كيف يؤثر معدل انحسار المستخدمين (Churn) سلبا على البرمجيات الخدمية SaaS، وكيف تحوله إلى انحسار عكسي


نور الدين

هذا المقال يوضّح بالرسوم البيانيّة كيف يمكن لمعدّل خسارة الزّبائن شهريًّا (أو ما يسمّى انحسار عدد المستخدمين Churn) أن يؤثّر سلبًا على مشاريع البرمجيّات الخدميّة SaaS عند توسّعها. كما ينظر المقال أيضًا إلى عامل غريب بإمكانه أن يسرّع نموّ شركة البرمجيّات الخدميّة SaaS بشكل كبير، ألا وهو عامل الانحسار العكسيّ Negative churn.

churn-negative-churn-saas.png

ملاحظة: يمكن تطبيق هذا المقال على أيّ نشاط تجاريّ ذي عائد متكرّر Recurring revenue وليس محصورًا بالبرمجيّات الخدميّة SaaS وحدها.

مقدمة

عندما يزداد حجم شركة البرمجيّات الخدميّة، يزداد معها حجم قاعدة المشتركين subscriptions لدرجة يصبح فيها معدّل الزّبائن الذين يلغون اشتراكاتهم كبيرًا جدًّا. هذه الخسارة في العائدات تتطلّب الكثير من المشتركين الجدد لكي يعوّضوا هذا الانحسار الضائع، ممّا يجعل النّمو الإجماليّ للشّركة بطيئًا.

لتوضيح هذه النّقطة قمت ببناء نموذج بسيط ورسمت مخرجاته في المخطّط أدناه. يبدأ المخطّط عندما يكون العائد المتكرّر الشّهريّ MRR عند الصّفر، وقيمة الاشتراكات من الزّبائن الجدد بحدود 10 آلاف دولار في الشّهر الأوّل، وتزداد بمقدار ألفين كلّ شهر (موضّح بالخط الأزرق المنقّط في المخطّط أدناه).

1.png

الخطّان الأحمر والأصفر يظهران الخسارة في العائدات بسبب انحسار عدد المستخدمين. وهما يوضّحان أثر الانحسار عندما يكون بمعدّل 2.5% للأصفر، و5% للأحمر.

بالنّظر إلى المخطّط أعلاه يمكننا ملاحظة أنّ الانحسار في الأشهر الأولى من حياة الشّركة النّاشئة ليس رقمًا كبيرًا. لكن عندما تقترب الشّركة من عامها الخامس، فحتّى مع معدّلٍ ضّئيل نسبيًّا من الانحسار (2.5% فقط) فإنّك تخسر 64 ألفًا كلّ شهر، وهذا بحدّ ذاته رقمٌ كبيرٌ يصعب تعويضه من خلال المشتركين الجدد. وبمعدّل 5% يصبح هذا الرقم 90 ألفًا.

المخطّط أدناه يظهر تأثير الانحسار على العائدات الشّهريّة المتكرّرة في كلا الحالتين، وهو كبير إلى حدّ ما.

2.png

تأثير الانحسار العكسي

من الممكن أن ننشئ برمجيّة خدميّة SaaS أو أيّ نوع آخر من الأعمال القائمة على فكرة العائدات المتكرّرة، بطريقة تمكّنّنا من الحصول على ما أسمّيه بالانحسار العكسيّ negative churn. هذا يحصل عندما تتمكّن من تحقيق عائدات جديدة تعوّض الخسارة النّاتجة عن الانحسار، هذه العائدات الجديدة ليست عبر المشتركين الجدد وإنّما عبر التّوسّع expansions أو زيادة مبيعات الزّبون up sales أو المبيعات المتقاطعة cross sales لقاعدة الزّبائن الحاليّين.

المخطّط أدناه يظهر ما يحصل للاشتراكات في خدمتك إذا كنت تحصل، إضافةً إلى الزبائن الجدد، على توسّع في العائدات من قاعدة زبائنك الحاليّين بنسبة 2.5% كلّ شهر (الخطّ الأخضر).

3.png

إنّ النّتيجة مذهلة، التّوسّع في العائدات من الزّبائن الحاليّين شيئًا فشيئًا أصبح رقمًا كبيرًا، ومع نهاية العام الخامس أصبح يساهم بما يقارب 180 ألف دولار شهريًّا. لنلقٍ نظرة على العائدات المتكرّرة الشّهريّة الإجماليّة لنرى تأثير الانحسار العكسيّ هنا (الخط الأخضر في المخطّط أدناه):

4.png

إنّها نتيجة رائعة. فالنّشاط التّجاريّ قد أصبح أكبر من ثلاثة أضعاف انحسارٍ معدّله 2.5%. إذا من الواضح أنّ الوصول إلى انحسارٍ عكسيّ أصبح أحد أهمّ مسرّعات النّموّ. وبما أنّه من الصّعب تحقيقه فهذا يطرح أمامنا سؤالًا آخر: ما الذي يحصل إذا لم نتمكّن من تحصيل انحسار عكسيّ، لكنّنا تمكّنّا من تخفيض الانحسار إلى 0%؟ انظر الخطّ المنقّط أدناه:

5.png

إنّ انحسارًا بمعدّل 0% هو أكثر بحوالي ستّين في المئة من الخطّ الأصفر (انحسار بمعدّل 2.5%).

كيف يمكنك تحقيق انحسار عكسي؟

حتّى تصل إلى الانحسار العكسيّ عليك أن تحقّق واحدًا أو أكثر من المتطلّبات التّالية:

  • وسّع أرباحك من المنتج الحاليّ. والطّريقة الأفضل لتحقيق ذلك هي بوضع سياسة أسعار تقوم على زيادة السّعر بناء على زيادة الاستخدام، بالاعتماد على بعض المتغيّرات التي يتوقّع زيادتها مع الوقت. فعلى سبيل المثال عليك أن تدفع أكثر حتّى تحصل على مساحة تخزينيّة أكبر في Dropbox، وكذلك تدفع أكثر كلّما ازداد عدد المشتركين في القائمة البريديّة الخاصّة بك عندما تتعامل مع شركات التّسويق بالبريد الإلكتروني، وهكذا.
  • زد مبيعاتك للزّبائن. عبر عرض نسخة للمنتج الحاليّ تتضمّن مزايا أكثر.
  • شجّع زبائنك على شراء منتجات أو خدمات إضافيّة تتقاطع مع المنتج الحاليّ.

هل أستخدم نفس موظفي المبيعات لكل من التوسع / زيادة المبيعات / المبيعات المتقاطعة؟

عادة ما أفضّل فصل هيكليّة المبيعات sales organization في شركتي إلى صيّادين hunters يعقدون الصّفقات مع زبائن جدد، ومزارعين farmers يعملون على زيادة الأرباح من الزّبائن الحاليّين. وهناك سببان وراء ذلك:

  • التّركيز: إذا كنتُ أنا موظّفًا لديّ الخيار بين التّواصل مع زبون حاليّ لزيادة الرّبح منه، وبين أن أصل إلى زبون جديد، فبالتّأكيد سأختار الزّبون الحالي لأنّه الأسهل. وبالتّالي سيقلّ التّركيز على الزّبائن الجدد.
  • مهارات مختلفة: إنّ المهارات المطلوبة للمبيعات عن طريق التّوسّع expansion sales عادة ما تتعلّق بكيف يمكن تحقيق نجاح كبير لتجربة الزّبون مع المنتج. فالمهارات المطلوبة هنا تشمل الاستشارات، وخدمة الزّبائن، والخبرة في استخدام المنتج نفسه، أكثر من أن تكون مجرّد مهارات في المبيعات.

كيف يمكن تتبع العوامل المختلفة التي تجلب الاشتراكات

بفرض أنّ شركتك لديها طريقة للحصول على المبيعات التوسّعيّة expansion sales، فإنّ عدد الاشتراكات لديك سيعتمد على المكوّنات التّالية:

6.png

لذا فمن المنطقيّ أن نتتبّع كلّ من العوامل الثّلاثة على حدة في مخطّط بياني يشبه هذا:

7.png

متى يجب التركيز على الانحسار العكسي؟

كثير من قرّاء هذا المقال هم – على الأرجح – في بدايات شركاتهم النّاشئة، ولا أريد أن أعطيهم التّصوّر بأنّ عليهم منذ الآن التّركيز على استراتيجيّات التّسعير المعقّدة، والمنتجات المتنوّعة التي تتيح عمليّات زيادة البيع up sell و البيع بالتّقاطع cross-sell، فهذا مازال مبكّرًا على شركتك طالما أنّها ما زالت في السنتين الأولى والثّانية. إنّما الأهمّ في هذه المرحلة أن تحصل على قاعدة واسعة من الزّبائن، وهذا يعني عادة أن تكون طريقة التّسعير بسيطة حتى ولو لم تحصل على كاملة القيمة المُمكنة التي يُمكن استخراجها من العميل الواحد.

أساليب تساعدك على تقليص انحسار المشتركين churn

1. اتصل بزبائنك

إذا كنت في المراحل الأولى من حياة شركتك النّاشئة، ومعدّل الانحسار لديك كبير، فإنّ أهمّ ما يجب البدء به هو أن تتصّل بزبائنك الذين يلغون اشتراكهم لتعرف السّبب. أنصح بأن يقوم بذلك المدراء أو أصحاب الشّركة أنفسهم، فهم الوحيدون القادرون على تغيير رؤية المنتج ككلّ، أو المحدّدات الأخرى المتعلّقة بالخدمة بناء على التّغذية الرّاجعة feedback من هؤلاء الزّبائن. عادة ما ستخبرك هذه المكالمات بأنّ المنتج لا يحلّ مشكلة الزّبون، أو أنّ لديه مشكلة في استخدامه. وحلّ هذه المشاكل يكون إمّا بتغير المنتج، أو بتغيير الطّريقة التي تقدّم فيها الدّعم حول طريقة استخدامه.

2. قس تفاعل الزبائن مع المنتج

أو بكلمات أخرى: قِس مدى سعادة الزّبون، لكن بالطّبع هذا أمر من الصّعب قياسه. عوضًا عن ذلك أنا أنصح بأن تقوم بقياس تفاعل الزّبائن مع المنتج، ويمكنك القيام بذلك بإضافة بعض الأدوات للمزايا المختلفة في المشروع، والتي تصدر تقريرًا لتفاعل المستخدم ترسله إلى قاعدة البيانات الخاصّة بك. وبوضع وزنًا محدّدًا لكلّ حدث من هذه الأحداث المختلفة يمكنك أن تصل إلى تقييمٍ عامّ لمدى تفاعل الزّبون مع المنتج أو الخدمة. وهذا التّقييم الإجماليّ هو علامة هامّة تدلّك على الزّبائن الذين يستثمرون المنتج بشكل جيّد ويحصلون على نتائج جيّدة، وبالتّالي لا يرجح أن ينسحبوا قريبًا، كما تدلّك على أولئك الذين هم في خطر. والآن يمكنك أن تستخدم موظّفي الدّعم لديك وتدفعهم إلى التّواصل مع هؤلاء الأشخاص الذين يبدو أنّهم يحتاجون المساعدة، ليقدّموا لهم العون والنّصائح حول كيفيّة استثمار المنتج بشكل أمثل.

3. اعرف ما هي المزايا التي تدفع الزبون إلى التمسك بالمنتج

عانت شركة HotSpot في مراحلها الأولى من انحسارٍ شديد في المستخدمين، وذلك بسبب أنّ المنتج الأوّليّ كان يركّز على تهيئة المواقع لمحرّكات البحث SEO، وفي اللّحظة التي يصل فيها الزّبون إلى تهيئة موقعه بشكل كامل فإنّه يشعر أنّه ليس بحاجة لأن يدفع المزيد. لذلك قاموا بالبحث عن المزايا التي يمكن إضافتها لجعل الخدمة تجذب الزّبون على المدى الطّويل. إحدى الطّرق لذلك هي أن تجعل جزءًا أساسيًّا من خدمتك مرتبط إلى درجة كبيرة بأعمال يوميّة يقوم بها الزّبون، والطّريقة الأخرى هي أن تكون الخدمة نفسها مخزنًا لبيانات هامّة يحتاجها الزّبون. ففي اللّحظة التي تصبح أنت فيها من يقوم بتسجيل هذه البيانات، فسيكون من الصّعب على الزّبون أن يتحوّل عنك إلى أيّ مكان آخر.

اسأل نفسك إذا كنت تعرف المزايا التي تجعل المنتج "يعلق" stick بالزّبون، ومن خلال قياسك لتفاعل الزّبائن استكشف إذا ما كانوا يصلون فعلًا إلى هذه المزايا ويستخدمونها. وإلّا فهؤلاء الزّبائن معرّضين للاختفاء في أيّة لحظة.

4. خصص أفضل موظفيك ليتولوا مهمة الحفاظ على الزبائن الذين يتصلون لإلغاء اشتراكهم

فهناك إمكانيّة أن تنقذ زبونك الذي يوشك على الرحيل، لكنّك بحاجة إلى مهارات عالية في المبيعات حتّى تتمكّن من تحقيق ذلك.

5. حاول أن تعقد مع الزبون صفقة لمدة أطول

كل النّقاش السّابق كان يفترض أنّ الزّبائن لديك يقومون بتجديد الخدمة كلّ شهر. فإحدى الطّرق لتخفيض الانحسار هو بأن تطلب من المستخدمين أن يدفعوا مقدّمًا أجر الخدمة لعدّة أشهر تالية (ستّة أشهر أو سنة.) وهكذا ستقلّص الانحسار بأن جعلت الزّبون يلتزم مع خدمتك لفترة أطول، وبالتّالي يحصل على تجربة أطول من التّفاعل مع المنتج وتجريب جميع إمكانيّاته. لكنّ سلبيّة هذه الطّريقة أنّها ستخفّف من حجم مبيعاتك dampen sales، لذلك أفضل طريقة لمعالجة الأمر هي أن تجرّب عدّة مرّات حتّى تصل إلى الصّيغة الأمثل. كما يمكنك أن تجعل الصّفقات طويلة المدى متاحة دون أن تجعلها إجباريّة.

6. ابحث عن العوامل الأخرى التي قد ترتبط بانحسار المستخدمين

فربّما أنت تبيع الزّبائن الصّغار والكبار معًا على سبيل المثال. فعلى الأرجح ستخسر الزّبائن الصغّار أكثر من الكبار. وهذا قد يدفعك إلى أن تركّز في جهود المبيعات والتّسويق على فئة محدّدة هي التي تجلب لك الرّبح الأكبر ( مع الأخذ بعين الاعتبار CAC و LTV). لكنّك قد تجد أيضًا أنّ الزّبائن الذين يأتون من قناة معيّنة هم الأكثر عرضة لأن يلغوا اشتراكهم بعد مدّة، وفي حال حصل هذا فإمّا أنّ هؤلاء ليسوا مناسبين للمنتج، أو أنّك بحاجة لأن تُجري بعض التّعديلات على المنتج نفسه لجعله أكثر ملاءمة لاحتيجاتهم.

إدارة الانحسار أصعب عندما توجه منتجك إلى الشركات الصغيرة

السّبب في ذلك يعود إلى الشّركات الصّغيرة هي أكثر عرضة للتّوقّف، بالإضافة إلى أنّ لديها القدرة على تخفيض النّفقات بسرعة في حال لم تجري أمور العمل على ما يرام.

أضف إلى ذلك أنّه من الصّعب في هذه الحالة أيضًا أن تحصل على ما سمّيناه انحسارًا عكسيًّا، وذلك لكون الكثير من الشّركات الصغيرة لديها حدودًا واضحة لما يمكنها دفعه مقابل خدمات معيّنة.

كيف يؤثر الانحسار على قيمة الشركة Valuation

إذا كنت تعرض شركتك النّاشئة على مموّلين فلابدّ أن تتوقّع منهم أن يبدوا اهتمامًا خاصًّا لمعدّل الانحسار لدى شركتك، حتى ولو كنتَ في مراحلك الأولى، فهذا يعطيهم انطباعًا لمدى جودة المنتج وملاءمته للسّوق.

وهناك تقارير صدرت عن بنوك استثمار كبيرة تتحدّث عن العوامل التي تؤثر في قيمة شركات الخدمات البرمجية. فرغم أنّ معدّل النّمو هو العامل الأهم، فإنّهم يؤكّدون أيضًا على أنّ كلًّا من الاحتفاظ بالزّبائن retention وزيادة المبيعات upsell هما عاملان قويًّا يحتلّان المرتبة الثّانية. فالدّراسة تظهر أنّ زيادة تدريجيّة بمعدّل 2% في الاحتفاظ بالزّبائن تؤدّي إلى زيادة أرباح higher multiple بمعدّل 20% وأنّ زيادة تدريجيّة بمعدّل 2% في زيادة المبيعات upsell تؤدّي إلى زيادة أرباح بمعدّل 28%.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال: Unlocking the Path to Negative Churn لكاتبه David Skok.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن