بنية مجموعة العمل


يمان نعساني

يمكن وصف بنية مجموعة العمل بعدّة طرق مختلفة. هنا نفحص عدّة خصائص تفيدنا في وصف وفهم طُرق اختلاف كلّ مجموعة عن الأخرى. ترسم لنا شبكة المتغيّرات هذه -عند وضعها معًا- صورةً لمجموعات العمل من ناحية خصائصها الثابتة نسبيًّا. النواحي الّتي سنأخذها في الحُسبان هي (1) أدوار العمل (2) حجم مجموعة العمل (3) معايير مجموعة العمل (4) علاقة المراتب (5) ترابط مجموعة العمل. يُظهر الشكل 9.3 أنّ كلًّا من هذه العوامل تؤثّر على عمليّات المجموعات. لذا ستكون الأفكار المطروحة هنا ذات أهميّة بالغة لفهم عمليّات المجموعات وكيفية ترابطها مع بعضها عندما سنتطرّق إليها لاحقًا في سلسلة مقالاتنا.

Group Structure and Process.png

الشكل 9.3 بنية وعمليّات المجموعة (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

أدوار العمل

يجب على المجموعة أن تميّز بين أنشطة كلّ من أعضائها من أجل تحقيق أهدافها والحفاظ على معاييرها. يأخذ عضو أو اثنان دور القيادة، في حين يُناط آخرون بالأعمال الأساسية في المجموعة، ويؤدّي الأعضاء المتبّقون أدوارًا مُساعدة. يدعى تخصيص الأنشطة هذا عادةً تمييز الأدوار، ويُطلق عليه مصطلح دور العمل (work role)، هو نمط سلوك متوقّع منسوبٍ لمنصب معيّن في المنظّمة ويحدّد المسؤوليّات الفرديّة بالنسبة للمجموعة. يُقترح تقسيم أدوار العمل ضمن النظام المؤسّساتي إلى ثلاثة أنواع على أساس طبيعة النشاط الّذي يحدّد هذا الدور. الأنواع الثلاث هي كما يلي:

  1. أدوار موجّهة للمهمّة: تركّز هذه الأدوار على الأنشطة المتعلّقة بالمهمّة بهدف تحقيق الأداء المنشود للمجموعة.
  2. أدوار موجّهة للعلاقات: تركّز هذه الأدوار على تطوير المجموعة المستمرّ، ويتضمّن ذلك بناء ترابط وإجماع المجموعة والحفاظ على التناغم بين أعضائها والاهتمام براحة الأعضاء وغيرها.
  3. أدوار موجّهة للذات: تركّز هذه الأدوار على حاجات وأهداف الأعضاء تركيزًا خاصًّا، وذلك على حساب المجموعة غالبًا.

كما يمكن أن نتوقّع أن يؤدّي بعض أعضاء المجموعة عدّة أدوار من هذه الأدوار في آنٍ معًا. على سبيل المثال يجب على مجموعة من القادة أن تركّز انتباهها على أداء المهمّة، وتحافظ في الوقت ذاته على تناغم المجموعة وترابطها. لرؤية هذا عليك أن تنظر إلى تجربتك الشخصيّة. قد تتمكّن من تمييز الأدوار الّتي لعبتها في المجموعات الّتي كنت بها. تبعًا لتجربتك، هل كنت تلعب دورًا واحدًا أم عدّة أدوار؟ لربّما تكون الطريقة الأفضل لفهم أدوار العمل هي دراسة حلقة الأدوار (role episode) وهي محاولة لفهم كيف يتعلّم الشخص دورًا ما ويتصرّف على أساسه. ويمكننا أن نرى في الشكل 9.4 كيف تبدأ حلقة الدور بتوقّعات الأعضاء حول ما يجب على الفرد أن يقوم به في منصب معيّن (المرحلة 1). ثمّ تصل هذه التوقّعات إلى الفرد ذاته (المرحلة 2)، ما يجعل الفرد يدرك التوقّعات حول هذا الدور (المرحلة 3). وأخيرًا يقرّر الفرد أن يتصرّف في هذا الدور في سلوك الدور الحقيقيّ (المرحلة 4). وبعبارة أخرى يمكن القول أنّ المرحلة 1 و2 تدوران حول الدور المتوقّع، في حين تركّز المرحلة 3 على الدور المُدرك، أمّا المرحلة الرابعة فتركّز على الدور المفعّل. فلنأخذ المثال البسيط التالي: يمكن أن تقرّر مجموعة ما أنّ العضو الأحدث فيها مسؤول عن جلب القهوة لباقي الأعضاء خلال استراحات العمل (المرحلة 1). يُشرح الدور لهذا للعضو الجديد بعد ذلك (المرحلة 3)، وحينها يعي العضو هذا مهامه المتوقّعة (المرحلة 3). وعلى أساس كلّ هذا (وبتعزيز من المعايير والنصائح من أعضاء المجموعة أيضًا) يقوم العضو الجديد بالمهمّة الموكلة إليه (المرحلة 4). يجب الانتباه على عدّة جوانب في هذا النموذج. أوّلًا، المرحلتان 1 و2 تبدآن من أعضاء المجموعة وتتوجّهان إلى الفرد. أمّا المرحلتان 3 و4 فتمثّلان أفكار وأفعال الفرد عند استجابته للمنبّه. كما تمثّل المرحلتان 1 و3 تقييمات إدراكيّة، في حين تمثّل المرحلتان 2 و4 تصرّفات حقيقيّة. تُدعى محصّلة الأدوار المخصّصة لفرد ما بمجموعة الدور (role set).

