الموظفون المخلصون والموظفون المأجورون


محمد طاهر الموسوي

تشكّل فكرة الاحتفاظ بفريق العمل والتمسّك به هاجسًا كبيرًا بالنسبة لرواد الأعمال والمؤسسين والمدراء التنفيذين على حدّ سواء، ويظهر هذا الهاجس جليًّا عندما أقترح على مدير تنفيذي فكرة تكتنفها بعض الصعوبات، إذ غالبًا ما أتلقّى إجابة سريعة مثل: "ستتسبّب هذه الفكرة في حدوث مشكلة، وقد أخسر بعض أعضاء الفريق".

django5.png

على أنّي أتفهّم سبب هذا الشعور، إذ يقضي المدير التنفيذي الكثير من الوقت في توظيف وتدريب وإدارة الفريق وتهيئته للوصول إلى مستوى جيد، ولا يمكن له أن يتخيل في تلك اللحظة - ولا أنا لأكون صادقًا معك - إمكانية أن يترك عدد من أعضاء الفريق وظائفهم دون رجعة.

ولكن كما يقول المثل: أصابع يدك ليست متشابهة، فهناك فرق تتمتع بولاء عالٍ للشركة يجعلها تتحمّل كلّ المصاعب، وتبقى خلف قائدها بثبات وإخلاص. وفي المقابل هناك فرق همّها الوحيد هو المال، ولا تجد أي حرج في ترك العمل، وقد شاهدت ذلك بنفسي، فقد ترك فريق كامل العمل في إحدى الشركات، ولكنّ العجيب في الأمر أنّ تلك الشركة استطاعت الخروج من هذا المأزق بسلام.

هناك بعض العوامل التي تحدّد مقدار ميل فرق العمل إلى أن تكون فرقًا مخلصة أو - على العكس من ذلك - باحثةً عن المال وحسب، وإليك أهمّ هذه العوامل:

1. القيادة: لا خلاف على أن الناس يميلون إلى القائد الذي يثقون به، وقيادة الفريق لا تعني إدارته، على الرغم من أنه لا يمكن قيادة الفريق في حال عدم وجود الإدارة. والقيادة من الصفات المميزة للشخص، إذ أنها تتطلب القدرة على التأثير في الناس، والقدرة العالية على التحمّل، والتواصل مع الآخرين، إلى جانب امتلاك البصيرة والقدرة على الاستماع إلى الآخرين، وحل المشاكل، والتمتع بالهدوء والثقة والأمانة والصدق. ويمكن أن يكون المؤسس قائدًا عظيمًا، ولكنّه قد يكون في المقابل مديرًا سيّئًا، وهذا يعني أنه بحاجة إلى الاعتماد على شخص آخر لإدارة الشركة، ولكنه يبقى مع ذلك قائدًا عظيمًا. القيادة هي إحدى الصفات التي نبحث عنها في الأشخاص الذين يرغبون في تأسيس الشركات، وإن شعرنا بوجود هذه الصفة لدى أحد المؤسسين الذين نتعامل معهم، فمن المؤكّد أن الآخرين سيشعرون بذلك أيضًا.

2. الرسالة الهادفة: يميل الناس بشكل كبير إلى الشّركات التي تحمل رسالة هادفة، وقد رأيت بعض الأشخاص من ذوي الخبرة والموهبة العاليتين وهم يتخلون عن عروض عمل تصل قيمتها إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما يحصلون عليه في عملهم الحالي، وذلك لأنهم يؤمنون بالعمل الذي يؤدّونه ويعتقدون بأنّ سيؤثر بشكل كبير في حياتهم وحياة الآخرين. ولهذا السبب، فإن الاستثمار في الشركات التي تحمل رسالة هادفة يمكن أن يعود بأرباح ومكاسب كبيرة، إذ تمتلك هذه الشركات أمرًا لا تمتلكه معظم الشركات، وهو تلك الرسالة الهادفة التي تدفع أعضاء الفريق إلى التماسك في الأوقات الصعبة، أو عندما يتلقّون عروضًا كبيرة ومغرية.

3. القيم والثقافة: في أحد الأيام، كتب صديقي Matt مقالة عن القيم والثقافة، فقرأت المقالة وأجبته قائلًا: "يمكن تشبيه القيم بالمنزل والثقافة بالأثاث الموجود فيه"، وقد أيّدني Matt في ذلك. يرغب الناس بالعمل في الأماكن التي تناسبهم، والشعور بالراحة في مكان العمل من الأمور المهمّة والأساسية. وكما أن المنزل الجميل الذي يحتوي على أثاث مريح يدخل السرور إلى القلب، فإن الشركة التي تتبنى قيمًا ومبادئ جيدة تدخل السرور إلى قلب من يعمل فيها.

4. الموقع: قضيت الأسبوع الفائت متجولًا في أوروبا، فزرت برلين وباريس وإسطنبول وفيينا وليوبليانا (عاصمة سلوفينيا). وما لاحظته في هذه الأماكن أن سوق المواهب فيها يختلف عن سان فرانسيسكو أو نيويورك، ففي سان فرانسيسكو ونيويورك يتعرض موظفو الشركات إلى ضغوط مستمرة للتخلي عن عملهم مقابل الحصول على مرتّبات أعلى، أو البحث عن المساواة، أو لكي يشعروا بالمزيد من الراحة أو المسؤولية، وهذا يؤدي بهم إلى أن يتحولوا في نهاية المطاف إلى موظفين يُمكن أن نصفهم بالمُرتزقة؛ ولهذا تجد أن التمسك بالفريق والاحتفاظ به من الأمور الصعبة في سان فرانسيسكو ونيويورك. ولكن إن كنت ترغب في تأسيس شركة في ليوبليانا أو وترلو أو ديموين (عاصمة ولاية آيوا) أو بطرسبرغ أو ديترويت أو إنديانا بولس فستكون أمامك فرصة أكبر بكثير لبناء فريق من الموظفين المخلصين للشركة.

إن حدوث أي خلل في العوامل آنفة الذكر سيزيد من احتمالية تحوّل فريقك من مجموعة من الموظفين المخلصين إلى مجموعة من المُرتزقة الباحثين عن الأموال فقط.

وتغيير أسلوب القيادة هو الأكثر شيوعًا بين هذه العوامل، فقد رأيت أنه في كل مرة يغادر فيها المؤسّس الشركة ويأتي مكانه مدير تنفيذيّ جديد، تحدث هجرة جماعية للموظفين الموهوبين في تلك الشركة؛ لذا يستحسن أن يكون المدير التنفيذيّ الجديد من داخل الشركة وليس من خارجها، ومع ذلك فإن هذا لا يحول دون أن يترك الموظفون الشركة في حال تغيّر المدير التنفيذي. عمومًا، تسوء الأمور أكثر في حال كان المدير التنفيذي الجديد قادمًا من خارج الشركة.

بالنسبة إلى عامل الموقع، فإن انتقال مقرّ الشركة على سبيل المثال من فيلادلفيا إلى نيويورك أو من دي موين إلى سان فرانسيسكو، قد يعني ازدياد حالات ترك الموظفين لوظائفهم، ومن المتوقع كذلك أن يتحول الموظفون المخلصون في تلك الشركة إلى موظفين مرتزقة. في الواقع هذا ديدن الأماكن المتعطشة للمواهب.

ماذا ستفعل إذًا لبناء شركة تضمّ فريقًا من موظفين مخلصين لا مرتزقة؟

أولاً: عليك أن تتقن فنّ القيادة، وإن كنت ترى في نفسك قائدًا جيدًا، فعليك أن تصبح أفضل، وإن كنت ترى أنك قائد ممتاز، فيمكنك كذلك أن تكون أفضل. احصل على التدريب الكافي في هذا المجال، واحرص - قدر استطاعتك - على أن تنمي خبراتك ومهاراتك القيادية على الدوام.

ثانياً: أسّس شركة تحمل رسالة هادفة، أو احرص على أن تؤدي شركتك عملًا ذا قيمة رفيعة. إن كان همّك الوحيد هو تحصيل الأرباح وجمع الأموال فقط، فلا تتوقع أن يكون الموظّفون في شركتك مختلفين عنك على الإطلاق.

ثالثاً: استثمر في القيم والثقافة. يمكنك الحصول على بعض النصائح الجيدة في هذا الشأن في مقالة صديقي Matt. يمكن تشبيه الأمر ببناء منزل جميل ووضع أثاث مريح فيه.

رابعاً: حاول أن تنشئ شركتك بعيدًا عن المدن المكتظّة بالشركات. صحيح أن هذه المدن هي من أفضل الأماكن لإنشاء الشركات والبحث عن المواهب والحصول على الاستثمار، ولكن في الوقت نفسه هناك الكثير من الأشخاص الذين ينافسونك في هذا المجال، والمنافسة هنا شديدة جدًّا؛ لذا إن كنت قادرًا على تجنّب ذلك فلا تردّد على الإطلاق.

هناك الكثير من الأسباب التي تدفعني إلى الشعور بأن قطاع الشركات الناشئة يواجه الكثير من العقبات، وأهم هذه الأسباب من وجهة نظري هو الزيادة المطّردة في تحول الموظفين المخلصين إلى موظفين مرتزقة في أيامنا هذه.

آمل أن تساعدك هذه المقالة في تجنب هذه المشكلة قدر الإمكان.

ترجمة - وبتصرّف - للمقال Loyalists vs Mercenaries لصاحبه Fred Wilson.

حقوق الصورة البارزة محفوظة لـ freepik



3 اشخاص أعجبوا بهذا


تفاعل الأعضاء


المقال مفيد ومافيه يمثل واقعاً

ولكن أود أن أعقب أن الشركة التي تدفع لموظفيها أجوراً لا تمكنهم من إعالة أنفسهم أو عوائلهم سيكونون من الموظفين المرتزقة مهما آمنو بالقائد والعمل والرسالة.

فإذاً نستطيع القول بأن الكلام المذكور في المقال صحيح في بيئة تُدفع أدنى الأجور فيها بحيث تناسب حاجات الموظف على الأقل.. وفي أسواقنا العربية تكون الأجور غالباً غير قادرة على تغطية نصف حاجات الموظف وفي هذه الحال لن نجد موظفاً متمسكاً بعمله بدافع الإخلاص.

1 شخص أعجب بهذا

شارك هذا التعليق


رابط هذا التعليق
شارك على الشبكات الإجتماعية


يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن