paul graham الأنذال محكوم عليهم بالفشل (Mean People Fail)


محمد حبش

يذهلني كيف أن قليلاً من الأشخاص الأكثر نجاحاً الذين اعرفهم أنذال Mean people. هناك استثناءات، لكنها قليلة بشكل ملحوظ.

النذالة ليست شيئًا نادرًا. في الواقع أحد الأشياء التي أظهرها لنا الإنترنت هو إلى أيّ حدّ يمكن أن يصبح الناس أنذالًا. قبل بضعة عقود كان بإمكان الأشخاص المشاهير والكتّاب المحترفين أن ينشروا آراءهم. اليوم يمكن للجميع أن يفعلوا ذلك، ويمكننا رؤية كمية النذالة التي كانت مختبئة.

من الواضح أن هناك العديد من الأشخاص الأنذال، لكن لا أحد منهم من بين معظم الأشخاص الناجحين الذين أعرفهم. ما الذي يجري هنا؟ هل النذالة والنجاح مرتبطان عكسيًّا؟.

بالطبع، إن جزء مما يحدث هنا هو تحيز الاختيار. فأنا أعرف الأشخاص الذين يعملون في مجالات محددة: مؤسسي الشركات الناشئة، المبرمجين، الأساتذة الجامعيين فقط. وأنا على استعداد للاعتقاد بأن الأشخاص الناجحين في المجالات أخرى هم أنذال. ربما يكون مدراء صناديق التحوط أنذالًا، لا أعرف بالقدر الكافي لأؤكد ذلك. لكن هناك على الأقل مساحات كبيرة من العالم التي لا يسيطر عليها الأشخاص الأنذال، ويبدو أن تلك المساحة تنمو وتكبر.

إن زوجتي و الشريك المؤسس لحاضنة Y Combinator جيسيكا هي واحدة من هؤلاء الأشخاص النادرين الذين لديهم رؤية أشعة إكس للشخصيات. وكوني زوجها هو أشبه بالوقوف إلى جانب جهاز فحص الأمتعة في المطار. لقد دخلَت إلى عالم الشركات الناشئة قادمةً من بنوك الاستثمار، لقد كانت تنذهل دائمًا من كيف أن مؤسسي الشركات الناجحة يكونون طيبين، وكيف أن الأنذال يفشلون في تأسيس الشركات الناشئة.

ما السبب؟ أعتقد أن هناك عدة أسباب. أولها هو أن تكون نذلًا يجعل منك غبياً. لهذا السبب أكره المشاجرات. فأنت لا تبلي أفضل ما في وسعك في المشاجرة أبدًا، لأن المشاجرات ليست عامة بما فيه الكفاية. الانتصار يدل على الحالة والشخص المرتبط بها دائمًا. فأنت لا تفوز في مشاجرة عن طريق التفكير في الأفكار الكبيرة، إنما عن طريق التفكير في الخدع التي ستنجح في تلك المشاجرة والحالة بالتحديد. وهكذا فإن الشجار يتطلب نفس القدر من العمل الذي يحتاجه التفكير في المشاكل الحقيقية. وهذا مؤلم بالتحديد لمن يهتم بالطريقة التي يستخدم دماغه فيها.

ولا تنتصر الشركات الناشئة عبر الهجوم. إنها تفوز من خلال التفوق. وبالطبع هناك استثناءات، لكن عادة يكون طريق الفوز هو أن تتقدم في السباق لا أن تتوقف عن الصراع.

السبب الآخر الذي يمنع المؤسسين الأنذال من النجاح هو أنه لا يمكنهم أن يحصلوا على أفضل ما لدى الأشخاص الذين يعملون لأجلهم. يمكنهم توظيف من يستطيع أن يقنعهم لأنه بحاجة للعمل. لكن الأشخاص الأفضل لديهم خيارات أخرى. والشّخص الشرير لا يمكنه أن يقنع الأشخاص الجيدين بأن يعملوا لأجله ما لم تكن لديه قدرة فائقة على الإقناع. ولأن الحصول على أفضل الأشخاص يساعد أي منظمة، إنه عنصر حاسم للشركات الناشئة.

هناك أيضًا قوة مُكمّلة في العمل: إذا كنت تود صنع أشياء عظيمة، فمن المفيد أن تكون مدفوعًا من قبل روح الخير لديك. مؤسّس الشركة الناشئة الذي ينتهي به المطاف إلى الثراء هو ليس الشخص الذي يكون مدفوعًا من قبل المال. ذلك الشخص الذي يقوده المال يقبل عرض الاستحواذ الكبير الذي يتلقاه وهو تقريبًا ما تواجهه كل الشركات الناشئة الناجحة [1]. والأشخاص الذين يستمرون ويقودهم شيء آخر قد لا يقولون ذلك صراحة، لكنهم عادة ما يحاولون تحسين العالم. ما يعني أن الأشخاص الذين لديهم رغبة في تحسين العالم لديهم ميزة طبيعية على غيرهم. [2]

والشيء المثير أن الشركات الناشئة ليست مجرد نوع واحد عشوائي من العمل الذي يمكن للنذالة والنجاح أن يرتبطا فيه بشكل عكسيّ. هذا النوع من العمل هو المستقبل.

معظم النجاح التاريخي كان يعني السيطرة على الموارد النّادرة. وكان كل شخص يحصل على ذلك من خلال الصراع، سواء كان ذلك بشكل حرفيّ ومُباشر في حالة الرعاة البدو الذين يقودون جامعي الغذاء والصيد في الأراضي المهمشة، أو مجازًا في حالة العصر الذهبي عندما كان المموّلون يتنافسون على احتكارات السكك الحديدية. وفي القسم الأكبر من التاريخ، كان النجاح يعني النجاح في الألعاب التي محصلتها صفر أي المكسب يساوي الخسارة. وفي معظم تلك الحالات لم تكن النذالة تشكّل عائقًا بل ربما كانت ميزة.

هذا الأمر يتغير. وبشكل متزايد أصبحت الألعاب المُهمّة ليست تلك التي محصلتها صفر. وبشكل متزايد أصبحتَ تنتصر ليس من خلال الصراع من أجل السيطرة على الموارد النادرة، بل من خلال تملّك الأفكار الجديدة وصنع الأشياء الجديدة. [3]

كانت هناك ألعاب تفوز فيها من خلال الحصول على الأفكار الجديدة لفترة طويلة من الزمن. في القرن الثالث قبل الميلاد فاز أرخميدس بهذه الطريقة. على الأقل إلى غاية أن قتله الجيش الرّوماني الغازي. وهذا ما يستعرض لنا لماذا يحدث التغيير: حتى تكون الأفكار الجديدة هامة، أنت بحاجة إلى درجة معينة من النظام المدني. ليس فقط عدم وجود الحرب. أنت أيضًا بحاجة لمنع هذا النوع من العنف الاقتصادي الذي مارسه أقطاب القرن التاسع عشر ضد بعضهم البعض وكذلك مارسته الدول الشيوعية ضد مواطنيها. يحتاج الناس أن يشعروا بأن ما يقومون بصنعه لن تتم سرقته. [4]

هذا هو الحال على الدّوام مع المفكرين، ولهذا السبب بدأ هذا الاتجاه معهم. عندما تفكر في الناس الناجحين الذين لم يرحمهم التاريخ، فإنك تجد علماء الرياضيات والكتّاب والفنانين. والشيء المثير للاهتمام أن اللعبة التي لعبها المثقفين بدأت تتسرب إلى العالم الحقيقي، وهذا عكس القطبية التّاريخية في العلاقة ما بين الشر والنذالة من جهة والنجاح من جهة أخرى.

لذا أنا في الحقيقة سعيد لأني توقفت عن التفكير حيال ذلك. كنا أنا وجيسيكا دائماً نعمل بجهد لتعليم أطفالنا أن لا يكونوا أنذالًا. كنا نتسامح مع الفوضى والضجيج والوجبات السريعة، لكن ليس مع النذالة. والآن لدي سبب إضافي لاتخاذ الإجراءات الصارمة ضد كل ذلك، وحجة إضافية لاستخدامها عندما أريد ذلك: لأنه أن تكون شريراً ونذلاً سيجعلك تفشل.

الهوامش

[1] لا أحاول القول أن جميع المؤسسين الذين يقبلون عروض الاستحواذ الكبيرة يقودهم المال، لكن على العكس من ذلك أن الذين يرفضون تلك العروض لا يقودهم المال. بالإضافة لذلك فإن الشخص يمكن أن يكون لديه حافز الخير من أجل أن يقوده المال - على سبيل المثال من أجل أن يقوم برعاية العائلة، أو ليكون لديه وقت الفراغ للعمل على مشاريع تطور العالم.

[2] من غير المُرجّح أن كل شركة ناجحة تحاول أن تجعل من العالم مكانًا أفضل. لكن مؤسسي تلك الشركات كالوالدين، يؤمنون بشدّة أنهم قادرون على ذلك. المؤسّسون النّاجحون يقعون في غرام شركاتهم. وطالما أن هذا النوع من الحب هو أعمى مثل حب الناس لبعضهم البعض، فإنه سيكون أصيلًا.

[3] يوضح بيتر ثيل Peter Thiel أن المؤسسين الناجحين لا زالوا يصبحون أغنياء من خلال السّيطرة على الاحتكارات، فقط تلك الاحتكارات التي قاموا بتأسيسها وليس التي حصلوا عليها. وبما أن هذا صحيح إلى حد كبير، فإنه يعني أن التغيير الكبير يحصل لدى الشخص الذي يفوز.

[4] لكي أكون مُنصفًا، لم يقصد الرومان قتل أرخميدس. طلب القائد الروماني على وجه الخصوص أن يتركوه وشأنه، لكنه قُتل نتيجة الفوضى.

في الأوقات المضطربة، حتى التفكير يحتاج للسيطرة على بعض الموارد النادرة، لأن الحياة -في حد ذاتها- مورد نادر.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Mean People Fail لصاحبه بول جراهام (Paul Graham) مُؤسس حاضنة مشاريع واي كومبيناتور (Y Combinator). اقرأ المزيد من مقالات بول جراهام بالعربية





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن