paul graham لماذا يجب عليك الانتقال إلى مركزٍ للشركات الناشئة Startup Hub


طارق اليحياوي

بعد آخر كلمة ألقيتها، صعد أحد المنظمين إلى المسرح لإبداء اعتراض ارتجالي. لم يحدث ذلك من قبل قط. لم أسمع سوى أول بضعة جمل، ولكنها كانت كافية لتوضح ما أثار استياءه من حديثي؛ أن الشركات الناشئة ستبلي أفضل إذا انتقلت إلى «وادي السيليكون» (Silicon Valley).

كان هذا المؤتمر في لندن، ويبدو أن معظم الحضور كان من المملكة المتحدة، ولذا بدا القول بأنه على الشركات الناشئة الانتقال إلى «وادي السيليكون» قولًا ذا طابع قومي؛ فهناك أمريكي بغيض يخبرهم أنهم إذا أرادوا فعل الأمور على النحو الصحيح عليهم جميعًا فقط الانتقال إلى أمريكا.

إنني في الحقيقة أقل أمريكيةً مما أبدو، لم أقُل ذلك من قبل ولكنني بريطاني المولد. وتمامًا كما يحق لليهود، لصفتهم، أن يرووا نكتًا عن اليهود، فأنا لا أشعر أن عليَّ التصرف بدبلوماسية مع جمهورٍ بريطاني.

ليست الفكرة أنه من الأفضل للشركات الناشئة الانتقال إلى «وادي السيليكون» فكرة قومية [1]، فهو الأمر ذاته الذي أقوله للشركات الناشئة في الولايات المتحدة. تبدِّل شركة Y Combinator بين السواحل كل ستة أشهر، تكون الدورة التمويلية في بوسطن مرة كل دورتين. وعلى الرغم من أن بوسطن هي ثاني أكبر مركز للشركات الناشئة في الولايات المتحدة (والعالم)، إلا أننا نخبر الشركات الناشئة من تلك الدورات أن رهانها الأفضل هو الانتقال إلى «وادي السيليكون». إذا كان ذلك ينطبق على بوسطن فهو ينطبق على كل مدينة أخرى أكثر منها. يتعلق الأمر بالمدن، وليس بالدول.

startup-genome.thumb.jpg.cb326e5b27f485e

أهم مراكز الشّركات النّاشئة في العالم حسب ترتيب لـ geekwire

وأعتقد أن بإمكاني إثبات أنني على حق. يمكنك البرهنة بسهولة على خطأ الحُجة المضادة بواسطة ما قد يتفق معظم الناس على أنه خطأ. قد يزعم البعض أن مكان الشركة الناشئة ليس هامًا على الإطلاق، وأن الشركة الناشئة التي تعمل في بلدة زراعية صغيرة لن تستفيد من الانتقال إلى مركز للشركات الناشئة. يستطيع معظم الناس رؤية كم سيكون مفيدًا التواجد في مكانٍ به بنية تحتية للشركات الناشئة، ومعرفة مكتسبة عن كيفية تشغيلها، وأشخاص آخرين يحاولون القيام بالأمر ذاته. ومع ذلك فإن أي حُجة تستخدمها لإثبات أن الشركات الناشئة ليست بحاجة إلى الانتقال من لندن إلى «وادي السيليكون» يمكن استخدامها كذلك لإثبات أن الشركات الناشئة ليست بحاجة إلى الانتقال من البلدات الصغيرة إلى لندن.

إن الاختلاف بين المدن هو اختلاف في الدرجات. فإذا كانت الشركات الناشئة أفضل حالًا في «وادي السيليكون» منها في بوسطن، كما يتفق كل من لديه معرفة، فستكون أفضل حالًا في «وادي السيليكون» منها في أي مكان آخر أيضًا.

أدرك أنه قد يبدو وكأن لي مصلحة مكتسبة في هذا الاستنتاج؛ لأن الشركات الناشئة التي ستنتقل إلى الولايات المتحدة قد تفعل ذلك عن طريق Y Combinator. ولكن الشركات الناشئة الأمريكية التي قد موَّلناها تشهد بأنني أقول لها الأمر ذاته.

لا أزعم بالطبع أنه على كل شركة ناشئة الذهاب إلى «وادي السيليكون» لكي تنجح، ولكن أنه حتى إذا تساوت كل العوامل الأخرى فستبلي الشركات الناشئة أفضل في الأماكن التي تُعد مركزًا للشركات الناشئة أكثر من غيرها. ولكن هناك اعتبارات أخرى قد تطغي على مزايا الانتقال، فأنا لا أقول أن على المؤسسين أرباب الأسر اجتثاث أسرهم ونقلها إلى النصف الآخر من العالم، فقد يكون ذلك تشتيتًا كبيرًا.

قد تكون صعوبات الهجرة سببًا آخر للبقاء، فالتعامل مع مشاكل الهجرة يشبه الحصول على استثمار؛ فيبدو أنه يستهلك كل انتباهك لسببٍ ما. لا تستطيع الشركة الناشئة تحمل ذلك كثيرًا. أمضت إحدى الشركات الناشئة الكندية التي كنا نموِّلها حوالي ستة أشهر في محاولة الانتقال إلى الولايات المتحدة، وفي نهاية الأمر استسلم مؤسسوها لأنهم لم يستطيعوا تحمل اقتطاع كل ذلك من وقت العمل على برنامجهم.

إذا أرادت دولة أخرى تأسيس منافس لـ«وادي السيليكون» ، فربما يكون أفضل ما يمكنها فعله استحداث تأشيرة خاصة لمؤسسي الشركات الناشئة. إن سياسة الهجرة للولايات المتحدة من أسوأ نقاط ضعف «وادي السيليكون».

إذا كانت شركتك الناشئة مرتبطة بصناعة محددة، فربما تكون أفضل حالًا في أحد مراكزها، فمن الأفضل للشركة الناشئة التي تقوم بشيء متصل بمجال الترفيه أن تكون في نيويورك أو لوس أنجلوس.

وأخيرًا، إذا التزم مستثمر جيد بتمويلك إن بقيت في مكانك، فعليك البقاء على الأرجح. إن العثور على المستثمرين صعب، فليس عليك عمومًا رفض عرض تمويل محقق لكي تنتقل. [2]

ربما تكون جودة المستثمرين في الحقيقة هي الميزة الرئيسة لمراكز الشركات الناشئة، فالمستثمرين في «وادي السيليكون» أكثر جرأةً من المستثمرين في بوسطن بصورةٍ واضحة. لقد رأيتُ مستثمري الساحل الغربي يختطفون الشركات الناشئة التي كنا نمولها مرارًا وتكرارًا من أمام أعين مستثمري بوسطن الذين كانوا قد رأوها أولًا ولكنهم تصرفوا ببطءٍ شديد. في يوم العروض Demo Day ببوسطن لهذا العام، قلتُ للجمهور أن هذا قد حدث العام الماضي، فعليهم إن رأوا شركة ناشئة تعجبهم أن يقدموا لها عرضًا. ومع ذلك حدث الأمر مجددًا خلال شهر؛ إذ سبقت شركة استثمار مغامرة جريئة من الساحل الغربي كانت قد التقت بمؤسس شركة ناشئة مموَّلة من YC قبل أسبوع شركة استثمار مغامرة أخرى من بوسطن تعرف ذلك المؤسس منذ سنوات، وعندما أدركت شركة بوسطن ما كان يحدث، كانت الصفقة قد تمت بالفعل.

يعترف مستثمرو بوسطن أنهم أكثر تحفظًا، يريد البعض تصديق أن ذلك نابع من شخصية المدينة الحريصة كفريق اليانكي، ولكن «نصل أوكام» (قانون الاقتصاد أو الإيجاز) يوحي بأن الحقيقة أقل إطراءً من ذلك. إن مستثمري بوسطن أكثر تحفظًا من مستثمري «وادي السيليكون» على الأرجح لنفس سبب كَون مستثمري شيكاجو أكثر تحفظًا من مستثمري بوسطن؛ أنهم لا يفهمون الشركات الناشئة بنفس القدر.

ليس مستثمرو الساحل الغربي أكثر جرأةً لأنهم رعاة بقر غير مسؤولين، أو لأن الطقس الجيد يجعلهم متفائلين. إنهم أكثر جرأةً لأنهم يعرفون ما يفعلون، فهم المتزلجون الذين يتزلجون على منزلقات ألماسية. الجرأة هي جوهر الاستثمار المغامر، فأنت لا تحصل على عوائد كبيرة بمحاولة تجنب الخسائر، بل بمحاولة ضمان حصولك على بعضٍ من الاستثمارات الناجحة الكبيرة، وغالبًا ما تبدو الاستثمارات الناجحة الكبيرة محفوفة بالمخاطر في البداية.

كانت أمام شركات الاستثمار المغامر في بوسطن فرصةً للحصول على فيس بوك، الذي تأسس في بوسطن، قبل أي أحد آخر، ولكنهم قالوا لا؛ لذا انتقل فيس بوك إلى «وادي السيليكون» وجمعوا مالًا هناك. يقول الشريك الذي رفضهم الآن أن ذلك «اتضح أنه ربما كان خطئًا».

من الناحية التجريبية، الجرأة تفوز. إذا كانت الطرق الجريئة التي يتبعها مستثمرو الساحل الغربي ستنقلب عليهم، فسيكون ذلك قد تم منذ فترة طويلة جدًا، فـ«وادي السيليكون» يستمر في التفوق على بوسطن منذ سبعينيات القرن العشرين. إذا كانت هناك عقوبة سيواجهها مستثمرو الساحل الغربي، فإن انفجار الفقاعة السابق هو العقوبة. ولكن واصل الساحل الغربي تقدمه أكثر منذ ذلك الحين.

إن مستثمري الساحل الغربي واثقون في حكمهم بما يكفي للتصرف بجرأة، أما مستثمرو الساحل الشرقي فليسوا واثقين بنفس القدر. ولكن على من يظن أن مستثمري الساحل الشرقي يتصرفون بتلك الطريقة بدافع الحرص أن يرى ردود الفعل الثائرة لشركات الاستثمار المغامرة من الساحل الشرقي في خضم خسارتها لصفقات لصالح شركة استثمار مغامرة من الساحل الغربي.

كما أن مراكز الشركات الناشئة هي أسواق أيضًا، بالإضافة إلى التركيز الذي ينتج عن التخصص، والأسواق عادةً ما تكون متمركزة. حتى الآن بعد أن أصبح من الممكن تواجد التجار في أي مكان، ما زالوا يتكتّلون في مدنٍ قليلة. من الصعب تحديد الأمر المتعلق بالتواصل المباشر الذي يجعل الصفقات تنعقد بشكل دقيق، ولكن أيًا ما كان هذا الأمر، فلم تنسخه التكنولوجيا بعد.

إن سرت في جادة الجامعة في وقتٍ مناسب، ربما تسمع مصادفةً خمسة أشخاص مختلفين يتحدثون عبر الهاتف عن الصفقات. هذا في الحقيقة جزء من سبب تواجد Y Combinator في بوسطن لنصف الوقت، فمن الصعب تحمله طوال العام. ولكن على الرغم من أنه من المزعج أحيانًا أن تُحاط بأشخاص يفكرون في شيءٍ واحد فقط، إلا أنه هو المكان الذي عليك التواجد فيه إذا كان هذا الشيء الواحد هو الذي تحاول فعله.

كنتُ أتحدث مؤخرًا إلى شخصٍ يعمل على البحث في شركة غوغل، كان يعرف الكثير من الناس في شركة ياهو، لذا كان بإمكانه المقارنة بين الشركتين. سألته عن سبب أفضلية غوغل في البحث، قال أنه ليس شيئًا محددًا تقوم به غوغل، ولكنه ببساطة أنهم فهموا البحث أفضل كثيرًا.

ولهذا السبب تزدهر الشركات الناشئة في مراكز الشركات الناشئة مثل «وادي السيليكون»، فالشركات الناشئة مجال عمل متخصص جدًا، متخصص كمجال قَطع الألماس، والناس في مراكز الشركات الناشئة يفهمون ذلك جيدًا.


الهوامش

[1] الفكرة القومية هي على النقيض؛ أنه على الشركات الناشئة البقاء في مدينة محددة بسبب الدولة التي توجد فيها. إذا كانت لديك رؤية لـ «عالم واحد» حقًا فإن قرار الانتقال من لندن إلى سيليكون فالي لا يختلف عن قرار الانتقال من شيكاجو إلى وادي السيليكون. 

[2] ولكن يمكنك تجاهل المستثمر الذي يبدو وكأنه سيمولك، فالظهور وكأنه سيمولك يومًا ما هو طريقة المستثمرين في الرفض.

 

ترجمة – وبتصرّف- للمقال Why to Move to a Startup Hub لصاحبه بول جراهام (Paul Graham) مُؤسس حاضنة مشاريع واي كومبيناتور (Y Combinator). اقرأ المزيد من مقالات بول جراهام بالعربية





تفاعل الأعضاء


-_- 

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن