اذهب إلى المحتوى

المهارات اللازمة لإدارة التكنولوجيا والابتكار في المؤسسات


هيفاء علي

هناك عدد من المهارات اللازمة لإدارة التكنولوجيا والابتكار في المؤسسات بنجاح، وبغض النظر عن طبيعة المؤسسة التي تعمل فيها، فإنَّ هناك نوعين من المهارات التي يجب تطويرهما على مستوى المؤسسة من أجل تحقيق النجاح، وهما: القدرة على إدارة عمليات التعلُّم والمعرفة، والقدرة على تحليل التوجُّهات المستقبلية والتنبُّؤ بها. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض المهارات المهمة لنجاح المؤسسة والتي ينبغي أن يتمتَّع بها أفراد المؤسسة، وتتضمَّن تلك المهارات: القيادة/ التبعية الفعَّالة، والتفكير الإبداعي. سنبيِّن فيما يلي كلًّا من هذه المهارات بشيءٍ من التفصيل.

مهارات إدارة التكنولوجيا والابتكار

القدرة على إدارة عمليات التعلُّم والمعرفة

ترتبط المهارات اللازمة على مستوى المؤسسة بالطريقة التي تنتهجها الشركة من أجل التنسيق بين الأفراد والموارد من أجل بناء قيمة لها وتطوير وإمكانياتها، وتستطيع المؤسسة من خلال الإمكانيات والاستراتيجيات المناسبة بناء ميزة تنافسية لها. تُعدُّ عمليات إدارة المعرفة والتعلُّم التنظيمي شديدة الأهمية في عالم التكنولوجيا والابتكار؛ إذ تحتاج المؤسسات إلى وجود أنظمة تُتيح لها جمع البيانات ومن ثمَّ تحليلها للخروج بالمعلومات المطلوبة للنجاح او التميذز بمُنتج أو خدمة ما، وينبغي الاستفادة من المعلومات من أجل اكتساب المعارف والخبرات، وهذا يؤدِّي إلى حدوث عملية تعلُّم عند كل خطوة تخطوها المؤسسة.

يُعرَّف التعلُّم التنظيمي (organizational learning) بأنَّه عملية اكتساب المعرفة من خلال جمع البيانات وتحليلها تحليلًا مُمنهجًا بهدف استخلاص المعلومات التي تُنقل وتُشارَك بعد ذلك عبر التواصل بين أعضاء المؤسسة. تُشكِّل عملية التواصل هذه الأساس لاكتساب المعرفة وتعزيزها داخل الشركة، وهناك نوعان من المعرفة التي يجب إدارتها: المعرفة الصريحة (المدوَّنة أو المكتوبة على هيئة قواعد أو إرشادات)، والمعرفة الضمنية (التي تنتج عن تجربة الفرد).

يمكن أن تتحوَّل المعرفة الضمنية عند مرحلة ما إلى معرفة صريحة إذا كان الشخص الخبير قادرًا على تدوين المعرفة للآخرين، ولكن ليس من الممكن دائمًا تدوين المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، رُفعت دعوى ضد المخترع هنري بيسمر (Henry Bessemer) من قِبل الجهات والمؤسسات التي اشترت براءة الاختراع لم تتمكن من النجاح في استخدام طريقته في تصنيع الفولاذ. أنشأ بيسمر بعد ذلك شركة خاصة به لتصنيع الفولاذ، وذلك لأنَّه أصبح يعرف كيفية تحديد الوقت المناسب لرفع درجة الحرارة وخفضها بناءً على الشوائب التي توجد في الحديد الخام، على الرغم من أنَّه لم يتمكَّن من نقلها (المعرفة الضمنية) إلى مستخدمي براءات الاختراع الخاصة به.

لقد أصبحت شركة بيسمر في الثمانينيات من القرن العشرين من كُبرى الشركات في العالم وأحدثت نقلة نوعية في مجال صناعة الفولاذ؛ فقد أصبح الحديد المطاوع والفولاذ متماثلين في الأسعار بعد انتشار عملية بيسمر، واتجه بعض مستخدمي الحديد، وخصوصًا مُصنِّعي السكك الحديدية، إلى استخدام الفولاذ عِوضًا عن الحديد.

إنَّ المعارف والخبرات المكتسبة من جمع البيانات وتحويلها إلى معلومات ضرورية للنجاح في إدارة التكنولوجيا والابتكار، ومن الجدير بالذكر أنَّ المعرفة التنظيمية تتكوَّن نتيجةً لمشاركة نتائج عمليات التعلُّم التي تحدث داخل الشركة والاستفادة منها.

Ben-Fried.jpg

يظهر في الصورة بن فريد (Ben Fried) وهو مدير قسم تكنولوجيا المعلومات في شركة جوجل. لا يكفي أن يمتلك مديرو تكنولوجيا المعلومات في عالم التقنيات المتطورة المُعاصر الذكاء التقني اللازم لتأسيس البنى التحتية العالمية لتكنولوجيا المعلومات، ودمج أنظمة الاتصالات مع الشركاء، وحماية بيانات الزبائن من المخترقين الماكرين فحسب؛ بل يجب أيضًا أن يتمتَّعوا بفطنة إدارية قوية. يُدير بن فريد التقنيات اللازمة لإجراء أكثر من تسعة مليارات عملية بحث يوميًا، كما يحرص أيضًا على زيادة كلّ من كفاءة العمل ونمو الشركة والأرباح. لماذا ينبغي على مديري تكنولوجيا المعلومات امتلاك الخبرتين التقنية والإدارية في الوقت نفسه؟ (مصدر الصورة: حساب Enterprise 2.0 Conference/ فليكر/ مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0))

القدرة على تحليل التوجُّهات المستقبلية

تُعدُّ القدرة على التنبُّؤ بالمستقبل من المهارات الأساسية اللازمة لإدارة التكنولوجيا والابتكار على مستوى المؤسسة، وتنطوي على دراسة وتحليل بيئة وسوق العمل تحليلًا مُعمّقًا من أجل تحديد التوجُّهات والمجالات التي يُمكن أن تتضمَّن فُرصًا للابتكار وبناء قيمة جديدة في المستقبل، وتنطوي أيضًا على إدراك المخاطر التي قد تُصاحب إحداث التجديد في الشركة، بالإضافة إلى المخاطر التي قد تُصاحب عدم السعي نحو التجديد والتطوير.

قد يؤدِّي كلا النوعين من المخاطر إلى فقدان الشركة للقيمة التي تُقدِّمها لزبائنها. في الواقع، تقترن جميع أساليب التنبُّؤ بمجموعة من القيود التي تتضمَّن ما يلي:

  1. نتائج أساليب التنبُّؤ -بطبيعتها- ليست مؤكَّدة، لذلك غالبًا ما تضع الشركات سيناريوهات تتعلَّق بأفضل النتائج وأسوأها وأكثرها احتمالًا في الحدوث، وبواسطة هذه المعلومات يُمكن تقييم المخاطر المُتوقّعة.
  2. التنبُّؤات يعتريها النقص؛ إذ لا تستطيع الشركات التنبُّؤ بجميع العوامل المؤثِّرة في السوق التنافسي. على سبيل المثال، كان بيسمر يُدرك أنَّ لديه عملية تصنيع أفضل، ولكنَّه لم يتنبَّأ بالمشكلات التي قد تنتج عن ترخيص براءة اختراعه.
  3. التنبُّؤات ما هي إلَّا تخمينات مدروسة؛ فالعديد من أساليب التنبُّؤ تعتمد على التحليل الإحصائي، ولكن حقيقة الأمر هي أنَّ الأرقام المستخدمة في عمليّة التحليل هي تنبُّؤات بحد ذاتها أو تعتمد على أنماط السلوك السائدة في السوق.
  4. على الرغم من جميع المشكلات المتعلِّقة بالتنبُّؤ، فإنَّ الشركة التي تضع تنبُّؤات ممتازة غالبًا ما تتمكَّن من صياغة استراتيجية أفضل وتحقيق قيمة أكبر.

يُمكن أن يُساهم نظام إدارة المعرفة الخاص بالشركة في تعزيز قدرتها على التنبُّؤ، كما أنَّ اكتساب الخبرة ودراسة توجُّهات السوق وبيئة العمل يُمكن أن يُساعد الأفراد وفرق العمل على التنبُّؤ بدقة أكبر.

مهارات مهمة إضافية لنجاح المؤسسة

بالإضافة إلى ما سبق، ينبغي أن يمتلك أفراد المؤسسة أيضًا مهارات معينة لتحسين عمليات إدارة التكنولوجيا والابتكار، وتتضمَّن هذه المهارات: القدرة على تحقيق التوازن بين القيادة والتبعية، والقدرة على التفكير الإبداعي.

Needed-Skills-for-MTI.jpg

المهارات اللازمة لإدارة التكنولوجيا والابتكار (حقوق النشر محفوظة لجامعة رايس، OpenStax، مستخدمة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC-BY 4.0))

يُدرك معظم أفراد المؤسسة معنى القيادة، ومن المهم أن يكون الشخص المناسب في موقع القيادة عند الحاجة لإدارة التكنولوجيا والابتكار بنجاح. على سبيل المثال، عند تطوير منتج جديد، قد يكون القائد أثناء مرحلة التصميم مهندسًا، وفي مرحلة تطوير النموذج الأولي مهندسًا أو موظف إنتاج، وعند طرح المنتج في السوق مُسوِّقًا. ينبغي أن يتواصل هؤلاء الأفراد معًا، وقد يكونون جميعًا ضمن فريق مشروع واحد يخضع لإشراف أو تنسيق مدير مشروع معين، ومع ذلك تتغيَّر القيادة المسؤولة عن المشروع خلال مراحله المختلفة من الإنشاء إلى مرحلة التسويق، كما اتَّضح من المثال السابق.

لا شكَّ أنَّ القيادة في غاية الأهمية، وكذلك التبعية. إنَّ التبعية (followship) هي انعكاس للقيادة، ولا يُمكن أن يكون هناك قادة بدون وجود أتباع، كما أنَّ تصرُّفات الأتباع هي التي تُحدِّد نجاح القائد. يُمكن القول أنَّ نجاح المؤسسات هو نِتاج التبعية الجيِّدة أكثر من كونه نِتاج القيادة العظيمة. إنَّ القيادة هي القدرة على التأثير في الآخرين، والتبعية هي الانقياد للتأثير أو قبوله. وعلى الرغم من أنَّ هناك مجموعة مهارات متعلِّقة بالقيادة وأخرى متعلِّقة بالتبعية أيضًا، إلَّا أنَّ الواقع يُشير إلى أنَّ معظم الناس لن يُقدموا على أخذ دروس في التبعية، بخلاف مهارات القيادة التي تُدرس جيدًا وتحظى باهتمام مُتزايد.

في مثال تطوير المنتج الجديد الذي ذكرناه سابقًا، كان كل فرد من فريق العمل قائدًأ خلال مرحلة ما من المشروع، وتابعًا في مراحل أخرى أثناء تنفيذ المشروع. يقضي الأفراد كثيرًا من الوقت في محاولة اكتساب مهارة القيادة وتعلُّمها، ولكن امتلاكهم أيضًا لمهارة التبعية مهم جدًّا لنجاح المؤسسة. غالبًا ما يتولَّى قيادة الشركات الابتكارية شخصان يقودان ويتبعان بعضهما بعضًا. على سبيل المثال، تأسَّست شركة مايكروسوفت بواسطة بيل غيتس وبول ألين، ومن الشركات المشهورة الأخرى التي أقامها شخصان: سيرز وروبوك، وبروكتر وغامبل، وماركس وسبنسر.

خصائص الأتباع

إنَّ هناك مجموعة من الخصائص التي يتميَّز بها الأتباع الجيِّدون، وهذه الخصائص تتضمَّن ما يلي:

  1. صادقون؛ فالأتباع الذين يقولون الصدق ويُفصحون عن آرائهم بصدقٍ وشفافيّة والقادة الذين يُحسنون الاستماع يُشكِّلان معًا فريقًا ناجحًا.
  2. داعمون؛ لا يُلقون اللوم على رؤسائهم في العمل بسبب قرار أو سياسة غير مرغوبة؛ بل يثقون برؤسائهم.
  3. يُتيحون لرؤسائهم الاستفادة من معارفهم وخبراتهم؛ لأنَّهم يُدركون أنَّ مهمتهم هي تحقيق النجاح للمؤسسة.
  4. يُبادرون بمعالجة المشكلات من خلال تقديم الحلول؛ ولا يقتصرون على طرح القضايا فقط.
  5. يُطلعون القائد على المستجدات بانتظام. يُشير الواقع إلى أنَّه كلَّما كان المدير في مستوى أعلى في المؤسسة، قلَّ ميل أفراد المؤسسة إلى التحدُّث معه بصراحة، ولكنَّ الأتباع الرائعين يحرصون على تقديم المعلومات والمعارف والخبرات الجيِّدة والسيئة لمديريهم، بغض النظر عن المستوى الإداري الذي يكون فيه.

الاستعداد لمواكبة مستقبل التكنولوجيا والابتكار

يجب على أفراد كل مؤسسة في الوقت الحاضر مراعاة عدة أمور داخل المؤسسة وخارجها من أجل مسايرة التغيُّرات التكنولوجية العصريّة المُتسارعة ومواكبة عمليات الابتكار اللازمة. تشتمل الأمور الخارجية التي ينبغي مراعاتها على دراسة بيئة العمل من خلال متابعة ما يُنفِّذه المنافسون، بالإضافة إلى معرفة كل المستجدّات حول الاختراعات والاكتشافات التي قد تحتل مكانًا بارزًا في السوق، وينبغي أن تُسهم المعلومات التي تُجمع أثناء عملية دراسة بيئة العمل الخارجية في إبقاء المؤسسة على اطلاع فيما يتعلَّق بالتوجُّهات العامة والفرص المتاحة أمامها من أجل تطوير وبناء قيمة جديدة لها. في المقابل، تتضمّن الأمور الداخلية التي ينبغي مراعاتها الإلمام بالمهام والعمليات والمهارات الموجودة حاليًا في المؤسسة.

عند تحديد السيناريوهات المستقبلية المحتملة في بيئة العمل الخارجية، بالإضافة إلى الإلمام بالموارد والإمكانيات التي تمتلكها المؤسسة، تُصبح وظيفة المسؤولين عن إدارة التكنولوجيا والابتكار هي الإجابة عن الأسئلة الرئيسية التالية:

  1. أين نحن الآن؟
  2. إلى أين نريد الوصول؟
  3. ما الذي نحتاجه للانتقال من هنا إلى هناك؟

ترجمة -وبتصرف- للفصلين Skills Needed for MTI و Managing Now for Future Technology and Innovation من كتاب Principles of Management

اقرأ أيضًا


تفاعل الأعضاء

أفضل التعليقات



انضم إلى النقاش

يمكنك أن تنشر الآن وتسجل لاحقًا. إذا كان لديك حساب، فسجل الدخول الآن لتنشر باسم حسابك.

زائر
أضف تعليق

×   لقد أضفت محتوى بخط أو تنسيق مختلف.   Restore formatting

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   جرى استعادة المحتوى السابق..   امسح المحرر

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.


×
×
  • أضف...