A Simplified Model of a Role Episode.png

الشكل 9.4 نموذج مُبسّط لحلقة دور المصدر: مُقتبس من D. G. Myers وJ. M. Twenge من كتابهما (Social Psychology 13th edition) (New York: McGraw Hill) 2018، (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

وبالرغم من أن حلقة الدور هنا تبدو بشكل بسيط ومباشر فالأمر بالطبع أكثر تعقيدًا على أرض الواقع. على سبيل المثال يتلقّى الأفراد عادةً رسائل مختلفة، وحتّى متضاربة، من عدّة مجموعات (قيادات) تحاول أن تكلّفهم بدور محدّد. قد يسبّب هذا تضارب الأدوار (role conflict). كما يمكن أن تكون الرسائل المرسلة حول دور ما غير واضحة؛ ما يسبّب حدوث التباس الدور (role ambiguity). وأخيرًا يمكن أن يتلقّى الأفراد ببساطة رسائل كثيرة ً جدًّا حول دورهم؛ الأمر الذي يؤدي إلى حدوث ضغوط الدور المفرطة (role overload). سنترك النقاش في هذه المواضيع حتّى دراسة نواحٍ عدّة من التعديلات النفسيّة للعمل.

حجم مجموعة العمل

توجد مجموعات العمل بأحجام متنوّعة. قضى الباحثون الإداريّون السابقون وقتًا طويلًا وبذلوا جهدًا ملحوظًا في محاولة تحديد الحجم المثاليّ لأنواع المجموعات المختلفة، ولكن بلا جدوى. ببساطة لا يوجد عدد صحيح مثالي للأشخاص لأغلب أنشطة المجموعات، لكنّ الباحثين هؤلاء اكتشفوا ما يحدث عند زيادة حجم المجموعة. يلخّص الجدول 9.2 عددًا من العلاقات بين حجم المجموعة وإنتاجيّتها.

تأثيرات حجم المجموعة على طبيعة عملها وفعّاليّتها
العامل حجم المجموعة
  صغير كبيرة
تفاعل المجموعة يزداد ينقص
ترابط المجموعة أعلى أخفض
الرضا الوظيفيّ أعلى أخفض
التغيّب عن العمل أخفض أعلى
التبدّل الوظيفيّ أخفض أعلى
التسكّع الاجتماعيّ أخفض أعلى
الإنتاجيّة لا توجد علاقة واضحة لا توجد علاقة واضحة

الجدول 9.2 (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

أنماط تفاعل المجموعات (group interaction patterns). سنناقش في البدء تأثيرات تنوّع حجم المجموعة على أنماط تفاعل المجموعة. تناولت سلسلة من الدراسات الّتي أُجريت من قبل بيلز (Bales) وبورغاتا (Borgatta) هذا الموضوع باستخدام آليّة تُعرف باسم تحليل عمليّة التفاعل (interaction process analysis). تُسجّل هذه الآليّة الأحاديث المتبادلة ضمن المجموعة، ضمن سياق من الّذي تحدّث ومع من وماذا قال، باستخدام هذه الآليّة وجد الباحثان أنّ المجموعات الأصغر (المؤلّفة من شخصين إلى 4 أشخاص) أظهرت درجةً أعلى من التوتّر والاتّفاق وأخذ الرأي، في حين أظهرت المجموعات الأكبر (13-16 شخص) درجةً أكبر من إفراغ التوتّر وإبداء الاقتراحات ومشاركة المعلومات. تقترح هذه النتائج أهميّة التناغم الكبيرة في المجموعات الصغيرة، كما تقترح امتلاك الأشخاص في هذه المجموعات وقتًا أكبر لتطوير أفكارهم وآرائهم. على الجانب الآخر يجب على الأفراد في المجموعات الأكبر أن يكونوا مُنتجين ويتميّزوا أكثر بسبب ازدياد المنافسة على جذب الانتباه في هذه المجموعات.

مواقف العمل (job attitudes). أثبتت الدراسات وجود ارتباطٍ عكسي بين تزايد حجم مجموعة العمل والرضا الوظيفيّ، إلا أن هذا الرابط غير قويّ. أي أنّ الأشخاص العاملين في وحدات عمل أو أقسام أصغر يسجّلون مستويات أعلى من الرضا الوظيفيّ بالمقارنة مع نظرائهم في المجموعات الأكبر. لا تشكّل هذه النتيجة مفاجأة في ضوء الاهتمام المتزايد الّذي يتلقّاه الفرد في المجموعات الأصغر والأهميّة الأكبر لمجموعات الأدوار في هذه المجموعات.

التغيّب والدوران الوظيفيّ (absenteeism and turnover). تشير الأبحاث المتوفّرة إلى وجود علاقة بين زيادة حجم مجموعة العمل وزيادة معدّل التغيّب، وذلك بين العمّال اليدويّين (blue-collar workers) في حين لا توجد علاقة مشابهة بين العمّال غير اليدويّين (white-collar workers). أحد التفسيرات لهذه النتائج هو أنّ ازدياد حجم مجموعة العمل يسبّب انخفاضًا في مستوى الترابط والتواصل ضمنها وتخصّصًا أكثر في المهام؛ ما يؤدّي لصعوبة تلبية حاجات الأفراد الأسمى (في القسم الأعلى من الهرم) ويسبّب انخفاض رغبة الفرد في الذهاب للعمل. قد يكون هذا التفسير منطقيًّا أكثر في حالة العمّال اليدويّين بسبّب امتلاكهم لاستقلال وتحكّم وظيفيّ أقلّ، في حين يجد العمّال غير اليدويّين سبلًا أكثر لإشباع حاجاتهم، توجد نتائج مشابهة فيما يخصّ الدوران الوظيفيّ. فالدوران الوظيفيّ أعلى في المجموعات الأكبر. ويمكن أن يكون السبب هو صعوبة إشباع الحاجات في المجموعات الأكبر؛ ما يعطي الأفراد دافعًا أقلّ للبقاء في نفس المنظّمة.

الإنتاجيّة (productivity). لم توجد أيّ علاقة واضحة بين الإنتاجيّة وحجم المجموعة. وهنالك غالبًا سبب وجيه لذلك، فعندما لا نضع في الحسبان نوع المهمّة المؤدّاة لا يمكننا أن نرى علاقة واضحةً أو مباشرة. يشرح ميتشل (Mitchell) هذه العلاقة كما يلي :

تخيّل مهمّة يمكن فيها لكلّ عضوٍ جديد أن يضيف كمًّا مستقلًّا إلى إنتاجيّة المجموعة (مثل بعض الوظائف المتعلّقة بعدد القطع المباعة). هنا إن أضفنا المزيد من أعضاء المجموعة سيزداد الإنتاج… على الجانب الآخر هناك مهامّ تستدعي من الجميع أن يعمل معًا وأن يجمعوا مصادرهم سويّةً، في هذه المجموعات ومع كلّ عضو جديد ستنقص الإضافة الّتي يقدّمها لمهارة ومعرفة المجموعة، بسبب عدم الانسجام بين أعضاء المجموعة. وبعد فترة ستفشل زيادة الأعضاء بإضافة أيّ شيء للمجموعة سوى المشاكل في التنسيق والتحفيز. في مثل هذا المثال ستؤدّي المجموعات الأكبر أداءً أقلّ من المجموعات الأصغر. وبالتالي تتعلّق طبيعة العلاقة بين حجم المجموعة وإنتاجيّتها بنوع المهمّة المطلوبة منها.

على أيّة حال، من المهم أن نلاحظ وجود عامل إضافي يسمّى التلكّؤ الاجتماعيّ (social loafing) وهو ميل الأفراد لبذل جهد أقلّ على المهمّة المطلوبة عند أدائها ضمن مجموعة. تحدث هذه الظاهرة عندما (1) يرى الأشخاص مهمّتهم على أنّها غير مهمّة أو بسيطة أو (2) يظنّ أعضاء المجموعة أنّ مجهودهم الفرديّ لن يُلاحظ أو (3) يتوقّع أعضاء المجموعة أنّ زملائهم يمارسون هذا السلوك أيضًا. يظهر التسكّع الاجتماعيّ في المجموعات الأكبر أكثر وذلك غالبًا بسبب بروز العوامل الثلاثة أعلاه في المجموعات الكبيرة. ومن وجهة نظر إداريّة يمكن أن تُخفّض هذه الظاهرة عبر تزويد الموظّفين بمهامّ أكثر تحدّيًا وبمسؤوليّة أكبر حول إنجازها. ستُناقَش هذه المسألة في مقالات لاحقة حول تصميم العمل.

معايير مجموعة العمل

يمثّل مفهوم معايير مجموعة العمل موضوعًا معقّدًا ويعود تاريخ الأبحاث النفسيّة الاجتماعيّة حوله إلى عدّة عقود ماضية. سنسّلط الضوء في هذا القسم على بعض النقاط الأساسيّة في معايير المجموعات وكيف تتعلّق بالأشخاص في العمل. سنناقش خصائص ووظائف معايير مجموعة العمل كما سنناقش نتائج الالتزام بها والحياد عنها.

خصائص معايير مجموعة العمل (characteristics of work group norms). يمكن تعريف معاير مجموعة العمل على أنّها أُسس مشتركة بين أعضاء المجموعة تنظّم سلوك العضو ضمن المنظّمة. يمكن أخذ صفّ مدرسيّ مثالًا على ذلك حيث يطوّر التلاميذ معيارًا يثبّط المشاركة المُفرطة في الفصل. فهم يعتقدون أنّ التلميذ الّذي يشارك كثيرًا ينال علامات على حساب زملائه في الفصل. فيتشكّل معيار بين التلاميذ لتحديد السلوك المقبول ضمن الفصل. يمكن رؤية أمثلة مشابهة في بيئة العمل. قد يوجد معيار ضدّ الإنتاج العالي جدًّا أو المنخفض جدًّا أو ضدّ التقرّب الشديد من المشرف أو ضدّ التأخر عن العمل وغيرها.

يمكن وصف خصائص معايير مجموعة العمل وفق خمسة عوامل كما يلي:

  1. تلخّص المعايير عمليّات التأثير في المجموعة وتبسّطها. فهي تدلّ على العمليّات الّتي تنظّم سلوك الأعضاء ضمن المجموعة.
  2. تُطبّق المعايير على السلوك فحسب، أي أنّها لا تُطبّق على مشاعر الفرد وأفكاره. وبالرغم من أنّها قد تكون مبنيّة على المشاعر والأفكار إلّا أنّها لا تحكمها. أي أن التقبّل الخاصّ لمعايير المجموعة غير ضروريّ بل يكفي التقيّد العلنيّ بها.
  3. تُطّور المعايير عمومًا فقط للسلوكيّات الّتي تكون ذات أهميّة من قبل أغلب الأعضاء.
  4. تُطوّر المعايير عمومًا بالتدريج، ولكن يمكن تسريع العمليّة إن رغب الأعضاء بذلك. تُطوّر المعايير عادةً من قبل الأعضاء عندما تقتضي الحاجة، كما هو الحال عندما يحدث موقفٌ ما يتطلّب قواعد جديدة للأعضاء من أجل الحفاظ على نزاهة واستمرار المجموعة.
  5. لا تنطبق جميع المعايير على جميع الأعضاء. فبعض المعايير مثلًا تنطبق فقط على الأعضاء الجدد (مثل جلب القهوة) في حين قد تُبنى معايير أخرى على أساس الجنس أو العرق أو الطبقة الاجتماعيّة.

وظائف معايير مجموعات العمل (functions of work group norms): تمتلك أغلب المجموعات معايير خاصّة بها وقد تكون بعضها أكثر شدّة من غيرها. تخدم معايير مجموعات العمل عمومًا أربع وظائف في البيئة المؤسّساتيّة، وهي كما يلي:

  1. المعايير تخدم بقاء المجموعة. عندما تتعرّض المجموعة لخطر ما، توفّر المعايير أساسًا لتأمين بقاء سلوك الأفراد موجّهًا نحو أهداف المجموعة ورفض انحراف السلوك بعيدًا عن هذه الأهداف. هذه فعليًّا ظاهرة "إدارة البقاء" (وتعني تعاضد وتعاون الأفراد داخل المجموعة بهدف الدفاع والحفاظ على الوجود الكليّ للأفراد والمجموعة، حيث يعمل الأفراد بكل طاقاتهم ويقدّمون تنازلات عديدة في سبيل الحفاظ على بقاءالمجموعة).
  2. تبسّط المعاييرُ السلوكيّات المتوقّعة. تخبر المعايير الأفراد ما المتوقّع منهم (ما هو مقبول وما هو غير مقبول) كما تسمح للأعضاء بتوقّع سلوكيّات زملائهم في المجموعة وتوقّع النتائج السلبيّة أو الإيجابيّة للسلوكيّات الّتي يريدون اتّخاذها.
  3. تساعد المعايير على تجنّب المواقف المحرجة. توضّح المعايير لأعضاء الفريق متى يكون سلوك معيّن أو موضوع معيّن مؤذيًا لعضو آخر، وذلك عبر تحديدها للسلوكيّات المقبولة وغير المقبولة. على سبيل المثال يوضّح معيارٌ حول رفض الشتائم أنّ سلوكًا مثل هذا سيسبّب الأذى لشخص ما في المجموعة ويجب تجنبّه.
  4. تساعد المعايير على تعريف المجموعة والتعبير عن قيمها الأساسيّة للآخرين. تساعد المعايير الّتي تخصّ الملابس واللغة والآداب وغيرها على إخبار الآخرين من ينتمي إلى المجموعة، وتمثّل جوهر المجموعة ذاتها. تمثّل المعايير أيضًا نقطة التقاط تجمع أعضاء المجموعة مع بعضهم عند تفرّقهم.

الالتزام والحياد (conformity and deviance): يتساءل المديرون عادة لم يمتثل الموظّفون لمعايير مجموعة عملهم حتّى لو كانت تبدو متعارضة مع مصلحتهم الخاصّة. هذا القلق قويّ تحديدًا عندما يمتنع العاملون عن الإنتاج الأعلى عن قصد. تكمن إجابة هذا التساؤل في مفهوم الالتزام بمعايير المجموعة. تظهر مواقف ينجرّ فيها الفرد مع تيّار مجموعته ويتصرّف بشكلٍ قد لا يفضّله شخصيًّا.

لرؤية هذه الظاهرة لننظر إلى نتائج دراسة كلاسيكيّة حول الالتزام الفرديّ بضغوط المجموعات والّتي أجراها سولومون آش (Solomon Asch). أجرى آش تجربة مخبريّة وضع فيها الشخص الأساسيّ في غرفة مع ثلاثة أشخاص آخرين شركاء للباحث. طُلب من كلّ شخص في الغرفة أن يجد الخطّ المساوي لطول خطّ (س) من بين 3 خطوط أخرى غير متساوية (أ) و(ب) و(جـ) كما في الشكل 9.5. وأُخبر الشركاء الثلاثة قبل بدء التجربة أن يختاروا الخط (جـ) على أنّه الأقرب بالرغم من أن (أ) هو الإجابة الواضحة. وأجاب الشركاء قبل أن يجيب الشخص الأساسيّ في التجربة وكانت النتائج مذهلة. في أكثر من ثلث التجارب الّتي أُجريت اختار الشخص الأساسيّ أن ينساق وراء ما قاله الأشخاص الثلاثة المجهولين بالنسبة له وإنكار ما تدركه حواسه. بعبارة أخرى، نسبة عالية من الأشخاص الّذين يرون إجابات الآخرين في المجموعة سيختارون أن يجيبوا مثلهم بدلًا من أن يقدّموا رأيًا متعارضًا، حتّى لو كان هذا الشخص متأكّدًا من صحّة إجابته.

ما الّذي يسبّب الالتزام بمعايير المجموعة هذا؟ وتحت أيّ ظرف يحيد الفرد عنها؟ يُعزى سبب الالتزام بمعايير المجموعة إلى ثلاثة عوامل. أولًا، تلعب الشخصية دورًا مهمًّا. وُجدت علاقة عكسيّة بين الالتزام وبين الذكاء والقدرة على التحمّل وقوّة الأنا، في حين كانت العلاقة طرديّة مع الملتزمين بالسلطة. الأشخاص الّذين يمتلكون هويّة ذاتيّة قويّة من المرجّح أن يلتزموا بمعاييرهم الخاصّة ويحيدوا عن معايير المجموعة عندما يتعارضان. ثانيًا، قد يؤثّر المنبّه الأساسيّ الّذي يثير الاستجابة على مدى الالتزام. فكلّما كان المنبّه مُبهمًا (مثل أمر إداريّ جديد ومُربك) كانت النزعة للالتزام بمعايير المجموعة أقوى (لست متأكدًا ما يعنيه الأمر الجديد فسألتزم بما يفعله الآخرون فحسب).

في هذا السياق يزوّد الالتزام الأفراد بشعور بالحماية والأمان في موقف جديد أو حتّى مخيف. أخيرًا، يمكن أن تؤثّر خصائص المجموعة ذاتها على الالتزام بمعاييرها. قد تؤثّر عوامل مختلفة على الالتزام بالمعايير، مثل: مدى الضغط المُطبّق على أعضاء المجموعة للالتزام ومدى شعور الشخص بالانتماء للمجموعة ومدى نجاح معايير المجموعة في تحقيق الأهداف السابقة.

Asch’s Experiment in Group Pressure and Individual Judgment.png

الشكل 9.5 تجربة آش في ضغط المجموعة والحكم الفرديّ (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

ماذا يحدث عندما يحيد شخص ما عن معايير المجموعة؟ تشير الأبحاث إلى أنّ المجموعات تستجيب عادة عبر زيادة التواصل الموجّه نحو العضو الّذي يحيد عن المعايير.يهدف هذا التواصل إلى إعادة العضو هذا إلى النطاق المقبول ضمن المجموعة. يطرح جانيس (Janis) مثالًا جيدًا على هذه العمليّة في دراسته الكلاسيكيّة حول العمليّات المؤديّة لإيقاف غزو خليج الخنازير في كوبا. ففي أحد الاجتماعات طرح آرثر شليزنجر (Arthur Shlesinger) -أحد مستشاري الرئيس الأمريكيّ حينها جون كينيدي- رأيًا معترضًا على خطّة الغزو بالرغم من عدم إبداء أيّ شخص آخر لمثل هذه المخاوف. بعد الاستماع لاعتراضه لبرهة أخذه روبرت كينيدي (Robert Kenedy) (أخو الرئيس جون كينيدي والنائب العامّ للولايات المتّحد حينها) للحديث على انفراد، وقال له: "قد يكون رأيك صائبًا وقد يكون خطأً، لكن الرئيس قد حزم أمره. لا تدفع بالأمر أكثر من ذلك. هذا الوقت يستدعي من الجميع أن يدعم الرئيس قدر ما يستطيعون". توسّع جانيس في عمليّة اتّخاذ القرار هذه وأسماها "التفكير الجمعيّ".

عندما يرفض العضو الّذي حاد عن معايير المجموعة أن يكترث لرسائل أو نصائح باقي الأعضاء ويصرّ على كسر المعايير؛ يستجيب الأعضاء عادةً برفض وعزل هذا العضو الحائد، ويقولون له ما يعني أنّهم لن يحتملوا مثل هذا السلوك ويفضّلون أن يعيدوا المجموعة إلى التزامها. إن لم يُطرد العضو الحائد فسيكون على المجموعة أن تستمرّ في مواجهة سلوك يتعارض مع ما تؤمن بصحّته. فبدلًا من أن تتساءل أو تفحص ما يطرحه هذا العضو؛ تجد المجموعة أنّه من الأسهل -والآمَن- أن تتخلّص من التأثير الخطير له.

نظام المراتب

رابع ميّزة -أو خاصّيّة بنيويّة- لمجموعات العمل هي نظام المراتب، يهدف نظام المراتب (status system) إلى تمييز الأفراد وفقًا لبعض الأسس أو مجموعة من الأسس. يمكن تمييز المراتب في المجموعات وفق خمس أسس رئيسيّة هي: الحَسب والخصائص الشخصيّة والإنجاز والملكيّة والسلطة الرسميّة. جميع هذه الأسس الخمسة يمكنها تأسيس مرتبة للفرد ضمن مجموعات العمل. على سبيل المثال قد يمتلك موظّف ما مرتبة عالية لأنه ابن المدير (الحَسب) أو لأنّه الأذكى أو الأقوى (خصائص الشخصيّة) أو لأنّه الأعلى أداءً (الإنجاز) أو لأنّه الأغنى أو الأعلى أجرًا (الملكيّة) أو لأنّه المشرف أو المسؤول (سلطة رسميّة).

أسباب نظام المراتب (reasons for status system). يمكن رؤية أنظمة المراتب في أغلب المنظّمات. فنحن نفرّق بين العمّال اليدويّين وغير اليدويّين وبين الحرفيّين وغير الحرفيّين وبين المديرين الأعلى والأدنى وبين المؤدّين أداءً جيّدًا وبين من يؤدّون أداءً ضعيفًا وبين الموظّفين المحبوبين وغير المحبوبين. لِمَ نفعل ذلك؟ في الحقيقة، يخدم تفريق المراتب أربعة أهداف في المنظّمات:

  1. التحفيز. ننسب المرتبة لشخص ما مكافأةً له أو حافزًا له للأداء والإنجاز. إن نُظِر إلى الإنجاز من قبل المنظّمة على أنّه سلوك إيجابيّ فسوف يسعى الأفراد لبذل جهد أكبر.
  2. التعريف. تعطي المراتب وأنظمة المراتب أدلّة مهمّة على السلوك المقبول في المواقف الجديدة. تعطي الرتب على كتف الأفراد في الجيش -على السبيل المثال- فكرة سريعة عمّن يمتلك السلطة الأعلى ومن يجب اتّباع أوامره. والألقاب في مجال العمل تخدم الهدف ذاته.
  3. التشريف. ننسب المرتبة للأشخاص عادةً لتوضيح الاحترام الواجب تقديمه لهم، فالعباءة الدينيّة على سبيل المثال تمثّل رمزًا بحدّ ذاتها لأنّ الشخص الّذي يرتديها ذو مكانة دينيّة.
  4. الاستقرار. أخيرًا، تسهّل المراتب وأنظمتها الاستقرار في البيئة المضطربة عبر إعطائها قوّة للاستمراريّة. أنماط السلطة وعلاقات الأدوار والتفاعلات بين الأشخاص، كلّ هذا يتأثّر ويُعرّف بنظام المراتب الموجود. ونتيجة لذلك يزول الكثير من الالتباس الّذي قد يكون موجودًا.

يمكن تداول مرتبة فرد ما بعدّة طرق مختلفة. إحدى الطرق الشائعة في المنظّمات هي المكتب المخصّص لهذا الفرد والتصميم الخاص بهذا المكتب. يقول جون دين (John Dean) -مستشار سابق للرئيس الأمريكيّ نيكسون- حول كيفيّة إظهار مراتب الأفراد في البيت الأبيض:

تسابق الجميع من موظّفي البيت الأبيض إلى منصب قريب من الرئيس، ويمكن حتّى للعين غير الخبيرة أن تلاحظ التبدّلات الحاصلة في المراتب. فيمكن رؤية النجاح والفشل في حجم ومدى فخامة تصميم وموقع مكتب الشخص. الشخص الّذي يُنقل إلى مكتب أصغر هو في طريقه نحو الفشل. في حين يدلّ انشغال النجّارين وعمّال السجّدات واللوحات الفنيّة في مكتب شخص ما على أنّه في طريقه نحو النجاح. يجتاح العمّال كل يوم البيت الأبيض مثل النمل منهمكين في نقل وتغيير أماكن الأثاث باستمرار من مكتب لمكتب عندما تتغيّر مراتب الأشخاص إلى الأعلى أو الأسفل. تعلّمنا أن نرى تغيير المكاتب على أنّه صراع بين القوى البيروقراطيّة. لم تكن النفقات تعني شيئًا لهالدمان (Haldeman) -كبير موظّفي البيت الأبيض حينها- حتّى أنّه أجابني ذات مرّة عندما كنّا نناقش إن كان يجب الكشف عن نفقات كهذه وقال "هذا المكان هو صرح وطنيّ ولا يسعني فعل شيء إن كان الرؤساء السابقون تركوه ينهار". في الحقيقة، لم تكن النفقات تخصّ أناقة البيت الأبيض بقدر ما كانت تخصّ حاجة قاطنيه لإظهار مستواهم ومرتبتهم.

لا تحوي الشركات الحديثة الّتي ترغب بجذب موظّفين ماهرين مساحات عمل صغيرة يُحشر العاملون فيها ضمن مكاتب خلف أبواب عمرها عشرون سنة. إحدى الشركات في أورلاندو في الولايات المتّحدة على سبيل المثال أنفقت حوالي 330,000$ على تصميم مكان العمل الخاصّ بها.

عدم توافق المرتبة (status incongruence). عدم توافق المرتبة هو جانب مثير من جوانب أنظمة المراتب في المنظّمات. تحدث هذه الحالة عندما يكون شخص ما يمتلك قيمةً مرتفعةً في منحى ما وقيمة منخفضة في مناحٍ أخرى، أو عندما تبدو سمات الشخص غير ملائمة لوظيفة معيّنة. أمثلة على ذلك: طالب جامعيّ يعمل عامل تنظيفات في الإجازة الصيفيّة أو ابن رئيس الجمهوريّة الّذي يبدأ العمل في شركة ما من الوظائف الأدنى أو مدير صغير في السنّ تتمّ ترقيّته إلى مناصب يشغلها عادةً موظّفون أكبر عمرًا.

تحدث ظاهرة عدم التوافق هذه مشاكل لكلّ المعنيّين بهذه الحالة. قد يصبح الفرد معرّضًا للعدوانيّة والغيرة والرفض من زملائه في العمل، الّذين يظنّون أنّه ينال أكثر ممّا يستحق. وفي المقابل قد يُجبر الزملاء في العمل على أن يروا أنفسهم كمخفقين أو فاشلين في الإنجاز. قد يسأل الفرد نفسه مثلًا: "لم ترقّى هذا الموظف الجديد الصغير في حين امتلك أنا الأقدميّة؟" توجد طريقتان يمكن للمديرين من خلالهما أن يتجنّبوا هذه الحالة. يمكن للمنظّمة (1) أن يختاروا ترقّي فقط الأفراد الّذين تتوافق صفاتهم مع العمل ومجموعة العمل أو (2) أن يحاولوا تغيير أفكار وقيم المجموعة. لا يبدو أيّ من هذين الحلّين واقعًا أو عادلًا. لذا يجب على المنظّمات الّتي تقدّر الإنجاز العالي حقًّا (وليس الأقدميّة) أن تتقبّل احتماليّة حدوث نزاع أحيانًا بسبب عدم التوافق هذا.

التوسع حول العالم (جدول)

أنظمة المراتب في سوق العمل الياباني

الإتيكيت في اليابان ليس مجرّد وصفة للاستجابة الاجتماعيّة الملائمة بل هو دليل كامل لممارسات الشخص في كلّ التفاعلات الاجتماعيّة. ومن جذور نظام التفاعل الاجتماعيّ هذا هي مرتبة الشخص ضمن المنظّمة والمجتمع.

يمكن رؤية أثر مرتبة الأفراد في اليابان بعدّة طرق. فعندما يلتقي رجلا أعمال مثلًا للمرّة الأولى يتبادلان بطاقات العمل خاصّتهم قبل أن يلقوا التحيّة حتّى. وبعد قراء البطاقة بعناية يصبح كلّ منهما على معرفة بمرتبة ومنصب الشخص الآخر في الهرميّة المؤسّساتيّة وبالتالي يعرف كيف عليه أن يتصرّف. على الشخص ذو المرتبة الأدنى أن ينحني انحناءً أدنى من الشخص ذو المرتبة الأعلى.

أيضًا عندما يركب أربعة مديرين سيّارة ما، تحدّد المراتب خاصّتهم أين سيجلس كلّ منهم. يظهر هذا في الشكل 9.6 حيث نرى أن المدير الأهمّ (الأعلى مرتبةً) يجلس في المقعد الخلفيّ مباشرةً خلف السائق. وبشكل مشابه يقف المدير الأدنى مرتبة بالقرب من لوحة الأزرار عند صعود أربعة مديرين إلى المصعد. في المطعم أو في غرفة الاجتماعات يجلس الأعلى مرتبةً في المكان الأبعد عن الباب في حين يجلس الأدنى مرتبةً في المكان الأقرب إلى الباب. حتّى ضمن غرفة الاجتماعات نفسها تعتبر الأريكة أعلى مرتبةً من الكرسيّ التقليديّ.

The Place of Honor in Japan.png

الشكل 9.6 أماكن الشرف في اليابان (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

من الواضح أن المرتبة تلعب دورًا مهمًّا في المجتمع اليابانيّ (وعدّة دول شرق آسيويّة أخرى). تعتمد المرتبة أيضًا على السنّ (عامل مهمّ في ثقافة هذه المجتمعات) وهو من العوامل التي تحدّد طبيعة التصرّف والتعامل بين الأشخاص. وبالرغم من أنّ بعض هذه الممارسات قد تبدو غريبة للعالم الغربيّ فهي طبيعيّة للغاية في اليابان. يؤمن اليابانيّون في الحقيقة أن هذه الإرشادات مفيدة وتساعد على تحديد العلاقات الاجتماعيّة وتجنّب المواقف المحرجة وجعل التعاملات المهنيّة أكثر راحةً. وسواء كان هذا صحيحًا أم لا، فأنظمة المراتب هي حقيقة حياتيّة يجب أن يعلمها المديرون الغربيّون إن أرادوا أن يقوموا بعملٍ في آسيا. الفشل في فهم الأنماط الاجتماعيّة كهذه تشكّل ضررًا للمديرين الغربيّين.

ترابط المجموعة

الترابط هو الخاصّة الخامسة من خصائص مجموعات العمل. نعرف جميعنا مجموعات يشعر أعضاؤها بدرجة عالية من المودّة وروح الفريق والوحدة. يبدو الفرد في هذه المجموعات مهتمًّا بسلامة ورفاه المجموعة وباقي أعضاء المجموعة. يكون هناك شعور "نحن ضدّهم هم" أي يوجد نوع من التقارب والتآلف بين أعضاء الفريق الواحد. تدعى هذه الظاهرة بظاهرة ترابط المجموعة. يشير ترابط المجموعة (group cohesiveness) إلى مدى اندفاع الفرد من المجموعة للبقاء فيها. ووفقًا لشو (Shaw): " يمتلك أعضاء المجموعات ذات الترابط العالي طاقة أكبر في أنشطة المجموعات، وهم أقلّ احتمالًا لأن يتغيّبوا عن اجتماعات الفريق، كما يكونون سعيدين عند نجاح المجموعة وحزينين عند فشلها، في حين يكون أعضاء المجموعات الأقلّ ترابطًا أقلّ اهتمامًا بأنشطتها."

سوف ننظر إلى منحَيَين في ترابط المجموعة. أولًّا سنلقي نظرةً على الأسباب الأساسيّة للترابط. وبعدها سنستطلع نتائجه.

محدّدات ترابط المجموعة. لِم تطوّر بعض مجموعات العمل درجةً أعلى من الترابط دون غيرها؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نفحص مكوّنات المجموعة بالإضافة إلى بعض المتغيرات الّتي تلعب دورًا في تحديد مدى الترابط. يُظهر الشكل 9.7 العوامل الأساسيّة الّتي تؤثّر على الترابط وتتضمّن التالي:

Determinants and Consequences of Group Cohesiveness.png

الشكل 9.7 محدّدات ونتائج ترابط المجموعات (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

  • تماثل المجموعة. كلّما كانت المجموعة أكثر تماثلًا بين أعضائها (أي أنّ أعضاءها يتشاركون خصائص وخلفيّات متشابهة) كلّما ازداد الترابط في هذه المجموعة.
  • نضج المجموعة. تميل المجموعات لأن تصبح أكثر ترابطًا مع مرور الوقت. يساعد التفاعل المستمرّ بين الأعضاء على تطوير الشعور بالقرب والتجربة المشتركة.
  • حجم المجموعة. من الأسهل على المجموعات الأصغر أن تكوّن ترابطًا أعلى وذلك قد يكون بسبب أنماط التفاعلات بين الأشخاص والتي تكون أقل تعقيدًا لديها.
  • مدى التفاعل. تميل المجموعات الّتي تمتلك فرصةً أعلى للتفاعل بشكل منتظم لأن تصبح أكثر ترابطًا من المجموعات الّتي تجتمع أقلّ أو الّتي يكون أفرادها منعزلين أكثر.
  • وضوح أهداف المجموعة. تستطيع المجموعات الّتي تعرِفُ تحديدًا ما الّذي تحاول إنجازه أن تطوّر ترابطًا أعلى. يعود ذلك بشكل جزئيّ إلى تشارك الإحساس بالمهمّة بين أعضاء الفريق وغياب التضارب حول المهمّة.
  • المنافسة أو الأخطار الخارجيّة. تميل المجموعات لأن تتكاتف مع بعضها عندما تشعر بتهديد خارجيّ "فالاتّحاد قوّة".
  • النجاح. يسهّل نجاح المجموعة في مهمّة سابقة على حدوث الترابط وانتشار شعور "لقد أنجزناها سويّةً".

بعبارة أخرى، يمكن أن تؤثّر العديد من العوامل على ترابط مجموعة العمل. من غير المعروف الطريقة الّتي تحدث فيها هذه العمليّة بالتحديد، ولكن بالرغم من ذلك يجب أن يدرك المديرون وجود عوامل معيّنة لترابط المجموعات إن أرادوا أن يفهموا طبيعة عمل المجموعات في المنظّمات. الجانب الآخر من ترابط المجموعات والّذي يجب أن يفهمه المديرون هو نتائج هذا الترابط.

نتائج ترابط المجموعات. كما يظهر في الشكل 9.7، يمكن تحديد عدّة نتائج لترابط المجموعة. النتيجة الأولى والأوضح هي الحفاظ على العضويّة. إن كانت جاذبيّة المجموعة أقوى من جاذبيّة المجموعات الأخرى يمكننا حينها أن نتوقّع بقاء الأفراد ضمن هذه المجموعة. أي أنّ معدّل الدوران سيكون أقلّ.

بالإضافة إلى ذلك، يزوّد الترابط العالي المجموعة بسلطة واضحة على أعضاء المجموعة. تعتمد سلطة مجموعة ما على أعضائها على المردود الّذي يتوقّع الأعضاء أن يتلقّوه من هذه المجموعة بالمقارنة مع المردود المتوقّع الحصول عليه بطرق أخرى. فعندما يرى الفرد المجموعة على أنّها أساسيّة لتحقيق أهدافه الشخصيّة سيخضع حينها الأفراد لرغبة المجموعة.

ثالثًا، يميل أعضاء المجموعات عالية الترابط إلى إظهار مشاركة وولاء أعلى. أظهرت عدّة دراسات أنّه كلّما ازداد الترابط في المجموعة كلّما ازداد التواصل بين أعضائها وازدادت درجة المشاركة في نشاطاتها كما انخفضت نسبة التغيّب. بالإضافة إلى ذلك يميل أعضاء المجموعات عالية الترابط إلى أن يكونوا أكثر تعاونًا وودًّا وأن يتصرّفوا بطريقة تُحسّن مستوى التكامل والتكاتف بين الأعضاء.

أخيرًا، ما هو أثر ترابط المجموعة على الإنتاجيّة؟ لا يوجد علاقة واضحة هنا، بل تُظهر الأبحاث أن درجة علاقة الترابط والإنتاجيّة مرتبطة بدرجة تقبّل أعضاء المجموعة لأهداف المنظّمة، يظهر هذا في الشكل 9.8، أي عندما يرتفع الترابط وتقبّل أهداف المؤسّسة ترتفع معها الإنتاجيّة، وعندما يرتفع التقبّل وينخفض الترابط ستكون الإنتاجيّة وسطيّة، في حين تنخفض الإنتاجيّة بشكل عامّ عندما ينخفض تقبّل الأفراد لها. بعبارة أخرى من المرجّح أن ينتُجَ أداءٌ أعلى عندما يتقبّل أعضاء الفرق عالية الترابط أهداف المنظّمة. وفي هذه الحالة كلا العاملَينِ مهمّان للأداء.

Group Cohesiveness, Goal Agreement, and Performance.png

الشكل 9.8 ترابط المجموعة وتقبّل الهدف والأداء. (حقوق النشر: جامعة Rice، منظّمة OpenStax، مرخّصة برخصة المشاع الإبداعيّ CC-BY 4.0).

إدارة التغيير

ترابط المجموعة

في عالم صناعة السيّارات الإبداعيّ والمتغيّر بسرعة من المهمّ التفكير في التطوير والتقدّم في خضم المنافسة الكبيرة في سوق العمل. وبالنسبة لفورد (Ford) وشيفروليه (Chevrolet) اللتان كانتا تمتلكان سيّارات شهيرة جدًّا -F-150 وhybrid Volt على الترتيب- كان إيجاد طرق لتحسين سياراتهما دون أن تتأثّر مزاياها أمرًا أساسيًّا.

كانت سيّارة فورد (F-150) واحدة من أكثر السيّارات مبيعًا لأكثر من 30 سنة، لكنّ تطوير الشركة لسيارتها الأكثر شعبيّةً شكّل تحدّيًا كبيرًا. في عام 2015 رغب فريق من الشركة بتصميم السيارة مع محرّك اقتصاديّ بستّة أسطوانات (EcoBoost) وهيكل كامل من الألومنيوم. كان الفريق قلقًا من أثر هذه التغييرات على السوق وأمل أن يتقبّل المستهلكون هذه التغييرات في سيّارتهم المحبوبة.

بدأ التخطيط لهذا قبل 18 شهرًا وعملت عدّة فرق عمل بالتزامن مع بعضها على عدّة جوانب من المشروع. كان كلّ فريق مسؤولًا عن جزء من المشروع الكلّيّ، وكانت الفرق تجتمع بشكلٍ مستمرّ لضمان أنّهم يعملون بشكل متناسق ليصنعوا سيّارة ناجحة. أنجع الاستراتيجيات التي عادت بفائدة كبيرة في هذه الآليّة الّتي استخدمتها فورد كانت قدرة الفرق على تشارك الآراء. يعبّر بيت رايز (Pete Reyes) عن عقليّة الفريق فيقول: "تخطّى الجميع الحدود، وعادوا جميعًا بالآراء الّتي شكّلت ما نعمل عليه الآن".

امتلاك فورد لترابط الفريق كان العنصر الّذي أوصلها لخطّ النهاية. ومع أكثر من ألف عضوّ في كامل الفريق استطاع الموظّفون أن ينجزوا سيّارة ناجحة حقًّا كان وزنها أقلّ من سابقاتها بـ 317 كيلوغرامًا تقريبًا، كما أضافوا عددًا كبيرًا من التحديثات الّتي جعلت السيّارة أكثر توفيرًا للوقود بمقدار 29%.

"التزمنا بالهدف المشترك…. لا أظنّ أنّني سأعمل أبدًا في فريق متقارب مثل هذا الفريق مجدّدًا" هذا ما قاله رايز حول فريق مديري التطوير في هذا المشروع. ونتيجة لعملهم المترابط هذا أعلنت فورد عن أرباح بمقدار 1.9 مليار دولار في الربع الثالث بزيادةٍ بلغت 1.1 مليار دولار عند نفس الفترة من عام 2014.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Group and Intergroup Relations) من كتاب Organizational Behavior





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن