التسعير الرجوعي وسيلتك لبناء مشروع تجاري قادر على الصمود


محمد طاهر الموسوي

تنتشر المشاريع التجارية التي تقدّم خدمات مجّانية أو شبه مجّانية Freemium بشكل واسع هذه الأيام، ويقف وراء هذه المشاريع مجموعة كبيرة من روّاد الأعمال الشباب الذين يبحثون عن النجاح متبعين في ذلك خطى عدد من المشاريع التي حققت نجاحات كبيرة مثل Slack و Dropbox. ولكن ما إن يرى هؤلاء الشباب جولات التمويل الكبيرة والتقييم الذي قد يصل إلى مليارات الدولارات، حتى يقعوا في خطأ تقدير ما إذا كانت الخدمات المجانية مناسبة لمشاريعهم التجارية أم لا.

يصل عدد أعضاء فريق العمل في Wistia 40 شخصًا وهو في نمو مستمر، وقد قمنا في هذه الشركة بكل شيء "رجوعيًا Backwards" حسب المعايير المتبعة هذه الأيام. حيث بدأنا بخطة مدفوعة فقط، وخلال السنوات الثمانية الماضية، بدأنا بالتحول إلى الخطّة المجانية بشكل تدريجي.

startup-backwards-pricing.png

قد يبدو الأمر غريبًا، ولكن تقييد النمو في شركتنا من خلال عدم جعل منتجنا مجّانيًا منذ اليوم الأول كان من أفضل القرارات التي اتخذناها في الشركة على الإطلاق.

حدد قيمة المنتج بتسعيره منذ البداية

إن أول سؤال ستواجهه عندما تبدأ العمل كرائد أعمال هو: هل سيكون المنتج الذي تعمل على بنائه مفيدًا حقًّا للناس؟

إن قام أحد المستخدمين بالتسجيل للحصول على منتجك المجاني، فهذا يعني أنّه يرغب في أن يقضي القليل من الوقت في تجربة ذلك المنتج، وسيخبرك هذا القليل بشأن الفائدة التي يحقّقها.

أما في حالة المنتجات شبه المجّانية Freemium، فمن المحتمل أنّك لن تستطيع معرفة ما إذا كان المستخدم قد يرغب في أن يتحول من الخطّة المجّانية إلى الخطة المدفوعة إلا بعد عدة سنوات من التسجيل.

على سبيل المثال 98% من مستخدمي Evernote لا زالوا يستخدمون الخطّة المجّانية بعد عام كامل من التسجيل، و 2% فقط هم الذي يتحولون من الخطة المجّانية إلى الخطّة المدفوعة.

في Wistia، نستضيف مقاطع الفيديو الخاصّة بالمشاريع التجارية، وكما هو حال جميع الشركات الناشئة، لم نكن نمتلك أي دليل على أن منتجنا قادر على حلّ مشكلة واسعة الانتشار، فهناك فرق شاسع بين نقاط الألم المحتملة لدى العملاء، وبين الحل النظريّ.

وفي لقائي مع أوّل عميل قرر أن يدفع مقابل الخدمة التي نقدمها، اقترحت تقديم استضافة خاصة لمجموعة من مقاطع الفيديو الطبيّة التدريبية، ثمّ مرّرت له ورقة كُتب عليها: "الخفيف 99$ شهريًا، المتوسط 200$ شهريًا، الثقيل 400$ شهريًا" وهي عبارة عن جدول بالأسعار التي كتبتها بخط يدي قبل موعد اللقاء بساعة واحدة.

وكم كانت المفاجأة كبيرة عندما التقط العميل تلك الورقة ونظر إليها وقال: "حسنًا، سنعتمد الخطّة الأفضل".

شعرت في تلك اللحظة بالاطمئنان بأنّنا نحقق إنجازًا في هذه اللحظة، ولم يتطلّب الأمر أشهرًا أو سنوات لتتطور هذه القناعة لدى المستخدمين الذين يعتمدون الخطّة المجانية، وتمّ الأمر في لقاء واحد وقبل بناء المنتج.

امتلاك الخبرة الكبيرة لا يعني قدرة الشركة الناشئة على الصمود، بل يتطلّب ذلك التعلم بشكل سريع.

إن وجود رغبة لدى أحد الأشخاص في دفع مبلغ من المال مقابل الحصول على المنتج الذي تقدّمه، يعطي دليلًا دامغًا بأنّك أمام فرصة كبيرة لبناء مشروع تجاري.

يمكنك دائما تغيير السعر فيما بعد

يقع رواد الأعمال الشباب في خطأ شائع وهو القلق بشأن طريقة تسعير المنتج، حيث يمرّون بأوقات عصيبة في تحديد السعر المُناسب، إلى درجة يقرّرون معها توفير المُنتج بشكل مجّاني.

وهذا الأمر قد يبدو منطقيًا؛ لأنّه من الصعب أن تقنع نفسك بأي قيمة لمنتجك إن لم يقم أي شخص بدفع المال لقاء الحصول عليه.

ولن تمتلك في بداية مشروعك التجاري ما يكفيك من معلومات لتحديد سعر المنتج الخاص بك؛ لهذا يفضّل أن تطّلع على أسعار المنتجات المماثلة والمتوفّرة في السوق وسيساعدك هذا في تحديد السعر المناسب لمنتجك، ولكن لن تستطيع القيام بذلك إلا عندما تقوم بتسعير المنتج.

باختصار، السعر ليس مهمًا، بل المهمّ هو التسعير.

جرب الخطة المجانية

عندما أطلقت MailChimp خطّتها المجانية في 2009، كان عمر الشركة آنذاك 8 سنوات وقد غيّرت نماذج التسعير الخاصّة بها ستة مرّات، وحينها كان لدى القائمين على الشركة فهمّ عميق للطريقة التي سيتبعونها في تسعير خدماتهم، وللكيفية التي يتم من خلالها توزيع الخصائص على الخطط التي تقدّمها الشركة.

وبعد مرور عام على إطلاق الخطّة المجانية، ارتفع عدد العملاء المشتركين في الخطّة المدفوعة بنسبة 150% وارتفعت الأرباح بنسبة 650%.

في Wistia أطلقنا خطّتنا المجّانية بعد مرور ستة أعوام على انطلاق الشركة، وقد تحوّل عدد من العملاء الأوائل الذين كانوا يدفعون 50$ شهريًا إلى عملاء يدفعون 1000$ شهرياً. وقد أثبت لنا هذا أنّ المستخدمين يقرّرون البقاء في الموقع بمجرد أن يسجّلوا الدخول فيه، وعندما اتّخذنا قرارنا بإطلاق الخطّة المجّانية، كنّا مطمئنّين للغاية بأنّ قرارنا هذا كان صائبًا.

أول خطّة مجّانية قدّمناها للمستخدمين، كانت تقدّم استضافة مجّانية لثلاثة مقاطع فيديو، ومع أنّ العرض لا يبدو مغريًا، إلا أنّه كان كافيًا لتغيير مسار الشركة بشكل أساسي، وقد أتاح إطلاق الخطّة المجانية فرصة أكبر أمام العملاء المحتملين لتجربة المنتج الذي نقدّمه.

يصعب في كثير من الأحيان وصف المنتج الذي تقدّمه أو الترويج للفوائد التي يقدّمها دون تخصيص ميزانية كبيرة لذلك، إلا أن الخطّة المجّانية أتاحت الفرصة أمامنا للقيام بذلك وبشروطنا الخاصة.

بعد إضافة الخطّة المجّانية، أصبح المنتج متوفّرًا لشريحة أكبر من الناس، الأمر الذي ساهم في توسيع جمهور الشركة بشكل كبير. وبدأنا حينها توسيع أهداف الشركة بمساعدة الناس على إنشاء مقاطع فيديو جذّابة، وذلك لأنّنا أصبحنا قادرين على الوصول إلى عدد أكبر من المشاهدين.

ومع مرور الزمن، بدأت البيانات تتجمع بين أيدينا حول أسلوب العمل الداخلي الخاص بمشروعنا التجاري، وبدأنا نرى تحوّل المزيد من المستخدمين المسجّلين من الخطّة المجّانية إلى الخطّة المدفوعة وبشكل فاق جميع التوقعات، الأمر الذي دفعنا إلى الاطمئنان بأنّ الوقت قد حان لزيادة عدد مقاطع الفيديو التي يمكن استضافتها في الخطّة المجّانية إلى 25 مقطعًا.

عندما تعتمد الخطط شبه المجّانية منذ البداية وبشكل مباشر فهذا يعني أنّك تقوم بذلك دون أن تمتلك أدنى فكرة عن سلوكيات المستخدمين، والأمر أشبه ما يكون بتخفيض سعر المنتج بشكل كبير، وقد يشكّل ذلك كارثة بالنسبة إلى شركتك.

ولكن عندما تُحدّد الأسعار بشكل رجوعي، فإنّك تبدأ العمل بتوفير خطّة مدفوعة فقط، ثم تنتقل إلى الخطّة شبه المجّانية بعد أن تجمع القدر الكافي من المعلومات والذي يؤهّلك لاتخاذ قرارات تسعير صائبة وذكية. وبذلك، فأنت ترفع مقدار العائدات والأرباح عن طريق تخفيض كلفة اكتساب العميل Customer acquisition، وحينها ستشعر أنّ أمام عدد لا نهائيٍّ من الاحتمالات.

قيد النمو الأولي لتجمع المعلومات بشكل سريع

عندما يقرأ صاحب رأس المال المغامر كل ما سبق سيقول: "هذا جميل، ولكنه ينطبق على المشاريع التجارية الصغيرة فقط". إن كنت ترغب في بناء مشروع تجاري كبير فهذا يعني أنّه عليك توسيع نطاق تفكيرك أيضًا، وهذا يعني أيضًا اعتماد خطّة شبه مجّانية.

قد يكون صاحب رأس المال المغامر محقًّا في كلامه؛ لأنّ منتجك سيصل إلى جمهور أضيق، ولن تظهر على غلاف مجلّة Forbes بعد عام من اعتماد الخطّة المدفوعة فقط.

يقيّد التسعير الرجوعي Monetizing Backwards نمو المستخدمين في المراحل الأولى من عمر الشركة، ويقلل من فرص تحقيق النجاح بصورة سريعة، ولكن بالنسبة إلينا فقد كان النمو البطيء من أفضل الأمور التي حصلت في شركتنا على الإطلاق.

فقد اضطرّنا وجود عدد قليل من المستخدمين المشتركين في الخطّة المدفوعة على التركيز بشكل تام على متطلّباتهم، وكان اهتمامنا منصبًّا تمامًا على هؤلاء العملاء. وأنا فخور للغاية بأن عملائنا الأوائل لا زالوا مستمرين معنا بعد مرور تسع سنوات على انطلاق الشركة.

خلال فترات النمو السريع، يبدأ فريق العمل بالتعامل مع الأعداد الكبيرة من المستخدمين على أنّها مجرّد أعداد أو مجموعة من البيانات، متناسيًا أنّ هذه الأرقام تمثّل مستخدمين من البشر.

يساعد التواصل مع مجموعة صغيرة من العملاء الذي يدفعون لك مقابل ما تقدّمه في تعلم الكثير من الدروس القيمة، ويمكن لهذه المجموعة أن توجّه أفكارك لاتخاذ الخطوة القادمة، ألا وهي جعل المنتج أكثر فائدة للمستخدمين المستقبليين.

توسيع الثقافة يحتاج إلى الوقت والاهتمام

ثقافة الشركة من الأمور الجوهرية بالنسبة لأي شركة ناشئة حديثة، ويتطلب بناء ثقافة فريدة ومتينة وقادرة على الصمود وقتًا طويلًا جدًّا.

أنا أعمل في مجال استضافة مقاطع الفيديو منذ 9 سنوات، وكنت شاهدًا على بروز عدد من المنافسين في الساحة، والذين ينطلقون مستعينين برأس مال مغامر، ولكن ما يلبث هؤلاء أن يعودوا إلى الصفر لأنّهم لم يأخذوا الوقت الكافي لتأسيس الدعائم الرئيسية لثقافتهم ومشروعهم التجاري.

في 2011 كان عمر Wistia خمس سنوات، وكان عدد الموظفين فيها خمسة فقط، وكنا نفكّر في كيفية توسيع نطاق مشروعنا التجاري، وقد كان هذا السؤال مصدر رعب لأعضاء الفريق حينها، ولكنّ القيم المشتركة التي كنا نتمتع بها ساعدتنا على تخطّي هذا التحدي بل والاستمتاع في خوض غماره كل يوم، وزادت رغبتنا في العمل المشترك وتحقيق النجاح منذ ذلك الوقت.

قد تبدو الأشهر أو السنوات الأولى من إطلاق المشروع التجاري وكأنّها مئة عام، ويبذل روّاد الأعمال الغالي والنفيس في بناء الشركة، إلا أنّ إنجاز الأمور بالشكل الصحيح يتطلّب وقتًا طويلًا، طويلًا جدًّا.

كن على ثقة بأنّك تحصل على المعلومات الصحيحة وبشكل أسرع عن طريق تسعير المنتج منذ البداية، وسيكون التسعير الرجوعي حافزك الأكبر للتحرك بشكل أسرع وللشعور بالثقة مستقبلًا، حينما تكون جاهزًا لتحويل هذه المعلومات إلى واقع عملي ملموس.

ترجمة -وبتصرّف- للمقال Monetize Backwards to Build a SaaS Business That Lasts لصاحبه Chris Savage.





تفاعل الأعضاء


لا توجد أيّة تعليقات بعد



يجب أن تكون عضوًا لدينا لتتمكّن من التعليق

انشاء حساب جديد

يستغرق التسجيل بضع ثوان فقط


سجّل حسابًا جديدًا

تسجيل الدخول

تملك حسابا مسجّلا بالفعل؟


سجّل دخولك الآن