تعريف Minimum Viable Product مع نموذج عملي


محمد الساحلي

يعتبر ”Minimum Viable Product“، المعروف اختصارا بـ MVP، من أكثر المفاهيم ثورية في عالم الشركات الناشئة. إنه ضد الطبيعة الإنسانية التي تتوق إلى الكمال، ويناقض تماما الرؤية الشاملة بعيدة المدى للمبادرين الذين يبحثون عن منتج خارق يغير العالم. أو على الأقل هكذا يبدو مفهوم MVP لأول وهلة. فالحقيقة أن اتباع هذا الأسلوب لا يملأ العالم بآلاف المنتجات البشعة سيئة الجودة، بل ينقذ العالم من تبذير الموارد وتخمة المنتجات التي لا يحتاجها أحد.

كعادة المصطلحات الجديدة لا يوجد بعد تعريب مناسب لـ MVP. المحاولة الوحيدة لتعريبه بادر بها عماد المسعودي، الذي عربه بـ "جوهر المنتج". هي مبادرة جيدة لكنه تعريب قاصر لا يحيط إلا بجزء من المفهوم.

قبل الخوض في التعريف دعونا نتوقف عند نموذج بسيط ومثال سهل الفهم.

مؤكد أن أغلبكم يعرف شركة جروبون، التي اعتبرت أسرع شركات التجارة الإلكترونية نموا في تاريخ الإنترنت. بداية موقع جروبون كانت بسيطة جدا: مجرد مدونة! نعم، موقع للتجارة الإلكترونية، يحاول تنفيذ فكرة ثورية، بدأ على شكل مدونة. العروض اليومية للصفقات كانت تنشر على شكل تدوينات، وعند شراء أحدهم لكوبون يعد أحد المؤسسين الكوبون يدويا ويرسل ملف PDF إلى بريد المشتري الإلكتروني. هكذا بدأت الشركة واستمرت كذلك لمدة سبعة أشهر استطاعت خلالها تحقيق مبيعات يومية تزيد عن 500 كوبون. هذا ما نقصده بـ MVP.

ما يعنيه MVP هو بناء المنتج بأسلوب يسمح لنا بفهم متطلبات السوق وصلاحية المنتج، في أسرع وقت وأقل جهد وتكلفة. فعلى عكس الطريقة التقليدية في بناء المنتجات التي تأخذ الكثير من الوقت بغرض تنفيذ المنتج بشكل كامل قبل طرحه في السوق، ثم يمكن أن يفشل المنتج في تحقيق متطلبات السوق، يسمح أسلوب MVP في دخول السوق بسرعة والاحتكاك مع العملاء مبكرا لفهم متطلباتهم وتكييف أو تطويع المنتج ليتناسب مع تلك المتطلبات، أو الاكتشاف بسرعة أن المنتج لا يحقق أي فائدة للعميل المستهدف، فيتم استبدال المنتج أو تعديله لاستهداف شريحة أخرى من السوق، بسرعة وقبل خسارة الكثير من الموارد.

لنأتي الآن لنموذج حديث. بدأت منذ أيام مشروعي الجديد؛ أسناد. هو منصة تجارة الكترونية تتيح للمبدعين توفير إبداعاتهم للبيع بشكل رقمي عبر الإنترنت، بسهولة ودون تعقيدات تقنية وبتكلفة متدنية.

لو نظرتم للموقع ستكتشفون أنه ينقصه الكثير. يمكنكم معرفة ذلك حتى دون أن تعرفوا رؤيتي الكاملة له. ببساطة لأنني استغرقت ثلاثين ساعة (غير متواصلة) لتنفيذه، ولم أحتج سوى لبضعة أيام للتفكير في المشروع، التخطيط له وتنفيذه.

أسناد ينقصه الكثير الآن. لكن هذه ليست مشكلة بالنسبة إلي. لأنني لا أسعى حاليا إلى بناء موقع تجارة إلكترونية خارق، بل ما أريده هو التحقق من وجود سوق لهذا المشروع. بصيغة أخرى التحقق من وجود فائدة لهذا المشروع وقابليته للتوسع.

ينطلق أسناد من افتراض محوري وهو أنه يوجد الكثير من المبدعين الشباب العرب لديهم إبداعات مميزة قابلة للبيع عبر الإنترنت، لكن لأسباب مختلفة يتعذر عليهم ذلك. الفرضية هنا هي أن أولئك المبدعين يحتاجون إلى وجود موقع مثل أسناد ليمكنهم من توفير إبداعاتهم للبيع بسهولة تامة ودون أي تعقيدات.

بعد الإيمان بالافتراض (أي وجود مشكلة تتطلب حلا) وبالفرضية (الصيغة المطلوبة لحل المشكلة) لدي طريقان. إما اتباع الأسلوب القديم والبدء في توظيف فريق من المصممين والمبرمجين والعمل في الخفاء لشهور لإطلاق منصة أسناد بشكلها النهائي كما أتخيله (مع مخاطرة أن تكون فرضيتي خاطئة ولا يستخدم أحد الموقع بعد تلك الشهور من التطوير). أو أتبع الأسلوب الحديث وأبدأ فورا في تنفيذ فكرتي بصيغة تمكنني سريعا من معرفة ما إذا كان حلي للمشكلة مناسبا، فهم متطلبات المستخدمين ومعرفة ما إذا كانت هناك أصلا مشكلة تحتاج إلى حل.

الطريق الثاني أفضل طبعا. إنه يتيح لي التحقق بسرعة من جدوى المشروع، ويسمح لي بتطويره بناء على الاحتياجات الحقيقية للمستخدمين وليس بناء على ما أفترض أنه احتياج لدى المستخدمين.

الآن حان وقت التنفيذ، لكن كيف سأعرف ما هي الخصائص التي يجب أن أبدأ بها الآن والخصائص التي يمكن تأجيلها لوقت لاحق أو عدم تنفيذها بالمرة؟

الفرضية في حالة أسناد تقوم على أن ما ينقص المبدعين هو نظام آلي يمكنهم من إدارة المبيعات. أي استقبال المال من المشترين والسماح لهم -لهم فقط- بتحميل المنتج الذي اشتروه.

الاقتناع بهذا يعني أنني لا أحتاج إلى أن أشغل نفسي بكثرة الخصائص التي تتوفر في المتاجر الإلكترونية، مثل التصنيفات وقوائم المنتجات الأحدث والأكثر مبيعا، إلخ. بل فقط الميزة، أو المميزات، التي تقوم عليها الفرضية. في هذه الحالة كل ما أحتاج إلى تنفيذه هو: نظام يسمح للمبدعين بعرض منتجاتهم (كل منتج في صفحة)، تحديد السعر، نظام سريع للشراء، ثم السماح للمشتري بتحميل المنتج.

هذا كل ما أحتاج إليه للتحقق من الفرضية، وذلك ما اكتفيت بتنفيذه في النسخة الحالية من أسناد.

بعد التنفيذ تبدأ مرحلة القياس. قياس ردود الفعل وطرق الاستخدام للتحقق مما إذا كان الافتراض صحيحا (أي فعلا ثمة مشكلة تتطلب حلا)، والتحقق مما إذا كانت فرضيتي (أي الصيغة التي نفذت بها المشروع) تتناسب مع احتياجات المستخدمين.

الـ MVP ليس جوهر المنتج ولا أصغر شكل يمكن تنفيذ المشروع عليه. بل هو أسلوب في التنفيذ والتعلم يبدأ بتنفيذ المشروع بأبسط صيغة تمكننا من تجربة المنتج في السوق، في أسرع وقت وأقل تكلفة وجهد. ثم متابعة التطوير والتعديل على المنتج، بناء على ردود فعل المستخدمين واحتياجاتهم. هو أسلوب ممتد لا ينتهي عند طرح الصيغة الأولى من المنتج بل هو مستمر إلى غاية إثبات نجاح المشروع والحصول على حصة مهمة من السوق.

صيغ بدء MVP متعددة. أفضلها هي البدء بالخصائص الرئيسية التي تقوم عليها الفرضية، كما فعلت مع أسناد. هذه الصيغة هي التي يمكن أن تنطبق عليها، ولو مجازا، تسمية جوهر المنتج. الصيغة الثانية الأكثر شهرة هي البدء على شكل صفحة استقبال، تشرح مميزات المنتج وتتطلب تفاعل المستخدم (بالاشتراك مثلا أو طلب الشراء)، وهو الأسلوب الذي اعتمدته في حالة الفرقد. حيث اكتفيت بصفحة تعريفية بسيطة، مع رابط للاشتراك لا ينقل فعليا إلى صفحة الاشتراك بل إلى استمارة تطلب من المستخدم ملأها. ثم بقياس المدخلات ونقرات الزوار على روابط الصفحة يمكنني الالمام، ولو قليلا، بمدى جدوى المشروع، كخطوة أولى قبل تحديد ما سأفعله لاحقا.

ختاما، إذا ما قررت اعتماد هذا الأسلوب سوف يمتلئ بريدك بالاقتراحات من أشخاص أغلبهم يعتقد نفسه أذكى منك (وقليل بريدون الإفادة). عليك أن تتجاهل كل الاقتراحات التي لا تأتيك من مستخدمي منتجك، فلا فائدة منها. أي شخص يمكنه أن يغمض عينيه ويأتيك بآلاف الاقتراحات، في حين أن الاقتراحات الوحيدة المفيدة هي التي يرسلها لك المستخدمون الفعليون للمنتج، فهي الوحيدة النابعة عن احتياج حقيقي وليس عن إسهال فكري.

شيء آخر. إذا رأيتم مستقبلا مشروعا يتوقف بعد شهور قليلة، أو يغير اسمه أو طبيعة نشاطه، يمكنكم أن تفهمو السبب. فريادة الأعمال (أو لنقل الشركات الناشئة) هي نشاط مبني على اللايقين والبحث الدائم عن الأفضل. حين لا تنفع الخطة ألف ثمة دائما الخطة باء، وإن لم تنفع ثمة دوما خطط احتياطية أخرى. الهدف في النهاية هو خدمة الانسانية وتقديم منتجات أو خدمات تجعل حياة الناس أفضل.





تفاعل الأعضاء


في الحقيقة أن هذا المفهوم قديم جدا، ولكنه معروف في العلوم العسكرية (المدفعية). ويطلق عليه "الضرب من الحركة". بمعنى إذا تعرضت القوات لهجوم مفاجئ، فلا وقت للحسابات أو الدراسات، ولكن يتم الرد عليها باستخدام أفضل تقدير. ويتم في المراحل التالية تعديل/تصحيح الضرب على الهدف أو ما يسمى "التقويس" أي أخذ قوس لتقريب الضرب من الهدف.

كما أن المصطلح مستخدم أيضا في التخطيط، باستخدام نموذج يطلق عليه "نموذج الترقيع/الرتق". وفيه يتم انتاج النسخة الأولى من المنتج بأبسط وأسرع طريقة، ثم يتم إختبارها، وإصلاح العيوب بها (ترقيعها أو رتقها)، وهكذا.

 

آسف لتأخر هذا الرد، ولكنى لم أرى هذا الموقع إلا اليوم فقط.

أ. د. محمد قاسم 

1 شخص أعجب بهذا

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن