مدخل إلى عالم الأعمال حال ريادة الأعمال في الوقت الراهن


مجد اسماعيل

لقد باتت فكرة ريادة الأعمال الفكرة الأكثر شيوعا وانتشارا في السنوات الأخيرة، حيث صار الآلاف من روّاد الأعمال يأتون من خلفياتٍ، وأعمارٍ متنوعة، لدرجةِ أنَّ الأطفال باتوا يؤسسون شركات تقنية متطورة، منفردين بمشاريعهم التجارية الخاصة بهم. كما بات خريجو الجامعات يبتعدون عنِ العمل لدى الشركات، مفضّلين تأسيسَ مشاريعهم الخاصة، وينطبق ذلك على من أُنهيت وظائفُهم، وعلى المديرين التنفيذيين في منتصف حياتهم المهنية، وعلى المتقاعدين كذلك، والذين نراهم يؤسسون الشركات التي طالما حلموا بها.

وفي ظل توسع الاهتمام بأفكار ريادة الأعمال وزيادة الإقبال عليه، نعرض عليكم في الباب الخامس من سلسلة مدخل إلى عالم الأعمال والذي يتعلق بشكل مباشر بالعمل التجاري الخاص وكيفية إدارته والريادة فيه، أهم النقاط المتعلقة بريادة الأعمال، من خلال التعريف بهذا المفهوم، ذكر أنواعه، خصائص القائمين به، كيفية إنشاء مشروع تجاري خاص وإدارته وتحقيق الريادة فيه، لننتقل في نهايته إلى ذكر أبرز الاتجاهات التي ترسم ملامحَ ريادةِ الأعمال، وملكية المشاريع الصغيرة في الوقت الراهن.

أما هذا المقال وهو نقطة انطلاقنا في شرح هذا الباب، فسيتم فيه التعرف على مفهوم ريادة الأعمال للتمكن من إيجاد الفرق بينه وبين المفاهيم الأخرى المشابهة له، كما سيتم ذكر أهم أسباب التوجه إلى ريادة الأعمال دون سواها من خلال عرض مجموعة تجارب واقعية، لنتعرف في نهايته على أنواع رواد الأعمال.

لماذا يصبح الناس رواد أعمال؟

لقد أظهرَ الأخوان فيرناندو وسانتياغو أغويري نزعةً نحوَ ريادة الأعمال في سنٍّ مبكرة؛ فقد باع فيرناندو ذو التسع السنوات- وسانتياغو ذو الثمانية الأعوام- الفريز، والفجل في فسحةٍ قريبة من منزل والديهما، الواقع في مدينة مار ديل بلاتا (Plata del Mar) الأرجنتينية المُطلَّةِ على ساحل المحيط الأطلسي، وفي سنّ الحادية عشرة، والثانية عشرة، قدَّمَ الأَخَوَان خدمةَ إصلاحِ ألواح ركوب الأمواج من ورشتهما الخاصة، وخلال فترة مراهقتهما، افتتحا أولَ متجرٍ في الأرجنتين لبيعِ لوازم هواية ركوب الأمواج، الذي شكَّلَ نواةَ أكثرِ مشاريعهما الريادية طموحًا.

لقدِ انتبهَ الأخوان إلى أنَّ المشيَ على الرمال الحارة، بنعال الشاطئ قليلةِ السماكة، لم يكن مريحًا؛ فأنفقا مدخراتهما البالغة 4000 دولارٍ في سبيل إطلاق مشروع خطِّ إنتاجِ صنادل شاطئية خاصٍّ بهما، وذلك في العام 1984. وها هما اليوم يصنَّعان صنادل، وأحذيةً للنساء، والأطفال، والرجال، إلى جانب ألبسةٍ رجالية، وغدت ماركة الصنادل ريف (Reef) العائدة لهما، من أقوى ماركات الأحذية الشاطئية في العالم، والتي لا يكادُ يخلو متجرُ لوازم هواية ركوب أمواجٍ في الولايات المتحدة منها.

التأثيرُ الاقتصادي الذي تتركه الشركاتُ، والمشاريعُ التجارية الصغيرة

معظمُ الشركات في الولايات المتحدة صغيرةُ الحجم:

80% من الشركات الصغيرة البالغ عددُها 29.7 مليونًا تقريبًا (أي حوالي 23.8 مليون شركة) ليس لديها موظفون (بمعنى أنَّ تلك الشركات تُدارُ من قِبَل أفرادٍ، أو مجموعاتٍ صغيرة من الشركاء، مثل: الأزواج). لا يزيد عدد موظفي 89% من الشركات التي لديها موظفون، والبالغ عددُها 5.8 مليون تقريبًا (أي حوالي 5.2 مليون شركة)، عن 20 موظفًا. لدى 99.6% من جميع تلك الشركات التي لديها موظفون (أي حوالي 5.7 مليون شركة) ما بين 0 إلى 99 موظفًا؛ ولدى 98% منها ما بين 0 إلى 20 عاملًا. لدى حوالي 5.8 ملاين شركة، أقل من 500 موظفٍ لكلٍّ منها. يبلغ العددُ التقريبي للشركات التي يتجاوز عددُ موظفي كلٍّ منها 500 شخصٍ -19,000 شركة -فقط- في الولايات المتحدة. تدفعُ الشركات التي لا يتجاوز عدد موظفي كلٍّ منها 50 موظفًا، أكثرَ من 20% من الرواتب في الولايات المتحدة. تدفعُ الشركات التي لا يتجاوز عدد موظفي كلٍّ منها 500 موظفٍ أكثرَ من41% من الرواتب في الولايات المتحدة. يعمل 32.5 مليون شخصٍ في شركاتٍ لا يتجاوز عددُ موظفيها 50 شخصًا. (أي موظفٌ واحد من أصل أربعة). * تدفع تلك الشركاتُ الصغيرة ملايين الدولارات لمالكيها غير المسجلين في الإحصاءاتِ الخاصة بالتوظيف.

الجدول 5.1

ويقول كريستي غلاس لو (Christy Glass Lowe)، وهو المشرفُ على صناعة الألبسة الخاصة بهواية ركوب الأمواج لدى شركة يو إس بي إكس محدودة المسؤولية للخدمات الاستشارية (USBX Advisory Services LLC) عن ماركة الصنادل ريف (Reef): "لقد أسسوا علامةً تجارية من لا شيء، وها همُ اليومَ يحتلون الريادةَ في السوق".

وقد باعَ الأخوان أغويري، اللذان يعيشان الآن قريبًا من بعضهما في منطقة لاجولا (Lajolla) بكاليفورنيا، علامتهما التجارية ريف (Reef) إلى شركة في إف كوربوريشن (VF Corporation) مقابل 100 مليون دولار في العام 2005. وحول عملية البيع تلك يقول فيرناندو: "لقد بِتنا أحرارًا أخيرًا؛ أما سانتياغو، فيُردف قائلًا: "لقد قايضنا المالَ بالوقت". وما يزال فيرناندو ناشطًا في المنظمات المرتبطة بركوب الأمواج، وهو الآن رئيسُ الاتحاد الدولي لركوب الأمواج (International Surfing Association) حيثُ يُعرَف ب "سفير الموجة" لجهوده التي بذلها في حثِّ أعضاء اللجنة الدولية الأولمبية (International Olympic Committee)، البالغِ عددهم تسعين عضوًا، على التصويت بالإجماع، لصالح إدراج رياضة ركوب الأمواج في قائمة الألعاب الأولمبية لعام 2020، كما أُطلِق عليه لقب "مَلَّاحُ العام" من قِبل جمعية مُصنِّعي ركوب الأمواج (Surf Industry Manufacturers Association) لمرتين في غضون 24 عامًا. ويتولى سانتياغو جمعَ الأموال لصالح الجمعية الخيرية المفضَّلةِ لديه، وهي جمعية سيرف إيد (SurfAid). ويستمتعُ الأخَوان أغويري بخدمةِ صناعةٍ أحسَنَتْ خدمتهما.

تعد الولاياتُ المتحدة محظوظةً برصيدها الزاخر بروّاد الأعمال، الذِين يرغبون في بدء مشاريعهم التجارية الصغيرة أمثال الأخوين أغويري، ووفقًا لدراسةٍ أجرتها إدارةُ المشاريع الصغيرة (Small Business Administration) في الولايات المتحدة، يرغبُ ثلثا طلاب الجامعات في أن يصبحوا رُوَّادَ أعمالٍ في مرحلةٍ ما من مسيرتهم المهنية، طامحين إلى تكرار تجرية بيل غيتس؛ مؤسسِ شركة مايكروسوفت، أو جيف بيزوس (Jeff Bezos)؛ مؤسس موقع أمازون (Amazon.com). ولكن، قبل أن تستثمرَ أي أموال، وتكرس أي وقتٍ، أو طاقة، حَرِيٌ بك أن تطلع على الجدول 5.2 لتستفيد من بعض النصائح الأولية.

ولا تنحصر رغبةُ الناس في أن يغدوا روّادَ أعمالٍ في عمرٍ محدد، ولا جنسٍ، ولا إثنيةٍ بعينها؛ بل هي عابرةٌ لكل ما سبق ذِكرُه، وتُظهِرُ نتائجُ حديثةٌ لمسحٍ أجراه مكتب تعداد سكان الولايات المتحدة (US. Census Bureau) أنَّ نسبة مالكي المشاريع التجارية من الأقليات، والنساء، تشهد ارتفاعًا يفوق المعدل الوسطي القومي، ويبيّنُ الجدول 5.3 التركيبة السكانية الخاصة بتلك المشاريع المملوكة لأشخاصٍ تابعين لجماعات الأقليات في الولايات المتحدة.

ولكن، لِمَ بقيت ريادةُ الأعمال، تحتل ذلك الجزء الكبير في تركيبة نظام الأعمال التجارية في الولايات المتحدة، طوال تلك السنوات؟ باختصار، لأن النظام الاقتصادي العالمي السائد اليوم، يُكافئ الشركاتِ ذات المرونة، والابتكار، والقادرةِ على التكيُّف سريعًا مع التغييرات التي تطرأ على بيئة الأعمال التجارية، وتبدأ تلك الشركات -بفضل روّادِ أعمالٍ ذوي رؤيةٍ، ودافعٍ، وإبداعٍ، وراغبين في المخاطرة -بتأسيس مشروعٍ تجاري، وإدارته لتحقيق الربح.

هل أنت مستعدٌ لتغدوَ رائدَ أعمال؟

فيما يلي بعضُ الأسئلة التي على رواد الأعمال المستقبليين طرحُها على أنفسهم:

  1. ما هو الجديدُ، والمُبتَكَرُ في فكرتك؟ هل ستحلُّ بفكرتك تلك، مشكلةً عالقة، أو ستسدُّ بها حاجةً غير مُلبَّاة؟
  2. هل هناك سلعٌ، أو خدماتٌ مشابهة لتلك التي تنوي تقديمَها؟ في حال كان الجواب "نعم"، فما الذي يميز تلك الخاصة بك؟
  3. من همُ الزبائن الذين ستستهدفُهم السلعةُ، أوِ الخدمةُ التي تنوي تقديمها؟ وكم يبلغُ عدد الذين سيشترون تلك السلعة، أو الخدمة؟
  4. هل تحدّثت إلى زبائن محتملين لتقفَ على آرائهم؟ هل سيشترون السلعة، أو الخدمة التي تنوي تقديمها؟
  5. ماذا عن تكاليف الإنتاج؟ وكم من المال تتوقع أن يدفع الزبائن؟
  6. إلى أي مدىً يمكنك الدفاعُ عن المفهوم الخاص بالمنتج، أو الخدمة التي ستقدم؟ هل هناك ملكيةٌ فكرية وجيهة؟
  7. هل هذا الابتكار استراتيجيٌ بالنسبة لمشروعك التجاري؟
  8. هل يسهلُ عليك إيصالُ هذا الابتكار، ونشرُه؟
  9. كيف تتوقع أن يتطور المنتَجُ الخاص بك مع الوقت؟ هل من الممكن أن يتطور ليصل إلى مستوى خطِّ إنتاج؟ هل يمكن أن يُحدَّثَ، أو يُعزَّزَ في الإصدارات المستقبلية؟
  10. من أين سيشتري الناسُ ذلك المنتَج، أو تلك الخدمة؟
  11. كيف سيُسوَّقُ لذلك المنتج، أو تلك الخدمة؟ وما هي نفقاتُ بيعه، وتسويقه؟
  12. ما هي التحدياتُ، والعقبات التي تواجه تطوير هذا المنتج، أو تلك الخدمة؟

الجدول 5.2

إحصاءاتٌ خاصةٌ بشركاتٍ مملوكة لأشخاصٍ منتمين إلى أقليات
ارتفعَ عددُ الشركات المملوكة لأشخاصٍ من أصولٍ إسبانية، ثلاثة أضعافٍ -تقريبًا- بين عامَي 1997 (1.2 مليون) و2012 (3.3 ملايين). ازداد عددُ الشركاتِ الأمريكية التي لديها بين 1 إلى 50 موظفًا، المملوكةِ لأمريكيين من أصولٍ إفريقية، بنسبة 50% بين عامَي 1996 و 2015. هناك مليون شركة -تقريبًا- لديها موظفون، مملوكةٍ لأشخاصٍ ينتمون إلى أقليات: 53% منها مملوكة لأمريكيين من أصول آسيوية، و11% منها مملوكٌ لأمريكيين من أصول أفريقية، وثلثها -تقريبًا- مملوك لأشخاصٍ من أصول إسبانية. تبلغ نسبة الشركاتِ التي لديها موظفون، المملوكةِ لنساءٍ 19%.

الجدول 5.3

رائدُ أعمالٍ أم مالكُ مشروعٍ صغير؟

يُستخدَمُ مصطلحُ رائد أعمال (Entrepreneur) -غالبًا- بمعناه الواسع، ليشملَ مالكي المشاريع التجارية الصغيرة، وتتشارك تلكما الفئتان بعض الخصائص ذاتها، وسنرى التشابه القريب جدًا بين ما يجعلك تصبح رائدَ أعمالٍ، أو مالكَ مشروعٍ تجاري صغير، ولكنْ، يوجد اختلافٌ بين ريادة الأعمال، وبين إدارة المشاريع التجارية الصغيرة؛ فريادةُ الأعمال تحملُ في طيّاتها مخاطرةً، إما لغرض بدءِ مشروعٍ تجاريٍّ جديد، أو لتغيير نطاقِ واحدٍ موجود، واتجاهِه، فعادةً ما يكونُ روّادُ الأعمال أشخاصًا مبتكِرين، يفتتحون شركاتهم الخاصة؛ سعيًا وراء تجسيد أفكارهم حول منتَجٍ جديد، أو خدمةٍ مبتكرة؛ فهًم ذوو بصائر تُمكِّنُهُم منِ التقاط الاتجاهات الحديثة في عالم الأعمال التجارية، واستثمارها.

وعلى الرغم من أنّ رواد الأعمال قد يكونون مالكي مشاريع تجارية صغيرة، فليس كُلُّ أصحاب تلكَ المشاريع التجارية روّادَ أعمال؛ فمالكو المشاريع التجارية الصغيرة هم: إما مديرون، أو أشخاصٌ ذوو خبرةٍ فنية، بدؤوا مشاريعَ تجاريةً، أو اشترَوا مشاريع موجودةً، واتخذوا قرارًا واعيًا، بإبقاء مشاريعهم تلك ذاتَ حجمٍ صغير؛ فصاحبُ متجرِ الكتب في الحي الذي تقطن فيه، هو مثالٌ على مالكي مشاريع تجارية صغيرة، والكتب هي من السلع التي يبيعُها جيف بيزوس، مؤسِّسُ موقع أمازون (Amazon.com)؛ ولكنَّ جيف بيزوس رائدُ أعمال، تتجلى ريادتُهُ تلك في تطويره نمطًا جديدًا لبيع الكتب بالتجزئة عبر الإنترنت، فقد أحدث ثورةً في مجال بيع الكتب حول العالم، ولكنه لم يتوقف هنا، بل أكمل مسيرتَه ليغيِّرَ وجهَ البيع بالتجزئة تغييرًا كبيرًا. ويتميزُ روّادُ الأعمال بأنهم أقلَّ اقتناعًا من غيرهم بالوضع الراهن، وبأنَّ لديهم نظرةً أكثرَ طُموحًا من مالكي المشاريع التجارية الصغيرة.

أنواع روّاد الأعمال

يُصنَّفُ روّادُ الأعمال في ثلاث فئاتٍ هي:

  • رواد الأعمال التقليديون (Classic Entrepreneurs).

  • رواد الأعمال متعددو المشاريع التجارية (Multipreneurs).

  • روّاد الأعمال الموظَّفون (Intrapreneurs).

روّاد الأعمال التقليديون

هم أشخاصٌ مجازِفون، أسسوا شركاتِهم انطلاقًا من أفكار مُبتَكَرة، وينتمي إلى هذه الفئة من روّاد الأعمال، ما يُسمّى "روّادُ الأعمال الصغار" (micropreneurs) الذين يؤسسون شركاتٍ صغيرة، ويقررون إبقاءها كذلك، فيفعلون ذلك -أحيانًا- لمجرّد إشباع رضاهم الذاتي، أو تماشيًا مع نمط حياتهم، ومنَ الأمثلة على رواد الأعمال الصغار: امرأةٌ تُدعى ميهو إناغي (Miho Inagi) كانت في زيارةٍ إلى نيويورك مع صديقة لها في العام 1998، وقد أعجبها مذاقُ الكعكَ الذي كان يُباعُ هناك، فتقول فيه: "لم أتوقَّع أن شيئًا ما مثل الكعك، يمكن أن يكون لذيذًا لتلك الدرجة"، ثم دفعَها شغفُها بالكعك إلى تركِ عملها في أحد المكاتب، والسَّعي وراءَ حلمها الذي كان افتتاحَ متجر الكعك الخاص بها في طوكيو، عاصمةِ اليايان، وعلى الرغم من محاولة أهلها ثَنيَها عن فكرتها تلك، وعدمِ رواجِ الكعك في اليابان خلال تلك الفترة، فلم تفتُر عزيمتُها، ولم تتخلَّ عن حلمها، فزارت مدينة نيويورك مراتٍ عديدةً بعد ذلك، ومن بينها رحلةُ تدريبٍ غيرِ مدفوع، مدتُها ستة أشهر، قضتها بين أروقة متجر إي إس إس - أي- بيغل (ESS-a-Bagel) حيثُ عملت في استلام طلبات الزبائن، وتنظيف الصواني، ومسح الأرضيّات، وسمح لها مالكُ المتجر، فلورنس ويلبون (Florence Wilpon) بتحضير العجين.

وفي شهر أغسطس من العام 2004، وبعد اقتراضها 30 ألف دولار من أهلها، بالإضافة إلى 20 ألفًا من مدخراتها، افتتحت ميهو متجرَ كعكٍ صغيرًا، أسمتهُ مارويتشي بيغل (Maruichi Bagel)، وكان ذلك في توقيتٍ صبَّ في صالحها بدرجة مذهلة، بما أنَّ اليابان كانت مُقبِلةً على طفرةٍ في استهلاك الكعك، وبعدَ بدايةٍ بطيئة، دفعَ تقييمٌ إيجابيٌّ حصل عليه متجرُها على موقعٍ إلكتروني خاصٍ بالكعك، جموعَ المستهلكين إلى الإقبال بكثافةٍ، قاصدين متجرها الذي كان يُنتِجُ ما عُدَّ وقتَها الكعك الألذَّ في طوكيو كُلِّها، وتكسبُ ميهو 2000 دولارٍ شهريًا -فقط- بعدَ اقتطاعِ تكاليف الإنتاج، وهو مساوٍ للمبلغ الذي كانت تتقاضاه عندما كانت موظفةً لدى إحدى الشركات، وتعبِّرُ عن تجربتها تلك بقولها: "لم يكُن لديَّ أهدافٌ قبلَ افتتاج هذا المتجر، ولكنّيَ الآن أشعرُ بالرضا".

وعلى النقيض من رواد الأعمال الصغار مثل: ميهو إناغي، يريد روّادُ الأعمال الطامحون نحو النمو (growth-oriented entrepreneurs) لمشاريعهم التجارية أن تتوسع لتغدوَ شركاتٍ كبرى، ومن الأمثلة على ذلكَ: شركاتُ التقنيات المتطورة، التي تأسسَ معظمُها على يد روّاد أعمالٍ لديهم ذلك الطموح، فقد أدرك جيف بيزوس، مؤسس موقع أمازون، أنه قادرٌ باستخدام التقنية، والإنترنت، على منافسة شركاتٍ كبرى لبيعِ الكتب بالتجزئة، وتمثَّل هدفُ ذلك الرجل في تحويل شركته إلى مشروعٍ ذي نموٍّ عالٍ، فاختار لها اسمًا يعكسُ رؤيته تلك، وهو أمازون (Amazon.com)، وما إنْ نجحت شركتُه في مجال بيع الكتب، حتى طبَّق نمطَ البيعِ بالتجزئة عبر الإنترنت على خطوطِ إنتاجٍ أخرى، بدءًا من الدُّمى، مرورًا بأغراض المنازل، والحدائق، وأدواتها، والملابس، وصولًا إلى الموسيقى، والخدمات، وبالشراكةِ مع بائعي تجزئة آخرين، يخطو جيف بيزوس بثباتٍ نحوَ تحقيق رؤية شركته أمازون في أن تغدوَ "أكثر شركاتِ الأرض تركيزًا على العملاء، ومركزًا يقصده القاصي، والدّاني، للعثور على كل ما يودّون شراءه على الإنترنت، واكتشافه.

روّاد الأعمال متعددو المشاريع التجارية

يُسمى النوع الثاني من روّاد الأعمال "روّاد الأعمال متعددو المشاريع التجارية"، وهم الذين يؤسسون سلسلةً من الشركات، ويجدون لذّةً في خوض غمار التحدي المتمثل في بناء مشروعٍ تجاري، ورؤيتِه يكبُر، وقد عبّر أكثرُ من نصف المديرين التنفيذيين لشركاتٍ مدرجة على قائمة مجلة إنك (Inc.) التي تضم 500 شركة عن نيتهم في تأسيس شركاتٍ أخرى في حال باعوا شركاتهم الحالية، وخيرُ مثالٍ على هذا النوع من رواد الأعمال: الأَخَوان جيف وريتش سلون (Jeff & Rich Sloan) اللذَان حوَّلا أفكارًا كانت تبدو غير قابلة للتطبيق، إلى شركاتٍ لاقتِ النجاح، فخلال ما يزيد على عشرين سنةً خلت، عَمِلا في تجديد المنازل، وامتلكا مشروعًا لتربية الأحصنة والتسويق لها، واخترعا جهازًا يمنعُ تلفَ بطاريات السيارات، وغير ذلك من أعمال، أما مشروعهما الأخير، وهو شركة وسائط متعددة تُسمّى ستارت أب نيشن (StartupNation)، فتساعد الأفراد في تحقيق أحلامهم الخاصة بريادة الأعمال، ويعلم هذان الأخوان ما هي الشركةُ التي يريدان تأسيسَها تاليًا: إنها شركتُك.

الصورة 5.2 الفصل 5.jpg

الصورة 5.2: لو تجسَّد النجاحُ في مجال الطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية على مدى العشر السنوات الماضية في شخصٍ واحد؛ لكان إيلون مسك (Elon Musk)، وهو مؤسس شركة تيسلا (Tesla)، ورئيسُها التنفيذي. فمنذ العشر السنوات الأولى من العام 2000 التي أسسَ خلالها هذا الرجل شركته، مُطلِقًا العنان للابتكار في مجال الطاقة الشمسية، وللاستكشاف التجاري للفضاء، عبر تقنية استكشاف الفضاء سبيس إكس (SpaceX) -كان ماسك رائدَ ابتكاراتٍ لا تُحصى؛ فمَثَّلت إنجازاتُه تحدِّيًا للشركات المنصنِّعة للسيارات، والشاحنات، ولشركات الطاقة -كذلك- لتعيد التفكير في طريقة عملها. (حقوق الصورة محفوظة لـــ: ستيف جرفتسون/ فليكر).

رواد الأعمال الموظفون

لا يملك بعضُ رواد الأعمال شركاتٍ خاصةً بهم، بل يوظِّفون إبداعهم، ورؤيتهم، ومجازفتهم، ضمن شركةٍ كبيرة يعملون لديها، ويُدعى روّادُ الأعمال هؤلاء "روّادُ الأعمال الموظَّفون (Intrapreneurs)" الذين يتمتعون بحُرّيةٍ تتيح لهم تغذيةَ أفكارهم، وتطويرَ منتجاتٍ جديدة في ظل تلقّيهم رواتب، ودعمًا ماليًا من قبل الجهة الموظِّفةِ لهم، ولديهم مستوىً عالٍ من الاستقلالية لإدارة شركاتهم الصغيرة، ضمن المشروع الأكبر حجمًا، وينتظم روّادَ الأعمال هؤلاء كثيرٌ من سماتِ الشخصية التي لدى رواد الأعمال التقليديين، ولكنهم أقلُّ منهم مجازفة على الصعيد الشخصي، ووفقًا **لغيفورد بينشو **(Gifford Pinchot)، الذي كان أوَّل من صاغ مصطلح "رواد الأعمال الموظفون (Intrapreneurs)" في كتابه الذي يحمل الاسم ذاته "إنترابرونرز" (Intrapreneurs)، تقدّم الشركاتُ الكبرى التمويلَ الأولي للجهود الخاصة بريادة الأعمال داخل المؤسسة، ومن الأمثلة على تلك الشركات: شركة إنتل (Intel)، وشركة آي بي إم (IBM)، وشركة تكساس إنسترومنتس (Texas Instruments)؛ وهي شركة رواد أعمال موظفون رائدة، وشركة سيلزفورس دوت كوم (Salesforce.com)، وشركة زيروكس (Xerox).

لم قد تصبح رائد أعمال؟

مثلما تُظهِرُ الأمثلةُ في هذا الفصل؛ يُوجَدُ روادُ الأعمال في المجالات الاقتصادية كافة، ولديهم دوافع عديدة لتأسيسِ شركاتهم، والسببُ الأكثر شيوعًا لدى رواد الأعمال ليصبحوا روّاد أعمال، وفقًا للمديرين التنفيذيين للشركات الخمسمئة المدرجة على قائمة إنك 500 (Inc. 500) السنوية، لأسرع الشركات الخاصة نموًّا -هو تحدي تأسيس مشروعٍ تجاري، تليه الرغبةُ في تحديد مصيرهم.

ومن الأسباب الأخرى التي تدفع الأشخاص إلى أن يصبحوا رواد أعمال: الاستقلال المالي، والشعور بالإحباط الذي يولّده العملُ لدى الآخرين، وهناك حافزان مهمان ذُكِرا في دراسات أخرى؛ الأول: هو الرغبة الشخصية في أن يكونَ الشخص رائدَ أعمال، والثاني اختيارُ نمطِ الحياة، الذي يرغبُ فيه رواد الأعمال.

هل يشعر روّادُ الأعمال بأنّ ممارستهم عملًا خاصًا بهم كان جديرًا بالمحاولة؟ الجواب هو: "نعم" مدوّية، لا ريبَ فيها؛ إذ يؤكد معظم رواد الأعمال الذين طُرِح عليهم ذلك السؤال على أنهم سيكررونَ تلك التجربة مجددًا.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Entrepreneurship: Starting and Managing Your Own Business) من كتاب introduction to business





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن