كيف توازن بين وظيفتك النهارية وعملك الحر كمصمم


أسامه الدمراني

إن آخر شيء تود فعله في نهاية يوم عمل شاق في وظيفتك هو النظر إلى شاشة إلكترونية أخرى، فأنت تدور منذ الصباح بين مواعيد التسليم والاجتماعات والطلبات التي ما فتأت تحتشد على مكتبك.

وليت الأمر يقف عند هذا الإرهاق الذهني، فلا زالت لديك مواعيد تسليم واتصالات واجتماعات وطلبات أخرى تنتظرك ما إن تعود إلى المنزل الذي يفترض أنه مستقر راحتك.

إنني أقصد تلك الاتصالات التي تأتيك من عملائك في عملك الحر، هؤلاء العملاء الذين يجب أن تعطيهم نفس القدر من الاهتمام والتركيز اللذين تعطيهما لوظيفتك النهارية.

لماذا؟ لأنك تريد القيام بعمل ممتاز بالطبع، فأنت تعمل على شيء تحبه بالفعل، ولديك تحكّم تام في المشروع الذي تعمل عليه، وليس هناك مُدراء يدَّعون الإبداع أو مسؤولون يحشرون أنوفهم في عملك، ليس هناك سواك أنت وعميلك، ولديك حرية الإبداع التي تحبها.

freelance-balance.png

لكن من الصعب عليك للأسف أن تجمع طاقة للعمل بعد (أو قبل) ساعات الوظيفة العادية، وكل ذلك هو جزء من جهود الموازنة بين العمل الحر ومسؤوليات العمل في الوظيفة العادية، تلك الموازنة التي لا يفترض أن تكون مجهودًا كبيرًا حين تتقن الجمع بين الالتزام والنزاهة وحسن الحفاظ على العلاقات، فستزيد فرص نجاحك حينها في نفس الوقت الذي تقل فيه احتمالات ضغطك وإجهادك.

الالتزام

كيف يمكن لمصمم أن يحافظ على توازنه ومكانته في عالمين أحدهما يسد فواتيره، والآخر يشبع روحه؟

إن ضبط الأولويات وإدارة الوقت بكفاءة أمران أساسيان لضمان إحسان التوازن بين هذين العالمين، عالم الوظيفة العادية وعالم العمل الحر، ويبدأ الأمر كله بالالتزام.

ولا ريب أن كل مصمم ذي شأن قد مر ببعض العقبات في مسيرته المهنية، فربما كان عليك أن تسهر طول الليل في الجامعة على مشروع يجب أن تسلمه في الصباح، لكنك تجبر نفسك على إنهاء العمل، وهذا هو عين الالتزام.

واعلم أن ذلك الالتزام لا يزيد أو يصبح أفضل حين يكون العمل سهلًا، فأي شخص حينها يمكنه تنفيذه، وكل الناس يمكنهم العمل بهمة على مشاريع يحبونها في ظروف مثالية.

لكن قيمتك كمصمم تظهر وتُكتسب حين تعمل على أمر ليس بفتَّان أو ساحر ولا سهل، لأنه الواقع، فالحياة الواقعية لا تشبه Dribbble، فلن تصمم عملًا كي تُمدح عليه، بل ستصمم عملًا يستخدمه شخص آخر ليكسب منه رزقه.

يظهر التزامك جليًا حين تزيد أعباء عملك، وتكون الوسيلة الوحيدة لتقليلها هي تنفيذها، وإن المحترفين يعلمون ذلك جيدًا، وسينفذون ذلك العمل الزائد، أما الهواة فسيجعلون من الأعمال التي وافقوا على تنفيذها محنة تعذبهم في سبيل إنجازها.

لذا، فحتى لو كنت تلعن تلك الأعمال التي ستجعلك تقضي الوقت محدقًا في حاسوبك في المنزل، فإنك ستنجزها وتنهيها، لأنك محترف، ولأنه عمل مجزي، ولأنك تدرك أن هذا ضروري، وقد وافقت عليه ابتداءً ولم يعد ثمة طريق للتراجع الآن.

وماذا يعني كونك محترفًا أصلًا؟ هل يقاس الاحتراف بالتقدير عن طريق الجوائز والإعجابات الاجتماعية؟ أم بالسمعة والمقام المكتسب من العمل في مؤسسة ما؟ أم بقدر العملاء ذوي المكانة الرفيعة في معرض أعمالك؟

كلا.

إن ذلك يقاس بقدرتك على إنجاز العمل المطلوب منك بكفاءة، فذلك الذي يجلب لك التوازن الذي تنشده ويسمح لك أن تجمع بين الوظيفة النهارية والعمل الحر في التصميم. إنني أنصحك، بشدة، أن تقرأ كتاب "The War of Art" –حرب الفن- للكاتب ستيفن بريسفيلد، الذي ألف أيضًا رواية "The Legend of Bagger Vance" –رواية خيالية جرت أحداثها أيام الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي-، ففيه يشرح تفاصيل تغلبه على المماطلة، الكسل، والضرر الذي يسببه لنفسه، ويقول بأن "المحترف قد تعلَّم أن النجاح يأتي كنتيجة للعمل، شأنه شأن السعادة، فيركز على ذلك العمل، ولا يهتم إن جاءت الجوائز أم لم تأت".

فإذا كنت بهذا المزاج فإن من السهل عليك أن تحقق توازنًا بين الوظيفة الثابتة والمشروع الجانبي الذي تعمل عليه أيًا كان، فلتبدأ من الآن بمعاملة عملك الحر باحترافية إن لم تكن قد فعلت.

ولتبدأ أول أمرك بقطع وأجزاء صغيرة، فإن الالتزام مثل التصميم، ينمو ويتحسن بالتمرين، فكلما فعلته أكثر عن وعي صرت أفضل فيه. فلا تتوقع تغييرًا بين ليلة وضحاها، فإن هذا الالتزام المطلوب لصنع تغيير حقيقي يستغرق وقتًا، ذلك أمر طبيعي.

القيمة

إن الالتزام يستهلك وقودًا محدود الكمية، فهو فعال في البداية، لكنه سرعان ما يبدأ في النقصان على المدى الطويل، لأنه من غير العملي أن تحافظ على توازنك المهني لفترة طويلة وبثبات، بل من الممكن أن يكون هذا غير صحي أصلًا.

وتستطيع إدراك متى يتداخل العمل الحر مع الوظيفة النهارية، تلك الوظيفة التي تدفع فواتيرك وتأمينك الصحي، فلا تتسرع في حرق الشمعة من كلا جهتيها، وتنكر دور الوظيفة كمصدر للقمة العيش. هذا كي تنتبه إلى اللحظة التي يبدأ فيها العمل الحر بإعاقة أداءك في الوظيفة المكتبية فتتمهل قليلًا.

إن دفع نفسك فوق طاقتها يزعج التوازن في عملك، ويفقدك القدرة على قيادة الدفة، ولكي تتجنب الوصول إلى تلك المرحلة عليك أن تسأل نفسك قبل كل مشروع تلك الأسئلة:

  1. هل يمكنني إنجازه مع جدولي الحالي؟
  2. هل أستطيع أن أبذل كل جهدي فيه خارج الوظيفة النهارية؟
  3. هل يستحق هذا المشروع أن أقبله أصلًا؟ تأكد أن تعبك له مقابل مجزي، فإن توقيع مشروع لا يضيف إليك لخطأ عظيم.

كيف تقيس بنفسك ما الذي يستحق قبوله وما الذي لا يستحق؟ يجب أن تكون صريحًا مع نفسك قبل أن تبدأ في تحليل التكلفة/المنفعة، وإلا فإن كذبتك ستقود إلى مشاكل في المستقبل.

تأكد من ميزانية العميل، وهل يساوي ما يدفعه لك قيمة جهدك الذي ستبذله؟ هل العمل ممتع؟ أو على الأقل ممتع كفاية بالنسبة لسعره؟ إننا نقبل أعمالًا في كثير من الأحيان من أجل الحفاظ على صحتنا العقلية، فإن وظيفتنا العادية قد تكون مملة ورتيبة. أعني أنك إن كنت تقوم بالتصميم من أجل الهواتف طول النهار، فربما ينعشك عمل تصميم هوية مكتبية لشركة صغيرة.

من المهم أيضًا أن تفحص عميلك وتقيم أهليته للثقة، ومدى تنافسيته وأسلوب إدارته، فإذا كان يركز كثيرًا على التفاصيل بكل مزعج، سطحي، أو يرفض الأساليب الجديدة، فإن هذا المشروع سيزعجك أكثر مما ظننت في البداية.

وكذلك فإن الصدق مع النفس يُيَسر عليك طريق الالتزام بسهولة، بما أنك ترى الطريق أمامك بالفعل، ويخبرك متى تكون حذرًا ومتى تغامر أثناء قيادتك للمشروع بكفاءة.

النزاهة

وعلى صعيد آخر، فإن المصمم سيقابل عاجلًا أو آجلًا ذلك العميل الذي سيطلب منه العمل على مشروع قد يعارض مصالح شركته التي يعمل فيها، بل ربما يكون المصمم قد وقع على اتفاقية لعدم المكاشفة NDA (Non-Disclosure Agreement) مع شركته، أو كان العقد بينه وبين الشركة ينص على ألا يشترك في عمل منافس لعملاء الشركة أو منتجاتها.

ونصيحتي لك ألا تقبل ذلك العمل، فلا يستحق -في رأيي- أن تصل كلمة واحدة إلى مسامع مديرك حول الأعمال التي تُنفّذها لصالح منافس له فقد يحدث ما لا يُحمد عقباه ولن يكون الطّرد أسوأ العواقب، بل قد تتم متابعتك قضائيًا أيضًا.

لقد طلب مني أحد المسؤولين في وكالة عملت فيها سابقًا أن أعمل على مشروع بدا واضحًا 100% أنه منافس لأكبر عملائنا، وقد كان العرض مغريًا، ولم يكن أحد ليعرف بالأمر، وكان الأمر سيقود إلى مشروع تلو مشروع، وشيك مصرفي وراء آخر.

غير أني اتخذت سبيل الأمانة وحللت الأمر من منظور التكلفة/المنفعة لأجد أنه لا يستحق العناء، إضافة إلى أن مدينتي القديمة كانت أصغر من أن يتوه عملي في زخم السوق، وكان إفساد اسمي وإظهاري بصورة الانتهازي أمرًا مرعبًا بالنسبة إلي.

على أني لا أقول أن الأمر لم ينجح من قبل، فمن المعتاد في وادي السليكون مثلًا أن يعمل الموظفون على على بناء مُنتجات تُنافس الشّركات التي يعملون لصالحها ، وصار ذلك أشبه بالثقافة المنتشرة هناك، لكن هذا الأسلوب لا يناسبني على المستوى الشخصي في مسيرتي المهنية كمصمم.

العلاقة طويلة المدى

تقع إحدى الشركات التي أتعامل معها على بعد مئات الأميال مني، وقد حافظت تلك الشركة النشطة على وجودي بينهم حتى بعد انتقالي إلى مدينة أخرى، وقد أبقيتُ على نفس الاحترام والاهتمام بالعمل معهم (بل زدت منهما في الحقيقة) كرد لهذا الصنيع.

ذلك أنهم أشخاص طيبون وأنا سعيد بالعمل معهم، فالعمل مع هذا النوع من الناس يضيف قيمة حقيقية لعملي. ومن اليسير علي أن أعمل مع أشخاص يراعون مشاعر الآخرين وذوي قيم عالية، حتى حين أعود إلى منزلي وأنا أعلم أن بانتظاري مزيدًا من ساعات الكد على مشروع آخر فإن العمل مع أشخاص تحترمهم سيُسهل عليك الأمر.

ولتعلم أن أسلوب التعامل مع عميلك يختلف حين يكون العمل معه عن بعد، فلا أنتم تستطيعون التواصل بعد ساعات العمل لشرب قهوة مثلًا، ولا أن تعملوا جنبًا إلى جنب في أيام السبت. فأنا الآن بهذا الحال محتاج أن أستغل ساعة الغداء في إجراء مكالماتي الهاتفية ومراسلتهم عبر البريد، دون أن أقابلهم مباشرة.

وذلك قد يُجهد العلاقة بين المصمم والعميل، فلتحرص على أن تتواصل معه، ولا تنتظر أن يراسلك هو أوّلًا، ولا تبالغ أيضًا في ذلك التواصل بشكل مزعج، لكن دعه يعرف أنك تقدر أعماله.

خاتمة

إنني لا أستطيع تعليمك المعادلة الدقيقة لتحقيق التوازن الذي أتحدث عنه، ذلك أن مقياسي يختلف عن مقياسك وعن حالتك الخاصة، وكذلك عن حالة ذلك الرجل أو تلك المرأة، وهكذا.

ويجب أن تكون منتبهًا دومًا إلى توازنك في مجال التصميم خاصة، ذلك أنه مجال متغير بشكل مستمر، فيجب أن تلتزم كي تضمن جودة العمل المقدم لزبائنك، وتكون أمينًا حين تستلم ذلك العمل، وحين تقدر قيمته، وتتأكد من رغبتك في إكماله حتى النهاية، وكذلك فإن التزامك بالنزاهة سيحافظ على نقاء روحك.

ويجب أن تحافظ على علاقتك بعملائك جيدة، وتذكر أنهم بشر مثلي ومثلك، يتفهمون ظروفك لكنهم في حاجة إلى إدارة مشاريعهم والحفاظ عليها، فيجب أن تحترم حاجاتهم كما تحترم احتياجاتك وتراعيها.

ولتعلم أن الأمر يعود إليك كي تجعل هذا المجال مجزيًا أو لا.

ترجمة -بتصرف- للمقال Balancing Act: Freelancing While Full Time لصاحبه Andy McErlean

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ freepik





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن