كرائد أعمال، كيف تتعامل مع الضغط، الإحباط والاكتئاب


محمد أبرص

استيقظت ذلك اليوم وبدأت بالتقلّب يمينًا وشمالًا، ومن ثم فتحت هاتفي ومباشرةً إلى بريدي الإلكتروني، "يا فتّاح يا رزاق".

وبالتدرّج إلى أسفل القائمة واختيار مجلّد "المشتريات" بدأت بالانتظار: "جاري تحميل ستة رسائل"… "يا سلام يا سلام!".

تَطلّبَ مني الأمر ستّة أشهر لأحصل على هذا العرض/السعر، وبعد أن قمنا بإرسال زهاء 70,000 رسالة إلى عملائنا، هذا ما أحصل عليه من مبيعات، ستة فقط!

طيب، ماذا عن تعليقات العملاء: "ما هذه الأسعار الخرافيّة يا نصابين اتّقوا الله"، الوفي منهم وهو من الزبائن الدائمين لدينا خاطبنا على النحو التّالي: "خاب أملي بك يا نوح، حبّذا لو يكون السعر أفضل في المرات القادمة".

بعد الإفطار، استكملت قراءة أحد الكتب التي كنت قد بدأت بها مؤخرًا، ومن ثم أنهيت تصفّح باقي الرسائل الإلكترونيّة.

أدركت فيما بعد وبعد الظهيرة أني أشعر بالإحباط الشديد، حيث أنّي لا أطيق التفكير بالعمل أبدًا، لا بل لا اهتمام لي أبدًا بأي شيء له علاقة في AppSumo، ورغم أن فريق العمل كان يدردش في المجموعة الخاصّة بنا، إلا أني لم أرغب أبدًا بالتحدّث مع أحد.

هل أصابك هذا الحال من قبل؟

fight-burn-out.png

تبادر الأمر إلى ذهني في الأسابيع القليلة اللاحقة، وكيف أن شعوري اليومي وحالتي النفسية تتقلّب مع أرقام المبيعات الخاصّة بنا، يا له من أسلوب حياة تعيس، لم يكن حالي على هذا المنوال من قبل، ولكن الآن أجد أن الدنيا اسودت في وجهي وتمر أيامي من دون أن أفعل أي شيء ذي نفع.

هذه الحالة ليست بالحالة التي يمكن الكتابة عنها في تويتر أو فيس بوك، فهي ليست حالة عابرة لتستطيع تجنبها بالذهاب إلى المقهى أو إلى الحديقة أو أي مكان ترفيهي آخر.

لماذا أنا مكتئب؟

حدثت هذه الكآبة لي من قبل، وذلك بعد أن وصلنا إلى ما نصبو إليه مع ألعاب الفيس بوك قبل سنوات قليلة مضت، ومن ثم تلاها انحدار مفاجئ، وفي ذلك الوقت قمت بتقييم ذاتي للعشرين السنة الأوّلى من حياتي وصحة الخيارات التي اتخذتها طوال تلك الفترة، وأبرز ما كنت أفكر فيه هو كيف انتهى بي المطاف في بناء تلك الألعاب السخيفة من أجل بعض المهووسين، كل هذا أبعدني كل البعد عن العمل.

هل راودك هذا الشعور من قبل؟ غير متحمّس للقيام بأي شيء له علاقة بعملك الذي تحبه.

هذه ليست سحابة صيف وتمر، لأن هذا النوع من الإحباط يُحل مع مرور الوقت، مع الاسترخاء والراحة، ولكن القصة مختلفة هنا، شعور خانق يجثو على الصدر ويثقل الكاهل.

وما فاجئني أني عندما أخبرت صديقي المقرّب كيف أنّني بين الحين والآخر أُصاب بهذا الإحباط وكرهي لعملي، أجابني بأن هذه الحالة تصيبه أيضًا، ومن خلال حديثي مع باقي روّاد الأعمال وجدت أن هذا الشعور ليس فقط شائعًا بينهم، لا بل قد يكون مطلوبًا.

ملاحظة من محرّر المقال الأصلي: من الجيّد رؤية نوح يقول كل هذا، لأنه من الأشخاص المعروفين بثقتهم بنفسهم وحبهم للتحدي والمغامرة وأخذ زمام المبادرة، بعبارة أخرى، هو آخر رجل على وجه المعمورة ستفكّر به على أنّه شخص كسول أو فاشل، وهو ليس من النوع الذي يترك الظروف تتحكم به، بل هو من يتحكم بالظروف. إن كان وحدث الأمر لنوح، فقد يحدث الأمر مع أي شخص آخر، ولذلك فإني أتعجّب من الناس الذين ينكرون شعورهم بهذا النوع من الإحباط، وأعتقد أنهم لم يصلوا إلى مرحلة من الثقة بالنفس تجعلهم مرتاحين في تقبّل أنفسهم والاعتراف بنقاط ضعفهم.

حمدًا لله أني لم أكن الوحيد الذي يشعر بهذا الشعور، ورغم أني أعلم بأن هذا هو حال الحياة، وأن الحياة صعبة وتتطلّب العمل والجهد، لكن الحديث عن الأمر مختلف عن الخوض في ثناياه.

وصلت إلى قناعة مؤخرًا، وهي أن رائد الأعمال الحقيقي والناجح هو الذي يستطيع التعامل مع الأوقات الحرجة والصعبة بكفاءة.

اكتسبت بعض الخبرة بعد خوض هذه التجربة، والتي ساعدتني في التعامل مع هذه الإحباط والكآبة، وأرغب في مشاركتها ليستفيد منها الجميع:

ابتعد قليلا

استيقظت قبل أسابيع وأنا بحالة مزرية، كتب بعض الرسائل الإلكترونية ولكني لم أستطع متابعة النظر إلى شاشة الحاسب، عندها ذهب لممارسة الرياضة لبعض الوقت، عدت لأجد نفسي في ذات الشعور ولم أستطع العمل، بعدها قرّرت الذهاب للقاء بعض الأصدقاء، ولدى عودتي في اليوم التالي شعرت برغبة في العمل وتابعت عملت وتجنبت الغوص في كآبة اليوم السابق.

فرق تسد

عندما أشعر بالعسر أو اللامبالاة، أحاول تجربة فعل الأشياء على مراحل وأجزاء، ومن ثم أقيّم ما أشعر به بعد ذلك، حيث يعطيني هذا الأمر إحساسًا بأني قد أنجزت شيئًا ما ويحثني على المتابعة، طبعًا قد لا يُجدي هذا الأسلوب نفعًا دائمًا ولكن من المجدي تجربته.

استعراض قائمة المهام

يجب أن تمتلك قائمةً من المهام التي يجب إنجازها في كل يوم، فخلال أيام العمل أشعر في بعض الأحيان بعدم الارتياح حول مجريات سير العمل، وكان ذلك يؤثّر بشكل مباشر على حالتي النفسية وبالتالي على مستوى الإنتاجيّة، ولكن مع وجود قائمة بالأشياء التي فعلتها في ذلك اليوم ورؤيتها مكتملة، قلّل هذا الأمر من الإحباط الذي كاد أن يقتل اليوم.

العوائق

ما أدركته أنّه في بعض الأوقات ما يمنعني من العمل هو وجود مهمّة واحدة تقع كالحاجز تمنعني من القيام بأي شيء آخر، فبدلًا من تشتيت نفسي باستعراض البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي محاولًا تجنّب المشكلة، حاولت معالجة هذه المهمّة بشكل مباشر وبإصرار، وبالفعل كانت النتائج طيبة، وفي معظم الأحيان كان بمقتضى أن المهمّة بالأساس لا تتعلّق بجوهر وصميم عملي.

فمثلًا، لم أرغب في التعامل مع الضرائب في سنة 2010 وما يتعلّق بها، فقد كانت معقّدة، بالإضافة إلى أني كنت وحيدًا في الشركة قبل التوسّع، في نهاية المطاف نصحني أحد المرشدين بتوظيف محاسب خاص بالضرائب لإتمام هذه المهمة، وعليه حلّت المشكلة وزال الضغط وارتاحت نفسيتي.

استعن بمرشد

عرّفني أحد الأصدقاء ("مارك" وهو من روّاد الأعمال) على مرشدة قدّمت له العون والمساعدة من خلال تقديم آراء موضوعية صبّت في مصلحة عمله، وبالفعل هذا ما كان، حيث أنها ساعدتني بشكل فاق تصوّري من خلال الحديث عن نفسيتي ومشاكل العمل والإجراءات التي من الممكن أن اتخذها في سبيل تطوير شركتي.

معرفة سبب وأصل المشكلة

لماذا شعور الكآبة والكسل؟ ما هو أصل المشكلة؟ يجب الإجابة بشكل مباشر على هذا السؤال، فبالنسبة لي، كان يصيبني هذا الشعور من أرقام المبيعات اليومية الخاصّة بشركتنا، وما ساعدني على الحد من هذا الشعور هو معرفة ما الذي أدى إلى تدني الأرقام، والكتابة عن الأمر من أجل المرات القادمة، ليس هذا فقط بل أصبحت أركز على الأرقام والرسوم البيانية الإيجابية بدلًا من الغرق في بحرٍ من الأحزان مع الأرقام السلبية.

المرشدون

أصبح للمرشدين دور فعال في الشركة ولا يمكن الاستغناء عنهم، ولم يقتصر الأمر على مستوى الشركة، بل ساعدوني شخصيًا في الحفاظ على سلامتي العقلية، وهذا شيء قد لا يتحدّث عنه الناس بالقدر الكافي، ففي مشاريعي السابقة، كان لدينا مرشد وكان من المحترمين في عملهم، ولكنّي لم أتمكن من إيجاد الوقت لتحدّث معه.

إن كنت تبحث عن مرشد، إليك بعض النصائح التي يجب أخذها بعين الاعتبار:

  • اسأل الأشخاص الذي تحترمهم وتُعجب بهم واطلب مساعدتهم، فهذا ما قدّمه لي "مارك" عندما زكّا لي تلك المرشدة والتي كانت خير ناصحٍ لي، فمن الصعب الحصول على الاهتمام والمساعدة من أي شخص، ولكن من السهل الحصول على النصيحة المناسبة من أُناسٍ يعيشون ويجنون قوت يوميهم من تقديم النصائح والإرشادات.
  • تأكّد من أن الشخص الذي سيساعدك يملك الوقت الكافي لك ولمشاكلك.
  • جِدْ الأشخاص الذين يمكن لك أن تقدّم لهم شيئًا مقابل مساعدتهم لك، قد يبدو ذلك غريبًا، ولكن عليك أن تتأكد من أنهم سيحصلون على شيء ما في المقابل، أي يجب أن تكون العلاقة متبادلة وقائمة على منفعة للطرفين.

المحرّر: ما أشار إليه نوح نقطة في غاية الأهمية، وكثيرًا ما أجد العديد يرتكب هذا الخطأ، حيث يقوم أحدهم بإرسال رسالة لي من دون سابق إنذار يطلب النصيحة، قد أبدو جحودًا بعض الشيء ولكن ما مصلحتي، وما الذي سأجنيه بالمقابل، ولا أقصد المال هنا طبعًا، على الأقل ليكن السؤال سؤالًا فريدًا، سؤالًا لم يجب عنه الجميع في الإنترنت، سؤالًا لم أجب عنه في مدونتي، سؤالًا يكون من الممتع الإجابة عنه.

  • جرّب واختبر، ليس بالضرورة أن يكون الشخص الناصح عارف بخفايا عملك، المهم على هذا الشخص أن يفهمك، تحدّث معه مرّة أو مرتين لترى كيف ستشعر بعد هذا الحديث، لا تبالغ في عدد المقابلات، حيث أن لقاءً واحدًا سيكون كفيلًا لأخذ فكرة مناسبة.
  • امتلك هدفًا واضحًا عند السؤال، فمن الرائع أن يقدم المرشد النصيحة التي لم تدرك وجودها بنفسك، ولكنه من الجيد أيضًا لو نبعت هذه النصيحة من قضايا وأمور محددة، بمعنى آخر، من الأفضل على النصائح والإرشادات أن تحل مشاكل تعانيها بالفعل بدل أن تكون نصائح عامّة.

المحرّر: أيضًا هذه نقطة هامة للرسائل الفاترة، فمن السهل مساعدة شخص ما قادر على التواصل بأقل الجمل والكلمات لشرح مشكلته وما هو بالضَّبط مراده، فغالبًا سيكون من السريع والسهل إما تقديم النصيحة أو الإشارة له إلى بداية الطريق، أو حتى الدفع به نحو الأسئلة التي يجب أن تُسأل.

البارحة وقُبيل الانتهاء من كتابة هذه المقالة كنت أشعر ببعض العُسر، حيث كنت أجد صعوبة في التركيز، لذا ما كان مني سوى مغادرة المكتب، ركضت بعض الشيء، ومن ثم تحدّثت مع أحد المرشدين، وأخيرًا أنهيت يومي بعشاءٍ فاخر مع خطيبتي.

أظن أن ما أحاول قوله هو أنّه لا مهرب من ضغوطات العمل، ولكن من الحكمة تجهيز نفسك إلى هذه المواقف والعقبات والأوقات العصيبة، والتي ستنال منك لا محالة، وقد يكون من الصعب التحدّث عن مشاكلنا النفسية، وهو أمرٌ أستطيع تفهمه تمامًا، ولكن ما رأيك بتحدّي نفسك، ما هو أسوء شيء من الممكن أن يحدث؟ روّح عن نفسك ولو بتعليق.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Fighting micro-burn-out لصاحبه  JASON COHEN.

حقوق الصورة البارزة: Designed by Freepik.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن