مدخل إلى عالم الأعمال الاندماج والاستحواذ والاتجاهات الحديثة للملكية التجارية


مجد اسماعيل

في مقالنا الرابع من هذا الباب لسلسلة مدخل إلى عالم الأعمال سنتعرف على نوعين أخرين من من أشكال الملكية التجارية والمتمثلين في الاندماج والاستحواذ، كما سنقوم بذكر أهم الاتجاهات الحديثة للملكية التجارية. حيث سيتم تعريف كل نوع مع ذكر أسباب ومحفزات ظهوره وانتشاره، إلى جانب أنواع اندماج الشركات.

الاندماج والاستحواذ

لِمَ يُعد اندماجُ الشركات، والاستحواذ عليها مهمَّين لنموّها الكلي؟

يحدث الاندماجٌ عندما تتحد شركتان، أو أكثر، فتشكلان شركة جديدة، فعلى سبيل المثال، وافقت شركةُ جونسون كونترولز (Johnson Controls)، -وهي شركة رائدة في مجال حلول البناء- على الاندماج مع شركة تايكو إنترناشيونال (Tyco International) الإيرلندية الرائدةِ في مجال حلول الحرائق، والسلامة، وقد نتج عن هذا الاندماج بين الشركتين؛ شركة أخرى جديدة، سيُكتَب لها -فيما بعد- النجاح في مجال المنتجات، والتقنية، والحلول المتكاملة لقطاعي الأبنية، ومكافحة الحرائق، وتُقدَّرُ قيمةُ الشركة الجديدة بعد الاندماج، والتي سُمّيَت جونسون كونترولز بي إل سي (Johnson Controls PLC)، بـ 30 مليار دولار، ومقرها إيرلندا. وهناك حاليًا اندماجٌ آخر بقيمة 85.4 مليار دولار، ينتظرُ الاكتمال بين شركتي أي تي آند تي (AT&T) و تايم وارنر (Time Warner)، وقد كان للرئيس التنفيذي لشركة إي تي آند تي، راندال ستيفنسون، التصريحُ التالي: "حالما ننتهي منِ استحواذنا على شركة تايم وارنر، نعتقد أننا سنكون أمامَ فرصةٍ لإنشاء منصةٍ إعلانية آلية، يمكنها أن تقدم لِخدمةِ الإعلانات المرئية الممتازة، ما قدّمته شركاتُ البحث، والتواصل الاجتماعي للإعلانِ الرقمي"، ويمكن لاندماجٍ مثل هذا -في سياق مجالٍ تجاري ذي نجاحٍ راسخ- أن يأتيَ بنتائج مربحة ذات صلة بالكفاءة المطوَّرة، وتوفير النفقات.

أما في حالة الاستحواذ؛ فتعثرُ شركةُ مساهمةٍ، أو مجموعةٌ استثماريةٌ على شركةٍ هدف، ثم تتفاوض مع مجلس إدارتها من أجل شرائها، وفي الاستحواذ الأخير لشركة فيرايزون (Verizon) على شركة ياهو (Yahoo)، والبالغة قيمته 4.5 مليار دولار، كانت شركة فيرايزون هي الشركة المستحوِذة، بينما كانت ياهو الشركةَ الهدف.

وقد شهد النشاط الاندماجي بين الشركات تفاوتًا خلال الربع الأول من العام 2017؛ فعددُ الصفقات خلال تلك الفترة كان أقل، ولكنْ بقيمةٍ دولاريةٍ أعلى، إذِ انخفض عددُ الصفقاتِ الإجمالي بمعدل 17.9% عنِ الربع الأول من العام 2016، ولكن قيمة الصفقات الإجمالية بلغت 678.5 مليار دولار. وسنناقش الزيادةَ في الاندماج الدولي بين الشركات لاحقًا في سياق هذا الفصل.

أنواع اندماج الشركات

للاندماج أشكال ثلاثة هي: الاندماج الأفقي، والعمودي، والتكتل. ففي الأفقي، تندمج شركاتٌ في مرحلة التطور ذاتها، وتعملُ في مجال واحد، لغرض تخفيض النفقات، وزيادة حجم المنتجات التي تقدّم، والحدِّ من المنافسة، ويمثل الاندماجُ الأفقي العديدَ من الاندماجات الكبرى، التي يُلجَأُ إليها؛ لتحقيق وفورات الحجم التي تؤدي إلى انخفاض متوسط التكلفة الكلية على المدى الطويل، بفضل ازدياد حجم الإنتاج.

وقد مَكَّنَ استحواذُ شركة يو بي إس (UPS) -التي تعد أكبر شركة شحن في العالم- على شركة أوفر نايت (Overnite)، البالغةِ قيمتُه 1.25 مليار دولار، من توسيع عملها التجاري الخاص بشحن الحمولات الثقيلة، وتوصيلها، فزادت بالتالي من عروض منتجاتها وخدماتها.

أما في الاندماج العمودي، فتشتري شركةٌ شركةً أخرى، تعمل في مجالها التجاري ذاته، وتكون الشركةُ المشتراة في مرحلة متأخرة عن المشترية، أو متقدمة عليها، فيما يخص عملية الإنتاج، أو في مرحلة المبيعات، ويعطي شراءُ شركةٍ تزوِّد بالمواد الخام، أو شركةِ توزيع، أو شركةٍ مستهلِكة، سيطرة أكبر للشركة المشترية، وخيرُ مثالٍ على ذلك هو استحواذُ شركة غوغل على شركة البرمجيات إرتشن (Urchin Software Company)، ومقرها مدينة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا، التي تبيع برمجياتٍ خاصةً بتحليلات الويب وخدماتٍ تساعد الشركات على تتبُّع مدى كفاءة مواقعها الإلكترونية، وإعلاناتها على الإنترنت، ومن شأن تلك الخطوة؛ تمكينُ غوغل من تدعيم الأدوات البرمجية التي توفِّرُ للمعلنين التابعين لها.

ويسمى الشكل الثالث للاندماج بين الشركات بـ التكتل، أو اندماج التكتل، الذي يوحّد شركتين لا صلة لنشاط إحداهما بنشاط الأخرى، فمن شأن دمج شركتين، لمنتجاتِ كلٍّ منهما أنماطٌ فَصْليَّة مختلفة عن الأخرى، أو تستجيبان بشكل مختلف للدورات الاقتصادية، من شأنه أن يحقق مبيعاتٍ أكثرَ استقرارًا. فقدِ استهلَّتْ شركةُ فيليب موريس (Philip Morris) -المعروفة حاليًا باسم مجموعة ألتريا (Altria Group)- نشاطَها التجاري في مجال التبغ، ومن ثمَّ تشعَّبَ ذلكَ النشاطُ في بداية الستينات من القرن العشرين باستحواذها على شركة ميلر (Miller Brewing) المصنعة للمشروبات، وبعد ذلك، طال نشاطُها التجاري مجالَ الأطعمة؛ بشرائها شركة جنرال فودس (General Foods)، وشركةَ كرافت فودس (Kraft Foods)، وكذلك شركة نابيسكو (Nabisco)، وغيرَها من الشركات، ولاحقًا، وبعد أن أسست شركة فيليب موريس شركاتٍ أخرى جديدة، باتت فئاتُ المنتجات الحالية الخاصة بها تتضمن السجائر، والتبغ من ماركة كوبنهاغن (Copenhagen ) وسكول (Skoal)، والسيجار، ومنتجات السجائر الأخرى مثل مارك تن (MarkTen).

وهناك نوع آخر من الاندماج التخصصي، الذي تكمن خلفه دوافعُ مالية؛ وهو ما يسمى الاستحواذ المدعوم بالقروض (Leveraged Buyout)، الذي شهد انتشارًا واسعًا في ثمانينات القرن العشرين، لكنه لم يعد منتشرًا على نطاقٍ واسعٍ اليوم، ويعرَّف بأنه استحواذٌ على شركةٍ ما، ومموَّلٌ بمبالغ ضخمة من المال المُقتَرَض، قد يصل إلى حوالي 90% من سعر الشراء، ويمكن البدء بهذا النوع من الاستحواذ من قبل مستثمرين خارجيين، أو من قِبل إدارة الشركة، فعلى سبيل المثال: وافقت شركة الأسهم الخاصة أبولو غلوبال مانجمنت (Apolo Global Management LLC)، محدودةُ المسؤولية، على بيع شركة الأمن الأمريكية إي دي تي (ADT) في أكبر استحواذ مدعومٍ بالقروض في العام 2016.

إنَّ ما يؤدي إلى هذا النوع من الاستحواذ هو الاعتقاد بأنَّ الشركة تساوي أكثر من قيمة أسهمها؛ فيشترون الأسهم، ويحولون الشركة إلى شركةٍ خاصة، متوقعين زيادة تدفق النقد عبر تحسين كفاءة التشغيل، أو بيع وحدات الشركة للحصول على النقد اللازم لسداد الديون. وبالرغم من أن بعض تلك الاستحواذات يساعد في تطوير الكفاءة، إلا أن معظمها لا يرتقي إلى مستوى تطلعات المستثمرين، ولا يُولِّدُ ما يكفي من نقدٍ لسداد الديون.

حوافز الاندماج

بالرغم من تركيز العناوين في كل مكان على الاندماج الذي يحدث بين شركاتٍ كبرى، إلا أن الهوسَ بالاندماج قد طال حتى الشركات الصغرى -أيضًا- وتتشابه الحوافز وراء الاندماج، والاستحواذ، بصرف النظر عن حجم الشركة؛ إذ غالبًا ما يكون الهدف من الاندماج، والاستحواذ استراتيجيَ الطابع، وهو تحسين الأداء الكلي للشركات المدمجة عبر تخفيض النفقات، وتقليل العمليات الإنتاجية المتداخلة، وتعزيز القوة الشرائية، والمشاركة السوقية، وتقليل المنافسة، فقد دفعت شركة أوراكل (Oracle) مبلغًا قدرُهُ 5.85 مليار دولار لشراء شركة سيبل سيستمز (Siebel Systems) التي تعد أكبر منافسٍ لها في سوق برامج أتمتة المبيعات.

ومن العوامل الأخرى التي تغري للاستحواذَ على الشركات؛ نمو الشركة، وتوسيع خطوط الإنتاج فيها، واكتساب المهارات التقنية، وِ الإدارية، والقدرة على كسب أسواق جديدة، فشراء شركة ياهو (Yahoo) حصةً تبلغ 40% من أكبر شركة تجارة إلكترونية صينية، وهي شركة علي بابا، Alibaba.com، قد عززّ على الفور صلاتِ شركة ياهو بسوق الإنترنت الثاني على مستوى العالم.

وقد يُمثِّلُ شراءُ شركةٍ ما، خيارًا أسرع، وأقل مخاطرةً، وتكلفةً، من تطوير منتجاتٍ، أو منَ البحث عن أسواق على الصعيد المحلي، أو التمددِ الدولي، فشراءُ شركة أمازون (Amazon) لسلسلة البقالات الراقية المسماة هول فودس ماركت (Whole Foods Market) في العام 2017 بمبلغ 13.7 مليار دولار كان بهدف دخولِ سوق التجزئة الخاص بالبقالات؛ فبالإضافة إلى سوق المنتجات الجديد، الذي حصلت عليه شركة أمازون، بات بإمكانها بيعُ منتجاتها التقنية في متاجر البقالة تلك، إلى جانب وصولها إلى مجموعة جديدة كليًا حول بيانات المستهلكين.

ومن العوامل الأخرى المحفزة على الاستحواذ بين الشركات؛ إعادة هيكلة الشركة ماليًا، عبر تخفيض النفقات، وبيع وحدات الشركة، وتسريح الموظفين، وكذلك عبر إعادة تمويل الشركة؛ لغرض زيادة قيمتها لصالح المساهمين فيها، ولا تقوم الاندماجاتُ المحفَّزَةُ ماليًا على احتمال تحقيق وفوراتِ حجمٍ (Economies of Scale) (يُقصد بوفورات الحجم في الاقتصاد أن كلفة وحدة الإنتاج المفردة تنخفض مع زيادة عدد الوحدات المنتجة ككل، بل على اعتقادِ الجهة المستحوِذة، بأن ثمة قيمةً مخبأة في الشركة المُستحوَذِ عليها، وهي قيمةٌ يُمكن إظهارُها للعلن، والاستفادة منها عبرَ إعادة الهيكلة.

ويتضمن معظم الاندماجات المحفزة ماليًا؛ شركاتٍ أكبر حجمًا، ففي كانون الثاني من العام 2018، أعلنت شركة بروكفيلد بزنس بارتنرز (Brookfield Business Partners)، -وهي إحدى الشركات الفرعية التابعة لشركة بروكفيلد أسيت مانجمنت (Brookfield Asset Management) الكندية- عن نيتها الاستحواذ على شركة ويستنغهاوس إلكتريك (Westinghouse Electric Co LLC) محدودة المسؤولية، وهي شركةُ الخدمات النووية المفلسة، التي كانت مملوكة من قبل شركة توشيبا (Toshiba)، وذلك مقابل 4.6 مليار دولار. ولشركة بروكفيلد تاريخٌ حافل بانتشالِ، وإنقاذ الشركات -التي تمر بصعوباتٍ- من أزماتها.

حقائق مستجدة

ازداد النشاط الاندماجي بين الشركات بالتزامن مع الطفرة التقنية التي شهدتها فترة أواخر التسعينات من القرن العشرين، وقد بلغ إجمالي التعاملات المالية السنوية حوالي 1.6 تريليون دولار في السنة، واستخدمتِ الشركاتُ رؤوسَ أموالها، التي بلغت مستوياتٍ عاليةً غيرَ واقعية، لشراء بعضها بعضًا، وبعد أن بلغتِ الطفرةُ التقنية مداها في العام 2000، انخفض معها النشاط الاندماجي بين الشركات، والذي شهد مزيدًا من الجمود بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001، وبعدَ ذلك، بدأت تطفو على السطح أخطاء فادحةٌ ارتكبتها شركات كبرى، وانخفضت -كذلك- قيمة الأسهم نتيجة لتلك الأحداث، لتنخفض معها التعاملات المالية الخاصة باندماج الشركات التي تتبع حركة أسواق الأسهم.

أما اليوم، فيعاودُ النشاط الاندماجي ارتفاعه، وقد كانت سنة 2016، ذات الـ 3.84 تريليون دولار في مجال الاندماج، والاستحواذ، سنةً تاريخية قوية جدًّا، بفضل إبرام صفقاتٍ مثَّلَت أحداثًا ضخمة؛ وكان مردُّ ذلك إلى الاقتصاد الصُّلبِ، ومعدلات الفائدة المنخفضة، والائتمان الجيد، وارتفاع أسعار الأسهم، ومخزونات النقد.

ولا شكَّ في أنَّ الحجمَ يُمثِّلُ ميزةً أثناء التنافس في السوق العالمية؛ ولكنَّ كِبَرَ الحجم لا يعني الأفضل دائمًا في سياق الاندماج بين الشركات، إذ تُظهر الدراساتُ أن الاندماجات الكبرى المتهورة، قد تمثّلُ في الواقع إخفاقًا للمستثمرين؛ مالكي تلك الحصص، ولذلك، تتحلى الشركاتُ بوعيٍ كافٍ حينما تدرس الخياراتِ المتاحةَ، قبل المجازفة بأموالها عندَ أولِ فرصةٍ تسنحُ لها؛ ففي غمرة توقهم إلى اقتناصِ صفقة مجزية، يدفع العديد من الجهات المشترية بزيادةٍ تطيح بالكسب الاقتصادي للاندماج برمَّته، وغالبًا ما يخيبُ التصور الذي يرسمه المديرون، أو يُثبِتُ عدم واقعيته، بسبب التعاضد الضخم بين الشركات، فقد يشترون شركةً ليست بالنجاحِ الذي تبدو عليه، غيرَ مدركين لما ينتظرهم.

إن تحقيق التكامل، أوِ الاندماج بين الشركة المستحوَذِ عليها، والشركة المستحوِِذَةِ؛ هو علم، وفنٌّ في آن واحد؛ إذ غالبًا ما يستخف القائمون على الشركة المستحوِذِةِ بالنفقات، والعبء اللوجستي الكبير الذي يترتب على دمج العمليات الإنتاجية لكل من الشركتين، المستحوِذِةِ، والمستحوَذِ عليها، واللتين تشهدان اختلافاتٍ عميقةً في ثقافة كل منهما، وفي المحصِّلة، قد يفشلون في إبقاء الموظفين الرئيسيين في الشركة، وفي الحفاظ على قوة المبيعات، و-كذلك- على رضا الزبائن.

ولن تتوقف الشركات عنِ السعي وراء شركاتٍ مرشَّحةٍ للاستحواذ عليها، ولكنَّ العبرةَ تكمنُ في وجود جدوى اقتصادية قوية من وراء ذلك الاندماج المرتقب، إذًا، إليكَ ما يجب أن تبحث عنه الشركات لاختيار الاندماج الذي يمثِّلُ أفضل فرصةٍ ممكنة:

  • سعرُ شراءٍ منخفضٌ -أي حوالي 10% زيادةً عن سعر السوق بدلًا من 50%- يُغني الشركةَ المستحوِذة عن الحاجةِ إلى تعاونٍ استثنائيٍّ لإنجاح صفقة الاندماج.

  • شركةٌ هدفٌ للاندماج تكون أصغر بكثيرٍ من الشركة المخطِّطةِ للاستحواذ، وأن يكون مجالُ عمل الأولى ضمن حدودِ فهم الثانية؛ فكلما كانتِ الصفقة "تحوليَّةَ" المضمون، مثل دخول مجالٍ تجاري جديدٍ كليًا على الشركة المستحوِذة، زادتِ المخاطر.

  • جهة مُشترية تدفع نقدًا، وليسَ أسهمًا، مُضخَّمةَ القيمة فحسب.

  • دلائلُ تُثبتُ أنَّ للصفقة بين الشركتين مبرراتٌ ماليةٌ، وتجارية مُقنِعة، وأنَّ الأمرَ ليس مجرَّد خطةٍ من بناتِ أفكار رئيسٍ تنفيذي راغبٍ في بناء امبراطورية تجارية، عبرَ الاستحواذ على شركاتٍ أخرى، ويتخللُ الاندماجَ بين الشركات صعوباتٌ ثقافية، وتجارية، ولوجستية، ويبرزُ التواضع بوصفه الميزةَ الأهم، التي قد تقدمها الشركة في عملية الاندماج.

الاتجاهات الحديثة في الملكية التجارية

ما هي الاتجاهات الحديثة السائدة اليوم، التي ستترك أثرًا على مؤسساتِ الأعمال في المستقبل؟

مثلما علمنا سابقًا، يُعدُّ الإلمام بالاتجاهاتِ الحديثة في عالم الأعمال، أساسًا في هذا المجال؛ إذ ثمة العديد من العوامل الاجتماعية، والديموغرافية، والاقتصادية التي تؤثر في تنظيم الأعمال التجارية، وعند تقييم خياراتِ البدء في عملٍ تجاري، أو تنظيمه، أو أثناءَ اختيار طريق مهنيٍّ ما، خُذِ الاتجاهاتِ التالية بالحسبان.

جيلا "طفرة المواليد" و "الألفية" يقودان اتجاهات الامتياز الحديثةَ

نسمعُ ونقرأ كثيرًا حول ظاهرة "شيخوخة أمريكا"، التي تشير إلى اقتراب جيل "طفرة المواليد" من بلوغ سن التقاعد، وتقود تلك الظاهرة السكانيةُ غيرُ المسبوقة -التي تتجلى في أنه بحلول العام 2006 كان قد بلغَ أولُّ 78 مليون شخص من جيل طفرة المواليد سنيَّهم الستين- الحربَ الدائمة التي نسعى فيها إلى البقاء شبابًا، وأصحَّاءَ، وذوي لياقة، ومع كل إشراقةِ شمسٍ، يبلع حوالي 10,000 شخصٍ من جيل "طفرة المواليد" سنيَّهم الخامسة والستين، ويُرجَّحُ أن يبقى الوضع على هذه الحال حتى عام 2030. وقد أحدثَ أفرادُ جيل طفرة المواليد تحوُّلًا في مراحل الحياة كافة، التي مروا فيها حتى الآن، وتعني أهميتهم الديموغرافيةُ أنهم يخلقون فرصًا تجارية أينما حلُّوا.

فاهتمامُ أفراد جيل طفرة المواليد، في البقاء محافظين على لياقتهم البدنية؛ يسهم في نمو الامتيازات التجارية الخاصة بمجال اللياقة البدنية وإنقاص الوزن، وخلال السنة الماضية -فقط- احتلتِ الامتيازاتُ الخاصة بفئة اللياقة البدنية 50 مركزًا، ضمن قائمة مجلة أنتربرونور المكونة من أعلى خمسمئةِ امتيازٍ تجاري -تصنيفًا حول العالم، ووفقًا للجمعية الدولية للصحة، والراكيت، والنوادي الرياضية (IHRSA)، فهناك 52.9 مليون أمريكي منتسب إلى نوادٍ صحية، منهم 39.4 مليونًا انتسبوا منذ عشر سنوات؛ مما يعني أن ثمةََ ما يكفي من المستهلكين الذين يُغذّون هذا الاتجاه الحديث.

ورعايةُ المُسنِّين هي الأخرى إحدى مظاهر الامتياز التجاري، الذي يقوده أفرادُ جيل طفرة المواليد، وتعد شركة هوم إنستد سينيور كير (Home Instead Senior Care)، التي تأسست في العام 1994، إحدى أسرع شركات الامتياز نموًّا في العالم، في مجال سوق الرعاية الصحية للمسنّين، ولديها شبكةٌ مكونة مما يزيد على 1000 امتيازٍ مملوكٍ، ومُشغَّلٍ بشكل مستقل، وموزّعٍ على 12 بلدًا. وستزدادُ الحاجةُ إلى الخدمات المميزة التي توفرها الامتيازاتُ التجارية المنتميةُ إلى فئة رعاية المسنين مع تقدُّم سُكان العالم في العمر.

هذا وتوفر هوم إنستد سينيور كير حلًّا ناجعًا للمسنين الذين يفضلون البقاء في بيوتهم، إذ تتراوح تكلفة رعاية المسنين في منازلهم بين (45000 و60000 دولار) سنويًا، وبمقارنتها مع التكلفة السنوية للبقاء في دور رعاية المسنين؛ التي تتراوح بين (72000 و92000 دولار)، يبدو أن الأولى أكثر توفيرًا للمال إلى حدٍّ ما، وتتعزز جودة حياة المسنين عبر خدمات الدوام الجزئي، والدوام الكامل، والخدمات على مدار الساعة، التي توفرها هوم إنستد سينيور كير، والموجهة لرعاية المسنين القادرين على التعامل مع احتياجاتهم الجسدية، ولكنهم بحاجة إلى بعض المساعدة، والإشراف. ومن الخدماتِ التي تقدّمها شركة هوم إنستد سينيور كير خدماتُ تحضير وجبات الطعام، ورفقة المسنّين، وتدبير الأمور المنزلية البسيطة، والتذكير بمواعيد تناول الأدوية، وتأمين وسائل المواصلات في الحالات الطارئة، وتأمينُ حاجيات المسنين من خارج المنزل، وتُمَكِّنُ تلك الخدماتُ المسنين منَ التمتع بالراحة التي يحققها وجودهم ضمن منازلهم لفترةٍ أطول.

ولكن الصفقة الأفضل تتجلى في الرعاية النهارية لكبار السن، التي تمثل واحدةً من أسرع مجالات الامتياز التجاري نموًّا "والتي لا تزال الأفضل إحاطةً بالسرية" بحسب مجلة أنتربرنور، وبناءً على مفهوم خدمات الرعاية النهارية للأطفال، تقدّم شركة ساره أدولت دي سيرفسز (Sarah Adult Day Services) فرصةَ امتيازٍ تجاري تحقق المعيارين اللازمين لعملٍ تجاري ناجح، ومسؤولٍ؛ اجتماعيًا، وهما: سوقٌ يشهد طفرةً سكانية، مع إمكانية نموٍّ عالية، ورعايةُ مسنين ممتازة. إنَّ برامجَ رعاية المسنين التي توفرها مراكزُ مثل: ساره كير (SarahCare) تعد ميسورة التكلفة لزبائنها، إذ تكلفهم حوالي 17,900 دولار في السنة، ويُفسِحُ الامتياز الخاص ب ساره كير (SarahCare) المجال لرواد الأعمال، لأن يكونوا جزءًا من مجالٍ تجاري يشهدُ توسُّعًا، ويعيد الكرامة، والحيوية إلى حيوات كبار السن.

ويمثل مواليد جيل الألفية -المولودون بين عامي 1980 و 2000- أكبر جيلٍ حيٍّ في الولايات المتحدة، وفقًا لمركز بيو للأبحاث (Pew Research)، وينفق أفرادُ ذلك الجيل مالًا في المطاعم، أكثر مما يفعلُ أفرادُ أيِّ جيلٍ سواه، كما يُشهَد لهم بأنهم قد غيروا المشهد الخاص بالمطاعم عبرَ البحث عن ماركاتِ مطاعم تقدِّمُ خياراتِ طعامٍ مخصصةً، ومكوّناتِ أطعمةٍ ذات جودة، وطزاجة في الأطعمة المقدَّمَة، وأصالةً، وشفافيةً، ومسؤوليةً اجتماعية وبيئية، ووفقًا لتقرير صادرٍ عن مؤسسة غرفة التجارة الأمريكية، فاثنان من أصل ثلاثة من أفراد جيل الألفية مهتمان بريادة الأعمال، وبحسب مجلة فوربس، يرغب 72% من أفراد جيل الألفية في أن يكونوا مديري أنفسِهِم، و74% يريدون ساعاتِ عملٍ مرِنة، و88% يريدون "دمج الحياة اليومية بالعمل"، وعندما يتعلقِ الأمرُ بالامتياز، فإمكانية النمو وتحقيقُ نمط حياةٍ مَرنٍ، ومُرضٍ، هما أمران يجذبان أفراد جيل الألفية، وقد كشفت دراسةٌ أجرتها شركة سي تي (CT Corporation) أن 60% من خريجي الجامعات يخططون لبدء مشروعٍ تجاري بعد التخرُّج، وأنّ 67% منهم لا يدرون كيف يبدأون بذلك، و45% لا يعتقدون أنهم قد ينجحونَ في صنعِ اسمٍ تجاري ذي شهرة، و30% ليسوا على دراية بكيفية التسويق للمشروع التجاري، وبناءً على ماسبقَ ذِكرُه، يبدو الامتيازُ الحلَّ الأمثلَ لمشكلاتهم تلك؛ فمنَ الأمثلة الواقعية على ذلك: شخصٌ يُدعى سال ريهمان (Sal Rehman)، وهو من مواليد جيل الألفية، ومن السكان الأصليين لولاية شيكاغو، ترعرع ذلك الشاب وهو يعمل في مطعم صغير تملكه عائلتُه؛ ثم أرادَ أن يكون له مطعمه الخاص، فاختارَ الامتياز سبيلًا نحوَ هدفه ذاك، وفي العام 2015، وفي سن السابعة والعشرين، افتتح سال أول مطعمِ وينغ زون (Wing Zone) بعدَ أن حصل على امتياز لتشغيله في ضواحي مرتفعات غلينديل في ولاية إلينوي، ويمتلك حاليًا خمسة من تلك المطاعم.

جيلُ طفرة المواليد يعيدُ صياغة قواعد التقاعد

بسنِّ الثامنة والأربعين، قد يُمثِّلُ بوب دراكر (Bob Drucker) رمزًا للتقاعد، لولا أنه ينفُر من هذا المفهوم، يعيش هذا الرجلُ حُلمَه اليوم؛ إذ يمتلك وزوجَتَهُ منزلًا كبيرًا في جزيرة لونغ آيلاند (Long Island) التابعة لولاية نيويورك، حيثُ يسترخي في مسبحه عندما لا يكون مصطحبًا حفيدتيه في نزهةٍ إلى ديزني لاند.

"لا يَسَعُكَ إزاحتي من هنا إلا إذا حملتني نحوَ الخارج"، هذا ما يقوله دراكر مشيرًا إلى صيدليته المسماة آر إكس يو إس إي (RxUSA)، وهي صيدلية على الإنترنت أسسها هذا الرجل ويديرها من بلدة بورت واشنطن (Port Washington) في نيويورك. "أُحِبُّ عملي، ولا يمكنني تخيُّل نفسي جالسًا في البيت لا أفعلُ شيئًا".

ليس دراكر وحده في ذلك؛ فأفرادُ جيل طفرة المواليد يمضون وقتًا أطول في أعمالهم، كما يشتغلون في مهنٍ إضافية بعد التقاعد، والتي تعني -غالبًا- بِدأهُم بمشروعهم الصغير الخاص بهم، وحينما يقررِ المتقاعدونَ ممارسةَ عملٍ تجاري لأنفسهم، نراهم يختارون أشكالًا مختلفة للمؤسساتِ التجارية، بناءً على حاجاتهم، وأهدافهم، فقد يبدأ بعضُهم عملًا خاصًا -بوصفهم مستشارين- على شكلِ ملكيةٍ تجاريةٍ فردية؛ في حين قد يختارُ الأزواجُ، أوِ الأصدقاءُ أن يصبحوا شركاء في مشروعِ امتيازٍ تجاري أو مشروع بيعِ بالتجزئة.

وكلما حافظَ أفرادُ جيل طفرة المواليد على صحتهم، وحيويتهم، زادَ اهتمامُهم بالبقاءِ نشِيطين، وُمندمجين، وقد يعني ذلك تأجيلَ التقاعد، أو عدمَ التقاعد أصلًا، وقد كشفتِ الدراسةُ السنوية للتقاعُد، التي أجراها مركز ترانس أمريكا للدراسات التقاعدية (Transamerica Centre for Retirement Studies)، أنه بالرغمِ منِ اقترابِ هذا العدد القياسي من الأمريكيين من سن التقاعُد، إلا أن عزيمتَهم لم تفتر. وفي الواقع فإن حوالي 51% من أفراد جيل طفرة المواليد يخططون لممارسة وظيفةٍ ما خلال سِنِيِّ تقاعدهم، كما أشار 82% منهم إلى أنهم لن يتقاعدوا عند بلوغهم سن الخامسة والستّين أو قبله.

طفرة الاندماجات، والاستثمارات الأجنبية

بعد فترةٍ شهدت عزوفَ الشركات الأمريكية عن إبرام صفقاتٍ كبرى، امتدت لأكثرَ من ثلاثة عقود، أطلقت تلك الشركات موجةً من الاندماجات، ففي العام 2016، أعلنت شركاتُ أمريكا الشمالية عن صفقاتٍ بلغت قيمتها الإجمالية حوالي تريليونَي دولار، وكان العديدُ منها صفقاتٍ كبرى، أما أكبرُها، فكانت صفقة الاندماج التي جرى الإعلانُ عنها بين شركتي أي تي آند تي (AT&T) و تايم وارنر (Time Warner)، التي بلغت قيمتُها أكثر من 85 مليار دولار، وبالإضافة إلى ما سبق، فقد بلغ نشاطُ الاندماج الأجنبي مستوى مرتفعًا، كما وصل حجم الصفقات العالمية في العام 2015 إلى 44,000 صفقة، كانت قيمتُها الإجماليةُ 4.5 تريليون دولار، أما في العام 2016، فقد تجاوزَ عددُ الصفقات 48,000 صفقة، وهذا ما مثُّلَ أكثر فتراتِ عملياتِ الاندماج نشاطًا حتى يومنا هذا، وكان ثلثا تلك الصفقاتِ بين شركاتٍ غير أمريكية، وقد أخذتِ الشركاتُ الأوروبيةُ بزمام المبادرة عبر صفقاتها العابرة للحدود، بقيمةٍ إجمالية تجاوزت تريليون دولار، ويُعزى ذلك الارتفاعُ إلى تحسُّنِ النمو الاقتصادي وارتفاعُ أسعار الأسهم.

ولكنَّ الطفرةَ الحاليةَ في مجالِ الاندماج بينَ الشركات، مختلفة عنِ الهوس بالاندماج الذي ساد في السابق، ويشهدُ هذا المجالُ ظهور لاعبين جُدُد، وزيادةً في عددِ الاستحواذات العابرة للحدود، التي تنفّذُها شركاتٌ أمريكيةٌ، وأخرى أجنبية، ولم يتَّضِح بعدُ ما إذا كانت هذه الاندماجاتُ الجديدة ذاتَ أثرٍ جيد على الاقتصاد العالمي أم لا. وما إذا كانت تلك الصفقاتُ ستتركُ أثرًا جيدًا على الربحية التي تؤدي إلى توفيرٍ في النفقات، وعملياتِ إنتاجٍ مُنسَّقة، وانسيابية، وإلى مزيدٍ من الأموال التي تُنفَق لصالح الأبحاث، واستثمارِ رؤوس الأموال في المنشآتِ الإنتاجية الجديدة، ولكنَّ الآثار الإيجابية للعديد من صفقاتِ الاندماجِ بين الشركات؛ قد لا ترتقي إلى مستوى توقعاتِ الجهات المُستحوِذة.

كما ازدادتِ الاستثماراتُ الأجنبيةُ للشركاتِ الأمريكيةِ بشكلٍ متسارع، فبلغَ الاستثمارُ الأجنبي السنويُّ المُباشر 373.4 مليار دولار في العام 2016، وقد جاءت هذه القفزةُ نتيجةً للطفرة العالمية في الاندماج، والاستحواذ بين الشركات، وبفعل الحاجةِ إلى تمويل العجز المتنامي في الميزان التجاري الأمريكي، وبفضل جذبِ الاقتصادِ الأمريكي المستمر للمستثمرين الدوليين.

ولكن، ماذا بشأن الاستثمارات الأمريكية في اقتصادات الدول الأجنبية؟ إنها تُطاوِلُ عنانَ السماء، معَ سعي الشركات الأمريكية نحو اقتناص الفرص الاستثمارية في الدول النامية، ووفقًا لتقارير مركز الكونغرس الأمريكي للخدمات البحثية(Congressional Research Service Reports)، يتجاوزُ اليومَ حجمُ التدفقات النقدية الأمريكية نحو الدول الأجنبية، ما يزيد على 6.4 تريليون دولار في السنة الواحدة، وإلى جانب جذبها للعمالة، والموارد الرخيصتين، تستمر الشركات الأمريكية من مختلفِ الأحجام في الاستفادة من رأس المال الفكري للدول ذات الاقتصادات النامية، مثل: الصين والهند، فتلجأ إلى تعهيد وظائف من قبيل تلك المتعلقة بكشوف الرواتب، وتقنية المعلومات (آي تي/IT)، واستضافة الويب/البريد الإلكتروني، وإدارة علاقات العملاء (سي آر إم / CRM)، والموارد البشرية (إتش آر / HR) لإبقاء النفقات تحت السيطرة، وتعزيز الربحية.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (Forms of Business Ownership) من كتاب introduction to business





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن