُدركوا أنّ النزاع، على الرغم من كونه غير مريح (خاصّةً على المدى القصير)، فهو قد يكون ضروريًّا لكي يعمل الفريق أو القسم أو المنظّمة بفعاليّة على المدى الطويل.

من المفيد أيضًا التفكير في النزاع بتعبيرَي النزاع حول العمليّة ونزاع العلاقات. النزاع حول العمليّة (process conflict) هو نزاع حول الطريقة المثلى لفعل شيء ما، وقد يؤدّي لتحسين الأداء حينما يستكشف الأفراد خيارات متنوّعة للعمل سويّة من أجل الوصول للحلّ الأمثل.

أمّا نزاع العلاقات (relationship conflict) هو نزاع أكثر خصوصيّةً بين الأفراد ويتضمّن هجومًا على الشخص بدلًا من الفكرة، هذا النوع من النزاع مؤذٍ بشكل عامّ ويجب تجنبّه. ينبع خطر هذا الشكل من النزاع من كون شعور الفرد بأنّه يُهاجم شخصيًّا سيسبّب اللجوء إلى آليّة الدماغ الانعكاسيّة.

يجب أن يكون المدير الناجح واعيًا لاحتمال نشوء نزاع العلاقات عندما يتلقّى الآراء من موظّفيه كما يجب عليه أن يركزّها حول السلوكيّات والأنشطة (كيف تتمّ الأمور) بدلًا من الأفراد بعينهم. الوعي والتعامل مع نزاع العلاقات يشير لأهميّة الذكاء العاطفيّ والتعاطف لدى قادة المنظّمات، فالقادة الذين يمتلكون هذه الميّزات لديهم قدرة أكبر على الانتباه للنتائج الضارّة في النزاعات الشخصيّة. تستعرض فقرة "القيادة الإداريّة" أدناه كيف يشجّع مدير تنفيذيّ التعاون التعاطفيّ وكيف أثبتت هذه الجهود نفعها.

القيادة الإدارية

تغيير سياسة مايكروسوفت من قبل ساتيا ناديلا

عندما أصبح ساتيا ناديلا المدير التنفيذيّ لمايكروسوفت عام 2014 قام بإجراء تغييرٍ جذريٍّ في سياسة المنظّمة. حيث أراد تغيير مبدأ عملها من "نحن نعلم كل شيء" إلى مبدأ "نحن نتعلّم كل شيء". فبدلاً من أن يشعر الموظفون بالحاجة الدائمة لإثبات أنّهم أذكى الأشخاص، أرادهم أن يصبحوا مستمعين فعَّالين وفضوليّين وشغوفين للتعلّم والتواصل المستمر. لأنّ تعلّم الموظّفين المستمرّ والتعاون مع بعضهم ومع الزبائن هو الوسيلة الوحيدة لإبقاء مايكروسوفت قادرةً على التطوير وتأمين الحلول التقنية المُثلى.

إنَّ أحد أوّل القرارات لناديلا بصفته مديراً تنفيذياً كان طلبَه من جميع أعضاء فريق الإدارة العليا أن يقوموا بقراءة كتاب "التواصل اللاعدائيّ" (Nonviolent Communication) لمارشال روزينبرغ (Marshall Rosenberg). يركِّز هذا الكتاب بشكل ٍ كبيرٍ على التواصل التعاطفيّ، أي أسلوب تعاملٍ ألطف وأرقّ من الذي اعتاد عليه موظفو مايكروسوفت. يؤمن ناديلا بأنَّ تطوير التعاطف يؤدي لفهمٍ أكبر لاحتياجات ورغبات المستهلكين، ويعزِّز القدرة لتطوير منتجاتٍ وخدماتٍ أفضل من خلال التعاون.

كما تبنّى ناديلا مفهوم التنوع ومبادرات الشمول، وآمن بوجود ما نستطيع فعله دائماً. وهذا بالذات إثباتٌ على تركيزه على التعاطف. وبالتأكيد سيؤدّي هذا التنوع لتحسين كفاءة العمل لأنّ زيادة تنوّع وجهات النظر ستقودنا للإبداع والابتكار.

هذا التغيير في سياسة الشركة ينعكس بشكل واضح في تصريح مايكروسوفت لمهمتها ورسالتها الجديدة وهي "تمكين ومساعدة كلّ شخص وكلّ منظّمة على الكوكب لتحقيق المزيد" وطبعاً مساعدة كلّ شخص يتضمّن مساعدة موظّفي مايكروسوفت. إنّ تحقيق التنوع في مجالٍ مُسيطرٍ عليه من قبل الذكور هو بحد ذاته تحدٍّ. كما اعترف ناديلا بأنه اقترف أخطاءً بسبب تحيّزاته الخاصّة. وفي مؤتمر النساء المبرمِجات (Women in Computing) الّذي أجراه في بداياته كمديرٍ تنفيذي اقترح ناديلا بأنّ المرأة لا تحتاج بأن تطلب زيادات في الأجر إن كنّ يستحقونها، فسيتكفل النظام بذلك. وقد أقرّ مؤخّرًا بأنّه كان مخطئًا في ذلك واستخدم مسعاه في تصحيح هذا الخطأ كمنصّة لإنجاز خطوات كبيرة في هذا المجال.

كما تغيّرت اجتماعات فريق الإدارة الأعلى في مايكروسوفت بشكلٍ كبيرٍ نتيجةً للتغيير الذي أحدثه ناديلا. سابقاً كان ينتاب الأعضاء الشعور الدائم بالحاجة لإثبات أنّهم يمتلكون كلّ الإجابات الصحيحة في اجتماعات الفريق. ولكنّ ناديلا أسّس مفاهيم مختلفة، حيث أنّه بحث عن الآراء الصادقة لأعضاء الفريق وشجّعهم على التعبير عن آرائهم من خلال إعطاء ردود فعل إيجابيّة بشكل مستمرّ. وبهذا أصبحت البيئة في مايكروسوفت أكثر تعاونًا وأكثر إيجابيّةً من خلال إبعاد التركيز عن أن نكون دائمًا على حقّ والتركيز على التعلًم المستمرً. وأصبح الموظفون أكثر استعدادًا للمخاطرة وابتكار شيء جديد.

ويبدو أنّ هذا التغيير بدأ بإعطاء ثماره؛ حيث أنّ منتجات مايكروسوفت أصبحت توصف بأنّها "ممتازة" و"مثيرة" ومنصّتها الحاسوبيّة السحابيّة أصبحت غير قابلة للمنافسة، كما أن أرباحها ازدادت بشكل كبير. إنّ تغيير ثقافة منظمّة ما هو مشروع ضخم جداً، ولكنّ قيادة ناديلا لمايكروسوفت أظهرت بشكل واضح بأنّه تحدٍّ يستحق أن تخوضه المؤسسات.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Perception and Managerial Decision Making) من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن