لماذا ليس من المهم أن تكون الأول


مصطفى عطا العايش

being-first.thumb.png.1e6661c9bcffb8850d

يتعرّض مؤسّسو الشّركات النّاشئة لضغطٍ كبير قبل إطلاق المنتَج، فالاعتقاد السّائد هو أنّ المنافس الّذي سيسبقك إلى إطلاق منتجٍ في السّوق سينهالُ عليه ما لا يحصى من الأرباح، وعندها ستخسر شركتك المنافَسة وتفشل، إلّا أنّ ذلك نادرًا ما يكون صحيحًا، بل على العكس تمامًا، غالبًا ما يكون احتمال فشل أوّل المنطلقين first-movers (الشّركات الّتي تكون الأولى في السّوق في طرح منتجٍ معيّن، لم يسبق لأحد طرحه قبلها) هو 47% مقابل 8% فقط للملاحقين السّريعين fast-followers (الشّركات الّتي تنتبه بسرعة إلى الأفكار الجديدة الجيّدة في السّوق أو المنتجات الواعدة، وتسارع إلى تقليدها أو تطويرها ومنافستها قبل أن تنتشر بين المستهلكين)، وكما يُقال: يمكنك معرفة الرّائد في مجال ما، من السّهام على ظهره، أصابه بها من يحاول اللحاق به.

1-first_mp3.thumb.png.d607c20c6c2bac2d7c

لا يحصل أوّل المنطلقين على الأفضليّة بمجرّد طرحه لمنتجٍ لم يسبق إليه أحد، وهناك بعض المجالات ليس فيها أفضليّة لأوّل المنطلقين أبدًا، ولكن عندما يكون هناك أفضليّة سيتوجّب عليك الكفاح لاستغلالها.

كن الفائز الأول، وليس المنطلق الأول

2-tweet1.thumb.png.99e5dd42ef437b6bfa42d
 

كما يقول Alan Cooper، لن تستفيد شيئًا من كونك أوّل من ينزل إلى السّوق فقط، فذلك يعطيك فرصًا فقط، وعليك استغلالها لتسفيد حقًّا من نزولك المبكّر، كما أنّ أفضليّة الانطلاق المبكّر لها مدّةٌ محدودة قبل انتهاء مفعولها ثمّ يجب استبدالها ببدائل بعيدة الأمد.

يمكن لأوّل المنطلقين أن يحصل على أفضليّة السبق باتّباع ثلاث استراتيجيّات مختلفة:

55e2133d59e18_3-3wayz_E280ABE280AC.thumb

1. حافظ على الصدارة في مجال التقنية

4-iPhone.thumb.png.cba42df5376d53ace5127
 

إذا كنت أنت من يطوّر التّقنيّة المعرّفة للصّنف (category-defining technology) فستتمكّن من أخذ خطوةٍ استباقيّةٍ عندما تحافظ على سرّية الأمور الثّلاثة التّالية: المعلومات والخبرات العلميّة التّخصّصية في المجال الّذي تنافس فيه، طريقة استخدام المنتج وآلية عمله والبيانات الّتي تصلك من المستخدمين عن تفاعلهم مع منتجك.
لن يكون بإمكانك إطلاق أيّ نسخة تجريبيّة من المنتج، ولا شرح آليّة العمل، وسيكون عليك الحفاظ على سرّيّة ملاحظات المستخدمين وآرائهم بمنتجك، فأيّ واحدةٍ من هذه الأمور ستعطي منافسيك أسبقيّةً عليك لم يكونوا ليحصلوا عليها لولا مساعدتك هذه، إلّا أنّ هذا بالضّبط ما يحيّرني بخصوص نظّارة Google.

5-GoogleGlass1.thumb.png.2003a587c113c04

فلقد قرّرت Google أن تستغني عن جميع المزايا عندما أطلقت منتجها (النّظّارة) وهو لا يزال جنينًا لم يخرج بعدُ إلى الحياة ، لم تبقِ عليه سرًّا وهو لا يزال قيد التّطوير، ويمكن لأيّ شخصٍ أن يستخدم النّظّارة، بل يمكن لأيّ شخصٍ أن يستحمّ أثناء ارتدائها، إن كان للنّظّارة أيّ استخدام مفيدٍ فإنّني متأكّدٌ بأنّ هناك منافسين لـGoogle قد انتبهوا لهذه الاستخدامات، وهم مشغولون الآن باختراع طرقٍ أفضل للاستفادة من النّظّارة.
بمجرّد أن تطلق منتجك الثّوريّ سيقوم منافسوك بتفكيكه والقيام بالهندسة العكسيّة عليه، وسيقومون بلقاء زبائنك ومناقشتهم لمعرفة أهمّ ما يربط زبائنك بمنتجك، وسيشكّل ذلك قاعدة الانطلاق لهم بعد جمع كلّ هذه المعلومات ليبدؤوا بإنتاج الجيل الجديد من منتجك، وبعد سنةٍ على الأكثر ستكون النّسخة 1.0 جاهزةً للبيع في الأسواق، فإن كنت لا تزال في مكانك سينتهي أمرك، إلّا أنّ الصّواب هو أن تكون في هذا الوقت تقوم بطرح النّسخة 2.0 من المنتج، وبذلك ستجعل منهم أضحوكة المستهلكين لأنهم سيكونون في نظرهم "الشّركات الّتي تنتج تقنيّة البارحة لنستخدمها غدًا"، وهذه هي الطّريقة الأولى لتستفيد من انطلاقك المبكّر.

2-اتخذ إجراءات دفاعية

6-Patent1.thumb.png.3059685721b5b41fc690

بعد أن تفهّمت ضرورة التّفوّق التّقنيّ على منافسيك، يمكنك حماية نفسك ببعض الإجراءات الدّفاعيّة لمنع المنافسين من نسخ خطواتك وما تقوم به حرفيًّا، لذا عليك القيام بما يلي:
-أنشئ شراكةً من نوعٍ خاصٍ مع مزوّدي العناصر الأساسيّة لمنتجك، ادفع لهم مبالغ طائلةً لضمان إبعاد أيّ شخصٍ عن استخدام تقنيّاتهم لينافسك في مجالك.
-اقطع قنوات النّشر الأساسيّة، وذلك مثلًا بحجز المساحات الإعلانيّة في المنصّات والشّبكات الّتي تعتبرها الأفضل في ترويج منتجك.
-احصل على براءة اختراع لمنع التّقنيّة الّتي أنتجتها من النّسخ المباشر لمنافستك في نفس مجالك، إن لم يكن على نطاقٍ أوسع حتّى.

3-احتجز المتبنين الأوائل

7-Blocker.thumb.png.004bad7e67006ddc739b

إذا استطعت تجنيد المتبنّين الأوائل(الأسرع في اقتناء التّقنيّات الجديدة أو الأكثر تأثيرًا في محيطهم) يمكن أن تجعل دخول أيّ منافسٍ ضربًا من المستحيل، تكون هذه التّقنيّة أكثر فاعليّة في المراحل التأسيسيّة لمنتج يمثّل صنفًا جديدًا غير مطروق مسبقًا، ويمكنك القيام بهذه الخطوة بطريقتين:
-الرّشوة(ليس بالمعنى الحرفيّ) ولكن قم بتوزيع بعض الأجهزة المجّانيّة أو حساباتٍ في موقعك على أشخاصٍ مشهورين وسيتكّلمون عن منتجك على نطاقٍ واسع.
-عقود طويلة الأمد: إن كنت واثقًا من أنً منتجك مرغوبٌ بالفعل، أبرِم مع زبائنك عقودًا لسنة أو سنة ونصف، وعندها ستضمن عدم انتقالهم إلى المنتج المنافس طوال هذه الفترة.

ما هي أهمية الحصول على أفضلية الانطلاق أولا

تعتمد أهمّية أفضليّة الانطلاق أوّلًا على عاملين:

العامل الأول : معدل التجديد

8-large_(1).thumb.png.1a31bced1df121eb07

يختلف معدّل التجديد من مجال لآخر، فالشّكل السّابق يبيّن ركود التّجديد في مجال البريد الإلكتروني (بعد التغيير الّذي أحدثه Gmail في عام 2005) مقارنةً بالسّرعة الكبيرة للتّغييرات في مجال شبكات التّواصل الاجتماعي فخلال السّنوات الثماني الماضية ولدت شبكات التّواصل الاجتماعي، وتمّ بيع بعضها والاستحواذ على البعض الآخر وانتهاء بعضها أيضًا.
ويتغيّر معدّل التجديد أيضًا بين زمنٍ وآخر، فلأكثر من عشر سنوات لم نشهد أيّ تطوير في مجال الدّفع الإلكتروني، إلّا أنّ السنوات الثّلاث الماضية قد شهدت ثورةً في أساليب الدّفع الإلكتروني بدأته شركتا Stripe و ٍSquare.

باختصارٍ فإنّ معدّل التّجديد قياسٌ لجودة أفضل البرمجيّات في مجال معيّن خلال العام.

العامل الثاني: معدل تبني السوق للمنتجات

9-rateofadoption_(1).thumb.png.91d8511a7

تتغيّر سرعة تبنّي السّوق للمنتجات من صنفٍ لآخر، وذلك حسب أهميّته، سعره، معدّل عوائد الاستثمار وعوامل أخرى، فبعض الأصناف تنزل إلى السّوق مثل الضّربات المفاجئة وتتغلغل فيه بشكل كامل لعقدٍ من الزّمن، وبعض الأصناف ربّما قد تستغرق عشرين عامًا قبل أن تصل إلى عُشر السّوق.

بدمج العاملين السّابقين سينتج لدينا أربع تصانيف للمنتجات

10-howmarket-2_(1).thumb.png.711f03c0712

الحالة الأولى: السوق والمنتج مستقران

تكون أفضليّة المنطلقين أوّلًا في هذه الحالة على المدى البعيد، حيث يمكنهم أن يطوّروا منتجهم بنفس سرعة نموّ السّوق، وبذلك يكون المنتج رائدًا في نوعه بشكلٍ فعّال، وسيكون من الصّعب على الدّاخلين الجدد إلى السّوق أن ينافسوا في هذا المجال، ولهذا السّبب يُسمّي النّاس المكنسة الكهربائيّة Hoover و الشّريط اللاصق Scotch (نسبة إلى الشّركات الأولى التي أطلقت هذه المُنتجات)، وأعرف الكثير من النّاس يسمّون أيّ نوع من المشروبات الغازيّة Pepsi حتّى لو لم تكن بهذه العلامة التّجارية، فهكذا تكون المنتجات معرّفة للصّنف (category-defining products).

الحالة الثانية: السوق يقود المنتج

نظريًّا، تُعتبر هذه الحالة مكانًا مثاليًّا، فالزّبائن يستهلكون منتجك بسرعة وبكمّيّاتٍ متزايدة دون أيّ تجديدٍ يُذكر فيه، التّحدّي هنا هو أن توصل منتجك إلى كلّ زبون محتمل، وهنا يجب عليك توسعة سوقك عن طريق تحديد سعر التّوازن المناسب لكلّ بلد تبيع فيه، انتشر إلى بلدانٍ أكثر، طوّر تطبيقك ليعمل على أجهزةً أكثر، ...
ولكن إن فشلت في توسعة السّوق فستبقى رائدًا على المستوى المحلّيّ فقط (كأن تكون أفضل موقع خدماتٍ مصغّرة في الهند، أو أفضل تطبيق محادثة فوريّة على أجهزة ِAndroid، ..) وهذا ما يتيح لمنافسيك أن يجدوا مكانًا آخر ليطلقوا فيه منتجًا مماثلًا لمنتجك.
من ينطلق أولًا في سوق يقود المنتج سيكون له فرصةٌ كبيرةٌ بالاستفادة من أفضليّة السّبق سواء على المدى القصير أو البعيد، بشرط أن يوصل منتجه إلى جميع الزّبائن المحتملين.

الحالة الثالثة: المنتج يقود السوق

ليس هناك أيّ أفضليّة تحصل عليها من السّبق إلى السّوق، فالتّقنيّة تتطوّر باستمرار والسّوق بطيءٌ في تبنّي المنتجات، ومع كلّ تقنيّة جديدة ستجد سيلًا من المنافسين، ولكنّ الزّبائن لن يهتمّوا مطلقًا بأوّل من استخدم هذه التّقنيّة في منتجٍ (أصبح قديمًا ومثيرًا للضّحك)، إنّهم يهتمّون فقط بالحصول على الأفضل.
النّهج المتّبع للنّجاح في سوقٍ كهذا هو التّوجّه إلى تصفية تجربة المستخدم من أيّ شائبة، وتحسينها حتّى الوصول إلى منتج يفتن المستخدم ويصل إلى أغلبيّة المستخدمين سريعًا، وهذا تمامًا ما فعلته Apple عندما رأت شركات مثل Saehan و Diamond Rio HanGo وCreative Nomad و Cowon و Archos كلّها تتنافس في إنتاج مشغّلات MP3 أحدث لجمهورٍ بطيءٍ في تبنّي مثل ذلك المنتج، وبدلًا من أن تلحق Apple بالرّكب الفوضويّ، انتظرت إلى أن أصبحت هذه التّقنيّة متطوّرة بما يكفي، وأصبح السّوق ناضجًا بما يكفي، قبل أن تطلق منتجًا حظيَ بأفضل تجربة من المستخدمين على الإطلاق.

الحالة الرابعة: السوق والمنتج سريعا التغير

العمل في سوقٍ كهذا يشبه المناورات الجوّيّة، تتطوّر التّقنيّة سريعًا ويتزايد الطّلب على المنتجات سريعًا، والدّاخل الجديد إلى السّوق يحصل على أفضليّة السّبق على المدى القصير فقط، والتّحسينات الصّغيرة تجد مساحةً صغيرةً في هذا السّوق دائم الاتّساع.
تطبيقاتٌ شهيرة مثل WhatsApp، Viber، SnapChat، Line وأُخرى، كانت جميعها على قمّة القائمة في مرحلةٍ معيّنة قبل أن يتم إزاحتها، وفي هذا المكان قد يكون من المجدي اتّباع استراتيجيّة "اضرب واهرب" وهنا يجب على المستثمرين أن يفرّقوا بين الحصول على الأفضليّة في المدى القصير وبين التّخطيط الاستراتيجيّ على المدى البعيد.
يُلخّص الشّكل التّالي الأمر برمّته، ليساعدك على اتّخاذ القرار الصّائب، فهل ستقرّر الاندفاع إلى السّوق، أم ستأخذ وقتك في التّفكير لتحصل على النّتائج الصّحيحة، أتمنّى لك التّوفيق.

11-DoesItApply_(1).thumb.png.d4c2dfa5f12

ترجمة  وبتصرّف للمقال Why Being First Doesn’t Matter لكاتبه Des Traynor.

حقوق الصورة البارزة: Designed by Freepik.



2 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


مقالة جميلة جدا فيها الفائدة لكل من يرغب في انشاء مشروعه الخاص و الاهم انه يقدم الطرق العلمية للتعامل مع المشاريع دون انتظار الحظ. شكرا للقائمين على الموقع و المقال.

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية

شكراً جزيلاً على الترجمة .

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن