ابق جائعا، ابق أحمقا! ستيف جوبز


محمد أعمروشا

ستيف جوبز، كان خبر وفاته البارحة مفاجئا للجميع، رغم أنّ واقع مرضه لا يخفى على كلّ متابع..

في سنة 2005 ألقى ستيف خطابا من 15 دقيقة، جامعة ستانفورد، وقد كان خطابا مميّزا بحقّ! على كلّ ريادي أعمال بل وكلّ شاب طموح الإستماع لكلمته، ها هي مترجمة للعربية:

الجزء الأوّل:

 

الجزء الثاني:

 

وهذا نصّ الخطاب، مع تصرّف بسيط منّي تقتضيه الصياغة بالعربية:

يشرّفني أن أكون معكم اليوم، في واحدة من أفضل الجامعات في العالم.

ولأخبركم الحقيقة، لم أتخرّج من أي جامعة! موقفي اللحظة هو أقرب موقف في حياتي كلّها لأجواء التخرج. أودّ إخباركم عن ثلاث قصص مررت بها في حياتي، اليوم. نعم، هذا كل ما سأحكيه لكم؛ ثلاث قصص فقط.

القصة الأولى ستكون عن وصل النقط معا، لقد تركت دراستي في جامعة رييد Reed College بعد ستة أشهر، لكنني بقيت في الجامعة ل18 شهرا أو أكثر قبل أن أترك التعليم الجامعي كلية. إذن، لم فعلت هذا؟ لقد بدأت القصة قبل مولدي، حين كانت أمّي البيولوجية لحظة حملها بي غير متزوّجة رسميا، خريجة جامعية، قرّرت أن تهبني للتبنّي عند ولادتي، شرط أن يكون من سيتبنّاني خريج جامعة، وكذلك كان محام وزوجته لتبنّي الطفل. غير أنّه بمجرد ولادتي وخرجت للعالم، تبيّن أنّهما يرغبان ببنت. بعدها، انتقل الدور إلى والديّ بالتبنّي، اللذين تلقّيا مكالمة هاتفية في منتصف الليل: "لدينا مولود غير متوقّع، ذكر، هل تريدانه؟"، كانت الإجابة: "نعم!".
لاحقا، اكتشفت أمي البيولوجية أنّ أمّي بالتبني لم تتخرّج من الجامعة كما اشترطت في البداية، في حين أنّ والدي بالتبني لم يكمل دراسته المدرسية. هذا ما جعل أمّي ترفض توقيع أوراق منحي للتبني لشهور عدّة، إلى أن وعدها والدي بإرسالي للجامعة حين يأتي الوقت لذلك. هذه كانت بداية حياتي..

بعدها ب17 سنة، ذهبت للجامعة فعلا، اخترت الجامعة بسذاجة، وقد كانت مصاؤيفها مرتفعة كحال جامعة ستانفورد Stanford، لقد أخذت تستنزف مدّخرات والديّ (المقصود والديّ بالتبنّي). وبعد 6 أشهر من الدراسة الجامعية، لم أستطع رؤية الفائدة منها فلم أكن أعرف وقتها ما الذي أريد فعله في حياتي، ولا كيف ستساعدني دراستي الجامعية في معرفة هدفي في الحياة. وفوق كلّ هذا كنت أنفق كلّ مدخرات والديّ! لذا، قرّرت ترك الدراسة الجامعية على أمل أن تتحسّن الأمور بعدها. وبصراحة، كنت وقتها في قمة الخوف، كان واقعا مخيفا. لكن حين أنظر إلى هذا القرار اليوم أجده قرارا صائبا لأقصى درجة، أحد أفضل القرارات التي اتّخذتها!

في اللحظة التي قرّرت فيها ترك دراستي، بدأت أتوقّف عن حضور الدروس التي لا أهتمّ لها، لأبدأ حضور المزيد من الدروس التي بدت لي أكثر أهمية. لم يكن الأمر رومانسيا، فبعد قراري هذا لم يكن لديّ سرير في سكن الطلاب. لذا، كنت أفترش الأرض بغرفة صديقي. كنت أجمع زجاجات الكولا الفارغة لتدويرها مقابل 5 سنتات، لأشتري طعاما. وكنت أسير مسافة 7 أميال ليلة كلّ أحد نحو معبد هندوسي يوزّع الوجبات مجّانا. لقد أحببت هذه الطريقة في العيش! ولقد كان لكل ما تعرّفت عليه في هاته الفترة الزمنية من شبابي أفضل الأثر عليّ فيما بعد، إليكم مثال عن ذلك: وقتها، كانت جامعة ريد الأفضل في البلاد من حيث جودة دروس كتابة الخطوط الإنجليزية. لذا، فكل منشور وكل بطاقة بالجامعة مكتوبة بطريقة فنية جميلة ودقيقة. ولأنّني تركت دراستي الجامعية فقد أتيحت لي فرصة حضور دروس الخط -التيبوغرافيا- هناك، لأقرّر تعلم فنون هذا العلم وأسرار هذا الفن. لقد تعرّفت على المحرّفات Serif وSans-Serif، تعلّمت قواعد احتساب المساحة اللازم تركها بين كلّ حرف، تعلّمت ما يجعل التيبوغرافيا المبهرة مبهرة! كان رائعا، تاريخيا، فنيا بشكل تعجز الكلمات عن وصفه، وقد كان الأمر ممتعا.

وقتها، لم يكن لدراسة هذا الفن أي إمكانية عملية للاستفادة منه، في حياتي المقبلة. لكن عشر سنوات بعدها، وحين كنا نصمم أول حاسب ماكينتوش، تذكّرت تلك اللحظات الجميلة لنعيد تطبيقها جميعا في الماك، الذي كان أوّل حاسب بنظام جميل وراق لعرض الخطوط. لو لم أترك دراستي الجامعية لما كان هناك حاسب ماكينتوش يقدّم خطوطا ذات مسافات متناسبة بين حروفها. ولأنّ ويندوز ليس إلّا نسخا للماك فما كنّا لنرى هذا في أيّ حاسب، غالبا.

لو لم أترك الجامعة لما تمكّنت من حضور دروس تعلّم الخط، ولما قدّمت الحواسيب نظام عرض الخطوط كما نعرفه اليوم. بالطبع، لم أكن وقتها قادرا على فهم الصلة ما بين هاته الأحداث وهاته النقط في حياتي، غير أنّها واضحة جدا حينما نظرت للماضي، بعد عشر سنوات. مرّة أخرى: لا يمكنك وصل النقط حينما تتطلّع للمستقبل، بل فقط حين تنظر للماضي. لذا، عليك أن تثق أنّ نقط حياتك ستتّصل معا، بشكل أو بآخر، في المستقبل. عليك أن تثق في شيء ما؛ ربّك، قدرك، حياتك، أعمالك الصالحة أو مهما سمّيته. لأنّ الإيمان بارتباط النقط مستقبلا سيمنحك الثقة لتتبع قلبك، حتى لو أخذك بعيدا عن المسار المرسوم، هذا ما سيصنع كل الفرق.

قصتّي الثانية عن الحبّ والخسارة.. لقد كنت محظوظا، إذ عثرت على ما أحبّ القيام به في سنّ مبكّرة، حيث أنشأت وصديقي واز Woz شركتنا أبل في جراج والديّ حينما كان عمري عشرون عاما. عملنا وقتها بكلّ قوة. وخلال عشر سنوات كبرت أبل من شركة قوامها اثنين يعملون في جراج إلى شركة رأسمها 2 مليار دولار توظّلإ أزيد من 4000 موظّف. وقبلها بسنة واحبة كنّا قد أطلقنا أفضل منتج لنا: حاسب ماكنتوش، كنت قد أتممت الثلاثين من عمري وقتها. ثمّ طردني مجلس إدارة شركة أبل! كيف يمكن لأحدهم أن يطردك من شركة أنت من أسّسها؟ حسنا، مع كبر حجم أبل وظّفت شخصا اعتقدته موهوبا بما يكفي لقيادة الشركة بجانبي. وقد مضت الأمور بيننا على ما يرام في السنة الأولى من توظيفه، ثم تعارضت رؤيتي ورؤيته لمستقبل أبل وبدأ هذا التعارض يزداد حتى توجّب على أحدنا أن يرحل. اختار مجلس إدارة الشركة الإنحياز لصفّ هذا الشخص، وكان عمري وقتها 30 سنة، مطرودا من شركتي التي وهبتها جلّ اهتمامي وتركيزي طوال شبابي، وقد كان لذلك الأثر المدمّر عليّ.. لعدّة شهور، لم أعرف ما الذي يجب عليّ فعله بعدها، شعرت كأنّني خذلت الجيل السابق من الرياديين، كأنّني أسقطت الشعلة أرضا وهي تنتقل من أيديهم إلى يدي،. قابلت ديفيك باكارد David Packard وبوب نويس Bob Noyce (الأوّل أحد مؤسّسي HP والثاني أحد مؤسّسي Intel) واعتذرت لهما على إخفاقي الشديد. وقتها، كنت أشهر فاشل في وسائل الإعلام، حتى إنّني فكّرت جدّيا في الفرار من وادي السيليكون. لكن شيئا ما بدأ يهبط عليّ، فأنا لا زلت أحب ما أفعل! تطوّر الأحداث الدرامي في أبل لم يغيٍّ ذلك الحب داخلي. لقد طُرِدت، لكن لا زلت في حالة حب، لذا قرّرت البدء من جديد. لم أفطن للأمر وقتها، لكن الأيام التالية أوضحت لي أنّ طردي من شركة أبل كان أفضل شيء يمكن أن يحدث لي؛ ذهب عني العبء الثقيل للنجاح ليحلّ مكانه سهولة وخفة البدء من جديد من جديد. ما حرّرني لكي أدخل في واحدة من أكثر مراحل حياتي إبداعا وعبقرية. خلال السنوات الخمس التالية أسّست شركة نكست NeXT، وثم شركة أخرى سمّيتها بيكسار Pixar، ووقعت في حب إمرأة رائعة صارت زوجتي الآن. بيكسار أبدعت أوّل فلم رسوم متحرّكة جرى تصميمه وإنتاجه بواسطة الحاسب في العالم: حكاية لعبة Toy Story. والآن، تعتبر بيكسار أنجح ستوديو تصميم رسوم متحرّكة في العالم!

في تطوّر مذهل للأحداث، اشترت أبل شركة نكست لأعود لأبل. أصبحت التقنية التي طوّرتها في شركتي نكست هي الأساس الذي بنت عليه أبل نهضتها ونجاحها. وأسست أنا ولورين أسرة رائعة. كلّي ثقة أنّ هاته النجاحات لم تكن لتحدث لو لم يطردني مجلس إدارة أبل. لقد كان دواء ذا طعم مرير، لكنّني أؤمن أنّ المريض كان بحاجة ماسّة له. أحيانا ترميك الحياة بحجر على رأسك، لا تفقد إيمانك! كلّي قفة أنّ الأمر الوحيد الذي جعلني أخرج من أزمتي هو حبّي لما أفعله، عليك أن تعثر على ما تحبّه، وهذا صحيح بالنسبة لعملك وحتى لأحبّتك. سيشغل عملك جزءا كبيرا من حياتك، والسبيل الوحيد لتكون راضيا حقّا هو أن تفعل ما تراه عملا عظيما. والسبيل الوحيد للعمل العظيم هو أن تحبّ ما تعمله. إذا لم تعثر على ما تحبّ، استمر في البحث، لا تقنع بغيره. وكما هو الحال مع جميع مسائل القلب، أنت تعرف ما تحبّه ومن تحبّه حين تراه! وكأيّ علاقة ناجحة، ستزداد العلاقة تحسّنا مع مرور السنوات. لذا استمر في البحث، لا تقنع بغير ذلك.

قصّتي الثالثة عن الموت.. حينما كنت في السابعة عشر من عمري قرأت مقولة مفادها: "إذا عشت كلّ يوم كما لو كان آر يوم في حياتك، فستكون بكل تأكيد، على حق يوما ما!"، تركت هذه المقولة أثرها الكبير على نفسي، ومن ساعتها وعلى مرّ 33 سنة خلت، نظرت للمرآة كلّ يوم متسائلا: "لو كان اليوم آخر أيّامي، هل ما أتمنّى فعله هو حقّا ما سأفعله هذا اليوم؟"، ومتى ما كانت إجابتي "لا" لعدة أيام فسأدرك ساعتها أنّني بحاجة لتغيير شيء ما. غير تذكيري بحقيقة "أنّني سأموت قريبا" حيّة في ذاكرتي، كانت تلك الأداة الأكثر أهمية التي ساعدتني على اتخاذ القرارات الكبيرة في الحياة. لأنّ كلّ شيء تقريبا يخفت في مواجهة الموت: كل التوقّعات، كل الكبرياء وكل الخوف من الفشل، هي أشياء تختفي أمام الموت لتبقى الأشياء المهمة فعلا ظاهرة بجلاء. تذكير نفسك أنّك ستموت لهو أفضل سبيل أعرفه لأن تتفادى الظنّ بأنّ لديك شيئا لتخسره. أنت معرّى في الواقع، لا سبب لكي لا تتّبع قلبك.

منذ حوالي سنة، جاءني تشخيص مرض على أنّه سرطان، أجريت مسحا طبيا في السابعة ونصف صباحا والذي أوضح بشكل جليّ، إصابتي بورم خبيث في البنكرياس. لم أكن أعرف ما هو البنكرياس حتى! أخبرني الأطباء أنّ مرضي عضال لا شفاء منه، لديّ ثلاثة إلى ستة أشهر لكي أعيشها، لا غير. كانت نصيحة طبيبي أن أعود لبيتي وأرتّب أموري، بطريقة أخرى: أن أستعدّ لموتي. كانت نصيحة تحمل في طياتها إخبار أبنائي في بضعة أشهر كلّ ما كت أظنّ أنّ أمامي عشر سنوات لكي أخبرهم به. نصيحة تعني أن أجهّز كلّ شيء لعائلتي حتى يصبح رحيلي سهلا عليهم. نصيحة تعني أن أقول: وداعا! عشت بهذه النفسية يومي كلّه، ثمّ في المساء ذهبت لأخذ عيّنة من الورم لتحليلها، من خلال إدخال منظار في فمي وعبر حلقي مرورا إلى معدتي ومن ثمّ أمعائي.. ومن خلال إبرة اخترقت البنكرياس لأخذ خلايا من الورم. كنت مخدّرا لكنّ زوجتي والتي كانت حاضرة تراقب هذا الإجراء الطبّي، أخبرتني أنّه حين نظر الأطباء إلى هذه الخلايا باستعمال المجهر، أخذ الأطباء في البكاء فرحا؛ كان الورم من النوع شديد الندرة القابل للعلاج بالتدخّل الجراحي. أجريت العملية، والحمد لله، أنا بخير الآن.

كانت هاته الواقعة أقرب لقاء لي مع الموت، وأرجو أن تبقى كذلك لعقود مقبلة. كوني خرجت حيّا من هذه التجربة أستطيع الآن إخباركم، عن واقع خبرة وليس من تنظير فلسفي أو ما إلى ذلك: لا أحد يريد أن يمون، حتى من يريد الذهاب إلى الجنة! ورغم ذلك، فالموت هو النهاية التي نتشاركها جميعا، لا مفرّ من الخاتمة تلك. وهذا ما يجب أن يحصل أساسا، فالموت هو أفضل اختراع للحياة، إنّه من وسائل الحياة للتغيير، يمحو القديم ليفسح الطريق للجديد. في هذه اللحظة، الجديد هو أنتم، لكن في الغد القريب، وبالتدريج، ستصبحون القديم وتمحون من الطريق. آسف لكون كلامي درامي، لكنّه الحقيقة. وقتك محدود، لذا لا تضيّعه في أن تحيا حياة شخص آخر، لا تقع في فخ العيش وفق ما توصّل إليه فكر الآخرين، لا تدع الضوضاء التي تحدثها آراء الآخرين تعلو فوق صوتك الداخلي. والأكثر أهمية هو أن تمتلك من الشجاعة من يجعلك تتّبع ما يمليه عليك قلبك وحدسك، لأنّهم وبشكل ما، يعرفون ما تريد أن تكون عليه، وكلّ ما عداهما ثانوي.

حينما كنت صغيرا، كان هناك كتاب رائع إسمه الكاتالوج الشامل للأرض، The Whole Earth Catalogue، والذي كان أحد أمّهات الكتب لجيلي. كان من تأليف خرّيج جامعي يدعى ستيوارت براند Stuart Brand، في مكان غير بعيد عن هنا: ميلنو بارك Melno Park، واضعا عليه لمساته الشعرية. كان هذا في أواخر الستينيات، قبل بزوغ نجم الحواسيب الشخصية والنشر المكتبي، أي أنجزه بالإعتماد على الآلات الكاتبة، المقصات وكاميرات بولارويد. لقد كان بمثابة جوجل على الورق قبل أن يعرف العالم جوجل ب35 سة، كان كتابا مثاليا مليئا بالأدوات الفنية والأفكار العظيمة. وضع ستيوارت ورفاقه عدّة إصدارات من هذا الكاتالوج، وبعدما حان وقت النسخة الأخيرة، اجتهدوا في تصميم العدد الأخير. كان هذا في منتصف السبعينات، حين كنت في عمركم. حمل غلاف العدد الأخير صورة طريق زراعية جميلة وقت الصباح، من النوع الذي قد تجد نفسك مستعدّا لركوب سيارة نحو المكان إن كنت مغامرا. مع هذا المشهد نصّ مرفق: "إبق جائعا، إبق أحمقا"، كانت تلك جملة الوداع منهم لقرّائهم، إبق جائعا، إبق أحمقا. ولطالما تمنّيت لنفسي أن أكون كذلك. الآن، وبينما أنتم تتخرّجون لتبدؤون حياتكم العملية، أتمنّى لكم الشيء ذاته: إبق جائعا، إبق أحمقا.

شكرا لكم جميعا.



1 شخص أعجب بهذا


تفاعل الأعضاء




يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن