البساطة لأصحاب العمل الحر: ترك كل شيء في سبيل الحياة التي نحب


أسامه دمراني

في وقت نشر هذا المقال سأكون موجود في ريف أوروبي، ولن يكون هناك صور من فيس بوك أو سناب شات، أو حتى تغريدات. ولم أعلن عن رحلتي تلك على مدونتي أو قناتي في يوتيوب، ولم أخبر أحداً من أصدقائي، كما سأترك حاسوبي وأعلّق أغلب أعمالي الحرة. كل ذلك من أجل البحث عن شيء واحد: الهدوء.

قضية الهدوء

كل مشاكل البشرية تنبعث من عجز الإنسان أن يجلس بهدوء في غرفة بمفرده. __ بلايز باسكال

إن العالم مكان مليء بالضوضاء، فقد قدّر الباحثون في 2014 أن هناك 104 مليون أمريكي كانوا عرضة لفقد السمع نتيجة الضوضاء، أما منظمة الصحة العالمية تقدر أن هناك مليون سنة صحية تُفقَدُ في كل عام بسبب ظروف مثل أمراض القلب والضعف الإدراكي، والطنين الناتج عن ضجيج الزحام.

لكن الضجيج يتعدى حاجز المسموع، فقوائم المهام المتناقضة، ومواعيد التسليم وصرخات القلق موجودة داخل رأس كل رائد أعمال. وهي تزعجنا جميعًا سواء كانت كبيرة أو تافهة، فكم ليلة تقلبت فيها في سريري لأني تذكرت رسالة لم أرد عليها، فالضجيج بالنسبة لي هو كل شيء يشتت اهتمامنا عما هو ضروري.

ولعلك تعلم إن كنت رائد أعمال تقني أننا على اتصال دائم بالعالم الافتراضي، فإن الشخص الأمريكي العادي يتفقد هاتفه زهاء 46 مرة في اليوم، وفقًا لدراسة من ديلويت، وأزعم أن ذلك الرقم أقل مما نقضيه نحن معشر رواد الأعمال.

فإننا نُغمر كل يوم بأدوات جديدة وخطط يجب أن نستخدمها لأعمالنا، ونكنز عندنا اشتراكات لبرامج ودورات عبر الإنترنت، وننظر كل حين إلى صناديق بريدنا انتظارًا لعملاء جدد أو مبيعات جديدة أو طلبات طارئة.

وكمثال حي على ذلك فإني أرتشف قهوتي الآن بينما أكتب هذه الكلمات، وأتفقد تويتر في حاسوب لوحي بجانبي، وأحدّث صندوق بريدي على هاتفي.

ونحن نعتقد أن كوننا في شركة أو تجارة مزدهرة يعني أن نعمل أكثر، لكن هل نحتاج حقًا أن نكون على كل شبكة اجتماعية؟ هل تستحق هذه المكالمة أن تقطع عليك العشاء مع عائلتك؟ هل يقاس النجاح بعدد العملاء الذين لديك في ساعة ما؟ إن أغلبنا يحاول الفرار من هذا السباق المجنون ليجد نفسه قد وقع في واحد جديد دون أن يدري.

وأفضل طريقة برأيي لإسكات هذه الضجيج وتقليل هذا الصخب أن تطالب بالهدوء، وتزيل تلك الفوضى.

التقليص قد يعني أن تمتلك أكثر

لقد تركت أكثر عميل كان يدفع لي، وقللت كل شيء أمتلكه في هذا العالم إلى ما يمكن حمله في ثلاث صناديق وبضعة حقائب، وفعلت ذلك قبل أن أتوجه إلى أوربا هذا الشهر.

وقد شعرت بالقلق إزاء تقليل ممتلكاتي ودخلي بهذه الطريقة، لكني أظن أن النتيجة تستحق المخاطرة، وهي مزيد من الوقت والطاقة للتركيز على الكتابة وبعض الأمور الأخرى. ثم انتابتني بعض الوعكات الصحية في اﻷسابيع التي سبقت انتقائي لما أملك بسبب كثرة التصنيف لكل هذه الخردة التي لدي وسؤال نفسي لماذا أبقيْت على الأشياء التي استنزفت طاقتي.

فقد انتابتني بعض نوبات الغثيان وكافحت للحصول على ست ساعات من النوم المتقطع في كل ليلة، لكني كنت أشعر براحة أكبر كلما تخلصت من بعض ممتلكاتي، فقد ذهب الفزع والإجهاد وحل محلهما الهدوء والفرح، وأحسست أني أستطيع التنفس مرة أخرى.

أوليس هذا هو الخوف بعينه، إذ نفترض أن التقليص يعني أن نفتقد بعض الأشياء؟ فقد أُخبِرت في العام الماضي مثلًا أني يجب أن أفتح حسابًا في إنستجرام إن كنت أريد زيادة حجم أرباحي، فالتحقت بدورة عبر الإنترنت لسيدة بنَت تجارة مليونية من هذه المنصة، ثم جلست أقضي الساعات في التقاط وقص ومعالجة الصور في هاتفي.

لكن بحلول الشهر الثاني فقط كنت قد وصلت إلى حدي، فسحبت وجودي من إنستجرام، واستطعت زيادة الزيارات إلى مدونتي بنسبة 64% وضاعفت أرباحي منها. الحقيقة أن التقليص عاد عليَّ بأكثر مما أريده فعلاً..

تعلّم كيف تحب الحياة الهادئة

إن أرواحنا لا تفتقر إٍلى الشهرة أو الراحة أو الثروة أو القوة، بل هي عطشى للقيمة، لإحساس أننا اكتشفنا كيف نحيا حياة لها قيمة. __ هارولد كوشنر.

قابلت في الشهر الماضي أحد أصدقائي من الجامعة، و أمطرني بوابل من الأسئلة حين عرف أني أعمل بشكل حر، مثل هل تكسبين المال حقًا؟ يعني تكسبين مثل أجر دوام كامل؟ ثم أتبعه بسؤال إذًا من هم عملاؤك؟ هل من بينهم من أعرفه؟.

من الطبيعي أن نرغب في المنافسة وإبهار من حولنا، لكني مستعدة للتخلي عن المشاركة في هذه المسرحية، فلم أبدأ حياتي المهنية كي أكون محل أنظار الناس في حفل عشاء. فنحن نتحدث دومًا عن إطلاق هذا المشروع أو ذاك، والنمو، والتوسع، لكني كنت أشعر بالسعادة أكثر حين كنت أحيا ببساطة، فما تعلمته أثناء محاولتي لعيش حياة هادئة كرائدة أعمال أني ﻻ أريد إطلاق مشروع بمئة ألف دولار، ولا شركة بمليون، أو فريقًا من العاملين حول العالم، أو لصق صورتي في المدونات هنا وهناك.

بل كل ما أردت هو كتابة كلمات لها قيمة حقيقية، حتى لو لم تدر عليَّ دخلًا ماديًا، أردت أن أختفي في الخلفية وأدع عملي يتحدث عن نفسه، وأن أخدم العملاء المهمّين بالنسبة لي، حتى لو لم يعرف أحد أسماءهم.

كيف تزكّي الهدوء في حياتك

من السهل أن تحيا بين الناس وفق ما يرونه، ومن السهل في خلوتك أن تحيا وفق ما تراه أنت، لكن الإنسان العظيم هو الذي يحافظ على حلاوة الاستقلال الخاصة بالخلوات وهو بين جموع الناس. __رالف والدو ايمرسون.

ربما لا تستطيع الذهاب إلى دولة أجنبية طلبًا للخلوة والهدوء، لكنك تستطيع إزكاء هذا الهدوء في حياتك بغض النظر عن مكانك الآن، جرب البدء بإحدى هذه النصائح التالية:

  1. ابدأ صباحك ببطء وهدوء:
    هذه طريقتي المفضلة في عيش حياة هادئة، فأحاول بدء يومي دون هاتفي أو حاسوبي، وآخذ وقتي في صنع إفطاري وقهوتي قبل البدء في العمل.

  2. ﻻ تتفقد هاتفك أثناء عملك أو طعامك:
    ﻻ زلت أجاهد نفسي في هذه النقطة، إذ لاحظت أني غير قادرة على التركيز لفترات طويلة كما كنت أفعل من قبل، وأظن أن جزءًا من اللوم يقع على التفقد المستمر للإشعارات من هنا وهناك، فجرب أن تفعل أمرًا واحدًا فقط دون إلهاء، سواءً كان عملًا مدفوعًا أو حتى صنع وجبة منزلية.

  3. أوقف شبكة اجتماعية تظنها تستغرق أغلب وقتك:
    لقد زادت قيمة حياتي كثيرًا بعد تركي لفيس بوك في العام الماضي، رغم أني قضيت بضعة أشهر صعبة في البداية حين شعرت أني سأفتقد كل ذلك المرح في حياة كل أحد، لكني ﻻ أفتقده الآن ولا أظنني سأقع في فخ مقارنة نفسي بالآخرين بسهولة.
  4. اجلس في صمت إلى أحدهم:
    حين تطرأ فرجة في نقاش ما يخيّم عليها الصمت فإننا نميل إلى محاولة ملء ذلك الفراغ بأي حديث ولو كان ﻻ معنى له، فجرّب في المرة التالية التي تجد تلك الهنيهة الصامتة أن تتركها هكذا، ﻻ تحاول ملأها، بل اجلس في صمت وانظر ماذا سيحدث.
  5. أوقف الموسيقى:
    إن كنت تستمع إلى الموسيقى أثناء العمل أو قيادة السيارة، جرب إيقافها، وإن كان ذلك صعبًا عليك فابدأ بخطوات صغيرة. وفكّر أيضًا في السبب الذي يجعل من الصعب عليك تقبّل الهدوء والصمت، أتستخدم الموسيقى لتشتتك عن مشكلة تواجهك؟ ربما يكون الوقت قد حان لمواجهة تلك المشكلة.
  6. ألغ اشتراكك من القوائم البريدية:
    لقد قضيتُ وقتًا ﻻ بأس به مؤخرًا في تنظيف صندوق بريدي، فأغلب الرسائل التي تأتيني لم أفتحها مطلقًا، وقد كان مريحًا أن أقلل من الفوضى في حياتي بإلغاء الاشتراك من قائمة بريدية ﻻ تهمني.

كيف تنظر إلى الهدوء والبساطة في حياتك؟ شاركنا نصائحك في التعليقات!

ترجمة -بتصرف- لمقال Minimalism for freelancers: letting go to live a life you love لصاحبته Amy Rigby

 





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن