confirmation bias عقلك يكذب عليك، كيف تطور نفسك في التسويق بالتغلب على انحياز التوكيد، الجزء الأول


أسامه دمراني

أريد أن أسألك سؤالًا شخصيًا وأريدك أن تصدقني في إجابته: هل رفضت يومًا أو تجاهلت معلومات لأنها شكلت تهديدًا لنظرتك إلى العالم؟ يعني ربما رأيت عنوان مقالة تخالف رؤيتك السياسية فقلت لنفسك “لن أتعب نفسي بقراءة هذه المقالة”، أو ربما أسقطت بعض البيانات غير المثيرة للاهتمام في تقرير حملتك كي تبدو أفضل مما هي عليه؟

main2.png

إن كانت إجابتك بنعم، فاعلم أنك مثل باقي البشر على كوكب الأرض، بل في الحقيقة فإن تفضيل المعلومات التي تتوافق مع نظرتك للعالم هو أمر شائع جدًا بين البشر، وفقًا لنتائج آخر أربعين عامًا من البحث الإدراكي (Cognitive Research).
هذا “المرشِّح” يخدم هدفًا عمليًا، فهو يساعدنا على الحفاظ على الطاقة الإدراكية Cognitive Energy ويساعدنا على المضي بحياتنا بقناعات مستقرة. تخيل صعوبة الأمر لو كنا نسمح لكل معلومة نقابلها أن تغير في طريقنا!

لكن للأسف، فإن انحيازنا إلى المعلومات التي تؤكد ما نعتقده يقودنا غالبًا إلى أخطاء في الأحكام التي نطلقها وأخطاء مكلّفة في التسويق، وفي الحياة عموما. وقد نكتشف أننا نسوّق لجمهور تخيلي وهمي صنعته انحيازاتنا وافتراضاتنا، دون أن نشعر بذلك، وتكون النتيجة تسويق يبوء بفشل سريع في تحقيق أي تأثير حقيقي على الجمهور.

أيها المسوّق، قابل ألد أعدائك!

يطلق علماء النفس اسم انحياز التوكيد “Confirmation Bias” على ميلنا لترشيح وتفسير المعلومات بطرق تؤكد معتقداتنا، أو الانحياز الشخصي في تسمية أخرى، ورغم أنه غير متعمد على الإطلاق، إلا أنه يحدّ من قدرتنا على التحليل الموضوعي.
تذكر موسوعة بريطانيكا Encyclopedia Britannica أن “الناس في الدراسات التي فحصت الانحياز الشخصي أو انحياز التوكيد، كانوا قادرين على توليد وتذكّر أسباب تدعم وجهة نظرهم في مسألة نقاشية أكثر من تذكّر أسباب مشابهة للطرف المقابل. ولم يستطع المشاركون أن يقدموا دفاعات ضد قناعاتهم الخاصة إلا حين سألهم الباحث مباشرة أن يفعلوا ذلك”.

دعنا نأخذ الانتخابات الرئاسية الأميريكية في 2016 كمثال على انحياز التوكيد، فكلا المرشحيْن قد فعلا أشياء أثارت تساؤلات عن مدى مناسبتهم لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميريكية.
لكن أغلب مؤيدي ترامب كانوا مهتمين بتأكيد أنه أفضل من هيلاري كلينتون، بينما اهتم مؤيدو كلينتون بتأكيد أنها كانت أفضل من ترامب. وكان المؤيدون من كل جانب على استعداد أن يتغاضوا عن بعض الأخطاء الكبيرة في مرشحهم المفضّل بينما يوجهون أصابع اللوم إلى مؤيدي المرشح الآخر متهمين إياهم بتغاضيهم عن أخطاء مرشحهم.

اقتباس

يظهر انحياز التوكيد أيضًا في ميل الناس إلى البحث عن الحالات الإيجابية، فعند البحث عن معلومة لدعم افتراضاتهم وتوقعاتهم، فإنهم يميلون إلى البحث عن الدليل الإيجابي الذي يؤكد أن فرضية ما صحيحة، بدلًا من المعلومة التي ستثبت أن وجهة نظرهم خطأ إذا ما كانت خطأً بالفعل. المصدر: Encyclopedia Britannica.

إن تناقضات الأخبار المزيفة Fake news الحالية هي مثال جيد آخر على انحياز التوكيد، فكل شخص (بما فيهم السياسيون والصحفيون) لديهم مصلحة في نزاهة الصحافة وأمانة تغطية الأحداث الجارية، لكن بالرغم من هذا فنحن يسيطر علينا تأكيد شبهة أن الطرف الآخر يلعب بالأخبار الكاذبة، بدلًا من التحقق فعلًا من الأخبار الكاذبة عموما.

قد يقودنا انحياز التوكيد أيضًا إلى الاختباء في ملاجئ بعيدة عن كل ما يتحدى عقائدنا وآراءنا، ملاجئ مثل فيس بوك مثلًا حيث يمكنك ترشيح الأخبار التي تراها كي ترى ما يوافقك فقط، فإن رأيت شيئًا لا يعجبك من شخص ما فإنك تلغي صداقته ببساطة، وهكذا حتى تبني فقاعة انحيازك الصغيرة حيث كل الآراء مؤيدة لك، والآراء المعارضة تسحق بسرعة كي لا تشكل تهديدًا.

يهدد الميل لتفضيل الآراء الشخصية أي التزام يسعى لكشف حقيقة بشأن العالم، وإن العِلم خير مثال على ذلك. فإذا كان العالِم يبحث عن البيانات التي تؤكد نتيجته التي يرغب فيها، فستكون الدراسة التي يجريها مليئة بالأخطاء بما أنها تدور حول إيجاد الانحياز عوضًا عن إيجاد المعلومة الحقيقية ذات الدليل، وفي النهاية تكون نتائج هذه الدراسة منحازة تجاه نتيجة بعينها، وهذا يعني أنها لا قيمة لها حقيقة.
لهذا فإن الطريقة العلمية مهمة للغاية حين تجري أبحاثًا، فهي تجبرك على مهاجمة فرضياتك من كل الزوايا الممكنة وتسعى خلف الدليل حتى تصل إليه. وحين تجرب كل السبل لدحض فرضيتك وتجدها لا تزال قائمة بعدها، فحينها تعرف أنك على وشك اكتشاف مهم حقًا.
لكن حتى العلماء يواجهون صعوبة في الالتزام بهذا المبدأ، كما يذكر هاربر لي Harper Lee في رواية “To Kill A Mocking Bird”: يرى الناس عادة ما يبحثون عنه، ويسمعون ما ينصتون إليه”.

تابع معنا في الجزء الثاني الذي نفصّل فيه كيف تحمي أسلوبك في التسويق من انحياز التوكيد.
ترجمة –بتصرف- لمقال Your Brain is Lying to You — Become a Better Marketer by Overcoming Confirmation Bias لصاحبه Michel Aagaard. 

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ Freepik



2 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن