توطين الأفكار ومحاكاة المشاريع العالمية


محمد أعمروشا

في عالمنا العربي، لا نحتاج لابتكار أفكار جديدة في مجال الويب، وإن كان ابتكارها أمرا محمودا طبعا. لنقل إنّنا لم نصل بعد لهذا المستوى المتقدّم، لا زالت الطريق طويلة.

قبيل ما اتّفق المؤرّخون على تسميته "العصر الذهبي للإسلام"، شهدت المنطقة موجة ترجمة غير مسبوقة لعلوم، ثقافة وإنتاجات الحضارات السابقة وكذا المعاصرة. الهدف، مجازا، هو اللحاق بالقافلة. ثم كان أن ساهم "مبادروا" ذاك الزمان في الحضارة الإنسانية لقرون طويلة، مساهمة لا تخفى على كلّ متتبّع لتطوّر الإنسانية.

يحتاج الويب العربي لموجة مشابهة، ليست موجة ترجمة بل توطين أفكار، خدمات وحلول تقنية متاحة سلفا في الدوّل المتقدّمة تقنيا، وإدخالها السوق العربي. لا داع لإعادة اختراع العجلة من جديد. صحيح أنّنا تخاذلنا سابقا عن التفكير فلم ننل شرف الإختراع، هذا ليس موضوعنا الآن بل أخذ العجلة تلك وتوطينها في بيئتنا بما يناسب الظروف المحلية.

ويبدو أنّ الجيل الأوّل من رياديي الويب العرب فهموا قواعد المرحلة الراهنة، معظم مشاريع الويب العربية الناجحة ليست إلّا أفكارا متاحة سلفا في مكان ما من العالم وتمّ توطينها في المنطقة، لا غير. أبسط مثال: شركة مكتوب، صاحبة أكبر صفقة استحواذ عرفها الويب العربي لحدّ الآن. ما الجديد الذي قدّمته مكتوب للمستخدم العربي، من ناحية الأفكار؟ لا شيء! جميع خدمات وأقسام مكتوب ليست إلّا توطينا لمواقع شبيهة في أماكن أخرى. هذا بالضبط ما كان يحتاجه المستخدم العربي وقتها، ولأنّنا لم نلحق بالقافلة بعد فلا زالت الاحتياجات هي نفسها.

الويب العربي في نموّ مستمرّ مع مسلسل التوطين هذا، أي أنّنا لم نصل بعد لمرحلة الإشباع؛ مرحلة الاستقلال عن الآخر من حيث الأفكار، مرحلة الإحساس بضرورة التفكير والحاجة للابتكار للحفاظ على الوضع الحالي (وسيكون وضعا متقدّما). يومها، مجرّد الاستمرار في التوطين لن يضمن بقاءنا جنب المنتجين، لكنّه أوصلنا إليهم على الأقلّ، ووفّر بيئة عمل كافية لكلّ من أراد التفكير في مجتمع أفضل.

عودة للتوطين، يحصل أن يلحظ أحدهم فكرة مطبّقة في الولايات المتّحدة فينوي توطينها في العالم العربي، دليل مواقع مثلا. وأخيرا سيستمتع العرب بدليل مواقع! يا للروعة :) بمجرّد أن تبدأ الفكرة في تحقيق بعض النجاح حتّى ننتقل للمرحلة الخطأ، مرحلة تكرار نفس الفكرة بحذافيرها لتكون النتيجة ميلاد ألف دليل عربي في اليوم، سأسمّي هذه الفئة "المشوّشات" لأنّها فعلا كذلك! ليست إلّا تشويشا للفكرة/التوطين الأوّل، وبما أنّها نسخ طبق الأصل يقول أصحابها إنّهم يهدفون للمنافسة، فالمستخدم بدوره يتشتّت بين هاته الخدمات. وغالبا ما يظلّ وفيّا للخدمة الأولى، فقط لأنّها صاحبة أكبر عدد من المستخدمين، كذلك فالمستخدم العربي ملول بما يكفي ليستثقل الانتقال لخدمات مشابهة.

هنا لا أقصد المنافسة الحقيقية؛ تنفيذ وإخراج مختلف، أهداف مختلفة، مستوى خدمات مختلف. لكن أن يتمّ استنساخ نفس الفكرة؟ تضييع للجهد لا غير، للأسف.

ما الحلّ إذن؟ عوض استنساخ نفس الفكرة لم لا نعمل على توطين أفكار أخرى؟ الويب العربيّ فقير من حيث الخدمات، غير أنّه لا يحتاج لدليل مواقع آخر، حقّق السبق ووطّن فكرة أخرى متداولة في مكان ما من العالم!

وطبعا، المقصود هو التوطين الذكي، فالويب متخم بالخدمات والمواقع التي لا وجود لمثلها في المنطقة العربية، وبما أنّ قدراتك محدودة فلن يمكنك توطين كلّ شيء. الخيارات كثيرة هناك وهذا لا يزيد مهمّتك إلّا تعقيدا. هنا نصل لسؤال المليون دولار: ما هي الفكرة المناسبة لمشروعي؟

لغربلة الأفكار، جرّب هاته الطرق:

  • المهاجرون العرب في كلّ مكان من العالم! هم نموذج مصغّر (وأحيانا نموذج ضخم) من المجتمعات المحلّية في بيئة متقدّمة. أقرب فئة إلى عادات المغرب مثلا في بلجيكا هم المغاربة المقيمون في بلجيكا، ملاحظة بديهية. ما هي المواقع التي تتصفّحها هاته الفئة؟ ما هي خدمات الويب التي يتحدّث عنها المهاجرون بإعجاب حينما يعودون لبلدانهم الأمّ؟ وارد جدّا أن ينال توطين الخدمات تلك إعجاب المستخدم المحلي.
  • السفر فرصة عظيمة للوصول لأفكار جديدة. معايشة مجتمع متقدّم عن قرب تجعلك أمام تجارب تتكرّر لحظيا للمواقع والخدمات المتداولة بين العامّة. هنا تبدأ حكاية المقارنة: ماذا لو أتحتُ نفس الموقع في بلدي، هل سيحظى بإقبال شديد كما الحال هنا؟
  • البحث خارج إطار الدول التقليدية، قصدي الدول الفرنكفونية بالنسبة للمغرب والدول الأنكلوسكسونية بالنسبة للمشرق. الكرة الأرضية تضمّ الآخرين أيضا :) ألمانيا مثلا. آسيا الشرقية واليابان خصوصا منطقة مختلفة تماما، ولها السبق في كثير من الإستخدامات العملية للإنترنت، ألق نظرة هناك، يحتمل أن تجد لديهم فكرة تستحقّ التوطين، لسبب أو لآخر لم تنتقل للغرب.
  • يحصل أن يتجاهل العربي المحيط الإفريقي وكذلك أمريكا اللاتينية، هي مناطق أقلّ شأنا منّا على أيّ حال! هممم، إستيقظ يا عزيزي :) عدد مستخدمي الإنترنت في نيجيريا مثلا أكثر من عدد مستخدمي الإنترنت في جميع دول الشرق الأوسط! (12 دولة عربية + إسرائيل). عدد مستخدمي الإنترنت في البرازيل لوحدها يفوق مجمل مستخدمي الإنترنت في ال23 دولة العربية! يا ترى ما الذي يفعله النيجيريون والبرازيليون في الإنترنت غير تصفّح فيسبوك والبحث في جوجل؟
  • كثير من الدول العربية تعتمد على السياحة كمصدر مهمّ للعملة الصعبة.. حاول التواصل مع السيّاح، من المؤكّد أنّهم يفتقدون خدمة، تطبيق جوّال أو موقعا ما اعتادوا على استخدامه بشكل يومي في بلدهم الأمّ. ماذا لو أتحت بديلا محلّيا شبيها؟

الاقتراحات المذكورة أعلاه ستوصلك لمجموعة أفكار لها قابلية النجاح في العالم العربي أكثر من غيرها.

لم يخترع المسلمون الورق بل سبقهم لذلك الصينيون.. حصل أن اكتشف المسلمون طريقة صناعته صدفة أيّام فتح سمرقند، ما تمّ لحظتها هو توطين صناعة الورق في العالم العربي ف.. قامت الثورة!





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن