هشام دهرار
اقتباس

الكثير من النّاس يعملون ساعاتٍ طويلةً في وظائف يكرهونها، تمكّنهم من اقتناء أشياء لا يحتاجون إليها لإثارة إعجاب أناسٍ لا يطيقونهم. - نايجل مارش

من الصّعب العمل في وظيفةٍ مللتَ منها، فالاجتهاد أغلب وقتك في عملٍ لا تبالي به قد يكون أثقل من أن تتحمّله.

هذا ليس مجرّد إحساسٍ وحسب، فقد خلُصت دراسةٌ استقصائية أجراها فريق هيلدا (Household, Income and Labor Dynamics in Australia) إلى أنّ العمل في وظيفةٍ تكرهُها أخطر على صحّتك النّفسية من البطالة.

فكّر في ذلك للحظة: العمل في وظيفةٍ تكرهها يجعلُك أتعسَ من بقائك دون وظيفة.

يعزو جون هالتيوانجر كبير الكتّاب السّياسيّين في موقع إليت دايلي ذلك إلى أنّك حالَ البطالةِ تملكُ على الأقلّ أملَ الحصول على وظيفة ممتازة:

اقتباس

البطالة مُقلقة، لكنّها على الأقلّ تترك مجالاً للاحتمالات. حين تكون بطّالا فإنّ تركيزك ينصبّ على العثور على منصبٍ جيّد. بينما حين تعمل في وظيفةٍ لا طموح فيها، فإنّك مُستنفَذُ الطّاقة في نهاية كلّ يوم بما لا يترك مجالا للتّفكير في المستقبل.

أنا -تقول الكاتبة- لا أدعوك بالطّبع إلى ترك عملك إن كنت غير سعيدٍ فيه، ولكنّما إن كان عملك السيّء يؤثّر في صحّتك إلى هذه الدّرجة، فربّما من الحكمة أن تحاول تحسينه.

يقول نايجل مارش كاتب Fat, Forty and Fired (بدينٌ، أربعينيٌّ ومفصول) أنّ محاولة القيام بتغييرات جذرية في العمل فكرة سيّئة. ويوازن ذلك بمحاولة الالتزام بحمية صارمة، كلاهما سينتهي حتما بالفشل. لذا فهو ينصح بالتّركيز على تغييرات استراتيجية بسيطة لتحسين ظروف عملك.

لنُلقِ نظرةً على ثلاثة تغييراتٍ استراتيجية يمكنها تحسين عملك الحالي، وهي مدعومة بالبحث والخبرة:

مارس ما تحبه أكثر

رغم أنّ وظيفتك تحدّد تماما ما هي مسؤولياتك، غير أنّ العثور على طرق لدمج المزيد من المهام الّتي تستمتع بها يمكن أن يحسّن شعورك العام حول وظيفتك. في هذا السّياق، تمكّن آدم داتشس المدوّن على موقع لايف هاكر من جعل وظيفته السّابقة في خدمة العملاء أكثر مرحًا عندما دمج بها إحدى هواياته: صناعة الفيديوهات والأفلام القصيرة. إذ جهّز شاشة خضراء بمكوّنات بسيطة، واستخدمها في تصوير وإخراج مقطع فيديو لدعم العملاء. وقد أثمرت جهوده:

اقتباس

بعد أيّام، سألني قسم التّسويق إن كنت أرغب في إنتاج الفيديوهات لعملائنا دوريًّا، فأعددتُ حلقة كلّ شهر. بل وأنتجنا للعطلة حلقةً غنائية. هذه لم تكن أوّل مرّة يحسّن فيها داتشس عمله بدمج هواية فيه: منذ بضعة أعوام، كانت وظيفتي عَنونة الأظرفة، فكنتُ أضيف مع العناوين بعض الرّسومات. وبعد فترة، صار النّاس يتّصلون بمقرّ عملي لأنّهم أحبّوا تلك الرّسومات، ونتيجةً لذلك طُلب منّي ممارسة التّصميم.

يقترح داتشس إيجاد طرق لدمج الأشياء الّتي تحبّ القيام بها مع عملك الحالي: لا تترك إبداعك وشغفك في المنزل لمجرّد أنّ وظيفتك لا تحتاجهما. حتّى إذا لم تمتلك هوايةً تنطبق على عملك، يمكنك طلب قضاء المزيد من الوقت في ممارسة جوانب عملك الّتي تحبّها حتى إذا لم يكن لديك هواية تبدو قابلة للتطبيق على عملك، يمكنك أن تطلب قضاء المزيد من الوقت في جوانب عملك الّتي تعجبك أكثر. أو حتّى أن تعرض مساعدتك في قسمٍ آخر تهتمّ به.

حسّن -أو تخلص من- تنقلك إلى العمل

يمكن أن تقضي يومك كلّه في ممارسة عملٍ تحبّه، أو أن تحضر هواياتك إلى مكتب العمل، ومع هذا يبقى التنقّل الطّويل إلى العمل شيئًا مملًّا. نحن نضع في الحقيقة التنقّل إلى العمل في أدنى قائمة الأشياء الّتي تشعرنا بالسّعادة.

أظهرت البحوث خطأ الاعتقاد السّائد بأنّ الزّيادة في الأجر أو اقتناء بيت أكبر يمكن أن يعوّضا حالة الأسى الّتي يخلّفها التنقّل الطويل إلى العمل، هذا الأخير سيصيبك باليأس برغمهما. بل أنت في حاجة إلى زيادة أجرك بنسبة أربعين بالمئة (40%) لتعويض أثر التنقّل الطويل إلى مقر العمل.

في ضوء هذا البحث -وهذا قد يبدو مخالفا للبديهة- تقترح هيلاري ريتيج، مدرّبة الإنتاجية وكاتبة The 7 Secrets of the Prolific ("أسرار غزارة الإنتاج السّبعة") إطالةَ وقت التنقّل إلى العمل بقولها:

اقتباس

حين يتنقّل النّاس إلى العمل فهم غالبا في عجلة من أمرهم. التعجّل يحطّ من سعادتنا، وأغلبنا لا يدرك الثّقل الّذي تخلّفه العجلة علينا بدنيا وذهنيّا.

لذا تقترح ريتيج الاستغراق في التنقّل إلى العمل، حتّى لا تضطرّ إلى الاستعجال كثيرا. فأنت حين لا تستعجل -تقول ريتيج- "تحسّ بأنّك أكثر تحكّما وضبطًا لنفسك."

تقترح ريتيج أيضا التّخطيط لغدك بأفضل ما يمكنك، وأن تتحاشى المُلهيات كالتّلفزيون صباحا، والبريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي عندما يكون الأجدر بك الاستعداد لمغادرة المنزل. اقتراحُها الأخير لتحسين تنقّلك إلى العمل هو تغيير ما تقضي به ذلك الوقت.:

اقتباس

الحلّ في أن تفعل ما تريد فعله لا ما تعتقد أنّ عليك فعلُه. نحن غالبا ما نختارُ فعل الشّيء الّذي يبدو أكثر إنتاجًا لأنّه يبدو الاختيار الصّائب، لكنّ استغلال وقت تنقّلك إلى العمل في قراءة رواية ممتعة أو الاستماع إلى شيءٍ تحبّه أمرٌ منتجٌ أيضًا، فهو يخلّصك من الجانب السّلبي للتنقّل إلى العمل. فتغدو بذلك هذه الفترة عطلة قصيرة تساعد على شحن طاقتك الإنتاجية لباقي اليوم.

وفقا لهيلاري ريتيج فإنّ بعض النّاس يستمتعون حقّا بوقت تنقّلهم إلى العمل. وتشرحُ أنّ هؤلاء النّاس يشعرون بأنّ وقت تنقّلهم إلى العمل وقتٌ هادئ يستمتعون خلاله بفرصة قضاء الوقت وحيدين يقومون بشيء يحبّونه.

يمكنك أيضًا تغيير تنقّلك إلى العمل إلى نشاطٍ بدنيّ، مثل المشي أو ركوب الدّراجة. فقد أظهر البحث أنّ النّاس الّذين يتنقّلون إلى عملهم بتلك الطّريقة عوض القيادة أو استخدام وسائل النّقل العامة يكونون أقلّ وزنًا وأقلّ درجة في مؤشّر كتلة الجسم BMI

شخصيًّا -تقول الكاتبة- أحبّ فكرة قضاء وقت تنقّلي إلى العمل في القيام بشيء مسلٍّ، كالاستماع إلى بودكاست أو قراءة كتاب. أمّا إن كان المشي أو الدرّاجة ما يسعدك، فاختر التنقّل النّشط لتبدأ يومك بحيوية.

جد غايةً من وراء عملك

التنقّل إلى العمل أقلّ ضغطًا حين تكون في طريقك إلى شيءٍ تستمتع به. وإحدى أفضل الطّرق للاستماع بعملك أن تجد فيه هدفًا شخصيًّا ساميا.

للأسف، فإنّ استطلاعًا للرأي ضمّ اثني عشر ألف متطوّعًا (12000) من ميادين مختلفة خرج بنتيجة أنّ خمسين بالمئة (50%) منهم لا يشعرون بأنّ لعملهم غايةً ولا معنى.

ووفقا للدّراسة الاستطلاعية ذاتها، فإنّ أولئك الّذين يرون في عملهم غايةً أقرب بثلاثة أضعاف إلى البقاء في ميدانهم الحالي. وقد تبيّن أنّ فكرة استشعار الموظّف غايةً من عمله من عدمها هي الأعلى تأثيرًا في شعوره بالرّضا في عمله من أيّ عاملٍ آخر.

لم يكن هؤلاء الموظفون أميل للبقاء في وظائفهم الحالية وحسب، لكنهم أبانوا أيضًا عن رضاهم عن وظائفهم بمقدار مرّة وسبعة أعشار المرّة (1,7 مرّة) موازنةً بالآخرين، وكانوا أكثر انغماسا منهم في عملهم بمرّة وأربعة أعشار المرّة (1,4 مرّة).

"الغاية من وراء الوظيفة" هي إحدى الأفكار المجرّدة الّتي يصعب تعريفها أو تحديدها، لكنّ مشروع بحثٍ في ستانفورد يمكنه مساعدتنا في فهم معناها وكيفية الحصول عليها. فالسّعادة والغاية -وفقا لهذا المشروع- شيئان مختلفان: فبينما نستخلص السّعادة من الأخذ -أو التّركيز على ما نأخذه- من الآخرين، فإنّ الغاية تُستخلصُ ممّا نعطيه لهم أو كيف نساعدهم.

إذن كيف يمكنك تطوير الغاية الّتي تنالها من عملك؟

الطّريقة الأولى هي التّركيز على إجابة سؤال "لماذا؟". فبدل التّركيز على ما تقوم به، ركّز على سبب قيامك به. فمثلا، في دراسة على عمّال النظافة بأحد المستشفيات، رأى عمّال النّظافة أنفسهم جزءًا من فريقٍ يساعدُ على شفاء المرضى. بدل التّركيز على جانب التّنظيف، ركّزوا على السّبب وراء عملهم. فشعروا بأنّهم يساعدون الآخرين، وهذا أمر مفصليّ في الإحساس بوجود غاية سامية من وراء عملك.

الطّريقة الأخرى تكمن في التّركيز على العلاقات الشّخصية في العمل. إذ وجد بحث غالوب أنّ العمّال المتعلّقين بعملهم يمتلكون صديقًا مفضّلا في العمل. في حين أظهر بحثٌ آخر أنّ قضاءَ وقتٍ اجتماعيّ في العمل يحسّن اليوم ككلّ.

إذا امتلكتَ صديقًا في العمل يمكنكَ مساعدته، فذلك يزيد من شعورك بأنّ لعملك غاية سامية. ولا تقتصر مساعدتك له على أشياء متعلّقة بالعمل حتّى، إذ يمكنك مساعدته في الخروج لتناول فنجان قهوة، أو صُحبتُه في تمرينِ وقت الغداء، أو مجرّد الاستماع إليه حين يحتاج أذنًا مصغية.

النقطة الأهم هي أن تبحث عن طرقٍ لمساعدة الآخرين في العمل. فكّر في السّبب وراء عملك: من تساعد في عملك وكيف؟ حاول مساعدة الآخرين في المكتب بمدّ يد العون حين تكون متفرّغًا. فكلّما أعطيت أكثر، شعرتَ أكثر بأنّك تقضي وقتك بطريقة مفيدة. وهذا سيجعل المجيء إلى العمل أسهل بكثير.

ختامًا، ليست كلّ الوظائف قابلةً للإصلاح، فقد تجد أنّ هذا ليس سوى وقت الانتقال إلى دورٍ آخر أو شركةٍ أخرى. ولكن إذا ما كنت تعاني لأجل الشعور بالرّاحة تجاه عملك، فجرّب هذه الاقتراحات. قد تتفاجأ حين ترى كم يمكن للعمل أن يصبح أفضل إذا كنت تقوم بشيءٍ تستمتع به وتساعد عبره الآخرين.

ترجمة -وبتصرف- لمقال: The Art and Science of Loving Your Job لكاتبته: Belle Beth Cooper





تفاعل الأعضاء




يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن